ندوة “مكانة السنة في فكر الإمام عبد السلام ياسين”
نظمت مؤسسة الامام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات ندوة علمية في موضوع: “مكانة السنة في فكر الإمام عبد السلام ياسين” يوم السبت 8 مارس 2025، بحضور ثلة من الباحثين والمتخصصين في الموضوع.
وشارك في تأطير هذه الندوة العلمية كل من الدكتور رشيد عموري، باحث في علوم القرآن، والدكتور محماد رفيع أستاذ أصول الفقه والمناظرة ومقاصد الشريعة، والدكتور عبد الصمد المساتي باحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة وقضايا الاجتهاد والتغيرات المعاصرة، وأشرف على إدارتها الأستاذ عبد اللطيف العسلة.
وفي كلمته الافتتاحية بين مسير الندوة الأستاذ عبد اللطيف العسلة أن الموضوع يندرج ضمن المشروع التجديدي للإمام عبد السلام ياسين الذي ينهل من معين التراث الإسلامي الأصيل ويقوم على صياغة فقه منهاجي تغييري يرتكز على مبدأي التزكية والاقتحام في توازن فكري ومعرفي، مؤكدا أن الإمام ياسين رحمه الله لم يقتصر على الفهم التقليدي للسنة النبوية بل سعى إلى تفعيل السنة في واقع الأمة المعاصر من خلال مقاربات جديدة اجتهادية أجملها في أربع، أولها: تجاوز حصر السنة في الأحكام الفقهية باعتبرها منهاجا متكاملا للحياة يشمل التربية والاخلاق والسياسة والاجتماع، وثانيها: ربط السنة بواقع الأمة والتحديات المعاصرة كمنهج تغيير واصلاح وليس كثرات ديني فقط بل حاول إسقاط التجربة النبوية على قضايا النهضة والحكم والمجتمع والعمران، وثالثها: المزج بين البعد الروحي والحركي حيث اعتبر أن الاقتداء بالسنة النبوية لا يقتصر على العبادات الفرضية بل في التزكية الروحية التي تؤسس لفعل تغيري في المجتمع، رابعها: الدعوة الى التجديد والاجتهاد في ضوء السنة: راى ان الجمود على فهم معين للسنة يفرغها من حيويتها.
ثم ناول الكلمة للمدير التنفيذي لمؤسسة الإمام عبد السلام ياسين الدكتور عبد الباسط مستعين، الذي استعرض بعض أهداف هذه المحطة العلمية والتي أجملها في هدفين رئيسيين: أولهما: تعزيز التواصل بين المؤسسة والباحثين، ولأجل ذلك قدم لمحة تعريفية بالمؤسسة وأهدافها، ووسائل عملها، ومن بينها تنظيم الأنشطة والفعاليات العلمية، التي تأتي هذه المحطة العلمية في سياقها، وثاني الهدفين: مقاربة إحدى المواضيع ذات الأهمية والتي تصب في خدمة إرث الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ومشروعه، وقد أوضح الدكتور المستعين بعض دواعي اختيار موضوع “مكانة السنة في فكر الامام” لخصها في دافعين: أولهما: حضور السنة في فكر الإمام وممارسته، وفي حياته اليومية، وكذا في حرصه على تعليم جلسائه دقائق السنة، وعلى ملامسة السنة في بعدها الشمولي، وفي عمقها وجوهرها وهو ربط الإنسان بخالقه سبحانه وتعالى، وإحياء طموح وسلوك وابتغاء الانسان لرضا الله عز وجل، وثانيهما: إبراز مكانة السنة المشرفة في ظل الحرب الهوجاء التي تزداد يوما بعد يوم على هذا الركن الركين من ديننا والبعد المتين في الشرع الحنيف، حيث تتعدد الأبواب والدعايات والمناظر التي تستهدف تستهدفها.
وفي أولى مداخلات الندوة ناقش الدكتور رشيد عموري ظاهرة إنكار حجية السنة، أو ما يسمى بالظاهرة الأريكية نسبة إلى حديث الأريكة، في مداخلة بعنوان: “القرآنيون جذورهم وشبهاتهم”، مبينا أن السنة النبوية تعرضت منذ القديم إلى الآن لهجمات وشبهات حول حجيتها، من خلال الطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إنكار الأحاديث النبوية الشريفة، وخصوصا ممن يسمون أنفسهم بالقرآنيين، والأصوب تمسيتهم بالأريكيين لحديث رسول الله صلى الله عليه: “ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه”.
وبين الدكتور عموري أن الطعن في السنة النبوية اتخذ منحيين اثنين: المنحى الأول: إنكارها بالمرة، أو الطعن في رواتها، والمنحى الثاني: نقد السنة النبوية، وهذا المنحى أدى إلى نضج هذا العلم، علم تدقيق السنة النبوية، حيث قام به رجال من أهل الصنعة وهم المحدثون، مقدما نماذج من أعمالهم، ومنها صنيع الإمام الدارقطني الذي تعقب أحاديث البخاري فانتقد حوالي مئة حديث، وقال بأن الإمام قد أخل بشرطه فيها، مبينا أن هذه المحاولات من أئمة الحديث كان الغرض منها الدفاع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومؤكدا أن المحاولات التي جائت بعدها ممن هاجموا السنة النبوية، أو طعنوا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من أرادوا نسف السنة بالمرة في إطار الدراسات الاستشراقية، والذي زادت حدته مع مجيئ الاستعمار الذي عزز الدراسات الاستشراقية حول السنة النبوية حيث تم تأسيس معاهد وهيئات ولجان وجمعيات للطعن في السنة النبوية بالهند ومصر وغيرها، مستعرضا بعض الأسماء التي أضحت فيما بعد مرجعا للمستشرقين.
وناقش الدكتور عموري أربع شبهات للأريكيين/ القرآنيين، أولها: القول بالاقتصار على القرآن وإنكار السنة، بحجة أن الله تعالى يقول: “ما فرطنا في الكتاب من شيء” ويقول كذلك: “ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء”، مؤكدا أن الآيتين لهما تفسير خاص غير ما ذهب إليه المستشرقون، وثاني الشبهات: أن السنة ليست محفوظة كالقران، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”، والذكر عندهم هو القرآن، والسنة ليست محفوظة، وإذا كانت كذلك، فلا يمكن أن تكون دليلا من أدلة التشريع، مؤكدا أقوال العلماء قديما وحديثا في مسألة الحفظ، والشبهة الثالثة: أن السنة لم تدون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتأخر تدوينها إلى نهاية القرن الأول، وهو ما يوحي بحصول النسيان، وإمكان التحريف والتغيير، مؤكدا أنهم خلطوا ما بين التدوين الذي تأخر وبين الكتابة التي كان موجودة قبل عصر التدوين، والشبهة الرابعة: مخالفة السنة للقران، ويستدلون بـ”حديث” موضوع تظهر ركاكته وبعده عن البلاغ النبوي، وبأحاديث أخرى ضعيفة، مبينا رد العلماء على قولهم، ومنه جواب القرآن نفسه، في قوله تعالى: (وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ).
وفي مداخلة علمية ثانية بعنوان: “مرجعية السنة في نظرية المنهاج النبوي للامام عبد السلام ياسين رحمه الله” استجلى الدكتور محماد رفيع مكانة السنة النبوية ومرجعيتها في نظرية المنهاج النبوي منطلقا من طرح الإشكال التالي: إلى أي مدى تشكل السنة النبوية مرجعية عليا بعد القرآن في نظرية المنهاج النبوي؟
وأجاب عن هذا الإشكال من خلال خمس نقاط: المفهوم المرجعي للسنة عند الإمام، ثم التأسيس العقدي لمرجعية السنة، ثم التأسيس المعرفي، ثم التأسيس المنهجي، ثم مرجعية السنة في بنية نظرية المنهج النبوي.
مؤكدا أن السنة عند الإمام هي كل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند الصحيح، وهي الركن الركين الذي لا تنقض قواعدنا إن أسسناها عليه، وأنها وحي من الوحي، وفي تعريفه للسنة ذكر الأستاذ رفيع تعريف الأصوليين لها بذكر الأقوال والأفعال والتقريرات، وإضافة المحدثين للصفات الخلقية والخلقية، وتميز الامام بإضافة الأحوال، وكون السنة تزكية، وأنها تنتظم سلوك العبد المنيب الحريص على آخرته في عبادته الظاهرة والباطنة في خلقه وتعامله في عبوديته لله عز وجل عبودية مجسدة في الأسوة المعصوم صلى الله عليه وسلم، وفي كونها تحصين للأمة، وشورى وإخاء وعدل، وقوة، ومنافاة للبدع والشرك المتسرب الينا من كل خيط يربطنا بربطات التبعية والتلمدة والانكسار والانهزام أمام الجاهلية، وفي كونها المنهاج الذي هو المصطلح المفتاح في نظرية المنهاج النبوي.
وأكد الدكتور رفيع على في التأسيس العقدي أن السنة النبوية ليس كما كما يروج البعض، ولا كما سبق من شبهات الكثيرين، أنها محبوسة في زمانها ومكانها، وأنها اجتهاد في تطبيق القرآن، وهذا الاجتهاد مضروف بزمانه وبمكانه، بل إنها رسالة عالمية خالدة لا تنحصر في زمان ولا مكان، وأنها امتداد لرسالات إخوانه الأنبياء قبله، تستغرق الزمان والمكان والأجناس والأقوام، وأنها رسالة للانسانية، وأنها ملازمة للقرآن، كما يؤكده البيان النبوي، وتبينه حياته صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابة.
وفي التأسيس المعرفي لمرجعية السنة، ذكر الدكتور رفيع أن السنة عند الإمام مصدر المعرفة كما هي مصدر التشريع، مؤكدا على قيمة المعرفة وأهميتها، وأوضح في التأسيس المنهجي أن قصده من ذلك أن الامام رحمه الله علمنا كيف نقرأ السنة، وهو الذي يتيح التطبيق العملي للشريعة وإنزالها على أحداث التاريخ في الإطار الزماني والمكاني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي المتغير المتطور، فتكون السنة حقا وحقيقة هي المرجعية العليا.
وختم الدكتور رفيع مداخلته بتحديد موقع السنة في بنية مشروع نظرية المنهاج النبوي مختصرا الكلام في أمرين اثنين: أولهما: في الجهاز المفهومي، مؤكدا أن أي مشروع فكري قيمته في المفاهيم التي يتأسس عليها، ومبينا أن مفاهيم نظرية المنهاج النبوي مستمدة من وحي السنة بعد وحي القرآن، ومن ذلك حديث الخلافة، وقضية الصحبة والجماعة، والمنهاج النبوي، وشعب الايمان، ومراتب الدين، وغيرها من المفاهيم التي تأسست عليها نظرية منهاج النبوة. وثاني الأمرين: القضايا: قضايا المنهج النبوي، أو مفاصيل المنهج النبوي، حيث بين أن السنة واضحة فيه، فحديث جبريل على سبيل المثال يؤسس عند الامام لمراتب سلوك المنهاج بناء على أن الدين مراتب إسلام إيمان إحسان، وحديث “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب” ليس مجرد حديث يستدعى في جانب من جوانب تفصيلية، وإنما حديث عليه تؤسس معاني المحبة بين الصاحب والمصحوب، حديث دستور المحبة “وجبت محبتي للمتحابين في”، وحديث “الخلافة على منهج النبوة” الذي يؤسس لفقه قراءة التاريخ الاسلامي لفهم حاضر الامة واستشراف مستقبلها.
وفي المداخلة العلمية الثالثة التي وسمها ب ” عناية الإمام عبد السلام ياسن بالسنة من التأصيل إلى التنزيل” بين الدكتور عبد الصمد المساتي مكانة السنة وحضورها في فكر الإمام عبد السلام ياسين وحياته ومشروعه، انتظمها في محورين اثنين، أولهما في بيان مفهوم السنة ومقاصدها، وثانيهما عناية الإمام بالسنة النبوية علميا وعمليا.
وألمع الدكتور المساتي في المحور الأول إلى إضافة مهمة في مفهوم السنة وأنواعها عند الإمام، حيث أضاف إلى الأقوال والأفعالي والتقريرات الأحوال النبوية، التي يعدها الإمام هي لبّ السنة وعمادها، ثم فصل البيان في وظائف السنة النبوية ومقاصدها، أجملها في خمسة، أولها: كون السنة قرينة القرآن نقلا وعقلا، مستدلا لذلك بالمنقول والمعقول، ومحيلا على مضان تحرير القول في منزلة السنة وعلاقتها بالقرآن، وثاني الوظائف والمقاصد: كون السنة باب الصحبة للجناب الشريف، مؤكدا على أن الصحبة محبة وتعلق وتلقٍ وفداء ونصرة، وثالثها: كون السنة حاكمة على الأعراف والعادات، مؤكدا على أن الأعراف والعادات تابعة والسنة حاكمة، ورابعها: كون السنة منهاج السلوك علما وعملا، مؤكدا أن المنهاج هو ما جاءت به السنة، وهو التطبيق العملي للشريعة، وأنه آلة العلم المرشد للعمل، وخامس الوظائف والمقاصد: كون السنة بناء وإعداد وجهـاد، مؤكدا أن السنة النبوية تعاليم للسلوك الفردي والجماعي، فهي صبر على الأذى و بذل في ميدان الجهاد، وروح ونور ورحمة وفضل، وهي شورى في الحكم، وإخاء وعدل، وإعداد للقوة العلمية والصناعية والاقتصادية، وهي محاربة للبدع، والشرك والتبعية والانكسار الانهزامي أمام الجاهلية.
وفصل الدكتور المساتي في المحور الثاني في عناية الإمام بالسنة النبوية علميا وعمليا، فمن الجانب العلمي، ذكر حرص الإمام على قراءة السنة والسيرة وتخصيص أوقات لذلك، وحرصه على تربية الناشئة على حفظ السنة والتعلق بصاحبها عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وكذا حرص الإمام على خدمة علم الحديث وتسهيل البحث فيه باعتباره أثمن مادة وأرفعها مكانة في السرادق الفخم، سرادق علوم الإسلام، وحرصه وعنايته كذلك بالتصنيف الحديثي والتجديد فيه، مشيرا إلى كون كتاب شعب الإيمان الذي جمع فيه ما تيسر من أحاديث رسول الله ﷺ مرتبة في سبع وسبعين شعبة إيمانية، تنتظم كل طائفة منها خصلة من الخصال العشر، يمثل الأساس المعرفي للمنهاج النبوي ومشروع الإمام كله، لبناء الفرد والجماعة وصولا إلى الخلافة الثانية.
وختم الدكتور المساتي بذكر نماذج من عناية الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بالسنة النبوية عمليا، حيث بين شواهد ونماذج في فرحه وعنايته بالسنن المهجورة، وفي التشبه بأحواله الشريفة العادية محبة وتعلقا، والتشبه بأخلاقه اقتداء واتباعا وفي مقدمتها خلق الرحمة بالخلق جميعا، كما أكد على عنايته العملية بالسنة من خلال التطبيق العملي لسنته صلى الله عليه وسلم والسير على منهاجه، وكذا من خلال التجديد لبناء غد الخلافة الموعودة تربية وتنظيما وزحفا.
وبعد هذه المداخلات الثلاث، تم فتح مجال للمناقشة والتعقيب والتفاعل مع المشاركين في الندوة، عرفت نقاشا لعدد من الجزئيات والقضايا المطروحة في العروض، لتختتم فعاليات الندوة بدعاء جامع، والتأكيد على فتح باب التواصل والتفاعل مع مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين المنظمة لفعاليات الندوة.