نحو بناء دولة إسلامية معاصرة في فكر عبد السلام ياسين

0 378

بحث علمي كتبه أ.د. محماد رفيع لبوابة ياسين نت تحت عنوان: “نحو بناء دولة إسلامية معاصرة في فكر عبد السلام ياسين” ينشر هنا في موقع مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات في ما نشر ملخص عنه في موقع ياسين نت yassine.net.

مقدمة[1]:

  لعل من أبرز القضايا الجدلية في الفكر الإسلامي المعاصر مفهوم الدولة الإسلامية المعاصرة، حيث كان مدار النقاش والجدال على مدى إمكان الوصل أو الفصل بين مفهوم الدولة في السياق التاريخي للتجربة الإسلامية، ومفهوم الدولة في السياق المعاصر، علما أن المفاهيم تتمايز بخصائصها التي تكتسبها من سياقاتها وأنساقها التي نشأت فيها، فمفهوم الدولة في السياق الغربي غيره في السياق الإسلامي، مع وجود المعاني المشتركة العابرة للصور والسياقات التاريخية، وهذا ما جعل مفهوم الدولة الإسلامية في سياقنا المعاصر يلتبس بمفهوم الدولة الدينية (الثيوقراطية) التي ظهرت في السياق الغربي المقابلة للدولة المدنية.

لعل أهمية البحث في كون الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله (ت 2012م) من أبرز من قدم رؤية مفصلة واضحة تنزيلية عن الدولة الإسلامية من المصلحين المعاصرين، من خلال مشروعه الفكري الموسوم أكاديميا ب “نظرية المنهاج النبوي”، خصوصا وأنه تميز عن غيره بنقل مفهوم الدولة الإسلامية من نسقه النظري التأصيلي إلى أجرأته وتنزيله في السياق المعاصر المشحون بالتحديات والتناقضات، عبر مراحل متدرجة متكاملة.

غير أن مشروع هذا الرجل مازال في حاجة إلى مزيد من الأبحاث العلمية الأكاديمية تحليلا وتأصيلا وتقويما، لاستكشاف ما فيه من درر في قضايا مختلفة مما يشغل قادة الفكر والعلم في الأمة، ومن جملة ما أنجز في موضوع الدولة الإسلامية أكاديميا، الأبحاث العلمية الآتية: دولة القرآن في نسق الفقه السياسي للأستاذ عبد السلام ياسين للباحث خالد العسري[2]، وله كذلك سلسلة مقالات بعنوان: جماعة المسلمين: النشأة ومسار الانحدار.. إضاءات من فكر الإمام المجتهد عبد السلام ياسين[3]، وبحث مفهوم دولة القرآن في نظرية المنهاج النبوي للباحث محمد جنايد الحداد[4]، وبحث حقوق الإنسان في دولة القرآن: المرتكزات المعرفية والمنهجية للباحث زكرياء السرتي[5]، وبحث نحو ميثاق إنساني عالمي من خلال نظرية المنهاج النبوي لعبد السلام ياسين للباحث محماد رفيع[6]، وبحث بالفرنسية بعنوان:

 L’état de droit et la bonne gouvernance selon la théorie de méthode prophétique du professeur Abdessalam Yassine du Dr Khassim Diakhaté[7]

فمدار هذه الأبحاث على التأصيل النظري للمفاهيم والمبادئ التي تتأسس عليها الدولة الإسلامية، والتحليل المنهجي للنسق الفكري الناظم لدولة القرآن عند الإمام عبد السلام ياسين، وهو ما أفادت منه هذه الدراسة، وأضافت إلى تلك الجهود البحثية ما تميزت به من تفصيل القول في المراحل الزمنية والجهود الشرطية في بناء الدولة الإسلامية المعاصرة عند الإمام ياسين.

أما مشكلة هذه الدراسة، فيمكن اختزالها في مدى إمكان الكشف العلمي عن مشروع بناء دولة إسلامية في السياق المعاصر، يكون مؤصلا وقابلا للتنزيل عند الإمام عبد السلام ياسين، وذلك من خلال نظريته في المنهاج النبوي المبثوثة في مختلف كتاباته، وعليه فإن أسئلة البحث الإجرائية نختصرها في اثنتين: ما مفهوم الدولة الإسلامية المعاصرة؟ والدعائم التي تقوم عليها؟ وما المراحل الإجرائية في هذا البناء؟ وما الأفق الاستراتيجي الإنساني لهذا البناء؟

ولعل الهدف من هذه الدراسة الإسهام في الكشف عن مشروع علمي عملي مؤصل وقابل للتنزيل عند الإمام ياسين، يمكن أن يستجيب لحاجات مجتمعات الأمة الإسلامية في واقعنا المعاصر في امتلاك دولة شرعية عادلة، كما يستجيب لحاجات الواقع الإنساني المعاصر الذي تهيمن عليه الحروب والصراعات والتوترات في العلاقات الدولية، وذلك انطلاقا من إيماني أن السعي للدفاع عن الإنسانية والإسهام في إخراجها من شقاء الصراعات وأجواء الكراهية واجب شرعي مطلوب، وقيمة إنسانية راقية.

 وهو ما اضطرني منهجيا إلى اتباع إجراءات بحثية، تتمثل في استقراء مختلف كتابات الإمام ياسين لاستخراج المطلوب في الموضوع ونظمه في سلك جملة محاور، بعد المقدمة وقبل الخاتمة، أولاها تمهيد: خصصته لبيان مصطلحات البحث ومفاهيمه المركزية، وثانيها مبحث مراحل بناء الدولة الإسلامية عند الإمام ياسين، وثالثها مبحث الأفق الحضاري والعالمي للدولة الإسلامية.

أما حدود البحث، فينحصر موضوعيا في خطوات بناء دولة إسلامية معاصرة داخل نظرية المنهاج النبوي لعبد السلام ياسين، مع إمكان المقارنة بغيره من المصلحين.

من أجل مقاربة هذا الموضوع اعتمدت منهجا يجمع بين استقراء المادة العلمية من مظانها الأصلية، ممثلة في مجموع تراث الإمام ياسين، والتبعية، متجلية في مراجع مقارنة وتحليلها وتعليل قضاياها، ومقارنتها بغيرها، وتركيب ذلك في سياق التصور العام للموضوع، وقد خلص البحث إلى جملة نتائج أهمها أن بناء دولة إسلامية معاصرة يقوم على أصول متكاملة مكينة، ومراحل زمنية وئيدة، ووسائل إجرائية مناسبة، وذلك نحو أفق استراتيجي حضاري كبير.

تمهيد: في بيان المفاهيم المركزية المؤسسة للبحث

لعل من الواجب المنهجي، ومن تمام حسن التواصل المعرفي بين الباحث وقرائه، الابتداء بالبيان للمفاهيم المركزية التي يتأسس عليها الكلام في البحث، وهي سنة منهجية عند كبار النظار من الأصوليين، أمثال أبي الوليد الباجي[8] وابن حزم، وغيرهما، فأورد، استنانا بسنتهم، بيان مفاهيم هذا البحث على النحو الآتي:

  1. الدولة الإسلامية المعاصرة

يرادف الإمام ياسين في كتاباته الدولة الإسلامية بدولة القرآن[9]، وهي عنده “دولة الشورى والعدل والإحسان”[10]، وتتأسس هذه الدولة في نظر الإمام على ثلاث دعائم: أولاهما طاعة الله ورسوله، والثانية الشورى، والثالثة وجود إرادة قوية مصممة مخلصة لله تنفذ أمر الله وأمر رسوله وتنظم الشورى وتنفذ[11]، كما يرى أن الدولة لها أهداف دنيوية بمقتضى دعامة العدل لهذه الدولة، وغايات أخروية بمقتضى دعامة الإحسان، وهو ما يميزها عن الدولة القومية والأيديولوجية، ويلخص ذلك في علاقة الدعوة بالدولة، فالدعوة عنده “روح الدولة وأصْلُها وسندها ومعناها والغاية من وجودها”[12].

ويفصل الإمام سريان روح الدعوة في مفاصل الدولة الإسلامية فيقول: “في كل مبنى من مباني دولة القرآن، وفي كل معنى، وفي كل حركة، وفي كل مؤسسة يجب أن تكون خدمة الدعوة هي الرائد والمبرر للوجود. ما التمكين في الأرض وسيلة لغاية اجتماعية اقتصادية سياسية ثم لا شيء كما هو شأن الدولة القومية أو الإديولوجية”[13].

فالدولة القومية في نظر الإمام ياسين، أرض يقطنها شعب أو تأليف شعوب رابطتها العرق أو اللغة أو المصلحة أو التاريخ، ولها سلطة على الأرض والشعب، ولها حكومة ولها اختصاص واحتكار لوسائل القمع[14].

ويرتبط مفهوم الدولة الإسلامية عند الإمام ياسين بوحدة الأمة الإسلامية، لكن على أساس من التدرج السنني، كما سيأتي بيانه لاحقا، وذلك دفعا لأي انحباس في إطار الدولة القطرية دون السعي لأفق الوحدة، فالقبول بالدولة القطرية قبول ضرورة، لأنه واقع مرحلي مفروض ما له من دافع، غير أن أفق الدولة الإسلامية لا يناسبه غير الوحدة، لأن” الدولة القطرية المسلمة وسط أساطيل الرأسمالية أشبه شيء بالفُلْكِ العتيق ناشِراً شراعه بين مدمرات نووية. فلابد للمسلمين من وحدة تمكنهم من الصمود وسط الإعصار”[15].

ويميز الإمام ياسين في موضوع الدولة بين المشروع الإسلامي التغييري والمشروع الماركسي التدميري، لأن هذا الأخير يقوم على “نظرية كسر جهاز الدولة الموروث، وعن الإفناء الجماعي يمارسه الشعب المسلح”[16]، بخلاف التصور الإسلامي الذي يرى في الدولة وسيلة معاصرة لحفظ مصالح المجتمع وحمايته من مفاسد الزمان لزم الحفاظ عليها، فهي جهاز إداري ومؤسسة تحتكر وسائل العنف المادي وآلة إنتاج وتوزيع اقتصاديين[17]، لذلك رفض الإمام “أسلوب كسر كل ما في البيت لإعادة تأثيثه يُحَمِّلُ الساكنين مؤونةً ما كان أغناهم عنها لو وُفِّقوا لاستصلاح ما كان فَسَدَ، وتنظيف ما كان تلَوَّثَ. وهذا لا يمنعُ من طرح ما لا خير يرجى منه طرحا جميلا”[18].

2) نظرية المنهاج النبوي

نقصد في هذا البحث بهذا المركب الإضافي، ما أثله عبد السلام ياسين من مشروع فكري متكامل يقترحه لتغيير واقع الأمة أفرادا وجماعة من أجل تحقيق مقصدين اثنين أحدهما إحساني وهو الارتقاء بالفرد بالتربية الإيمانية عبر مدارج الإيمان إلى مرتبة الإحسان، وثانيهما استخلافي وهو التمكين للأمة في التاريخ وسيادة الحضارة الإسلامية في العالم خدمة للبشرية[19]، وذلك من خلال نقل الأمة من الفتنة والتخلف إلى مرقاة الإيمان والتمكين، ومن واقع التجزئة إلى أفق الوحدة ومن نظام الجبر إلى دولة الخلافة الثانية، وذلك على أساس ما سماه الخصال العشر وشعب الإيمان، وهي عشر وحدات وزع عليها الإمام ياسين شعب الإيمان السبع والسبعين الواردة في الحديث برواية مسلم، وتشكل هذه الخصال المنظمة وفق خطة تربوية تنظيمية جهادية، لبنات مشروع نظرية المنهاج النبوي[20]، وذلك من أجل تحقيق المقصدين السابقين: الاستخلاف والإحسان.

  وفي الجملة فنظرية المنهاج النبوي تشكل عصارة تجربة واجتهاد الإمام ياسين عبر سنين عددا قضاها وهو يقلب النظر ويفحص بلغات متعددة، مختلف النظريات الفكرية والفلسفية والعلوم المعرفية والتجارب البشرية والمعارف الإسلامية وتاريخ الحركات الإسلامية، وغيرها من المصادر المتعددة والمتنوعة لنظرية المنهاج النبوي[21].

2)عبد السلام ياسين[22]:

هو عبد السلام بن محمد بن سلام بن عبد الله بن إبراهيم ولد (1347ه) الموافق لـ 1928م، تخرج في معهد ابن يوسف الذي كان يدرس فيه كبار علماء المغرب، بعد أربع سنوات من الدراسة، عمل في سلك التعليم لمدة 20 سنة تدرج خلالها في مجموعة من المناصب التربوية والإدارية العالية، ومثل خلالها المغرب في عدد من الملتقيات البيداغوجية الدولية.

صدر له من مؤلفات ما يربو عن الأربعين في قضايا متنوعة مع وحدة الموضوع، من أمهات كتبه المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، وكتاب تنوير المؤمنات وكتاب الإحسان وكتاب العدل وكتاب نظرات في الفقه والتاريخ، وكتاب الخلافة والملك، وكتاب الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، وكتاب الإسلام والقومية العلمانية، وكتاب رجال القومة والإصلاح، وكتب أخرى منها ما هو في قضايا فكرية وسياسية، ومنها ما هو في قضايا فلسفية، ومنها ما هو جملة كتب تنظيرية مندرجة تحت دولة القرآن، ومنها دواوين شعرية، نظمت مؤتمرات دولية عدة في نظرية المنهاج النبوي بلغات مخلفة، أهمها: العربية والإنجليزية والفرنسية، منها ما نظم في حياة الإمام، ومنها  ما عقد بعد وفاته رحمه الله دجنبر من سنة 2012م.

المبحث الأول: مراحل بناء الدولة الإسلامية عند الإمام عبد السلام ياسين

  سلك الإمام ياسين في بناء الدولة الإسلامية في السياق المعاصر مسلكا استراتيجيا مرتبا وفق مراحل متدرجة ومتكاملة، تتدرج صعودا من التنزيل المحلي إلى الإقليمي إلى التفاعل العالمي، وذلك على النحو الآتي:

المطلب الأول: البناء القطري للدولة الإسلامية

  إذا كان واقع الأمة تم تجزيئه مرتين: الأولى بتجزئة الوطن الإسلامي وفق معاهدة “سايس بيكو” الاستعمارية إلى دويلات قطرية، والثانية: تجزئتها داخل تلك الأقطار بالأيديولوجيات والإثنيات والطائفية والمذهبية وغيرها من التناقضات، فإن إعادة بناء هذه الأمة في صيغة مجتمعات موحدة داخل أقطار التجزئة من خلال توافق وتحالف مجتمعي مطلب شرطي لازم للبناء الدستوري للمجتمع، وبدونه يتعذر البناء المطلوب للدولة وتضيع الحقوق الكبرى للجميع لأن “الإنسان الواحد وحدَه لا يستقلُّ بجميع حاجاته بل لا بدَّ من التعاون ولا تعاونَ إلاَّ بالتَّعارف”[23].

  من أجل تحقيق ذلك المطلب الشرطي، يقدم الإمام ياسين فكرة الميثاق الجامع حلا عمليا يروم تحقيق مقاصد عملية ويستند إلى قواعد موجهة.

   الفرع الأول: مقاصد الميثاق الوطني

من المقاصد العملية التي ينبغي تحقيقها من الميثاق في نظر الإمام:بناء تحالف مجتمعي داخلي: من خلال صياغة دستور جامع تقترحه على الأمة جمعية منتخبة، ليكون ذلك منطلقا وتمهيدا لحركية جديدة تتصدى لحل المشاكل الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحضارية المستفحلة[24]، وعلى رأس هذه المشاكل الجمع بين طوائف المجتمع ومذاهبه وإثنياته[25] في سلك هذا الدستور الجامع، للانتقال من حالة التمزق المجتمعي إلى حالة الائتلاف والالتئام، يقول الإمام ياسين: “لأن الانتقال من مجتمع متمزق الأطراف إلى مجتمع متصالح مع ذاته يتطلب توافقاً يلتف حوله الشعب المسلم بأكمله”[26].

  فواقع الاختلاف داخل مكونات المجتمع لا ينفي إمكان الائتلاف على المشترك الجامع إذا ما أحسن تدبيره بمعيار الشريعة نصا ومقصدا[27]، فموجبات الائتلاف بين مكونات المجتمع المختلفة عديدة، ومنها ما ذكره ابن تيمية حين قال: “كل اجتماع في العالم لا بد فيه من التحالف، وهو الاتفاق والتعاقد على ذلك… فإن بني آدم لا يمكن عيشهم إلا بما يشتركون فيه من جلب منفعتهم ودفع مضرتهم، فاتفاقهم على ذلك هو التعاقد والتحالف”[28].

فللتعاون والتحالف مع المخالف الوطني في جلب العدل ودرء الظلم شواهد كثيرة تفصيلية وإجمالية كلية، نذكر منها[29]: عموم قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى[30]، وهو أمر لجميع الخلق أن يعين بعضهم بعضا على البر والتقوى، كما ذهب إلى ذلك القرطبي[31]، فتقتضي الآية هنا وجوب التعاون والتعاضد على كل ما فيه مصلحة مشروعة تحت مسمى البر، وأولى البر الواجب التعاون عليه بين المؤالفين والمخالفين في هذا الزمان مقاومة أم المفاسد وأصل البلاء وهو الاستبداد وقرينه الفساد[32].

ولولا تعاون النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة مع المخالفين من اليهود والنصارى والمنافقين في بناء مجتمع تعددي موحد بالمدينة على قاعدة وثيقة دستورية تضمن الحقوق الأساسية للجميع، ما أمكن الوصول إلى نتيجة بناء دولة من مجتمع تعددي تحكمه العدالة في كل شيء[33].

فإذا كان بعض التيارات الإسلامية ذات التوجه الظاهري ينفرون من أي تقارب أو تحالف مع المخالف العلماني واليساري والديني، استنادا إلى ما عليه القوم في نظرهم من الكفر والإلحاد وترك الصلاة والصيام وغيرها من شعائر الإسلام، وهو ما يقتضي بغض ما هم عليه وعدم الركون إليهم، فمستندهم لا ينهض دليلا معتبرا يمنع التعاون مع المخالف اليساري وغيره، كما لا يقوى على نقض الأدلة الكلية والتفصيلية السابقة التي تشهد بالاعتبار للتعاون مع المخالف في القضايا المشروعة المندرجة تحت مسمى البر الذي أمرنا بالتعاون عليه، أما من الناحية التنزيلية فالأصل المعتمد في تحديد وترتيب موضوع التعاون مع المخالف في الزمان والمكان هو النظر المصلحي الذي يقدر وجود المصلحة من عدمه في التعاون مع المخالف يساريا كان أو نصرانيا أو غيره.

ويرى الإمام أن الوسيلة العملية في تحقيق مقصد التحالف المجتمعي تنظيم حوار مجتمعي صريح وعلني “يشارك فيه كل حزب سياسي، وكل جزء من المجتمع المدني المتكوِّن، وكل صوت أُخرِسَ أيام تسلط التدجين السياسي، ليعبر الجميع عن رأيه دون إقصاء ودون وسوسة سرية متآمرة. يجب أن نعرض على أنظار الشعب المترقب أسرار الخيانة التاريخية التي سلبتنا مواردنا الخلقية والمادية وأطلقت العنان للارتشاء الذي أصبح أسلوبا طبيعيا يسير حياة الإداريين الفاسدين، المدمنين على كل أنواع الاختلاس والموبقات”[34].

ومن الوسائل العملية الأخرى التي يرى الإمام لزومها في تحقيق مقصد التحالف المجتمعي إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق قواعد العدالة والنزاهة، فإقامة العدل في الحكم والقضاء وفي توزيع الثروة ونفي الظلم بجميع صوره ومطاردة الظالمين ومحاسبة الفاسدين ومحاكمة المستبدين وهو ما لا يطبق إلا بالتعاضد والتعاون بين مكونات المجتمع، وتأجيل كل خلاف إلى ما بعد إقامة هذا الركن الركين للحياة الإنسانية، لأن الخلاف لا تحسن إدارته إلا في أجواء العدالة ودولة القانون الضامنة لحقوق المواطنين، وهي الضمانة لتحقيق شرط الاستقرار المجتمعي، يقول الإمام ياسين: “شرطان ضروريان لضمان الاستقرار الاجتماعي في دولة القانون، هما العمل والحق المضمون لكل فرد. لذا لا بد لأمة الإيمان أن تُؤَمِّنَ الحد الأدنى من العدل حتى لا يتضرر أحد، وحتى يتمكن كل فرد من المساهمة بكل اطمئنان في الجهد المشترك. فالظلم الذي سلط علينا من الخارج ليس سوى العقاب العادل للظلم الذي يمارسه بعضنا على بعض”[35].

 الفرع الثاني: قواعد مؤمنة للميثاق الوطني:

يحتاج الميثاق الوطني في تحقيق مقاصده إلى إرسائه على قواعد مكينة، تضمن ديمومته وثباته، نذكر منها:

  1. قاعدة الحرية والاستقلال:

يحتاج الانجماع على قاعدة الميثاق الوطني إلى التحرر من كل ضغط، والاستقلال عن أي تأثير داخلي أو خارجي من أجل تنفيذ آمن لبنود الميثاق، لأنه كما قال الإمام ياسين: “لا يمكن لبنياننا أن يكون راسخا إذا ما أسس على جُرُف الانحراف الهاري، لن نكون سوى نسخ باهتة للآخرين، نسخ جوفاء ميتة، إذا ما تمادينا في استيراد أفكار الآخرين وقيمهم دون تمحيص.”[36].

ومعلوم أن موجب القول بالميثاق الوطني أصلا هو الحاجة إلى الحرية، والحرية فطرة الإنسان فطر عليها، بحيث لا تكتمل إنسانية الإنسان إلا بها، فهي “حق للبشر على الجملة، لأن الله لما خلق للإنسان العقل والإرادة وأودع فيه القدرة على العمل فقد أكن فيه حقيقة الحرية وخوله استخدامها بالإذن التكويني المستقر في الخلقة”[37]، كما أن للحرية وجهها التشريعي الخلقي، وهو ما قصده علال الفاسي حين قال: “الحريَّة جعلٌ قانوني وليس حقاً طبيعياً، فما كان الإنسان ليصل إلى حريته لولا نزول الوحي، وأنَّ الإنسان لم يُخْلَق حراً، وإنَّما ليكون حراً”[38]، وهو ما سماه راشد الغنوشي ممارسة المسؤولية ممارسة إيجابية[39].

غير أن سمو قيمة الحرية وضرورتها للإنسان في الوعي الجمعي لمجتمعاتنا تضاءل وكاد ينمحي لطول ما أذلهم الاستبداد وسامهم سوء العذاب، وهو ما يقتضي إعادة تربية المجتمع بتجديد وعيه بذاته وحاجته إلى الحرية، وقد نبه الإمام ياسين إلى خطورة هذا العائق حين قال: “لو كنا أسودا لما قبِلْنَا بغير الحرية بديلا. لكنَّ طباع النعاج فينا، وبلادتها، وخضوعها، أهَّلَتْنَا أن نُخَوَّفَ بالعصا فنخافَ، وأن نُقادَ فننقادَ، لا نَسْألُ عن الوِجهة والهدفِ، وأن تُجَزَّ أصوافُنا، وتُجْزَرَ ذواتُنا”[40].

ولزوم مبدأ الحرية والاستقلال في تأسيس الميثاق وتنفيذه سبيل ممهد لاستعادةكرامة الإنسان التي انتهكت وتنتهك يوميا بمنتهى الوقاحة في أوطان المسلمين، خصوصا وأن لنا من الدروس والمبادئ في سيرة نبينا عليه السلام بمكة والمدينة ما يعيننا في مد الجسور على قاعدة المواطنة والمروءة بين أهلنا داخل الوطن الواحد كما يرى الإمام[41].

  • قاعدة الغيرة الوطنية الصادقة

يرى الإمام ياسين أن مما يعين على إنجاح فكرة الميثاق الوطني المؤسس للدولة أن تتعاون جميع الأطراف على قاعدة الغيرة الوطنية[42] الصادقة التي تجعل الجميع يحرص على خدمة الوطن وحمايته من أي اعتداء أو اجتزاء[43]، يقول الإمام ياسين: “على أرضية الإخلاص للوطن، والوفاء له، والاعتزاز بخدمته يمكن أن نمد جسورا للتعامل والتعاون مع ذوي المروآت والكفاآت، وأن نتحالَف معهم ونتعاهد. ذلك ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة مع المشركين في زمان الجاهلية فيما سمِّيَ “حلف الفضول”[44].

  • قاعدة التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر

ثنائية التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر تقررت في الشريعة فريضة ماضية إلى يوم القيامة، قال الجويني: “الشرع من مفتتحه إلى مختتمه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر…يثبت لكافة المسلمين إذا قدموا على ثبت وبصيرة”[45]، وهي الوسيلة التي تراقب بها الأمة أحوالها من أجل استصلاحها لأن “صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”[46]، ويعرف الإمام ياسين ثنائية التآمر والتناهي بقوله: “ما التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر إلا اليقظة العامة، والوعي العام، والمشاركة العامة في الحياة العامة. وهذا هو لب السياسة.”[47]، كما يرى الإمام أن تأمين هذا الحق في الاعتراض يمكن عموم المواطنين من المشاركة الإيجابية في الحياة العامة[48].

ومن شأن هذه القاعدة أن تشيع الحيوية واليقظة العامة في القاعدة الجماهيرية للميثاق الوطني، وإلا فإن تعطيل هذه الفريضة في نظر الإماميفتح الباب واسعا للاستبداد والفساد[49] وما يتناسل منهما من أوبئة[50]، تتحول معها جماهير المواطنين إلى”رعية تابعة للحاكم، ساكتة، تنتظر ببلادة ما يقترحه “العبقري” على هرم السلطة، وما يأمر، وما يختار، وما به يجود[51].

المطلب الثاني: مرحلة البناء الإقليمي للدولة عند الإمام عبد السلام ياسين

مرحلة البناء الإقليمي للدولة عند الإمام ياسين،هذه المرحلة التي تلي مرحلة البناء القطري المحلي، وذلك بإقامة ما يسميه الإمام “ميثاق جماعة المسلمين”[52]، وهو توحيد الأمة الإسلامية على قواعد: العدل والإحسان والشورى في ظل الولاية والمشاركة في التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، وذلك وفق الشروط الآتية[53]:

الفرع الأول: شروط الميثاق الإقليمي

إن مطلب السعي لتوحيد الأمة من شتاتها الطائفي والفكري والسياسي والجغرافي في نظر الإمام ياسين قربة جليلة إلى الله تعالى، يقول: “ما يرجح ميزان العبد المتقرب إلى الله عز وجل الموالي لأوليائه المعادي لأعدائه إن لم يكمِّل سلوكه بالسعي الجاد في ترجيح وحدة الأمة على شتاتها وترجيح جمعها على فرقتها”[54]، غير أن تحقيق هذا المسعى الحضاري التاريخي للأمة يتوقف على جملة شروط: وهي جملة المبادئ التي قامت عليها وحدة الأمة أصالة زمن النبوة والخلافة الراشدة، وعليها يتأسس التوحيد المطلوب استئنافه في هذا الزمان وما تلاه بمنه تعالى وفضله.

  1. النظام السياسي الشوري:

إن توحيد الأمة على الصورة الحضارية المطلوبة شرعا التي تجعل الأمة قادرة على أداء وظيفتها الاستخلافية في الأرض، والتمكين لدين الله في العالمين لا يتأتى إلا في إطار نظام سياسي قائم على أصل الشورى تأسيسا وتدبيرا، بحيث يضمن إقامة العدل وإشاعة الإحسان في الأمة، ويضع الحد لوباء الاستبداد والوراثة في الحكم الذي جلب الفساد والدمار في مجتمعات الأمة منذ قرون، يقول الإمام ياسين: “ننظر من أعلى لنتبين أهمية الوحدة التي لا تمكن إلا بالحكم الشوري الضامن وحده أن يسود العدل والإحسان”[55].

  والأمة إنما توحدت حقيقة ضمن إطار نظام سياسي مؤسس على ثلاثة أصول:  الشورى والعدل  والإحسان طوال مرحلتي النبوة والخلافة الراشدة، وبدأت هذه الوحدة في التشتت منذ فاجعة الانقلاب الأموي  على الحكم الشوري، وتحويله إلى نظام وراثي عشائري يقوم على حد السيف، ولذلك تعين أن يكون المدخل الصحيح  لتوحيد الأمة شريعة الشورى والعدل والإحسان، كما كان الأمر في الابتداء، يقول الإمام: “إن شريعة الله عز وجل الخالدة بها صَلُح أمر الخلافَة الأولى، وبها يصلُح مشروعُنا وإن العمرانَ الأخوي، وهو مطلَبُنا الاجتماعي السياسي، على مَهْيعِ تحقيقه تتوحد الأمة، وبحافز ضرورة التوحيد تجتمع جهود القومة “[56].

  والأمة حين أبدعت في إشاعة قيم العدل والحرية والسلام في العالمين في ظرف تاريخي قياسي لا يتجاوز ثلاثين سنة، إنما كان ذلك على أساس توحد الأمة على الشورى والولاية العامة بين المسلمين، يقول الإمام: “تسوقُ الوَلايَةُ والشورى الأشتات القطرية إلى الوحدة”[57]، فليست الشورى مجرد مسطرة تدبيرية للشأن العام وإنما هي إطار حضاري قيمي يعكس الإرادة الجماعية للأمة، وقد شبه الإمام موقع الشورى في الأمة بــ”الجسم الذي تتجلى فيه إرادة الأمة ووحدتها واستقرارها “[58].

  ويدفع الإمام ياسين كل توهم أن النظام السياسي الشوري الجامع للأمة نظام أحادي حديدي، وإنما هو نظام مؤسس ابتداء على الولاية والمشاركة في التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، من حيث هي رقابة دائمة لتدبير الشأن العام، يقول الإمام: “فميثاق جماعة المسلمين من عهده أن ينص على حق المعارض من داخل أو خارج. علما أن المعارض الذي يكشف الحقائق، ويظهر المخفي، ويفضح الخبايا من الرذائل يسدي للأمة خدمة جليلة، حتى ولو كان خارج الدائرة.”[59].

  ويذهب الإمام ياسين بعيدا في التصوير الواقعي لهذا الاجتماع السياسي على أساس ميثاق الأمة، حين   يقدمه اجتماعا توافقيا متنوعا في رؤاه ومتعددا في مذاهبه السياسية، يقول الإمام: “ميثاق جماعة المسلمين لن يكون غلا في الأعناق يلزم أحدا ما لا يحب أن يلتزم به، بل هو اختيار ضروري ترسم به الطبقة السياسية الواعية المتصارعة مواقعها، وتعرف باستراتيجيتها داخل أو خارج المشروع الإسلامي.”[60].

  • البناء التربوي والسعي الجهادي:

يقدر الإمام ياسين مطلب التوحيد حق قدره، فيلح على أن تكون انطلاقة السعي إلى تحقيق هذا المطلب على الأساس التربوي الإيماني الذي ينبت القدرة على التحمل والصبر جهادا إلى نهاية التوحيدّ بعيدا عن أسلوب    العنف[61] يقول الإمام في تقرير المنطلق التربوي للتوحيد: “لن نستعيد الوحدة الضائعة، ولا الشوكة المخضودة المكسورة، ولا الشورى ولا العدل إن لم نُعِدْ تربية أنفسنا على الإيمان والإحسان”[62].

وموجب الربط بين التربية الإيمانية والتعبئة الجهادية أمران: أحدهما التأسي بخطوات النبي صلى الله عليه وسلم في توحيد الأمة في ابتداء أمرها، وهي الخطوات التي لم ينفك فيها الجانب التربوي عن الجانب الجهادي، والثاني استفحال داء الغثائية وكارثة التفتت في الأمة، يقول الإمام مؤكدا هذا الموجب”إنما نبرأ من المرض المتوغل ونتحرر من الحمل القاصم للظهور باليقظة الإيمانية والهبة الإحسانية والتعبئة الجهادية. ومع يقظتنا وهبتنا إلى الجهاد نحتاج إلى الاستفادة من تجارب تاريخنا وإلى عرض ما نتج عن أوزار الماضي وسلبياته نستخرج منه دروسا إيجابية لتاريخ مستأنف”[63].

 ومن أجل التعويل على هذا المسلك في استئناف توحيد الأمة في هذا الزمان، ألفينا الإمام ياسين يوصي الإسلاميين” الغادين إلى سدة الحكم أن يُحِلُّوا الجهاد مكانته العزيزة،وأن يحرثوا في أرض الإيمان عند الخاصة والعامة عقيدة التوحيد، لُحمتها وسداها المحبة الأخوية والعدل والبذل، وحصنُها اللازم الضروري قوة الجهاد”[64].

فبهذا الترابط بين التربية الإيمانية والتعبئة الجهادية في التماس توحيد الأمة نكون قد أنجزنا بعبارة الإمام  واجبا مقدسا “وحركة ضرورية لتعبئة الشعوب المسلمة حتى تتبنى مشروع التوحيد وتتجاوز يوما ما ضيق محابس الدولة القومية”[65]، غير أن هذا المسلك وإن بدا عسيرا وطويل المدى لكنه أصيل المضمون ومحمود النتائج، وهذا ما نبه إليه الإمام حين قال: “فإذا قلنا بضرورة اليقظة الإيمانية والهبة الإحسانية والتعبئة الجهادية فإننا لا نتصور مراحل يتهيأ فيها لجند الله هدوء الخلوة وصفاء العشرة وحلاوة الأخوة بعيدا عن ضوضاء الأحداث، خارج التاريخ الصاخب”[66]، بل إن السعي الجهادي الإيماني إلى تحقيق مشروع توحيد الأمة من شتاتها يقتضي في منظور الإمام “دخول المعمعة، واقتحام العقبة، ومخالطة المجتمع، وخوض غمار الجهاد والمجتمع مفتون سادر في خموله أو هيجانه، والأفكار في تفاعل، والاتجاهات السياسية في تصارع، والتخلف الصناعي والعلمي والاقتصادي ضارب أطنابه، وحكام الجور في كيد يكيدون، ومن خارج رحى الجاهلية تطحن”[67].

وإنجاز هذا المشروع وسط تلك التحديات يقتضي التحلي بأعلى درجة من الصبر وطول النفس وعدم استعجال الوفاق عملا بأصل التدرج الواجب اعتماده في معالجة موضوع من حجم توحيد الأمة التي بدأ مسلسل تمزيقها منذ قرون، يقول الإمام ياسين: “لا ينبغي أن نؤجل الحوار، ولا أن نستعجل الوفاق، ولا أن نيأس لما نراه خلفنا من أهوال تاريخية. فإن تحولنا عن المواقف العاطفية، وعمقنا معاني الرحمة الأخوية الجامعة، فعسى يأذن الله جلت قدرته برجوع المياه إلى المجرى الأول”[68].

نظم الاختلاف في سلك الائتلاف:

  إن الحديث عن التوحيد يقتضي لزوما تدبير واقع الاختلاف الحاصل في الأمة منذ قرون، وذلك بتوسيع وتنمية دائرة الائتلاف حتى تنتظم قضايا الاختلاف، ومن أجل ذلك دعا الإمام ياسين في بداية مسلك التوحيد إلى بناء المرجعية الأصولية المشتركة وتجاوز الكثير من تفاصيل الخلاف ضرورة، حيث يقول: “إن وحدة الأمة إنما تـتاح بالرجوع إلى أصولها الثابتة بالكف عن تغذية ذكريات المآسي وشرحها إلا بمقدار ما تحصل العبرة. وإن الإغضاء الكريم عن فروع الخلاف ضروري ليتسنى لنا الحفاظ على ما يجمعنا.”[69]، لأن اعتماد الخلاف أصلا بين فرقاء الأمة يقلل من دائرة الائتلاف الذي هو الأصل ويزيد المفتت تفتيتا، وهو ما يناقض مقتضى الوحدة، يقول الإمام: “إن تأسيس مستقبل الوحدة لا يمكن أن يعتمد خلافا مذهبيا يُتخذ بمثابة الأصل. وإلا حكمنا على أنفسنا بسرمدية الخلاف والانشقاق، إن لم نزد الانكسار التاريخي تفتـتا بما يستجد من مواقف متـناقضة بين أعضاء أمة”[70].

  وجل الخلاف الحاصل بين الأمة ليس في أصول العقيدة كالتوحيد والنبوة والمعاد، ولا في أصول الشريعة  من صلاة وصوم وزكاة وحج وغيرها، وإن ادعت بعض الطوائف أنها من الأصول، فتوحيد النظرة بعد حين على  مستوى الأصول والكليات يمكن أن يتحقق بمد جسور التعاون الفعلي الصادق[71]، مع الإبقاء على مساحة واسعة من الخلاف المذهبي الذي يصبح بمقتضى الائتلاف على مستوى الأصول الكبرى غناء فكريا وتنوعا اجتهاديا،   قال أبو زهرة: “لسنا نقصد محق الطائفية وإدماج المذاهب الإسلامية في مذهب واحد، فإن ذلك لا يصلح أن يكون عملا علميا ذا فائدة يحمده العلماء، لأن كل مذهب مجموعة من المعلومات أقيمت على مناهج تتجه في مجموعها إلى النصوص الإسلامية والبناء عليها، وهي ثمرات جهود لأكابر العلماء، وكل إدماج فيه إفناء، وليس من المصلحة العلمية في شيء إفناء أي أثر فكري مهما يكن نوعه، فلا مصلحة في إفناء ثمرات تلك الجهود التي قامت في ظل القرآن والسنة الصحيحة الثابتة.”.[72]

الوعي الإيجابي بعلل التفرق وموانع التوحد:

  لا يستقيم الحديث عن توحيد الأمة وإخراجها من واقع التشتت والتجزئة ما لم يتم ذلك على أساس من التبصر العميق بالعلل التاريخية المنشئة لداء التمزق في الأمة، وعوائق جهود التوحيد في الواقع المعاصر، وبذلك يتم وضع الخطط الصحيحة الناضجة لجهود توحيد الأمة، يقول الإمام ياسين: “نحتاج إلى الاستفادة من تجارب تاريخنا وإلى عرض ما نتج عن أوزار الماضي وسلبياته نستخرج منه دروسا إيجابية لتاريخ مستأنف”[73].

الوعي بمنشأ الخلاف وعوامل إدامته

  وفي مراجعتنا لتاريخ التفرق في الأمة وجب التمييز بين منشأ الخلاف ومنطلقه وبين عوامل استمراره وإذكائه، يقول الإمام ياسين في بيان منشأ التمزق وتطوره: “نقضت وحدة الأمة بانتقاض الحكم. وضعف الإسلام التاريخي بنيةً منذ انفكَّت تلك العروة. وكل ما نشأ من حروب داخلية بين المسلمين، ومن فتن مذهبية، ومن مروق وزندقة، ومن انحراف في العقيدة وثورة وعنف فإنما مرده بعد تعميق النظر إلى ذلك الانفصام الأول.”[74]

  وقد تمخض عن تلك الفتن المدلهمات التي ابتليت بها الأمة نشوء هيجان عاطفي عمق جرح التمزق وحال دون الوحدة، يقول الإمام ياسين: “نعالج مرضا واحدا، هو مرض الهيجان العاطفي الذي فتك بوحدة الأمة ولا يزال يفتك”[75].

الوعي بواقع التجزئة الموروث

  إن طموح التوحيد وجهوده يصطدم بما عليه الأمة من واقع التجزئة الموروثة التي تَنَزَّلَ عليها التقطيع الاستعماري، وتولد عن ذلك التشرذم المتفاقم[76]، مما يجعل المسكونين بهم توحيد الأمة يتساءلون بحق:” من يقود دويلات التجزئة؟ من يُموِّلهم ويسلحهم؟ ما بال الأهوال الجسام تقرب شعوب الأرض لتتعاون، وتباعد بين المسلمين الحاصلين في قبضة الحكم المستبد الأناني، وقبضة الدعاة المفرقة المخربة، وقبضة الأمية السياسية، والأمية التاريخية، والأمية الأمية؟”[77]، وهذا ما ينبغي فهمه في سياق الترابط الجدلي بين المقدمات ونتائجها والعلل ومعلولاتها في تاريخ الأمم، وأن الأمة الإسلامية ليست بدعا من تلك الأمم في سياق هذا القانون الكوني.

الوعي بالكراهية الطائفية

  من عوائق مشروع التوحيد التي يتوجب دفعها جملة تمثلات وتصورات سلبية تؤطر العلاقة بين طوائف الأمة، حيث نشأت كل طائفة على تمثلات الكراهية تجاه نظيرتها، ودرجت عليها سنين عددا وغذتها صراعات وحروب تاريخية وأحقاد، وترجم بعضهم ذلك في كتب تؤسس للحقد الطائفي دون تحقيق علمي، يقول الإمام ياسين: “أهل السنة والجماعة طوائف منهم من يُسيء الظن بكل ما سُمِّيَ شيعة ويُفيض كراهيته على الصوفية   لِمَا عَرَفَ من حب الأولياء الشديد لآل البيت. وإنك لتقرأ المطوَّلات من الكتب في صلة التشيع بالتصوف وصلتهما بالباطنية. وما هو إلا خَرْصٌ ورَهْصٌ”[78].

تحكيم المرجعية المشتركة وتصحيح الأخطاء

لعل الواجب العاجل تصحيح جملة من التصورات ودفع الكثير من التمثلات بين مكونات الأمة، من منطلق علمي يستند إلى أصول الشريعة ومقاصدها الجامعة لأطراف الأمة وطوائفها ومذاهبها كالقرآن ومحبة آل البيت، يقول الإمام ياسين: “نلتفت فنجد الأمر القرآني بوحدة الأمة، فيتعين علينا أن نلتمس جسورا لِلَمِّ شَعَثِ المسلمين من شيعة وسنة، وليس من جسر أشرف ولا أطهر ولا أمتن من محبة آل البيت والوفاء لآل البيت، السلام على آل البيت ورحمة الله تعالى وبركاته”[79].

  ومن أوجه التصحيح لجم العقليات المقلدة التي تشربت الحقد الطائفي وما زالت تنفثه في الأمة في تناقض صارخ مع مطلوب القرآن ومقصود السنة، وقد ألفينا الإمام ياسين يستنكر بحرقة فعل العقلية المقلدة في تمزيق الأمة حين قال: “يا من يقرأ القرآن بعقل يعقل عن الله لا بذهنية تقلد، بقلب يخشى الله ولا يخشى الناس، كيف تفرق بين شطري الأمة سنة وشيعة طائفة ممن لا يعقلون وأنت ساكت؟ كيف ترى نباشي الخلافيات سفلة القراء يعيثون فسادا وتلزم الحياد؟”[80].

التوحيد مطلب الأمة أفرادا وجماعة:

  المطلوب في إنجاز مشروع التوحيد أن يتحول من مجرد شعار إلى ثقافة إيمانية مبدئية عامة بين أفراد الأمة، بحيث يتحول مطلب التوحيد إلى حاجة فردية وجماعية في الأمن الاجتماعي من غوائل الظلم والاستكبار، يقول   الإمام ياسين في ربط مصلحة الفرد بوحدة أمته: “وحدة الأمة أمر من الله، فأنا أجاهِد لتتوحد الأمة وتقوى ويَصلُحَ أمرُ دنياها. وفي صلاحها بالوحدة والقوة صلاح أمري. إقامة العدل الاجتماعي في الأمةِ يؤمِّنُني من غوائل المستكبرين، وذلك لدنياي وآخرتي. ويحفظني من الانزلاق والانسِلاك في صف المستكبرين، وذلك لآخرتي أنا ودنيا أمتي”[81].

  ومن الحوافز القوية التي استطاع الإمام ياسين أن يربط بها مطلب التوحيد شعور الجميع بالمسؤولية الأخروية والدنيوية في ضياع وحدة الأمة وفيما ترتب عنها من واقع التجزئة والمهانة الحاصل، فيقول: “نُغصُّ بمعاشنا هذا الكئيب غُصتين، غصة الدنيا بما قعدنا وعجزنا عن الجهاد، وغصة الآخرة بما ضيعنا من وحدة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت تلك الوحدة ولا تزال شرط حياتنا”[82].

 الفرع الثاني: المسلك العملي للتوحيد:        

      نقصد بهذا المسلك بحث سبل الجمع بين طرفي الأمة المتنافرين المتخاصمين منذ قرون: السنة والشيعة ابتداء، وقد أولى الإمام ياسين هذا الموضوع عناية كبيرة في مختلف كتاباته حاولنا استقراءها وتلخيصها على النحو الآتي[83]:

      لعل المدخل الصحيح الذي يقترحه الإمام لمعالجة هذا الإشكال يبدأ بدراسة منشأ الخلاف بعمق وصدق ومراحل تطوره وتعقده واستفحاله تحت ضربات الفتن السياسية المؤلمة طوال عهود العض، وذلك بعد معرفة وإبراز الأصل الذي شجر منه الخلاف ودراسة الأصول التي يتشبث بها كل طرف، ويؤسس عليها مواقفه ومذهبه، وخصوصا أصول موقفي المساندة والمعارضة لسلطان العض[84]، وذلك بحثا عن مخرج علمي معتبر، يجمع بين تلك  الأصول، بحمل بعضها على بعض، ليطوى الخلاف من أساسه علميا، ويفتح المجال لطيه عمليا على مدى زمن  ليس بالقصير تفعل فيه التربية فعلها.

     ومن القضايا الإجرائية التي ينبغي البدء بمعالجتها البحث عن سبل تحرير علماء الشيعة من قبضة العوام، وعلماء السنة منقبضة الحكام، فهي العقبة الكأداء التي تقف أمام كثير من جهود الوحدة، وتزيد من تعميق الفرقة بين الطرفين، بعدها يمكن الانتقال إلى القضايا الموضوعية التي ينبغي دراستها بعمق في هذا المجال : قضايا  الشورى والعدل التي أمر الله بها في القرآن قطعا وإجمالا، وقضت بها السنة بيانا وتفصيلا، وأحاديث الطاعة لولي الأمر الواردة مطلقة ومقيدة،  وكذلك الوصايا النبوية بآل البيت، كحديث غدير خم، وحديث رزية الخميس، وغيرها من الأحاديث التي تشكل نصوصا حيوية لدى المسلمين الشيعة[85].

     ومن زاوية أخرى لابد من دراسة مباحث الاجتهاد زمن العض، واستحضار خطورة هذا الزمن وفتنه المتلاطمة، لندرك السر في التفاوت الحاصل بين العلماء، وعلى رأسهم الصحابة في تقدير مصلحة الأمة، وتعيين المفسدة الكبرى التي تدرأ بالمفسدة الصغرى، ومدى إعمالهم لفقه الضرورة، إلى غيرها من القضايا التي بدراستها تجلو الرؤية وتبرز الحقائق.

المبحث الثاني: الأفق الحضاري العالمي للدولة الإسلامية عند الإمام عبد السلام ياسين

يرى الإمام ياسين أن الأفق الحضاري المطلوب للدولة الإسلامية يقوم على جملة مداميك، نذكرها على النحو الآتي:

أولا: رسالة البلاغ الإلهي

ذلك أن المهمة المركزية للدولة الإسلامية في نظر الإمام ياسين هو السعي اللطيف الحكيم لتبليغ الرسالة الحضارية للإنسانية، أو البلاغ الإلهي بعبارة الإمام[86] متمثلة في تذكير الإنسان وتبصيره بالغاية التي من أجلها خلق، وهي العبودية لله تعالى، قال الإمام ياسين: “مهمتنا لإسماع البلاغ الإلهي لإسماع رسالة القرآن. لإعلام الإنسان، والإعلان له، والصيحةِ في أذنه، والعرض اللطيف على قلبه، والحديث الشفوق إليه، والبيان الأخوي إليه، بأن من وراء الموت حياة، وبأن الإنسان ليس دابة أرضية.”[87].

ويلح الإمام ياسين على قداسة تبليغ هذه الرسالة الحضارية للإنسان، باعتبارها أمانة اؤتمنا عليها، فهي المعيار المحدد لقيمتنا بين الناس وإلا كان انشغالنا بغير المطلوب، قال الإمام ياسين: “فمتى سكتنا عن البلاغ الأخروي، وانشغلنا بمناوشة أعداء الدنيا عن الآخرة فقد انقطعنا وانجرَرنا مع تيار الدنيا وانسقنا مع منطقها. وعندئذ فلا قيمة لنا عند الناس لأننا لم نبلغهم رسالة الله العزيزة، ولا قيمة لنا عند الله لأننا خنا أمانة الله.”[88].

ومن فرائد الإمام ياسين في التهمُّم بهذا العمق الحضاري الغيبي للميثاق الإنساني وشعوره العميق بجسامة المسؤولية تجاه الإنسان، أن صنَّف رسالة البلاغ الإلهي للإنسان في تعريفه بربه الحق الأسمى للإنسان الذي ينتظم بقية الحقوق، يقول رحمه الله: “حق الإنسان الخالد السامي الأسمَى: أن يكون عبدا لله عز وجل، عاملاً للقائه، آملا في جزائه وجنته، خائفاً من عقابه وناره. هذه هي كرامته الآدمية، كل حق يطالِبُ به ما دون ذلك من حقوق الدنيا فهو له حقٌّ شرعي إن كان نيلُه يقربه من غايته الأخروية”[89]، بل إن رأس حقوق الإنسان عند الإمام، “وأم الحريات، ومنبع الكرامة، تحرير الإنسان من كل عبودية غير العبودية لله رب العالمين لا شريك له”[90].

وهذا الرسالة الحضارية تقتضي منا عند الإمام عمارة الأرض لتكون “مراحا مطمئنا ليسمع الخلق كلام الله، ويستجيبوا لداعي الله ويذهبوا للآخرة في أمان الله ورضى الله”[91]، لأن “الأصل في تعايش أهل الأرض الأمان. والاستقرار العالمي”[92]، يقول الإمام في حاجة الرسالة الحضارية للسلم العالمي “وأفضل مناخ لتبليغ رسالتنا هو السلام في العالم والتواصل والتعارف والرحمة.”[93].

ولعل ما عليه العالم والإنسانية من حالة البؤس والعنف والحروب والدمار في كل شيء، يستدعي هذا النوع من الرسالة الحضارية لدولة المسلمين، فقد تنامت دعوات عقلاء الإنسانية وقادتها في العلم والسلطة والدين والمال إلى تقويم هذا النظام القيمي السائد في العالم منذ القرن السابع عشر، والتفكير في المستقبل المشترك، وذلك لكثرة المعاناة الشديدة التي أنهكت إنسانية الإنسان، وأنسته في قيم التعاون والتضامن وحسن التجاور، وأغرقته تلك المعاناة في الأنانية القاتلة.

فالإنسانية المعاصرة في حاجة إلى إعداد ميثاق إنساني جديد، تشارك في صياغته جميع الدول، يكون هو ميثاق المخالقة الإنسانية” التي لا تتقيد بوطن معين ولا بدولة محددة بتعبير طه عبد الرحمن[94]، يتم بمقتضاه نصرة المستضعفين في الأرض مهما كان دينهم ولونهم وجغرافيتهم، ورفع كل أشكال الظلم والاستغلال في الأرض.

فالأمة الإسلامية هي المؤهلة الآن لقيادة هذا التحالف الإنساني الحضاري إن اصطلحت مع ذاتها واستجمعت قواها على الشروط السابقة الذكر، خصوصا وأن غيرها من الدول الأوربية وأمريكا لهم من القصص المأساوية مع شعوب كثيرة في مختلف أنحاء العالم استعمارا وتقتيلا ونهبا واستعبادا واحتلالا ما يجعلهم موضع محاسبة حين تستعيد الإنسانية إنسانيتها وقوتها.

  ثانيا: أولويات التحالف الإنساني:

  ويقصد بأولويات هذا التحالف الإنساني المنشود القضايا الملحة التي يمكن أن تكون موضوعه،وهي جملة أولويات في الواقع العالمي الحالي والمستقبلي، تستطيع الأمة الإسلامية أن تبلي فيها البلاء الحسن، نذكر منها:

  1.  أولوية العدالة الإنسانية:

من مظاهر الظلم العالمي وغياب العدالة الإنسانية في نظر الإمام ياسين ما يتعلق بقضايا “توزيع العمل بين دول الشمال ودول الجنوب، وتوزيع الثروة، والغِذاء، وإنتاجه، وأسعار المواد الخام، والأخطار المحيطة بالبيئة والمهددة لمستقبل الأجيال البشرية ربما أكثر من تهديد الانفجار النووي، وارتفاع درجة الحرارة في محيط الكوكب من تبعات التصنيع المعمم، وانخراق طبقة الأزون الحامية، وسوء استعمال الطاقة، والإسراع إلى الربح الناجز الذي يضيع على المستضعفـين الطامحين في التنمية الفرص ويُجرعهم الغصص. آفات تلويث البيئة وظلم الإنسانِ وتفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء. قضايا تحتاج أن تناقش وتحل بأخلاقية كوكبية”[95].

فهذه القضايا الإنسانية العويصة في نظر الإمام لا يملك تقديم رؤية حضارية إنسانية لها إلا خطاب الوحي الذي ورد فيه النص على العدالة بأقوى صيغة للتكليف والإلزام في قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ (النحل: 90)، كما ورد مقصدا أسمى لبعثة الأنبياء والرسل في قوله سبحانه: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ (الحديد: 24)، فاكتسب العدل بذلك معنى أعم وأشمل حتى عده ابن عاشور “الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى الضروري والحاجي من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات”[96].

  إذا كان العدل الاجتماعي مقصد الشريعة الأسمى وطلبة كل المستضعفين في الأرض، فإنه لا يتم إلا بالتوازن العادل بين الإنتاج والتوزيع الرشيد للثروات بين العباد، وذلك لتقليص الهوة بين فقراء الأرض وأغنيائها، وهذا تجل أعظم للعدالة الشرعية، في تدبير منافع الناس، فقد أكد النورسي[97] أن من مقاصد الشريعة ألا تتكدس ثروة الإنسان بيد الظالمين، ولا يكنزوها مستشهدا بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (النجم: 39)، وقوله سبحانه: ﴿والذين يكنزون الذهـب والفـضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم﴾ (التوبة: 34).

  • أولوية حفظ حقوق الإنسان:

  يميز الإمام ياسين رحمه الله بين القول الزور وقول الصدق في موضوع حقوق الإنسان، ذلك أنه أصبح شعار العالم إن صدقا وإن كذبا، غير أن التوظيف النفاقي لحقوق الإنسان لا ينبغي أن يخفي عنا في نظر الإمام ياسين عمقه الإنساني وأولويته الزمنية في اتخاذه أساسا للميثاق الإنساني، يقول الإمام رحمه الله: “وما هذا النداء الكريم، (حقوق الإنسان) لو لم يرفع به خسيستهم منافقون، إلا المروءة الكبرى التي ينبغي أن يجتمع عليها بنو الإنسان ويجعلوها ميثاقا لإنسانيتهم.”[98].

  وعليه فإن الإمام ياسين يرى في الدعوة الصادقة إلى حقوق الإنسان من قبيل حق الشعوب في تقْرير مصيرها، والحقوق المدنية، والسياسية، والاقتصادية. وحق الإنسان في الحرية والعدل، وحق المرأة والطفل، وحق العمل والصحة والتعلم، وحق السكن الكريم، وحق المرضى والعجزة، وحق الحفاظ على الكوكب الأرضي نظيفا، دعوة ضمير إنساني تستحق منا كل التقدير والاحترام[99].

وإن من أبرز حقوق الإنسان الفردية والجماعية المنتهكة الحرية في الاختيار والحرية في العيش الكريم، فكل الشرائع والقوانين والديانات والحضارات في الدنيا تجمع على أن الإنسان كائن حر لا يقيد بقيود الظلم، فطر على الحرية، وهي أصل وجوده، قال المقاوم المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي: “الحرية حق مشاع لبني الإنسان”[100]، وهذا ما قررته الشريعة الإسلامية حين نفت كل أنواع الإكراه التي تسلب للإنسان حريته وتنفي إرادته ولو تعلق الأمر بالمعتقد الديني، قال تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ ( البقرة: 256)، وقال سبحانه مخاطبا نبيه: ﴿لست عليهم بمسيطر﴾ (الغاشية: 22)، ﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ (ق: 45)، وقال سبحانه: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾(يونس: 99 )، وغيرها من الآيات الكثيرة المؤسسة لأصل الحرية.

  فإذا كانت الحرية حاجة فطرية أصيلة في الإنسان من حيث هو إنسان، وشرطا من شروط وجوده الاستخلافي وعطائه الإبداعي، فإن تعاون جميع خلق الله لإرساء مبدأ الحرية والعمل على تأمينه من أي اعتداء أولوية عظمى تقدم على ما سواها من القضايا الخلافية.

وقد قرر الإمام ياسين بجلاء أن “الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته مشروع المستقبل وقضية مقدسة”[101]، لكن على أساسميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان، ميثاق رفق فعال ونشيط وباذل”[102]، وذلك من أجل القضاء على ما تعانيه الإنسانية من أوبئة “الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان.”[103].

  • أولوية التعارف والتعاون:

يذهب الإمام ياسين إلى أن موجبات التعارف والتعاون بين بني الإنسان كثيرة[104]، وأبرزها وأقربها م تعيشه الإنسانية في مناطق كثيرة من العالم من فتن الزلازل والصواعق والحروب والأوبئة والمجاعة وغيرها مما يفرض “ضرورَة التضامُن بين البشر، ووجوبَ المسارعة إلى إغاثة الملهوف والمنكوب، والمُصاب من أيِّ ملة كان. فمن حق الآدمي، كرامةً لآدميته، أن يتمتع بمواساة إخوانه الآدميين طِبْقا لمقتضيات الرحِم الإنسانية التي يوصي بها الشرع.”[105].

فحقيقة التنوع والاختلاف التي عليه الناس أمما وقبائل إنما ينبغي أن تفضي إلى تحقيق مشترك التعارف والتعاون بما هو تبادل اجتماعي وثقافي وتعايش حضاري، وذلك على قاعدة المساواة، ودونما تمايز أو استعلاء من أي طرف، قال ابن عطية الأندلسي في تفسير هذه الآية: “أنتم سواء من حيث أنتم مخلوقون لأن تتعارفوا، ولأن تعرفوا الحقائق، وأما الشرف والكرم فهو بتقوى الله تعالى وسلامة القلوب”[106].

فإشاعة ثقافة التعارف وبناء علاقة التعاون بين أمم الأرض ومجتمعاتها وثقافاتها وحضاراتها، من شأنه أن يزيل فتيل التوتر بين الدول، ويقلل من النزاعات والحروب بين الأمم، ويعمل على تنمية آفاق التواصل الحضاري وتعدد أشكال عمارة الأرض.

  • أولوية السلم العالمي:

يذهب الإمام ياسين إلى أن الأصل في تعايش أهل الأرض الأمان والاستقرار العالمي[107]، حتى يتم التواصل الحضاري والتبادل الثقافي بين المجتمعات الإنسانية، وهو الجو الذي يصلح لتبليغ دعوة الله للعالمين، “وهي دعوة رفق لا عنف، وصدق لا نفاق، وترغيب لا ترهيب، واختيار لا إكراه. وأفضل مناخ لتبليغ رسالتنا هو السلام في العالم والتواصل والتعارف والرحمة.”[108]، فالمصلحة العظمى للمسلمين في نظر الإمام “أن يسودَ الاستقرارُ والسَّلمُ ورعايةُ المصالح المشروعة لكل الدول”[109].

  والإمام أدرك تماما أنمن مقاصد الشريعة العامة حفظ نظام التعايش بين الناس في الأرض[110]، لأن الإسلام رسالة رحمة للعالمين، ولا يتم التواصل والتفاعل الإيجابي مع هذه الرسالة إلا بانتفاء عوامل التوتر والإكراه والحروب التي تفتن الإنسان وتصرفه عن سماع الخطاب الرباني، وسيادة الأمن والوئام، لذلك ألفينا القرآن يرسي قواعد السلام والأمن بين الناس جميعا، وأمر المؤمنين أمر إلزام بالدخول ابتداء في السلم فقال سبحانه: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ (البقرة: 208).

  وحقيقة السلم المأمور به في الآية عند الطاهر بن عاشور الصلح وترك الحرب والمسالمة[111]، وذهب رحمه الله إلى أن الآية دالة على أصالة السلم ومبدئيته في الإسلام، وهو رفع التهارج[112]، ومعنى ذلك أن اللجوء إلى الحرب حالة استثنائية مضبوطة يقتضيها واجب حماية السلام في العالم، وحين تنتفي عوامل الإخلال بالسلام يصبح من الواجب بمقتضى الأصل الرجوع إلى قواعد السلام، وهذا ما تؤكده قواعد التعامل مع العدو المحارب في قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنفال:61).

  وهكذا يظهر جليا أن القرآن الكريم يرسي قواعد بناء السلم العالمي وأسس نظام التعايش على الأرض بين خلق الله أجمعين، لأنه شرط أساس في تحقيق مقصد التعارف والتعاون والتبادل بين مختلف الثقافات والحضارات والمجتمعات، وهو مطلب مشترك عزيز الآن لشعوب العالم ينبغي أن يسعى الجميع صدقا وعلى رأسهم المسلمون لإنهاء حالات التوتر والحروب التي تجري الآن في مختلف مناطق العالم.

  ويرى جمال الدين عطية أن من وسائل حفظ السلام “إيجاد تنظيم دولي يحقق الأمن الجماعي، وتنظيم التعاون في المجالات المختلفة وترتيب المعاهدات بين الدول والإشراف على تنفيذها”[113]، بديلا عن منظمة الأمم المتحدة بأجهزتها التي عجزت عن تحقيق الهدف الرئيس الذي أسست من أجله، وهو السلم العالمي[114]، وذلك لاختلالات في تأسيسها ابتداء وفي تدبيرها انتهاء، فقد تأسست على قاعدة: المنتصرون هم من يفرض نظامهم بعد الحرب، فتشكل أعلى جهاز فيها المسؤول عن السلم العالمي من خمس دول فقط تسمي نفسها الخمس الكبار، وهي التي بيدها قرار السلم والحرب في العالم، فانتفت بذلك المساواة المزعومة بين دول العالم، وتأكد منطق القوة والهيمنة في تشكيل المنظمة الأممية، وهو ما انعكس واضحا على مستوى التدبير في عجز هذا المنتظم في الوفاء بالتزاماته حيال السلم العالمي، بل تحول إلى راعي الظلم والدمار في كثير من مناطق العالم، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي تعد بحق الشاهد العدل على فشل وظلم هذا المنتظم الدولي.

 وقد شهد بهذا الفشل خبير من خبراء هذا المنتظم، المهدي المنجرة حين قال: “تخترق التعاون الدولي أزمة حقيقية، تعود إلى الانطلاق الذي سار عليه بعد الحرب العالمية الثانية، وإلى ما اكتسبه خلال العقود الأخيرة منذ تأسيس هيئة الأمم المتحدة سنة 1945م، التي تعرف تفككا يوما بعد يوم.”[115].

  • مركزية الأخلاقية الكوكبية

  يرى الإمام ياسين أن القضايا الإنسانية العظمى والإشكالات العالمية الكبرى إنما تحل “بأخلاقية كوكبية”[116]، وهو المشترك القيمي الإنساني الذي يستند إلى فطرة الإنسان، وهو مجموعة من الخصال الكفائية الخلقية التي يعتبرها الإمام ياسين جِسرا بين الناس للتعاون[117].

  ويقدم الإمام ياسين تفسيرا عمليا للمشترك الخلقي ببيان العلاقة بين الأخلاق والمال، وهي العلاقة الحيوية التي دعا الإمام ياسين إلى الكشف عنها، “لأن الشح والتعلق بالربح صفتان ملازمتان للفرد الفاسد الذي يقرعه القرآن الكريم، كما أن الخضوع للمال هو لب الرأسمالية التي تعيث في الأرض الفساد.”[118].

  فإعادة بناء هذا المشترك القيمي الإنساني من المروءات والكفاءات والنيات الصالحة يشكل ولا ريب أساسا متينا قويما للميثاق الإنساني والتحالف الحضاري العالمي، خصوصا في سياقنا العالمي المعاصر الذي عنوان فاقته وحاجته هو ما سماه الإمام ياسينالأخلاقية والروحانية ومعنَى الحياة الإنسانية”[119].

 ثالثا: التنزيل الإجرائي للتحالف الإنساني

يقترح الإمام ياسين من أجل تفعيل الميثاق الإنساني وتنزيله على المستوى الدولي أن يتم البدء بالتحالف مع مستضعفي الأرض من دول العالم في مواجهة قوى الاستكبار العالمي، وذلك من خلال التكثل داخل المنظمات الإقليمية والدولية والقارية القائمة التي تجتمع فيها غالبية الدول الضعيفة، يقول الإمام ياسين: “نحن مدعوُّون غدا لنتحالفَ مع مستضعفي الأرض ضد الاستكبار العالمي…. هنالك منظمات دولية عالمية أو إقليمية أو قارية تجتمع فيها الدول الضعيفة، ندخلها من الباب الواسع.”[120].

أما النوع الثاني من المؤسسات الدولية التي يرى الإمام ياسين التحالف معها على قاعدة الميثاق الإنساني الأخلاقي فهي الجمعيات الحقوقية العالمية والإقليمية الصادقة التي تمثل في نظره “صوت الضمير الغربي الغاطس في جبروتهوهي المحاور المنتظر للإسلام”[121]، فهي كما نشاهدها في مختلف مناطق العالم تقدم تضحيات جسام دفاعا عن حقوق الإنسان صدقا وحقا، ولذلك دعا الإمام ياسين إلى لزوم التعاون والتحالف مع هذه الجمعيات، حيث قال: “ولا ينبغي أن نتردد في التعاون المخلص مع نداء الضمير الإنساني الرائع الذي يدفع الجمعيات غير الحكومية عند نظرائنا في الخلق للتضحيات المشكورة، ما لم يتعارض ذلك النشاط الإنساني مع أصل من أصول ديننا.”[122].

فمن خلال هذا التحالف مع تلك المؤسسات يرى الإمام أنه يمكن تشكيل قوى الضغط على الدول الكبرى بكل الطرق لفرض الإنصاف عليها بكل وُسعنا، والثورةِ عليها إن اقتضى الحال[123]، وذلك رحمة بالإنسانية ونفعا لها، وقد أبدع الإمام رحمه الله حين أعلن نداء أخلاقيا حضاريا راقيا في قوله: “نمد لكم اليد، أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية، مهما كانت اعتقاداتكم ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم.”[124].

 رابعا: عوائق التحالف الإنساني:

  إن تهمم الإمام بفكرة الميثاق الإنساني جعلته يتتبع تفاصيلها على مستوى التنزيل ليكتشف من الناحية العملية ما هنالك من عوائق تحول دون تحقيق التحالف الإنساني المنشود ما لم يتم التغلب عليها، ونذكر منها:

  1. عائق ازدواجية معايير حقوق الإنسان

إذا كانت الرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان التي يستند إليها الإمام ياسين تقوم على إعلاء مطمح “الإنسانية بالإنجازات العملية لا بالمشاحنات الكلامية.”[125]، وذلك في اتجاه “بناء مستقبل للإنسان يكون فيه حق الإنسان في معرفة ربه، ومصيره، ومعنى حياته، أب الحقوق وأسَّها.”[126]، فإن “التطبيق العالمي الفعلي، والإجراءات التدريجية، وضعت إطارين مختلفين، ورتبت درجتين مختلفتين لإنسانيتين غير متساويتين : إنسانية مسيطرة، وأخرى مسيطر عليها.”[127]، وهو تناقض في نظر الإمام بين بنود وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “وبين التطبيقات والإجراءات  العالمية الفعلية المتجلية في طرد العرب من فلسطين، وتثبيت أقدام الشتات اليهودي في فلسطين، ومحرقة بغداد، ومجازر البوسنة والهرسك الرهيبة.”[128].

ويرجع الإمام ياسين سبب هذه الازدواجية إلى واضع فكرة حقوق الإنسان وسياق نشأتها، ذلك أن”حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا مبنية على معاهدات لم يحضر إبرامها المسلمون، لم يحضر إبرامها في سان فرانسسكو إلا الأمم المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. لم يُبرِمْها المستضعفون في الأرض، وأنّى لهم. لذلك فهي منذ ديباجتها تقسم الأمم إلى سيدة ومَسودة “[129].

  والعائق الأكبر في هذه الازدواجية هو الاستعلاء والعنصرية لدى واضعي حقوق الإنسان، إذ لهم الاقتناع بأنهم أهل حضارة وغيرهم همج، وعليه يقرر الإمام ياسين أن “المتعارف عليه في القانون الدولي أن الإنسان كائن حُرّ من كلِّ فكرة أو دين أو مبدإٍ لا يتفق مع النظرة اللاييكية الدوابية للإنسان، والمتعارف عليه دوليا هو بعد هذا واقع محمِيُّ الحِمَى”[130].

  فهذا الواقع الظالم العائق لحقوق الإنسان الذي يجعل بعض البشر أكرم من بعضفي نظر الإمام يخفي وراءه ضمير إنساني صادق ينادي بصدق وإخلاص بحقوق الإنسان، ومعه ينبغي التجاوب والتناجي[131]لنرفع مطمح الإنسانية إلى حقها الأزلي الأبدي الذي لا تُكَوِّنُ الحقوق المتعارَف عليها إلا حلقاتٍ من سلسلته”[132].

  • عائق واقع المسلمين الضعيف

فهذا الواقع المأزوم للأمة ليس وليد اللحظة في نظر الإمام وإنما هو نتيجة تحولات تاريخية وحضارية كبرى في تاريخ الأمة، وقد أجمل الإمام تلك التحولات في اثنتين: أولاهما التحول المبكر في نظام الحكم الإسلامي لما انقلب الحكم وراثة عضوضا يورث الأب بمقتضاه ابنه أمر الأمة كما تورث الأشياء،فقد كان الاستبداد الداء العضال الذي أصاب الأمة في وقت مبكر من تاريخها قبل أن تتوالى عليها الأدواء الأخرى المتفرعة عنه[133]، وثاني التحولات صدمة الاستعمار الغربيالذي نشر المسخ الحضاري في الأمة بآلية ما سماه الإمام ياسين “طاحون التعليم الغربي”[134]

  • عائق العنف والتطرف لدى بعض المسلمين

مظاهر العنف والتطرف لدى بعض الفيئات الشبابية من المسلمين واقع لا ينكر، وهو في نظر الإمام ياسين من نتائج التحولات السابقة، حيث يقول: “من العِلل الغثائية الدائية الغلو في الدين”[135]، لكن ما يصدر من عنف وتطرف من هذه الفيئات يضر بإمكانية التواصل الحضاري والتبادل الإنساني بين المسلمين والأمم، خصوصا حينما تكون الضحايا مدنيين غربيين أبرياء، لذلك يستنكر الإمام ياسين متسائلا هذا السلوك العنيف العائق للتواصل الإنساني، فيقول: “كيف نُسمع صوت “شرف الإسلام الدولي” للعالم ومنطقُ العنف يسوق بعض المسلمين لحجز الرهائن؟ ما جرّ بعضَ المسلمين للعنف؟ ما زيَّنه لهم؟ ما حَملهم عليه؟”[136].

  فهذه العوائق من التحديات العملية التي تواجه تنزيل وتفعيل مشروع التحالف الإنساني للدولة الإسلامية، وينبغي السعي في نظر الإمام لتجاوزها من أجل أن نفهم العالم “أن شرف الإسلام الدولي هو أقدس شرف عرفه التاريخ، وأن القواعد التي وضعها الإسلام الدولي لصيانة هذا الشرف وحفظه أرسخ القواعد وأثبتها.”[137].

خامسا: منهج بناء التحالف الإنساني:

  لعل الحديث عن تنزيل مقتضيات التحالف الإنساني من خلال أولوياته ومؤسساته وعوائقه يقتضي البحث عن ملامح المنهج الذي يقترحه الإمام مناسبا لتنزيل مشروع التحالف الأممي، وقد ألفيناه منهجا يقوم على بناء خطاب تواصلي حضاري يتميز بوصفين اثنين:

1- خطاب محبة ورحمة

  لا شك أن عظمة المشروع الحضارية وأفقه الإنساني الطموح، يستلزم التوسل إليه بصياغة خطاب تواصلي إنساني يحمل في مبناه ومعناه المحبة الصادقة للإنسان بمقتضى علاقة الرحم الآدمية بين فروع الإنسانية، والرحمة والشفقة بالإنسان الذي يعيش حالة الضنك إما ماديا أو معنويا أو هما معا، وهذا في نظر الإمام واجب شرعي يقتضي من المسلمين أن يذكروا الناسأنهم إخوة ومخلوقات لله وحده.”[138].

  وخطاب محبة ورحمة لايأتي إلا بخير، فقد جبلت النفوس على محبة من أحسن إليها قولا وعملا، وأمرنا الحق سبحانه بلزوم القول الحسن مع عموم الناس في قوله سبحانه: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ (البقرة:82)، ورغب الحق سبحانه في البرور والإقساط للإنسان المخالف، فقال: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ (الممتحنة: 8).

  كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأمة بالرحمة بمخلوقات الله في الأرض وعلى رأسها الإنسان، فقال: “الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”[139]، وبناء على هذه الموجبات الشرعية وغيرها، وجه الإمام ياسين نداءه الإنساني التواصلي الراقي في قوله: “نمد لكم اليد، أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية، مهما كانت اعتقاداتكم ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم.”[140].

2- خطاب تقدير وإنصاف

       لقدأدرك الإمام ياسين أن الأزمة بين المسلمين وغيرهم أزمة تواصل وغياب خطاب إيجابي تواصلي مما أدى إلى تفاقم الخلاف وسوء التفاهم، فالخلاف الحاصل المانع من التواصل في نظر الإمام ما هو “في الغالب إلا مولود غير شرعي لكلمة غامضة أو لنية سيئة.”[141]، فدواء ذلك أن يكون الحوار مع الإنسان المخالف بخطاب احترام وإنصاف اقتداء بخطاب الله للإنسان في كتابه، فقد ساق الحق سبحانه خطابه مساق جدل وحجاج ولم يقدمه عاريا عن البراهين والحجج مراعاة وتقديرا للمخاطب المخالف.

  لذلك قرر الإمام في بناء الخطاب التواصلي المطلوب” أن من واجبنا مد الجسور برفق ومحبة وحدب أمام الناس ليحتفظ الناس بسمعتهم، واعتدادهم بنفسهم، وحرمة شخصيتهم حتى لا يخجلوا من عودتهم من الخطأ إلى الصواب، ومن الشك إلى اليقين، ومن اللاأدرية العبثية إلى الإيمان بالله وباليوم الآخر.”[142]، وذلك اقتداء “برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حافظ على الحساسيات وأبقى الزعامات.”[143].

  ويلح الإمام في الدعوة إلى تواصل صادق منصف بين الإنسانية مراعاة لما تعيشه هذه الإنسانية من حالة فقدان المعنى، يقول رحمه الله: “آن الأوان، والحاجة ملحة، وفي وقت تفقد فيه الإنسانية إنسانيتها، أن تحل الكلمة الصادقة محل الشتائم، وأن تتوقف الدعاية المغذية للضغائن.”[144].

خاتمة

في ختام هذه الجولة البحثية الماتعة النافعة في قول الإمام ياسين في بناء الدولة الإسلامية المعاصرة، نورد أهم ما خلص إليه البحث في فقرات مركزة، وذلك على النحو الآتي:

  • إن موضوع الدولة الإسلامية المعاصرة أخذ حيزا واسعا من تفكير الإمام ياسين رحمه الله، ترجمه في كتاباته بيانا وتحليلا وتعليلا وتأصيلا وتقويما وتنزيلا في سياق مشروعه الحضاري المنهاج النبوي.
  • تميزت مقاربة الإمام ياسين لموضوع الدولة الإسلامية بعمق الرؤية الشمولية لتأصيله، حيث ساقه مقتضى من مقتضيات سنة الله في المجتمعات البشرية، وموجبا من موجبات قصده سبحانه الشرعي في وحيه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام في تحقيق مقصد الاستخلاف في الأرض.
  • لم يكتف الإمام ياسين بالبيان النظري التأصيلي للدولة الإسلامية المعاصرة، وإنما شفع ذلك بالبيان التفصيلي لمراحل ووسائل تنزيله وتفعيله في السياق المعاصر استجابة لحاجة الأمة المسلمة المعاصرة الملحة، فبين رحمه المفهوم الأصيل الحضاري للدولة الإسلامية التي تنجمع فيها المطالب الدنيوية والغايات الأخروية، والمراحل التي ينبغي عبورها في البناء، والأصول والقواعد التي ينبغي التأسيس عليها، والأولويات الزمنية والاستراتيجية التي يتعين الاحتكام إليها، والعوائق الواقعية التي تحول دون بناء هذه الدولة، والمنهج الحواري الذي يتعين اعتماده في بناء جسور التواصل والتعاون مع مختلف مكونات المجتمعات المسلمة ابتداء، ومع مختلف الثقافات والحضارات الإنسانية انتهاء.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – أ.د. محماد بن محمد رفيع، أستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس – المغرب.
[2]– بحث ضمن أعمال المؤتمر الأول في نظرية المنهاج النبوي في موضوع: مركزية القرآن في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين، 1-2 دجنبر 2012، 3/1456.
[3]– جماعة-المسلمين-النشأة-ومسار-الانحدار/ https://aljamaa.com/ar/102373 
[4]– بحث ضمن أعمال المؤتمر الأول في نظرية المنهاج النبوي (مرجع سابق)، 3/1423.
[5]– ينظر المرجع السابق، 3/1498.
[6]– بحث منشور في مجلة جامعة المدينة العالمية (مجمع) بماليزيا، العدد 48، يناير-مارس 2024.
[7]– بحث منشور ضمن أعمال المؤتمر الأول (مرجع سابق) 3/1527.
[8]– هو أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي (ت.474) من أبرز علماء المالكية في القرن الخامس الهجري بالأندلس. تنظر تفاصيل ترجمته في: عياض، القاضي.  ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق مجموعة من العلماء المغاربة، طبعة وزارة الأوقاف المغربية 8/117-127، واليعمري، ابن فرحون. الديباج المذهب، في معرفة أعيان المذهب، دار الكتب العلمية، بيروت، د.ت.ط، ص: 120-123.
[9] ينظر على سبيل المثال: سنة الله، ص308.
[10]– عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص15، وينظر عبد السلام ياسين، العدل الإسلاميون والحكم، ص467.
[11]– ينظر عبد السلام ياسين، سنة الله، ص306.
[12]– نفسه. والصفحة.
[13]– نفسه، ص308.
[14]– ينظر عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية، ص43.
[15]– عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، 1/159.
[16]– عبد السلام ياسين، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، ص123.
[17]– ينظر تفاصيل ذلك في خالد العسري، العدل والإحسان ومقصد حفظ الدولة قراءة في المسار https://arabi21.com/story/1476204
[18]– عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص72.
[19]– ينظر عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص11 وص15.
[20]– ينظر عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي (مرجع سابق)، ص117 فما بعدها.
[21]– ينظر محماد رفيع، معارف نظرية المنهاج النبوي، محاضرة في مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات، على الرابط (https://www.youtube.com/watch?v=vPsuzVyI93o)
[22]– تنظر تفاصيل السيرة العلمية والدعوية لعبد السلام ياسين في موسوعة سراج (siraj.net)، وفي الموقع الالكتروني: (yassine.net)
[23] – جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، 1/34.
[24]– ينظر عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص273.
[25]– ينظر عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، ص214.
[26]– عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص249.
[27]– ينظر تفاصيل ذلك في محماد رفيع، النظر الشرعي في بناء الائتلاف وتدبير الاختلاف، دار السلام، القاهرة طبعة1/2012م.
[28]– ابن تيمية، قاعدة في المحبة، تحقيق وتعليق رشاد سالم، القاهرة، مكتبة التراث الإسلامي، دون ت ولا رقم ط، ص120.
[29]– ينظر دراسة تأصيلية تفصيلية للموضوع في محماد رفيع، التعاون مع المخالف في درء الظلم وجلب العدل، مقال ضمن كتاب الربيع العربي وأسئلة المرحلة (بالاشتراك)، منشورات مجلة منار الهدى المغربية، مطبعة الجودة، الرباط، طبعة 1/2012م، ص162فما بعدها.
[30]– سبق تخريج الآية.
[31]– ينظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 2/1964م، 6/46.
[32]– محماد رفيع، التعاون مع المخالف، المرجع السابق، ص162.
[33]– نفسه. ص164.
[34]– عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص250.
[35]– عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص271.
[36]– نفسه، ص273.
[37]– ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، دار السنون ودار السلام، القاهرة، طبعة، 2010م، ص169.
[38]– علال الفاسي، مقاصد الشَّرِيعَة الإسلامية ومكارمها، مطبعة الرسالة، الرباط، ط2، 1979م، ص244.
[39]– ينظر راشد الغنوشي، الحُرِّيات العامة في الدَّوْلة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1993م ص38.
[40]– عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص107.
[41]– ينظر عبد السلام ياسين، العدل، ص517.
[42]– نفسه. ص514.
[43]– ينظر محماد رفيع، ربيع الشعوب العربية وأصول تدبير المرحلة، مقال ضمن كتاب الربيع العربي وأسئلة المرحلة، المرجع السابق، ص30.
[44]– عبد السلام ياسين، العدل، ص515.
[45]– أبو المعالي الجويني، غياث الأمم في الثيات الظلم، تحقيق أحمد عبد الحليم السايح وتوفيق علي وهبة، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، طبعة1/2011م، ص227.
[46]– ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 28/329.
[47]– عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص85.
[48]– نفسه. ص90.
[49]– ينظر عبد السلام ياسين، في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، البيضاء، ط2/2003م.
[50]– ينظر عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص93.
[51]– عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية، ص 48
[52]– ينظر عبد السلام ياسين، العدل، ص 532 و539 و542، وحوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 90، وغيرهما، وقد فصل القول في هذا المفهوم في كتابه “جماعة المسلمين ورابطتها”.
[53]– تنظر تفاصيل وحدة الأمة وشروطها عند الإمام في رفيع، محماد. مراجعات في التراث المقاصدي والأصولي والفقهي عند الإمام ياسين في مبحث المقصد الشرطي: وحدة الأمة.
[54]– عبد السلام ياسين، الإحسان، مطبوعات الأفق، البيضاء، ط1/1998م، 2/402
[55]– عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص56.
[56]– عبد السلام ياسين، العدل، ص298.
[57]– نفسه، ص556.
[58]– عبد السلام ياسين، سنة الله، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ط 1، 2005ـ، ص 309.
[59]– عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص90.
[60]– نفسه، ص91.
[61]– ينظر عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية، ص164.
[62]– عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص49.
[63]– نفسه. ص49.
[64]– عبد السلام ياسين، العدل، ص233.
[65]– عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، مطبوعات الأفق، البيضاء، ط1/2000م، ص316.
[66]– عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص50.
[67]– نفسه، ص50.
[68]– عبد السلام ياسين، الخلافة والملك، مطبعة الأفق، البيضاء، ط1/2001م.ص52.
[69]– نفسه.
[70]– نفسه.
[71]– نفسه.
[72]–  محمد أبو زهرة، الإمام زيد: حياته وعصره، آراؤه وفقهه، دار الفكر العربي (د.ت.ط، ص11.
[73]– عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص49.
[74]– نفسه، ص52.
[75]– عبد السلام ياسين، الإحسان، 1/402.
[76]– ينظر عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص316.
[77]– عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص48.
[78]– عبد السلام ياسين، الإحسان، 1/402.
[79]– نفسه.
[80]– عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص47.
[81]– عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، مطبوعات الأفق، البيضاء، طبعة1، 1997م، ص123.
[82]– عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص51.
[83]– ينظر منها نظرات في الفقه والتاريخ، ص26 فما بعدها، والإحسان 1/401 فما بعدها، والقرآن والنبوة، ص 20 وما بعدها، والإسلام والحداثة، ص62 وغيرها.
[84]– ينظر عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص26.
[85]– نفسه، ص34.
[86]– ينظر عبد السلام ياسين، العدل، ص317.
[87]– نفسه.
[88]– نفسه.
[89]– نفسه،  ص318.
[90]– عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص216.
[91]– عبد السلام ياسين، سنة الله، ص306.
[92]– عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص213.
[93]– نفسه، ص214.
[94]– ينظر عبد الرحمن طه، من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط2، 2016م، ص37.
[95]– عبد السلام ياسين، العدل، ص381.
[96] – الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير 14/254، طبعة دار سحنون للنشر والتوزيع بتونس، د.ت.
[97] –  ينظر سعيد النورسي، المصدر السابق ص 895.
[98]– عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص210.
[99]– ينظر عبد السلام ياسين، العدل ص317.
[100] – من أقواله المنشورة في: www.marokpress.com
[101]– عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص23.
[102]– نفسه، ص22.
[103]– نفسه.
[104]– وقد ذكرنا من مقتضيات التعارف بين الناس على اختلافهم ديانة ولسانا ولونا وثقافة أصولا في المبحث الأول عند حديثنا عن التأصيل الكوني.
[105]– عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص104.
[106] – ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز 15/154، تحقيق المجلس العلمي بتارودانت، طبعة وزارة الأوقاف المغربية، 1991
[107]– ينظر عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص213، وسنة الله، ص306.
[108]– نفسه، ص214.
[109]– عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص274.
[110] –  ينظر علال الفاسي، مقاصد الشريعة ومكارمها، ص 42 و63.
[111] –  الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 2/275.
[112] –  نفسه، 2/278.
[113] –  جمال الدين عطية، نحو تفعيل مقاصد الشريعة ص169.

[114]– ينظر المادة الأول من ميثاق الأمم المتحدة في موقعها: https://www.un.org/ar/
[115]– المهدي المنجرة، الحرب الحضارية الأولى، مكتبة الشروق، القاهرة، الطبعة 7،  1995م، ص 23.
[116]– عبد السلام ياسين، العدل، ص381.
[117]– نفسه، ص513.
[118]– عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص274.
[119]– عبد السلام ياسين، العدل، ص373.
[120]– عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص263.
[121]– عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص210.
[122]– عبد السلام ياسين، العدل، ص322.
[123]– ينظر عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص274.
[124]– عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص22.
[125]– عبد السلام ياسين، العدل، ص 316.
[126]– عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية، ص123.
[127]– عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص222.
[128]– نفسه.
[129]– عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية ص212.
[130]– عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص123.
[131]– ينظر عبد السلام ياسين، العدل ص316.
[132]– نفسه، ص317.
[133]– ينظر تفاصيل هذا التحول في مختلف كتابات الإمام، منها: الخلافة والملك، ونظرات في الفقه والتاريخ، والشورى والديمقراطية وغيرها.
[134]– ينظر عبد السلام ياسين، العدل، ص359 وص519
[135]– نفسه، ص50.
[136]– نفسه، ص316.
[137]– نفسه، ص307.
[138]– عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص23.
[139]– أبو داود في السنن، رقم 4941، والترمذي في السنن برقم 1924، وأحمد في المسند برقم 6494.
[140]– عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة ص22.
[141]– نفسه، ص24.
[142]– عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص23.
[143]– نفسه، ص24.
[144]– عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص24.