ندوة فقه التزكية الإيمانية بين كمال الوظيفة ومحاذير التوظيف
نظمت مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات، بالشراكة مع الهيئة العامة للتربية والدعوة التابعة لجماعة العدل والإحسان، ندوة علمية دولية بعنوان“فقه التزكية الإيمانية بين كمال الوظيفة ومحاذير التوظيف”، وذلك يوم الأحد فاتح ذي القعدة 1447هـ/ 19 أبريل 2026م، وقد شهدت الندوة مشاركة واسعة من علماء وباحثين قاربوا موضوع التزكية من زوايا تربوية، وسوسيولوجية، وسياسية، واقتصادية عبر نحو عشرين ورقة بحثية، موزعة على ثلاث جلسات علمية بالإضافة إلى محاضرة مركزية وجلستين افتتاحية وختامية.

الجلسة الافتتاحية والمحاضرة المركزية
بعد كلمة ترحيبية باسم فريق تنسيق أشغال الندوة للدكتور عبد الرحمن حرور، أكد الدكتور عز الدين نصيح عن الهيئة العامة للتربية والدعوة أن التزكية هي “أشرف علوم ديننا” والسبيل لسلامة القلب واستقامة السير إلى الله، وأوضح أن الندوة تهدف مما تهدف إليه إلى تحرير مفهوم التزكية من “الانحباس التاريخي” ومن هيمنة السلطان التي حجبت نور الهداية.
من جانبه، استعرض مدير مؤسسة الإمام للأبحاث والدراسات الدكتور عبد الصمد المساتي المسار الأكاديمي للمؤسسة التي أصدرت عشرات الكتب والمؤلفات ونظمت عشرات الأنشطة منذ سنة 2012، مؤكدا أن “التربية” عند الإمام ياسين هي جوهر الوجود ومدخل البناء والحركة والجهاد؛ فمتى كانت التربية متينة كان الجهاد شاملا وممكناً، قبل أن يعرض شريطا يعرف بالمؤسسة ويذكر بأهم منجزاتها العلمية .
وبعد الجلسة الافتتاحية، ألقى فضيلة الأستاذ عبد الكريم العلمي مختص وخبير في فقه التزكية، محاضرة بعنوان “السلوك إلى الله بين حاجة الفرد واحتياجات الأمة”، من خلال خمسة محاور: السلوك لغة واصطلاحا، نظرة تاريخية، لماذا السلوك إلى الله؟ كيف السلوك إلى الله؟ أين الأمة من كلّ ذلك؟ معتبرا أن موضوع “السلوك إلى الله”، فرض واجب لارتقاء المؤمن والمؤمنة من مرتبة الإسلام إلى الإيمان ثم الإحسان. ودعا إلى “رابطة ربانية نبوية” تجمع العارفين بالله لقيادة ركب الأمة وجمع شملها.
الجلسة العلمية الأولى: التزكية الإيمانية: المفهوم والخصائص
سير أشغالها أستاذ التاريخ بجامعة محمد الأول بوجدة الدكتور عبد الباسط المستعين، وتوزعت موادها بين أربع مشاركات متتالية:
استهلت بمشاركة الدكتور محماد رفيع أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بجامعة سيدي محمد بن عبد اله بفاس، في موضوع “النظرية التربوية عند جماعة العدل والإحسان”، عرض فيها أربعة مداميك، أولاها مقصدان ناظمان للعمل التربوي، وهما العدل والإحسان، وثانيها جهاز مفهومي يتكون من شبكة مفاهيم متناسقة تؤطر النظرية وتضبط معانيها، وثالثها بنية معرفية متماسكة تتكون من أصول تأسيسية وفروع تفصيلية، انجمعت في الخصال العشر، ورابعها محاذير من منزلقات تهدد العمل الإسلامي بالسطحية والخواء الروحي، وهي ثلاثة: إسلام الدروشة، وإسلام الفكر والثقافة، وإسلام الحركة دون التقى والعلم.
أما الباحثة في قضايا التصوف والفكر الأستاذة نوال المختوم فقد تناولت في ورقتها المعنونة بـ”قيمة المحبة الإيمانية في تزكية المرأة وطلبها للكمال: من التهذيب الوجداني إلى العمران الإنساني” كيفية تحرير إرادة المرأة المؤمنة عبر التزكية لتجمع بين دورها الأسري وفاعليتها المجتمعية، معتبرة أن المحبة الإيمانية تمثل قطب الرحى في التربية الإسلامية؛ فهي ليست شعوراً مخدراً للحواس عن مآسي الواقع، بل هي منطلق إبستمولوجي ومقام فاعل يحفز الإرادة ويضمن استقامة السلوك الظاهر. كما أن طموح المرأة لمسلك “طلب الكمال” الروحي يتناقض جذرياً مع الانزواء والدروشة السلبية، بل يفرض عليها التدافع المجتمعي الإيجابي الذي يصقل شخصيتها ويحول انفعالها الداخلي إلى فعل تاريخي ملموس.
ومن جهته قدم الدكتور نواف هايل تكروري رئيس رابطة علماء فلسطين في الخارج ورقته بعنوان “التربية الإيمانية ودورها في تحقيق النصر والتمكين”، مبرزا أثر التربية الإيمانية في صمود أهل غزة، مؤكداً أن بناء “الإنسان النوعي” هو الذي ردم الفجوة المادية أمام الاحتلال، وأن المسجد هو المحضن الأساس لصناعة القيادة الربانية. إذ كانت المحاضن التربوية في غزة بمثابة “مراكز الثقل” التي انطلقت منها إرادة الصمود، مما جعلها هدفاً مباشراً لعدو أدرك أن كسر السلاح يبدأ بكسر الروح التي تحمله.
وفي ختام هذه الجلسة لخص الأستاذ عبد القادر فرطوطي من خلال ورقته”التزكية الإيمانية على منهاج النبوة: حقيقتها وخصائصها” التزكية في ثلاث خصائص: الشمولية، والجماعية، والفاعلية التاريخية التي تنتج “المؤمن القائم لله الشاهد بالقسط”، ذلك أن التزكية ليست مجرد “نافلة” تربوية، بل هي وظيفة رسالية محورية اقترنت في القرآن ببعثة الأنبياء لإخراج الإنسان من الغفلة إلى اليقظة .
الجلسة العلمية الثانية: فقه التزكية: الوظائف والآثار
وقد سير أشغالها الدكتور عبد الإلاه بالقاري الباحث في علوم القرآن وأصول الفقه، وانصب النقاش في فقراتها على دلالات الوصل بين “خلاص الفرد” و”خلاص الأمة”.
حيث عالج الدكتور علي تيزنت الباحث في السوسيولوجيا في ورقة بعنوان “التربية الإيمانية وسؤال إصلاح الفرد والمجتمع” تداعيات الانكسار التاريخي على مسألة التزكية والسلوك إلى الله، مبينا أنه شكل “الجرح العميق الذي نخر جسد الأمة، والكسر العظيم الذي قسم ظهرها”، ومؤكدا أن المنهاج النبوي يقدم مشروعا لوصل ما انقطع بين التربية والسياسة في تاريخ الأمة المسلمة.
أما الدكتور زكريا السرتي الباحث في اللسانيات فقد انتقد في ورقته المعنونة بـ”التربية الإيمانية ومسارات البناء والإصلاح” غياب موضوع فقه التزكية وذكر الله في المحافل العلمية المعاصرةمن خلال ما وسمه بـ“الأكاديمية الإيمانية”، داعياً لنماذج إحسانية حية تتجاوز مجرد التنظير، حيث تنفق أموال ضخمة في التقنية بينما “لا تشم رائحة – إلا القليل – عن التوبة والاستغفار والإنابة”، مبينا على أن هذا الواقع يلقي بمسؤولية ثقيلة على العلماء لإحياء قلوب الناس بنور الوحي.
وفي ورقة بعنوان “الخلاص الفردي وخلاص الأمة من وظائف التزكية الإيمانية” عالج الدكتور أحمد الإدريسي البعد الاقتصادي والاجتماعي في فقه التزكية، موضحا أن التزكية هي “عملية تطهير النفس وتهذيبها بناء على أركان الإيمان الراسخة للوصول إلى مقام الإحسان”، وهي منطلق كل مشروع نهضوي، يجمع بين إصلاح النفس وإصلاح المجتمع. محذرا في مقابل ذلك من التوظيف السلبي للتزكية الإيمانية؛ بالانطواء وترك العمل الجماعي والتفاعل مع المجتمع.
أما رئيس تحرير مجلة المرقاة وعضو رابطة علماء فلسطين في الخارج الدكتور مجدي قويدر فقد أكد في ورقته: “التزكية الإيمانية بين خلاص الفرد والأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين” بأن “خلاص الفرد لا يتحقق إلا بالتزكية من خلال الترقي عُرجا في مدارج الدين: إسلام، إيمان، إحسان”، ذلك أن تجديد العمل الإسلامي عموما مرتبط بـ”اندراج الخلاص الفردي في الجهاد الجماعي”، حيث تمثل التزكية في جوهرها “الجسر الواصل بين الإيمان والعمران وبين الروح والجسد وبين الفرد والجماعة”.
أما الدكتور أحمد الفراك، أستاذ الفلسفة والفكر بكلية أصول الدين بجامعة عبد الملك السعدي فقد اختار عنوان “حبّ الله والحب في الله روح التزكية ومادتها” ليؤكد على أن موضوع “حب الله والحب في الله” من أجَلِّ موضوعات فقه التزكية الإيمانية الإحسانية، ومناصحة الأنفس ومكاشفة القلوب، حيث يجمع بين أرقى ما يربط المؤمن بربه وأوثق ما يربط المؤمنين فيما بينهم. فالمحبة لله والمحبة في الله من أخص مقامات الدين وأوثق عرى الإيمان وأقوى روابط العمران في الإسلام.
واختتمت الجلسة العلمية الثانية بمشاركة للباحثة الفلسطينية الدكتورة نور الحيلة بعنوان “دور المرأة الفلسطينية في بناء التربية الإيمانية وتعزيز الثبات: غزة أنموذجًا “، أبرزت فيها وظيفة المرأة التربوية في غزة بوصفها مربية للأجيال، إذ تضطلع المرأة الفلسطينية بوظائف محوريّة في بناء الوعي التربوي المقاوم، من خلال غرس الإيمان والثقة وصناعة جيلٍ رسالي قادر على الصمود وتحمل المسؤولية. وتوظف في ذلك منظومة متكاملة من الوسائل تشمل الأسرة والمسجد والتعليم والقصص والتاريخ والتراث والإعلام، بما يعزز الهوية والانتماء. كما تسهم في نقل الرواية الفلسطينية وتحصين الذاكرة الجماعية ومواجهة محاولات الطمس والتزييف. وبذلك تتحول التربية إلى قوة فاعلة في إعداد جيلٍ يحمل القضية ويواصل مسيرة الثبات والتحرير.
الجلسة الثالثة: فقه التزكية: أعلام وتحديات واستشراف
يسر أعمال هذه الجلسة الدكتور سمير زردة، وانصبت أغلب أشغالها على فقه التزكية والتحولات التاريخية والتحديات الحديثة.
فقد تناول الدكتور عبد الصمد الرضى من خلال مشاركته المعنونة بـ“فقه التزكية الإيمانية بين تحولات الماضي وإشكالات الحاضر” مسألة التحول التاريخي في فقه التزكية، من خلال رصد انفصال التزكية عن الحكم عبر التاريخ وتحولها لملاذ فردي، فضلا عن محاولات احتواء مشاريع التزكية أو تدجينها أو إقصائها. وفي مقابل ذلك، دعا إلى استعادة فقه التزكية باعتبارها مشروعا قرآنيا تكامليا لبناء الإنسان الرسالي، قائما على الجمع بين الغاية الإحسانية والغاية الاستخلافية، وتحديد المرجعية العليا بالارتباط بالنموذج النبوي الصحابي التي ترتكز على دعائم الصحبة والجماعة، والعبادة، والصدق، مع الحفاظ على البعد الجماعي للتزكية، وردّ العلوم كلها إلى وظيفتها الإيمانية والتحريرية.
أما الأستاذة سعيدة رامضي الباحثة في قضايا الأسرة والتربية، فقد تناولت في ورقتها المعنونة ب”المرأة والتزكية الإيمانية “من اكتساب الكمالات إلى الفاعلية المجتمعية” مسألة التزكية والنوع، حيث قدمت رؤية تجديدية لمشاركة المرأة، معتبرة رقتها الوجدانية “رأسمال استراتيجي” في التغيير التربوي، ومؤكدة أن كمالها الوظيفي يتحقق بانخراطها في الشأن العام.
ومن جهته انطلق الأستاذ بجامعة الزيتونة بتونس الدكتور البشير لسيود في ورقته “التزكية الإيمانيّة من خلال كتاب “أيها الولد” لأبي حامد الغزالي“، من طرح إشكاليّةٍ مركزيّةٍ تتمثّلُ في مبدأِ التزكيةِ وعلاقتها بالعلمِ النافعِ وغايةِ المعرفةِ. ومعالجتها من خلال رسالة “أيّها الولد” للغزالي والتي تقدم خارطةً حياتيّةً روحيّةً تتضمّن الغاية من العلم، وأنواع العلم، والتعليم، والتربية، وكيفيّة استثمار المعرفة، وعلاقة الدنيويّ بالآخرويّ. فتحوّلت الرسالة بذلك إلى كرّاس شروط حول بناء الإنسان، وكيف يراقب نفسه ويُربّيها ويُهذّبها، ويوفّر لها الضروريّ من الحياة، وألّا ينجرّ وراء شهواتها، وأن يكون عارفًا بأوقات عبادته ونومه وراحته، واضحًا في علاقاته الاجتماعيّة دون نفاق أو مجاملة. وهكذا تتحوّل الرسالة إلى دليل روحيّ ينقذ الفرد من التشتّت والضياع والانفصام.
أما الباحث في الفقه وأصوله الدكتور مصطفى السماحي في ورقته الموسومة ب”فقه التزكية بين الإمام أبي حامد الغزالي والإمام عبد السلام ياسين” فقد قارن بين فكر الإمام أبي حامد الغزالي وفكر الإمام عبد السلام ياسين؛ مبرزا المشتركات بينهما، معرجا على ما تتميز به نظرية كل واحد منها في التزكية ومتعلقاتها، مستنتجا أنه بينما غلب الغزالي البعد الفردي والخلوة، فقد وسع الإمام ياسين الأفق لتصبح التزكية مشروعاً جماعياً وتغييرياً (ذكر الجلوة) يرتبط في البعد الإحساني بإقامة العدل في الأرض.
أما الدكتور عز الدين حميمصة فقد حذر في ورقته “التزكية الإيمانية وتحديات الحداثة المتقدمة في الغرب “ من “الرأسمالية الرقمية” والذكاء الاصطناعي اللذين يهددان الطمأنينة الإيمانية ويحاولان انتحال وظيفة “الدليل الروحي”، مما يفرض ضرورة استعادة مركزية الإرادة الإنسانية. كما أكد على أن مستقبل التزكية الإيمانية في زمن الحداثة المتقدمة رهين بقدرتها على استيعاب التحولات دون أن تفقد جوهرها، وعلى تحويل التحديات إلى دوافع لتجديد الوسائل مع الثبات على المقاصد.

واختمت الندوة بجلسة أخيرة سيرت أشغالها الدكتورة أحلام طهري، حيث قدم فيها الدكتور حرور التوصيات العلمية، قبل أن يختم فعاليات الندوة الأستاذ عبد الهادي بلخيلية بالدعاء. وقد كان من أبرز التوصيات التي خلص إليها المشاركون:
- التأكيد على أن التربية الإيمانية الربانية هي أساس الرسالة الإسلامية للإنسانية.
- اعتبار التربية الإحسانية تجربة فردية وإسهاماً جماعياً في بناء الأمة.
- الحذر من التوظيف السياسي للتزكية بحصرها في الوعظ وفصلها عن الشأن العام.
- تفعيل وظائف المسجد بوصفه المحضن الأكبر والأساس للتربية.
- دعوة الربانيين لتأسيس رابطة ربانية عالمية لتوجيه الشباب.
- طبع أعمال الندوة العلمية في كتاب محكم لتعميم النفع العلمي.
والحمد لله رب العالمين