“لغة القرآن” في نظرية المنهاج النبوي

0 164

الأستاذ الصادق الرمبوق

باحث في فلسفة التواصل/ جامعة عبد الملك السعدي

pourbienlancer@gmail.com

مقدمة

يحفل خطاب عبد السلام ياسين ويزخر بالحديث عن «لغة القرآن»؛ فلا يخلو مؤلف من مؤلفاته التي ناهزت الأربعين كتاباً من التنويه بالصنع الإلهي الذي مشج اللغة العربية وأدغمها في القرآن إدغاماً وشيجاً جعل منها جزء ماهية الوحي والدين، ومن التذكير بمناط تأهيلها لتكون وعاء كلام الخالق سبحانه ورسالته، ومن التنبيه على كفاءاتها المتجددة المفتوحة على أفق الريادة الحضارية.

إن الحضور المكثَّف الطاغي للغة القرآن في هذا الخطاب، يدفع المتتبع إلى دراسة مكانة لغة القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي، ويغريه بتقصي طبيعة هذا الحضور وأبعاده ومراميه، ويحفزه لاستجلاء إجاباته عن الإشكالات التي تطرحها، كعلاقة اللغة بالقومية، والموقف من التعدد اللغوي، والمراهنة على اللغة باعتبارها رافعة البنيان الحضاري، وقدرة هذه اللغة على استيعاب العلوم وتوطينها…

يتوخى هذا البحث بسط مدخل يتولى جمع مواد الموضوع ومحاوره وأفكاره وترتيبها وإلحاقها بمباحثها… مدخل ينقّب عن الخيط الناظم لنصوص تتسم بالكثرة، والتنوع، وتعدد المجالات المطروقة، ومعالجة الإشكالات، والتكرار الموفي ببيان الجزئيات المتفرعة عن الكليات النظرية عنده…

يجلو هذا البحث عمق أصالة خطاب نظرية المنهاج النبوي، من حيث ارتباطه بلغة القرآن في دلالاتها الإيمانية المرسِّخة لتجلي الرحمة الإلهية، وأبعادها الإنسانية العاصمة من الردة عن الأكرمية ارتماءً في مهواة مادية لم تَنِ آلتُها تهدر آدمية الإنسان منذ عصر الحداثة.

سنتناول الموضوع عبر أربعة مباحث، مضمِّنين كل مبحث فقرتين تتكفلان بدراسة فرعي المبحث، على الشكل الآتي:

يقف المبحث الأول على تَصدُّر اللغة لائحةَ مطالب التغيير المعاصر المنشود، وقيام هذه اللغة مقام أساس صرح البناء وقمته في آن معاً، إلى الحدّ الذي تعتبَر فيه أمَّ المطالب والرغائب.

ويعالج المبحث الثاني مناط تشريف اللغة العربية، حاصراً هذا التشريف في العربية التي هي جزء ماهية الوحي والدين، لا سائر لغة الضاد التي أليكها النصارى العرب ومن على مذهبهم من القوميين المسلمين.

ويناقش المبحث الثالث ولاء اللغة العربية المتأرجِح بين القومية والقرآن، مبرزاً الفرق الجوهري بين الولاءين، من حيث التضاد المطلق بين العصبية القومية والانتساب لله عز وجل.

ويتطرق المبحث الرابع إلى لغة القرآن من جهة كونها الوسيلة الأنجع لمنازلة الهجوم الثقافي الغربي، والأداة الفعالة لاستيعاب العلوم وتوطينها واستنقاذها من الأليكة الطارئة عليها.

نعتمد في هذا البحث منهجاً مزدوجاً: استقرائياً، تحليلياً؛ فيمدنا استقراء كتب عبد السلام ياسين بالنصوص التي تبين مكانة لغة القرآن في نظرية المنهاج النبوي، ويسعفنا التحليل في استقصاء كنه هذه المكانة ومجالاتها، وفي استكشاف أسلوب التعاطي مع التوجهات المغايرة.

إننا غالباً ما نعْمد إلى تقليب وجوه الكلام لتركيز مقصود أستاذنا في الأذهان والأفهام، مفسحين المجال بين الفينة والأخرى لـ»الكاتب البارع البليغ مصطفى صادق الرافعي أحسن الله إليه»[1]، معضدين مقالات ياسين بأسلوبه «الشيق الرَّيِّق»[2]، ولغيره من العلماء والمفكرين لتزيد نصوصُهم بعضَ المعاني والحقائق بياناً وتقريراً.
المبحث الأول: أم المطالب والرغائب

1– مقوِّم المقومات:

ليست اللغة عند عبد السلام ياسين «هي الفكر» و»هي الرمزَ الحامل للمعرفة»[3] فحسب، بل إنه، وهو يعيد النظرَ جذرياً في «أولويات ما يُطلَب»[4]، في سياق مساهمته في التنظير لـ»رسم خط المستقبل الإسلامي»[5]، والتهييء لهذا «المشروع المجتمعي الكبير، مشروع المستقبل الإسلامي»[6]، «الضروريِّ تاريخياً، الواجب دينياً، الآتي بحول الله يقينياً»[7]، وعلى الرغم من إقراره، في خضم بحثه عن تجديد «سلم الأسبقيات» هذا، أن «الأسبقيات تتزاحم على المرتبة الأولى!»[8]، تتزاحم «على الباب كل منها يريد أن تعطاه الأسبقية»[9]، فإن لِلُّغة عنده القدحَ المعلّى في هذا السّلم؛ لقد أحلّها محلّ القاعدة والتاج في الآن نفسه.

وتكفي الإطلالةُ العجلى على الأولويات التي يضعها أستاذُنا على رأس سلم الأسبقيات، والتي تهم مجالات ذات راهنية حسّاسة، لإدراك كنه مركز الثقل الذي تشكِّله اللغةُ بالنسبة إلى هذا السّلم. وقد تيسّر لنا إحصاء إحدى عشرة صيغة تعكس هذا التزاحم وتشرحه، في مجالات تحرير العقل المسلم، والتعليم بصفة عامة، وتعليم اللغة العربية للشعوب المسلمة عجمها وعربها، والمطلب الإحساني، وإسماع نداء الإسلام وتبليغه الضمائر الفردية، ووضعية المرأة والأسرة، والمأزق البيئي، والإصلاح الزراعي، ومراجعة الخطاب الإسلامي، ومطلب العدل، والتنمية والاقتصاد.

لكن أستاذنا، في ترتيبه «المطالب الحيوية التي تجعلُ من أمة قوة في الدنيا»، وهي «مطالب بعضها ينبني على بعض»[10]، يجعل «اللغةَ أُمَّ المطالب والرغائب»[11]، و»مقوِّمَ المقومات»[12]، معتقِداً أن «الأسئلة المُحرجة»، التي تضعها هذه «المطالب والتحديات» على اللغة، «ما هي من قبيل الخصوصيات الثقافية، بل هي من قاموس حياة الأمم، وموت الأمم، واندثارِ الأمم هباء منثوراً في فضاء تاريخ مفلس»، وفي خضم «حرب شاملة» و»نهْبٍ منظم»، في أتون «الحرب العالمية الساخنة الباردة» «بين مستكبري العالم ومستضعفيه»[13]، «الحرب الشاملة الناهبة السالبة»[14].

2– اللغة أساس الصرح وقمته:

«بِناء القوة والقدرة»، عند ياسين، «صرحٌ من طبقات بعضها أساس لبعض»، لذلك يصوغ ترتيب صرح المطالب والرغائب هذا بطريقتين؛ نزولاً وصعوداً:

أ- فـ»في قِمة البناء الوحْدَة الإسلامية، وفي أساس الصرح اللغة. متَى هانت اللغة ومزّقت قدرتَها وقوتَها الرغائبُ القومية الضيقة، وقضمت أجنحتها سقطت اللغة، وخرَّ الصرح»[15]. فهناك إذن «تجاوبٌ وتقابُلٌ وتفاعل بين قمة صَرح القوة والقدرة وبين أساسه. وحدة كيان مجاهد بوحدة لغة جهاد، هي لغة القرآن. وبين القمة والقاعدة طبقات وأعمدةٌ»[16]، من عدل، وتنمية، وتكنولوجيا، «ولغة قوية أوّلَ شيء». «ويتسلسل تساند الصرح طَبَقاً على طَبَقٍ من الأهم إلى المهم، من وحدة أم رغائبها اللغة إلى علوم وتكنولوجيا أم مطالبها اللغة»[17].

ب- وعندما «نراجع بناء الصرح من أسفله إلى أعلاه»، فإننا «نجد وحدة اللغة، وقوة اللغة، وقدرة اللغة على توحيدٍ، هي جذرُ الأساس، والجُلْمود الثابتُ إن تزعزع انهارَ البناءُ. ونجدُ نظام الحكْم ناطقا بلغة القرآن الموحِّد، قرآنِ التوحيد، وعقيدةِ توحيدِ الله تعالى، وطاعتِه اللازمةِ لكل مسلم ومسلمة. بلغة القرآن يقول استقرارُنا. أنا شُورَى منزَّلٌ مبدَأُها، حُرٌّ شكلُها وتوزيعُها أن يكون ذكياً في الاقتباس من حكمة الأمم. على مَتن الاستقرار السياسي، وفي حِضنه، تعليمٌ يعبئُ الجهود، ثم تنمية تغذيها الأدمغة المتعلمة وتديرها وتسبَحُ بها في بِحارِ المنافسة العالمية وأمواجها. وعلى متن التنمية المتعلمة عدل شامل، وعلى متن العدل وحدة. وقد تأملنا الصرح فوجدنا اللغة أمّ الرغائب والمطالب»[18].

يفضي أستاذنا من بيان ترتيب صرح المطالب والرغائب إلى إثبات هيمنة اللغة ولفِّها للصرح رأساً وقاعدة. يقول «الوحدة تريد عدلاً، والعدل يريد تنمية، والتنمية تريد تعليماً وعلوماً، وتوطين كل ذلك يريد حكماً شورياً، وأساس كل ذلك الوحدة اللغوية. وحدة لغة القرآن تتضمن وحدة الإيمان بالقرآن»[19].

«لا شك أن اللغة إحدى مقومات الأمة، إن لم تكن هي المقوم الأساسي»[20]. تقول ملاحظة ابن تيمية: «اللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون»[21].

يقول الرافعي: «إنما اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة، والأمة تكاد تكون صفة لغتها لأنها حاجتها الطبيعية التي لا تنفك عنها ولا قوام لها بغيرها، فكيفما قلبت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها واشتمالها جلدة أمة أخرى»[22].

المبحث الثاني: اللغة المشرَّفة جزء ماهية الوحي

1– العربية جزء لا يتجزأ من الدين، من الوحي:

ما دام أن القرآن عنده «هو الخطاب وهو المعرفة وهو الحق»[23]، فلا غرو أن «يغتبط» عبد السلام ياسين في خطابه اغتباطاً «بامتلاك لغة شرفها الله عز وجل واختارها لينزل إلينا فيها ذكره»[24]، ويقررَ أن «الفهم عن الله» لا يتم إلا «بإتقان لغة القرآن»[25]؛ إذ «هي الآلة والوسيلة لفهم ما أنزل علينا بلسان عربي مبين. فلا بيان إلا بها، أي لا وضوح»[26].

وبما أنه «لا يصلح لتوضيح الجادة البيضاء إلا لغة القرآن»[27]، فإننا «سنبقى صُماً عن معنى ديننا إن لم نُتْقِن لغة القرآن، بُكْماً عن تبليغ دعوة الله إن اخترنا رَطانَة الأعْجام على اللسان العربي المبين»[28]، ذلك أن «لغة القرآن الحاملة لدعوة الإيمان»[29]، «تبقى وستبقى اللغة الوحيدة القادرة على حمل رسالة الله إلى الإنسان»[30].

بيّنٌ إذن أن موجب التعلق بلغة الضاد عند عبد السلام ياسين وعند «العرب القوميين» ليس واحداً. صحيح أنه يقول: «نحب هذه اللغة ونعتبرها كما يعتبرونها أجمل اللغات وأشرفها»[31]، لكن هذا الحب والاعتبار لها منه إنما هما من جهة كونها لغة القرآن. لذلك يعُدّ التعلقَ الخاص «باللغة القرآنية، تعلقاً هو من الدين، من صميم الدين، لأن شكل اللغة لا يمكن فصله عن مضمون الرسالة»[32]، فإن «هذا الدين هو قرآن الله، وإن تاريخ هذا الدين في قرآن الله، وإن حكم هذا الدين يعرضه كتاب الله. إنه خطاب الرب لعبده، خطاب جاء بلسان عربي مبين لا ينفصل إيماننا عن بيانه»[33]، وإن «العربية جزء لا يتجزأ من الدين»[34]، «جزء لا يتجزأ من الوحي»[35]، «إذ هي حاملته وحاضنته»[36]، «هي الوعاء، هي الرحم، هي الجسم، جمالها ليس هو القيمة، لكن القيمة ما حمله إلى عقلنا وقلبنا ذلك الجمال، بيانها ليس الغاية والمنى لكن ما أبانه من معان. قال الله عز وجل: “إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون” (الزخرف، 2). وقال عز من قائل يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: “لتكون من المُنذرين بلسان عربي مبين” (الشعراء، 194-195). ثم إن القرآن كلام اللّه عز وجل لفظاً ومعنى، ما هي الألفاظ العربية من كلام الله حتى تكون في التركيب القرآني. وعندئذ فقط يكون اللفظ بالقرآن في الصلاة مجزئاً، وتكون الصلاة صلاة»[37].

ثم إن «ألفاظ القرآن هي لُبّ كلام العرب وزبدتُه، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحِكمهم، وإليها مفزع حذّاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم. وما عداها وعدا الألفاظ المتفرّعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتبن بالإضافة إلى لُبوب الحنطة»[38].

يؤكد الرافعي أن «في العربية سراً خالداً هو هذا الكتاب المبين (القرآن)»[39]، إذ هي «لغة دين قائم على أصل خالد هو القرآن الكريم»[40]. لذا «يأتي الحرص على اللغة من جهة الحرص على الدين، إذ لا يزال منهما شيء قائم كالأساس والبناء لا منفعة فيهما معاً إلا بقيامهما معاً»[41].

«ولقد نبه علماؤنا رحمهم الله تعالى إلى هذه القضية المهمة، وكانوا يدركون تماماً أن العربية من الدِّين، وأنه لا سبيل إلى فهم العقيدة والتزام الشريعة بغير العربية»[42]. قالوا: «والدين يوجب على معتنقيه تعلم العربية؛ لأنها لغة القرآن ومفتاح فهمه»[43]، و»لأنها لغة القرآن التي تقوم بها حجته»[44].

قال الشاطبي: «إن هذه الشريعة المباركة عربية، لا مدخل فيها للألسن العجمية»، وإن «القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة»، «فمن أراد تفهمه، فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة»[45]. «وإذا كانت الشريعة عربية؛ فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم؛ لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئاً في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطاً فهو متوسط في فهم الشريعة… فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة؛ فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة»[46].

إن «هذا القران الذي عقدته العربية مع القرآن غير قابل للفصم»[47]، لدرجة «أن القرآن قد أعيد نثره، بجميع آياته، في تلافيف “لسان العرب“. وإذا أخذنا بعين الاعتبار التكرار الذي أوقع فيه ابنَ منظور منهجُهُ التجميعي، فقد يكون مباحاً لنا أن نقول إن ذلك الملخِّص الكبير الذي كانه ابن منظور قد نسخ القرآن مثنى وثلاث ورباع». و»النص القرآني هو المركز الذي كان عنه صدور النحو العربي وإليه وروده. ولولا مركزية النص القرآني لما أخذ النحو من البداية الأهمية التي أخذها الفقه والكلام كعلوم للدائرة الأولى، ثم المنطق والفلسفة والتاريخ كعلوم للدائرة الثانية»[48].

ولأنّ «بيان القرآن هو البرهان في عقيدة المومن، وهو الكلمة الفصل»[49]، فإن الغيرة «على العربية التي أنزل بها القرآن»، من الغيرة «على الدين الذي علمه الرسول المبعوث بالقرآن»[50]؛ أليست «لغة القرآن، تعلُمها وخدمتُها، مكوِّناً جوهرياً»[51] لـ»الهويَّة الإيمانية الإحسانية»[52]؟

2– اللغة الشريفة المشرَّفة:

لغة القرآن، «اللغة العزيزة»[53]، هي في خطاب منظّرِنا «لغة عظيمة»[54]، لذا يُكثر من نعتها بالشرف في غير ما موضع؛ فهي «العربية الشريفة»[55]، و»اللغة الشريفة المُشَرفة»[56]، و»لغتنا الشريفة المحتد»[57]، و»اللغة القرآنية الشريفة المنيفة»[58]. فما الشرف في لغة العرب؟ وما الحتد والإنافة؟

قال ابن فارس: «الشين والراء والفاء أصل يدل على علو وارتفاع. فالشرف: العلو. والشريف: الرجل العالي… ويقال: استشرفت الشيء، إذا رفعت بصرك تنظر إليه… والمشرف: المكان تشرف عليه وتعلوه. ومشارف الأرض: أعاليها»[59]. وقال: «الحاء والتاء والدال أصل واحد، وهو استقرار الشيء وثباته. ومنه المحتد، وهو الأصل»[60]. وقال: «النون والياء والفاء يدل على الارتفاع والزيادة»[61].

شرف العربية استقرارُها وثباتُها في أرض التعبير عن المراد الإلهي ومخاطبةِ الفطرة. شرفها علوُّها وارتفاعُها بزيادة تتفوق بها عن سائر اللغات تفوُّقَ كلام الخالق عن كلام المخلوق، ولا مقارنة!

ألم تر أن السيف يُزرَى بقدره إذا قيل إنّ السيف أمضى من العصا

فما مناط هذا الشرف البالغ درجة القداسة؟

غير خاف ابتداءً أن مناط هذا الشرف دائر حصراً على القرآن، فما صارت كذلك إلا «بحمل القرآن وصحبته»[62]. إن «اللغة العربية الشريفة» إنما هي «لغة الإسلام لغة القرآن»[63]، هذا هو سر عظمتها؛ «لغة عظيمة هي لغة القرآن الكاملة الواصلة بين حقائق الأرض ومعاني السماء، المضيئة بما هي وحي طريق الدنيا إلى الآخرة، الهادية بما هي هدى إلى الصراط المستقيم. صراط الله له ما في السماوات وما في الأرض»[64].

إن باب القرآن والسنّة ممتنِع موصَد في وجه من لا مفتاح معه، وما المفتاح المتفرد إلا «اللسان العربي المبين، اللسان الشريف باختيار الله له حاملاً لخطابه»[65]. ما المفتاح إلا «العربيَّة المشرَّفَة التي أنزل بها القرآن»[66]؛ هي اللغة التي «شرفها الله عز وجل أن اختارها وعاء لكلامه العزيز»[67]، «هي مشرفة من قبل الحق سبحانه إذ هي البيان والتبيين»[68].

إن «أهم روابِطِ الإسلام على الإطلاق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مفتاحهما الوحيد اللغة العربية. اللسان العربيُّ المبين. لغة شرفها الله واصطفاها وجعلها وِعاءً لكلامه المقدس، وأداة تعبير وتبليغٍ للرسالةِ الخالدة التي تخبر الإنسان عن معنى وجوده في هذه الأرض، وعن مصيره بعد أن يُدَسَّ بعد الموت في هذه الأرض»[69].

لقد رفع الوحي الإلهي العربية من مجرد لغة قومية إلى مرتبة الاصطفاء، فاكتسبت قداسة أبدية: «كانت لغة العرب في الجزيرة قبل الإسلام لغة خطابة وشعر، لغة العاطفة الرقيقة ولغة الفخر والعصبية والأمجاد. فلما اصطفاها الله جل شأنه وأودعها خطابه للخلق، ولما حدث بها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأجيال المومنين من بعده، اكتسبت قداسة وتبلورت في البيان القرآني المعجز»[70]. فما عزُّها إلا «من عز الخطاب الإلهي»[71].

«إن الله عز وجل منَزِّلُ الكتابِ ومخاطِبُ أولي الألباب، هو المتكلم بالقرآن. القرآن كلامه، وكلامه صفته: مُقَدَّسٌ في مُقَدَّسٍ. هو سبحانه المتكلم بالقرآن، وِعاء كلامه القدسيِّ اللفظ العربي، والتركيب العربي، والبلاغة العربية. دخل اللفظ والبلاغة والتركيب في نطاق المقَدَّسِ ما دام اللفظ لفظ القرآن، والتركيب آيات القرآن، والبلاغة بيانَ القرآن»[72].

نصّ علماؤُنا رحمهم الله على أن «لهذه اللغة الشريفة لشأناً ليس كسائر اللغات»[73]. ومنظّرُنا لا يفتأ يقارن بين اللغة العربية وغيرها من اللغات، مقارنة هي أبعد شيء عن الحمية الإثنية والتعصب القومي والنعرة اللغوية. لذا نُلفيه حريصاً على بيان “محل النزاع”، صريحاً في تسمية مناط الأفضلية، والذي لا يمكن أن يكون سوى سرّ شرف العربية عينِه، أعني القرآن الكريم، كلام الله تعالى.

يقول مبيّناً هذا المناط: «شرف الله عز وجل العربية بأن جعلها الوعاء الأبدي لكلمته الأخيرة للإنسان. وذلك سموق لا يطاوله سموق»[74]. ويقول: «إن هذه اللغة الشريفة المُشَرفة بحمل القرآن وصحبته اكتسبت روحانية وقدرة على غزو القلوب ووصف مشاعر الإيمان ونبضات الإحسان. تلك الروحانية وتلك القدرة لا نجدها، وأنى توجد، في أي لغة غيرها. كل لغة غيرها منقوصة الأعضاء مبتورتها عديمة الكفاءة عن التعبير في ميدان الرحمة. وأذكِّر أنني أقصد بالرحمة من الله عز وجل إلى العبد، أقصد تلك العلاقة الإيمانية الإحسانية. أما ميدان الحكمة فالعربية فيها، ككل اللغات، محتاجة إلى الاقتباس، قابلة للإثراء. أقصد بالحكمة اجتهاد العقل وإنجازه لمقتضيات الرحمة»[75]. ويضيف رامياً غيرها بالخرس والصمم والكسح[76] والعجز والبتر[77]: «هي البيان والتبيين. اللغات بجانبها خرساء صماء كسيحة عاجزة بتراء عن البيان والتبيين والترجمة عن الوحي»[78].

ولمكان هذا “الكمال”، تأبى لغة القرآن «إلا أن تتقيد بها اللهجات الأخرى كما محت من قبلُ لغات العرب جميعها على فصاحتها وقوة الفطرة في أهلها وردتها إلى لغة واحدة هي القرشية»[79]. فـ»من المعلوم بالضرورة أن القرآن جمع أولئك العربَ على لغة واحدة، بما استَجمع فيها من محاسن هذه الفطرة اللغوية التي جعلت أهلَ كل لسان يأخذون بها ولا يجِدون لهم عنها مَرغَباً، إذ يرونها كمالاً لِما في أنفسهم من أصول تلك الفطرة البيانية، مما وقفوا على حد الرغبة فيه من مذاهبها دون أن يقفوا على سبيل القدرة عليه. ومِن شأن الكمال المطلوب إذا هو اتَّفَق في شيء من هذه الأشياء -كهذا الكمال البياني في القرآن- أن يَجمع عليه طالبيه مهما تفرقت بينهم الأسبابُ المتباينة، والصفاتُ المتعادية»[80].

«كان الزعيم علال الفاسي رحمه الله يلقب المختار بـ”فقيه الجرومية” لرُسوخ قدم السوسي في علوم العربية، ولغيرته على اللغة العربية»[81]. ويحكي الأستاذ عبد السلام ياسين غضبَ «العلامة الفقيه الأديب الشاعر المعلِّم محمد المختار السوسي رحمه الله»[82] «من لغة يُرْضعونها الصبيان في عُقْر بيتٍ وقرية كانت مدرسة خَرَّجَت علماء وأدباء منهم المختار نفسه»، ثم يضيف: «ويُعبر شاعرنا الفحل الفقيه العلامة الصالح (ولا نُزكي على الله أحداً، نحسِبه كذلك والله حسيبه) فيقول من قصيدة مدح فيها لغته الحبيبة:

نمدُّ أكُفّاً قطَّع الله راحها              إلى غيرها من اللُّغَى السَّمِجَات»[83].

يعلّق أستاذُنا على بيت المختار السوسي هكذا: «حسناء رائعة الجمال هي لغة القرآن. سَمِجَاتٌ[84] قبيحاتٌ شوهاوات رذيلات غيرُها من اللّغَى إن مددنا أكفَّنا نستجدي من لغة غيرنا وفكر غيرنا عِزاً. تلك كانت غيرة السوسي رحمه الله على لغته العربية»[85].

إن «العربية أو اللسان العربي، يمتلك من الخصائص والصفات والقدرات التعبيرية، ما لا تمتلكه أية لغة أخرى، أو أي لسان آخر»[86]. لقد «استمرَّت العربيةُ حاملةً للذكر المحفوظ كما أنزلَه ربُّ العالمين على خاتَم النَّبيِّين، وبقيت، مذ اختارها الله للعبارة عن شرعه، لغةَ الاتصال مع الخالق بكلامه. وهي تنفرد بهذه الخاصية لافتقادِها في غيرها من اللغات المنتشرة في عالم اليوم. بل ليس من بين اللغات البشرية لغةٌ تشارك العربيةَ في حمل الخطاب الإلهي محفوظاً من التحريف ومصوناً من الزيادة والنُّقصان. وليس من بينها ما يحفظ كلامَ الله المتنسَّكِ به كحفظ العربية له، ولا ما يُؤمِّنُ عبادةَ الله بكلام الله كما يكون بالعربية، فباستقلالها في حمل الخطاب القرآني انفردت بوظيفة التواصل الرباني»[87].

يعرض ياسين في “حوار مع صديق أمازيغي” «فلسفة حياة، وبرنامج حياة»، يُهمان موقفه مما نحن بصدده: مقارنة اللغة العربية بسواها من اللغات. يقول: «إذا كانت العربيةُ باعتبارها لغة القرآن هي لغةَ روحي، وكانت آيات الله التي أتلوها في صلاتي وفي مصحفي هي النغمة المتردِّدة في أعماقي، فإني لا أطيق النظر في وجه الضرائر المستَفِزّات»[88].

يقول أستاذُنا في معرض بيان دواعي هذه المقارنة وفحواها: «لَوْ انحصرتْ المقارنة بين اللسان العربي وألسنةِ الشعوب على مزايا هذه وبلاغة تلك، وليونة الأخرى ويبوستها وخِصبها وجَدْبها وثروتِها وفقرها ونحوها وصرفها وتراثها وشعرها ونثرها، لكان مجالٌ للغة تفاخِرُ العربية وتنازلها وتساميها.

لولا أن اللسان العربيَّ مصطفىً مختارٌ بين اللغات كما هم الرسُل عليهم السلام مصطفَيْن من الناس، ولولا أن القرآن كتابَ الله ورسالتَه إلى عباده من جن وإنْس أنزل بلسان عربيٍّ مبينٍ، لما كان من يَعْصِي العربيَّة منتصِراً للغة قومه، ولهجة أمّه إلا حُرّاً يأنَفُ من أن يُستذَلَّ وجودُه. ولما كان من يعكُف على لغة قومه ولهجة أمه وأهازيج جدته إلا مثقفاً أصيلاً ذا هوَيَّةٍ في التاريخ، ومجد في الدنيا. لا عليه أن يكفر بلغةٍ لا يستقيم بها لسانه، فإن استقام بها لسانُه فقلبه يتكلم بلغة أخرى.

إن الله عز وجل منَزِّلُ الكتابِ ومخاطِبُ أولي الألباب، هو المتكلم بالقرآن. القرآن كلامه، وكلامه صفته: مُقَدَّسٌ في مُقَدَّسٍ. هو سبحانه المتكلم بالقرآن، وِعاء كلامه القدسيِّ اللفظ العربي، والتركيب العربي، والبلاغة العربية. دخل اللفظ والبلاغة والتركيب في نطاق المقَدَّسِ ما دام اللفظ لفظ القرآن، والتركيب آيات القرآن، والبلاغة بيانَ القرآن.

فإذا كتبتُ أنّ من كفر باللسان العربي فقد كفر بالله، فإنما أعني لُغةَ القرآن وآيات القرآن. وبما أن خدمَةَ العربية بعلومها هي خدمةٌ للقرآن وفهم القرآن، كان التعميمُ حقيقاً. وبما أن خذلان العربية واستفزازها بالضرائر وبُنيَّات الأقلام والمحابر خذلانٌ مباشر للقرآن واستفزاز له، كان خذلانها لخِذلانه شقيقاً.

تكلم الله سبحانه، وأنا العبدُ شرّفنِي ربي بتلاوة كلامه. ما هي تلاوةٌ إلاَّ بكونها نطقاً باللفظ المنزّلِ. ما هو قرآن إن ترجِمَتْ المعاني المنزلة -وأنّى لها أن تتسع لمعانيها لغة!- إلى أكثر اللغات حِذْقاً وفصاحة.

كلام الله عز وجل نور، وبركة، وتزكية، وغِذاء روح، وبلْسمُ روح، وسمُوُّ روح، ورَوْحُ روحٍ. ثم هو علم بالشريعة المنجية، والعباداتِ المفروضة، والمعادِ المحتومِ المكتوب. والعربية همزة وصل لينة بين كلام الله وبيني أنا العبدُ المشَرّف»[89].

فلا غرو أن يكون قد «عقَّ ربَّهُ من عق لُغَة رسالةِ ربه. عصاه من عصاها. كفر به من كفر بها»[90].

نختم هذا المبحث عن شرف اللغة العربية المكتسَب من جهة كونها جزء ماهية الوحي بالتنبيه على الرأي الفريد للأستاذ عبد السلام ياسين في «مناط الإعجاز» القرآني، والذي يستدرك به على ما أُلِّف في هذا الموضوع استدراكاً بديعاً يغني هذا المجال النفيس الذي أكثر فيه علماؤنا وأفاضوا وأجادوا رحمهم الله.

لقد «كان تحدي الخالق سبحانه لخلقه أن يأتوا بحديث مثل القرآن إبرازاً للإعجاز في وسط قوم هم أهل الكهانة والسحر والشعر والقصص»[91]، و»كانت قريش، والعرب معها، لا تستطيع أن تضبط من أي ناحية يكتسب القرآن فعله المؤثر فيهم، فحاروا في تصنيفه مقارنة بإطارهم المرجعي: شاعر؟ ساحر؟ كاهن؟!».

«روعة الأسلوب وجزالة اللفظ لعلها راعت كثيراً منهم. لكن تلك الروعة لا تكفي لتفسير الإعجاز القرآني. كما لا يكفي مناطاً له وعلة ما فصله علماؤنا المسلمون حين ألَّفوا في الإعجاز القرآني وفصلوا أسبابه»[92]. نعم، «لقد أدرك اللغويون القدامى أن لغة التنزيل هي لغة الخالق الأعظم، وأنها ليست كلغة العرب أهل اللسن والفصاحة، وأن لها خصائص عالية اكتسبت بها “الإعجاز”»[93]، غير أنهم «يرجعون الإعجاز إلى أسباب أربعة:

1- جزالة اللفظ وبلاغة الأسلوب.

2- إخبار القرآن بأحوال القرون السابقة التي ما كان للعرب بها خبر.

3- إخبار القرآن بأحداث مستقبلية حدثت فعلاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده.

4- إخباره بعلوم كونية سابقة لاكتشاف البشر.

وقد يشيرون إلى التشريعات المعجزة السامية بكل مقياس.

بيد أننا نرى أن محاولة استكناه أسباب الإعجاز لن تنتهي إلى شيء يمكن أن نضع عليه أيدينا وكَأَنْ قد فرغنا من اكتشاف حقيقة القرآن. فالقرآن كلام الله عز وجل لفظاً ومعنى ورسالة». «القرآن كلام الله عز وجل تقمص لساناً بشرياً. فإعجازه ذاتي، إعجازه من مصدره الإلهي، إعجازه من كون الفطرة البشرية عرفت فيه سطوة الألوهية وتعرفها»[94].

المبحث الثالث: العربية بين الولاء للقومية والولاء للقرآن

1– مَن صَنع عبقرية العربية؟

لأن «الإسلام دينَ الله الحق لا يقوم إلا على كسر العصبيات وإبدالها بولاية الإيمان ومحبته وطاعته ونصيحته»[95]، يخاصم عبد السلام ياسين، بل يعادي في كتاباته بلا هوادة، كل من يريدها «قومية ناطقة بلغة الضاد لا بلغة القرآن»، ويعلن بوضوح أن «ولاء العرب القوميين للغة التي نزل بها القرآن كولائنا للقرآن»[96]. والولاء للغة قومية غيرُ الولاء للغة وحي منزل. إن «القومية انتساب طبيعي إلى أصل المولد والنشأة»، «والإسلام لا يخاصم بأي وجه ما هو من أصل الخلقة وما هو من مقومات وجود البشر»، «هذا وضع فطري، يبقى فطرياً إن ارتقى بالإنسان إلى نضج التعارف والتعاون، ثم إلى كرامة الانتساب للّه عز وجل باكتساب التقوى والعمل الصالح. أما إن انتكست المسيرة، وتكبرت الأسرة على الأسر، والقبيلة على القبائل، والقومية على القوميات، والشعب على الشعوب، واستبدل بالتعارف التشاحن، وبالدخول في السلم الدخول في حرب العصبيات، ولم يتمكن الإنسان في هذا الواقع المنتكس من اقتحام العقبة إلى اقتسام الكرامة الإنسانية مع بني الإنسان، وإلى التميز بالأكرمية مع المتقين والأتقين، فإن ذلك فساد للفطرة، وتكون الأسرة والشعب والقومية عشّاً موبوءً تتوالد فيه مبيدات الإنسانية، وقاتلات المروءة، والتناكر والعدوان، والعداء في ذات الطاغوت الأسري القومي»[97].

وأظهر ما يكون الارتكاس والانتكاس، حينما يقْلب العروبيون ظهر المجن لصنع الخالق، وينسبون إلى المخلوق صناعة وخلقاً وإبداعاً، نسبةَ تنكُّر وإلغاءٍ، لا نسبةَ ترقّ وابتغاء مقتضى نداء الخالق الحاث على النظر الاعتباري في السماوات والأرض والآفاق والأنفس.

يقول منظرنا: «عندما نغتبط بامتلاك لغة شرفها الله عز وجل واختارها لينزل إلينا فيها ذكره، يعتبر العروبيون بأن العروبة قدمت للإسلام وللقرآن هذه اللغة العبقرية. عندما ننظر إلى صنع الله عز وجل حيث خلق قوماً ودرجهم في أطوار النشأة حتى تطورت لديهم لغة كان اللّه عز وجل في سابق علمه هيأها لتكون وعاء لوحيه كما هيأ رجلا من بين أولئك القوم لتلقي ذلك الوحي، يرى العروبيون أن عبقرية الأسلاف ونباهة العرق وشرف الأرومة معطيات (موضوعية) أفرزت اللغة العبقرية وأفرزت النبي. فشتان ما بيننا»[98].

شتان ما بين من ينسب للخالق سبحانه جمالَ الصنعة، وبين من يُلْبس القوميةَ “أنا” الفرعونية. إن «القادر تقدَّستْ أسماؤُه إذا أراد أن ينشر لغةً اختارها لشريعته، وبعث من أهلها رسولاً ليبلِّغ شرعَه إلى الناس كافة». وهكذا «كانت بعثةُ محمدٍ، صلواتُ الله عليه، لينشُرَ شرْعَ الله بين الناس كافةً بلسان قومه خاصةً، وليُكوِّنَ على الأرض أمةً عقيدتُها القرآن وقاعدتُها اللغةُ العربية»[99].

يُثْبت ياسين للغة العربية «مؤهلات فريدة بين اللغات»[100]، ويقرّ أنها « أعطت الوحي خصائصها البلاغية»[101]. يقول: «إن في اللسان العربي لثروات وإن له لإمكانات عزّ أن توجد في لسان غيره»[102]. ويقول: «لنا معشر العرب وَلوع بلساننا العربي وهو لنا خزانة الثقافة وصيغة الجد والطرافة. وهو لنا أدب منقول وشعر مكرر غير مملول. العربية لغتنا القومية ومفخرتنا، وغايتنا الثقافية ومعجزتنا نرمي بالبهتان من اتهمها بالعقم، ونتصفح آثارها في حرب وسلم وحق لنا أن نهتم بلغة قومية ونستهدف لها تجديداً تساير به العصر»[103].

غير أنه لا يفتئ يستدرك مذكّراً بقطب رحى هذه المفخرة الغاية المعجزة. يقول: «لكن هذه اللغة القومية عقيم من كونها قومية. إننا معشر العرب ننسبها إلى أنفسنا فنغلق علينا آفاق الإسلام، ولا ننتسب نحن إليها لكي نعز بعز الإسلام. إنها لغة كان يتكلمها جاهليون بجزيرة العرب فلما شرفهم الله بالإسلام وشرف لغتهم بتحميل خطابه أصبحت إعراباً إلهياً وبياناً. ولولا ذلك لا انقرضت في الغابرين. إن العربية إنما حييت واستعصت على الدهر بحياة القرآن. وعلى قومنا أن أرادوا الحياة إن ينتسبوا للقرآن وللسان العربي باعتباره لغة القرآن، ففي ذلك عزهم وبالقومية مذلتهم. القرآن لغة حياة ولغة جهاد لا يفهم خطابه العربي بفصاحة لسانه إن كان القلب منه أعجم، وإنما يفهمه أن أضاف إلى فصاحة اللسان فصاحة الإيمان. وقد أخبرنا الصحابة الكرام أنهم أوتوا الإيمان قبل القرآن. فسمعوا آياته باكين خاشعين قارئين مجتمعين، وسمعه قومهم الجاهليون وهم في مثل فصاحتهم اللسانية فشهدوا بإعجازه وبلاغة كلامه وعجبوا لكنهم ما بكوا من خشية ولا اجتمعوا من فرقة»[104].

إن «اللسان العربي إن نطق بلغة القرآن لسان جميل بديع يزينه شرف الخطاب الإلهي»[105].

لقد «بلَغ العربُ في عقد القرآن مبلغاً من الفصاحة لم يعرف في تاريخهم من قبل، فإنّ كل ما وراءه إنما كان أدواراً من نشوء اللغة وتهذيبِها وتنقيحها واطرادها على سنن الاجتماع»، حتى «قامت فيهم بذلك دولةُ الكلام، ولكنها بقيت بلا مَلِك، حتى جاءهم القرآن». إن «كلّ مَن يبحث في تاريخ العرب وآدابهم، وينفذُ من حيث تنفذُ به الفطنةُ وتتأتى الحكمة فإنه يرى كلَّ ما سبق على القرآن –من أمر الكلامِ العربي وتاريخه- إنما كان توطيداً له وتهيئةً لظهوره وتناهياً إليه ودُرَيَةً لإصلاحهم به»[106].

لقد حملت لغةُ العرب «الوحيَ وأعطته خصائصها البلاغية، ومن ثم ارتفعت إلى الخلود، فألفاظها ومبانيها مراكب لأسراره ومعانيه. وبصحبتها للوحي، ولزومها له وخدمتها، أمكن لها أن تُصبح طول تاريخ الإسلام والمسلمين ذات الأثر الحاسم في تحديد الفقه الإسلامي وتوجيه الأدب الإسلامي، وصبغ الحضارة الإسلامية. حتى إن لغات الشعوب الإسلامية غير العربية… ما وسعها إلا أن تستقي من معين لغة العرب المشرفة بالوحي لتكتسب بعض الروحانية فتعبر عن بعض حاجات المسلمين العجم ما دون الحاجة القبلية الإيمانية التي لا يروي غلتها إلا اللفظ العربي، لفظ القرآن الكريم.

ذكر اللغة العربية سار في الأرض طولاً وعرضاً، وسار في التاريخ، وله الخلود. ولا نذكر العربية دون ذكر العرب الذين نشأت في أحضانهم، ونطقت بها فطرتهم، وانبثقت عنها عبقريتهم. فيأتي العربي القومي في هذا القرن الخامس عشر المبارك على الأمة إن شاء الله تعالى فينتشي بلغته المعظمة، ويفاخر النجوم بأمجاده القومية المجلوة جلوة العروس في هذه اللغة حاملة التاريخ، ممددة الأصالة، ضامنة الهوية. ينسى، (بل غالباً ما يجهل بكل بساطة) أن لغته لولا الوحي الذي غشيها لكانت لغة غابرة، لولا القرآن الذي بلورها لانمسخت، لولا الإسلام العظيم الذي رفعها من ماديتها الوثنية لما رفعت يوما رأساً، ولا سجلت تاريخاً، ولا كان لأهلها من الأصالة ما يستحق الفخر، ومن الهوية ما يليق بالذكر»[107].

لقد «كانت لغة العرب في الجزيرة قبل الإسلام لغة خطابة وشعر، لغة العاطفة الرقيقة ولغة الفخر والعصبية والأمجاد. فلما اصطفاها الله جل شأنه وأودعها خطابه للخلق، ولما حدث بها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأجيال المومنين من بعده، اكتسبت قداسة وتبلورت في البيان القرآني المعجز. فكانت في الصدر الأول من الإسلام لغة قوة وإيمان، ثم في العصور التابعة لغة حساب وديوان ولغة علم وعرفان. وما عجزت قط عن التصرف المنطلق في حاجات التنظيم الحياتي ولا عن التصرف المحلق في أجواء العاطفة والشعر»[108].

كلمة واحدة تلخص “قطب رحى هذه المفخرة الغاية المعجزة” التي كانتها اللغة العربية: «القرآن محفوظ، محفوظة فيه لغته»[109].

إن «العربية بلا قرآن تعطيك العروبة بكل أمراضها المعروضة على العالم. إنها لغة الفرقة والكراهية»، وما من وحدة وقوة خارج لغة القرآن؛ إنها «لغة واحدة موحدة هي لغة القرآن لغة الجهاد والجماعة والعزة، ولغة التقوى والمعية مع الله»[110].

«إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكماً حتى يتأذن الله بانقراض الخلق وطيِّ هذا البسيط، ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس وردهم إليها وأوجبها عليهم لما اطرد التاريخ الإسلامي ولا تراخت به الأيام إلى ما شاء الله، ولما تماسكت أجزاء هذه الأمة ولا استقلت بها الوحدة الإسلامية»[111].

يقول ابن تيمية: «إن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله»[112]. ويقول: «اللغة العربية هي شعار الإسلام ولغة القرآن»[113].

عندما ينصّ عبد السلام ياسين على أن «اللغة الإسلامية هي لغة القرآن»، فإنه يعقّب للتو: «ولا دخل للقومية في هذا»[114]. لأن «اللغة العربية فقد فقدت الانتساب إلى قومها منذ أن اختارها اللهُ جل وعلا لكلامه في القرآن الكريم، وزاد رسولُه الأمين صلى الله عليه وسلم فعبّر بها عن سنته الموجَّهَةِ إلى المسلمين، فصارت بذلك لسانَ حضارة القرآن بدليل وجودِها حيث يوجد الإسلام في أي ركن على الأرض»[115].

2– أَلْيَكة العربية:

إن عبد السلام ياسين، وهو يطلق عبارة اللغة العربية، فإنه يعني حصراً لغة القرآن، أي «آيات الله المنزلة بها لا مطلق اللفظ العربي»[116].

إنه يعني «لغةَ الكتاب المنزل»[117]، «تلك الصافيةَ المتينة، لا لغة الجرائد»[118] العاجزة عن أن تحمل ألفاظُها ما تحمله الألفاظ «من دلالات خلفية إيمانية في لغة القرآن»[119].

في هذا الصدد، يتهم منظّرُنا النصارى العرب بالجناية على لغة القرآن عبر إخضاعها بالتدرج إلى أليكة محكمة. قال: «جنت عربية النصارى العرب على لغة القرآن. والقومية جامعة، واللاييكية جامعة، والعربية -العجمية المصحفة المنكرة- جامعة. لا نحوها نحو القرآن، ولاصرفها ولا اشتقاقها ولا مبناها ولا معناها»[120].

واعتباراً منه لـ»فاعلية هذه القلة القليلة في جسم الأمة وحيويتها وأثرها البالغ، لا يكتب الصيغة الإضافية» المعتادة في الكتابات الحديثة والمعاصرة المتحدثة عن «نصارى العرب»، بل يكتب: «النصارى العرب». قال عن فاعليتهم: «يقودون كثيراً من العرب بالزمام، ثقافياً وحزبياً وإعلامياً»[121]، وكانوا منذ عصر النهضة «رواد الأدب العربي والصحافة العربية والتأليف العربي والأكاديمية العربية»[122].

لقد «نبغ من النصارى العرب، من رهبانهم ومن عامتهم، صحافيون وناشرون وبحاثون… فكانوا الرعيل الأول في ركب العلمانية». لقد كانوا الطليعة التي دخل بواسطتها «الفكرُ العلماني شامخ الرأس»[123] إلى ديار أمة العرب المسلمين.

و»ما فتِئُوا منذ قرنين يُعالجونَ اللسانَ العربيّ ليُطاوِعَ التّعبيرَ العصريَّ عن الواقع العصريِّ». إن «الذي عالج اللسان العربيَّ منذ قرنين»، هم « النصارَى العربُ قبْلَ المسلمين من عرب وعجم. عالج الآباءُ اليسوعيون في لبنانَ، وَوَطنوا المطبعة والطباعة، وحَدَّثوا معجماتِ اللغة العربية، وأحدثوا معجماتٍ، وطبعوا كتب تُراثٍ، وتاريخَ عرب، وشعْرَ عربٍ. كل ذلك مجرَّداً عن دين الإسلام، مُتَلبِّساً بلغة الإسلام، منشغلاً في الظاهر بخدمة لغة الإسلام، مستبْطِناً الولاَءَ لحركة التنصير اليسوعية وغير اليسوعية، مستظهرا بالدعم التنصيري اليسوعي وغير اليسوعي.

وطوّرَ اليسوعيون العربُ لغة العرب فعلاً، وتلقَّفَتْ مِشعَلَ التطوير طائفة من نصارى لبنانَ وفدوا على مصرَ، وأسسوا مطابع، وأسسوا جرائدَ ومجلاتٍ عربية كان لها منذ أزيد من قرن إشعاع على العالم العربي الإسلامي وعلى كل قارئ بالعربية من المسلمين.

طوروا العربية فعلاً، لكن بقصد إعلامي، لا بقصدٍ غَيورٍ على الكنْز المُودَعِ في اللغة -كتابِ الله وسنة رسوله- ولا بقصد تقوية العربية على حمل أسباب القوة من علوم كونية وتجارب بشرية نافعة. وما تبِع المجهودَ اليسوعيَّ النصرانيَّ في مجامِع اللغة العربية وأكاديميات اللغة العربية لَمْ يحد كثيراً ولا قليلاً عن المقصد التنصيري.

وها هي بين أيدينا لغةٌ عربيةٌ عصرية لاييكيةٌ في صحف الإعلام والمجلاتِ المصورة والإذاعات والتلفزيونات. لغةٌ ركيكةُ المباني، مترجَمَةُ المعاني، فاسِدَةُ النحو، قعيدةُ الصرف، ما بينها وبين لغة القرآن المُبينَةِ من قرابة إلا صِلَةُ اللفظ والحرف. لغة عصريةٌ جِسْمٌ، تَسكنهُ روحٌ دخيلةٌ تَتَململُ لاييكيتُها وتتَخبَّطُ المسكونَ، فلا تَسمعُ من هَمْسِ العربية إلاَّ أنينا وحنيناً إلى سالفِ عزها، يومَ كانت لُغةَ الدين والدنيا، لاينفصِلُ الدين والدنيا شِقَّيْن وتعبيرين»[124].

هكذا صارت العربيةُ «لغةَ صَحافة يقودُها من أنفها أولادُ النصارى العربِ إلى الهُجانة والرَّطَانَةِ»[125]. صارت «عربيةً أمرضها النصارَى العرب»[126]، صارت «لغة معلمنة فقدت كفاءتها التعبيرية» حين أصبحت «عاجزة كل العجز عن التعبير عن البعد الروحي». وهل في الإمكان «التفكير في الإسلام والتعبير عن مضمون الإسلام ورسالته بواسطة لغة معلمنة»[127]؟

هذه القاعدة المركزية في التعاطي مع اللغة العربية هي ما يحدّد موقفه من القوميين العرب الذين «يريدونها قومية ناطقة بلغة الضاد لا بلغة القرآن، ينشدون أمجاد اللغة العربية، ويتيهون هياماً بها ويرفعونها مكاناً سامياً. إنها نوع وثنية، حيث تستحيل اللغة هي الروح، هي الأصل والفصل، هي الحاضر والمستقبل، هي التاريخ والحقيقة، هي الكل»[128]. بل إنه يذهب إلى حدّ اتهامهم بخيانة لغة القرآن، «هؤلاء القوميون العرب خانوا القرآن إن هم زعموا أن الإسلام زهرة العروبة وثمرتها. ما هم من لسان القرآن في شيء هؤلاء الذين بضاعتهم ثقافة عامة، لا يعرفون اللسان العربي في نحوه وصرفه وبلاغته وبيانه، لا يعرفون علوم العربية ولا لهم من سليقة العرب الأولين حِس.

لسان القرآن لسان كامل محفوظ. حفظه القرآن، ما هو حفظ القرآن. لسان كامل وغيره ناقص ولو كانت الحروف عربية والثقافة يَلهج بها لَغْوٌ من الكلام يثرثر بلغة الضاد»[129].

ولهذه الثرثرة بلغة الضاد منقطعةً عن لغة القرآن، يستعصي الحوار ويمتنع. وكيف تُغدق شجرة هذا الحوار والحال أن «الانتماء للقومية متركز في النفوس»[130]، «ونحن قلوبنا قومية ما تنتسب للقرآن»[131]؟ «من أين تبدأ حوارك مع من يجهل العربية إلا جملاً جرائدية؟»[132]، والحال أن «بعضهم لا يحب ولا يقدر أن ينفصل على مألوف تفكيره الركيك. ونحن عاجزون عن اصطناع خطاب ينحط بالكلمة العربية القرآنية المبينة رأفةً بمن لا يعرفون حقيقة العربية ومجازها، وبلاغتها وبيانها، وأساليب الخطاب العربي الإسلامي»[133].

فـ»هل من لغة للتفاهم والحوار لا يعتبر فيها الفضلاء اللاييكيون كل كلمة خارجة عن قاموسهم غمزاً ولمزاً وإهانة! التوبة عندنا رحمة. التوبة رجوع صادق إلى الحق. التوبة طهارة. التوبة وضوء وصلاة وقرآن وطاعات وأعمال صالحات. دعونا الفضلاء الديمقراطيين دعوة واحدة عمّمناها لتشملنا وإيّاهم. دعوناهم لنتوب نحن وإياهم إلى الله تعالى. امتثالاً لأمره العزيز وتَرْجيته الكريمة في قوله تعالى: “وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون لعلكم تفلحون” (النور، 21). إن دعوته لتوبة أنت تضمِرها عودة إلى الله تعالى كما كان صلى الله عليه وسلم يستغفر الله سبعين مرة في اليوم، وهو يعتبرها إهداراً لكرامته، وحطاً من قيمته، وإقصاء له من حَظيرة الشرف، فمتى نتحاور، ومتى نلتقي؟»[134].

المبحث الرابع: لغة النـزال.. والاستقبال

1– منازَلة الهيمنة الثقافية الأجنبية:

نكرر، مقلبين أوجه الكلام، أن عبد السلام ياسين إنما ينافح عن لغة القرآن «حاملة كلمة الله ورسالته الخاتمة إلى الإنسان»[135]، «لغة القرآن الحاملة رِسالةَ القرآن»[136]، من حيث هي «لغة اللسان والقلب والإيمان»[137]، والتي يمكّن إتقانُها من «محاربة الهيمنة الثقافية الأجنبية واحتلالها عقول أبنائنا وميادين حياتنا»[138]، حيث «تقرأ وتسمع خطاباً بألفاظ عربية، لكن بمعان تلعنها لغة القرآن»[139].

يطغى واقع المنازلة الميدانية المفتوحة المستعرة بين الإسلام والغرب على خطاب منظّرنا. وأظهر ما يكون ذلك عند حديثه عن وظيفة اللغة المتحكمة في صياغة المفاهيم وبلورة الثقافة وبناء التصورات الوجودية الكبرى. فعنده «لا يمكن أن نفصل بين اللغة وما تحمله وتتضمنه من رسالة»؛ فإن العربية جزء ماهية الوحي، مثلما هي «اللغة المادية الإلحادية “جزء ماهية” الكفر»[140] سواء بسواء. وعنده أيضاً «أن أقربَ مَسلك لاحتلال القلوب والتمكن فيها: اللغة»[141].

يقول: «استفحلت اللُّوثة[142] والخلط على اللسان العربي وعلى كل لسان ينطق بالإسلام. بل هوجمت العربية وهوجمت لغات المسلمين، لتُقْطَعَ منها الأوداجُ وتُحزّ منها الأطراف وتقطع صِلاتها باللغة القرآنية». وإنما كان فصلها «عن لغة القرآن لتُنَشَّأ أجيالٌ لا تستطيعُ تقرأُ في المصحف»، ولأجل «استئصال العروق التي تصل العربي والعجمي بالمصحف»[143]. «لوَّثَتْ خُلْطَةُ الجاهليين منا النفوس، وكدرت العقول، وتغلغل سَخَمُها[144] إلى القلوب»[145].

لقد «تلوثت الألفاظ والمصطلحات، وتداخلت المفاهيم، واشتبكت المعاني بمادية الثقافة الدوابية الأرضية المحيطة الغازية»[146].

في خطاب المنهاج النبوي، تعكِس عبارتا “التبعية” و”التغريب” وأضرابهما اللوثة والسخم بجلاء؛ فـ»مادام جهازك المعرفي ملتقطاً من مخازن غيرك، فأنت تابع لا فكاك لك من التبعية. تنظر نفسك والعالم والتاريخ بمنظار غيرك إذ لا لغة لك إلا لغته، ولا منطق إلا منطقه، ولا حقيقة إلا حقيقته. وتكذب على نفسك إن زعمت أنك تخدم خصوصيتك الثقافية بمشاركتك في المهرجان الثقافي العالمي تتكلم فيه بلغتك المهجنة وأنت لا تشعر، وتنشد الأشعار، وتلقي المحاضرات عن التراث المجيد.

أنت تابع، وثقافتك تابعة، ولا تخدم إلا الأسياد، حددوا لك في نطاق التبعية مهمة تؤديها بلغتك التابعة.

لغتك يا مسلم، لغة القرآن. إن تأصَّلتْ منها وبها ذاتيتك الإسلامية، وإلا فأنت في مدرسة التغريب العالمية المستفحلة الغازية، أنت تلميذ فيها»[147].

تتساءل نظرية المنهاج النبوي عن مصير صفاء لغة القرآن ونقائها في جو هيمنة هذه اللوثة: «ألا يوشك الريح الجارف أن يلقينا إلى تلك الأجواء المختلطة حين نفتح نوافذ الحوار ليستنشق قوم هواءنا؟». وتتحدد مقاربة هذه الإشكالية في هذه النظرية بواقعية التعامل مع العصر: «إن تعاملنا بمرونة الحكمة مع أساليب الفكر المعاصر يدخل في إطار تعاملنا مع الواقع المعاصر الكلي»[148].

غير أن النظرية ذاتها تقر بأن «التحدث بلغة القرآن في عصر ساد فيه حديث الفلسفة والثقافة والفن واللذة والمنفعة و”السعادة” والمتعة والمردودية وتوابعها مَدخل صعب»؛ «فلا الخيرُ ولا الشر ولا المصلحة ولا المفسدة تقاس بمقاييس تعرفها الفطرة فتلينُ إليها، وتطمئن إليها النفس المومنة بالمعاد فتسلك بباعثها»[149]، «فأنت تتحدث عن الشريعة كافلة المصلحة. وكلمة “مصلحة” في عُرف العصر الدارج لا رائحة فيها ولا في شيء مما يُنطَق أو يُكتب في حضن الجدَل الحضاري التنموي الثقافي للآخرة. فأنّى نتفاهم مع رواد نادي السياسة الجائحة؟»[150]، و»ما حيلتُنا والنشءُ المُغرَّبُ الذي نحب أن نخاطبه ونحاورَه أُلْقِم منذ طفولة عقله طُعمة العُجمة القلبية وإن انطلق لسانهُ بلغة الضاد. فعالَمه الذهنيُّ مسكون باللاييكية الفلسفية، لا يفهم عنك إن لم تحدثه بلغة العصر، التي لا يفهم غيرها، عن القومية والاشتراكية واللبرالية والوجودية والديمقراطية والرأسمالية الإمبريالية، وعن الديموغرافية الأصولية، وعن التراث والأصالة، وعن الثقافة والفن، وعن كل شيء سِوى الله عز وجل، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدَر خيره وشره»[151]، و»لغة القرآن التي نطمح أن نروح روحها لغة لا نحسن التشبع بها لقصورنا وانحدارنا مع لغة الشارع الثقافي، ويا لَلأسف! ولغة المثقفين شوائب من الكلام المترجم لا تفقه له قبيلاً من دبير.

ما من كلمة من المفردات في قاموس المثقفين إلا لها خلفيات لاييكية فلسفية. ما منها إلا له دلالات ومرجعيات معناها من هناك وإن كان مبناها يتأرجح ويترنح ليزعم أنه عربي. ما منها إلا ينكر وجود الله، ويسخر بمن يصدق بالبعث والنشور والجنة والنار والجن والملائكة»[152].

لا يجد صاحب نظرية المنهاج النبوي من الاستجابة لتحدي “التعامل مع الواقع المعاصر الكلي” و”المدخل الصعب” بدّاً، فيضطر إلى «استعمال ألفاظ وتعابير دخيلة مترجمة هجينة» ليقتصد «في الوقت مخاطباً بعض الناس بما يفهمون»[153]. يقول: «وللتفاهم من ألفاظ العصر نقتنص»[154].

هو استعمال مُكرَه إلى حين: «حتى إذا عز الإسلام، وانتصرت لغة القرآن، وصارت لنا الأشياء، في ملكنا ومن صنعنا وتحت سيادتنا، عبرنا بالفصيح الأصيل وذهبت الرطانة الهجينة بذهاب التبعية»[155].

غير أنه استعمال واع يمقت الجزافية، ويستكنه مصادر المفردات والمفاهيم: «بيد أننا لن نستغني أحياناً عن كشف أصول بعض المصطلحات العصرية وإعادة سيرها على أعقابها لنراها تَرِدُ علينا ونحن على علم بهويتها وما تحمله، فإن المستوردين من غيرنا، إنما يلقفون هذه الألفاظ جزافاً»[156].

وكثيراً ما يعتذر أستاذُنا «للغة القرآن وللمعتزين بلغة القرآن»[157] عن هذا الاستعمال الاضطراري. يقول: «فاعفُ أيّها السليمُ من لوثات الفكر المغرب إن صادفت فيما تقرأ التواءً في تعَرُّجات الفكر وانغماضاً عن المصطلح القرآني واللفظ النبوي»[158]. كما يُكثر من الاستغفار فيقول: «أستغفر الله من تعابير ومصطلحات فرضتها علينا ضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم. ويجد المرء حَرَجاً، منذ لوَّثَ لغتَنا الشريفة أصحابُ الفكر المترجم، أن يجمع بين لسانَيْ القدَر والشرع كما يجمع القرآن وتجمع السنة»[159]، ويقول: «أستغفر الله العظيم الله لا إله إلا هو الحي القيوم من تعبير شدتني إليه الحاجة للتفاهم مع عصر مادي»[160]، ويقول: «أستغفر الله العظيم من النطق بلغة الغافلين عن الله»[161].

لذا، ما يعتِّم أن يحذّر من إفراغ لغة القرآن من صبغتها الإيمانية جراء اكتساح اللغة المادية وغشيانها مجالات الحياة جميعها. «إن لغة العصر رَمَت العربية الشريفة بدائها، فاختلطت المفاهيم. ورأينا أن غياب المعاني السماوية والقلبية والأخروية من كلام الناس غَيْرِنا أحدث بالعَدْوَى والتقليد والانطباعِ الغافلِ تفريغاً لِلُغتنا من محتواها الإيماني الغيبي»[162].

ويعِزّ أن تقع لدى قيادات الحركة الإسلامية ومرشديها على عديلِ نقدِ أستاذِنا للخطاب الإسلامي؛ فما انفك يكشف انحرافه عن لغة القرآن وانزلاقه إلى لغة عصرية تمتُّ إلى اللاييكية بصلات، لغة تزداد عن ذكر الله والغيب والآخرة بُعداً. يقول: «نخشى أن ينزلق خطاب الإسلاميين أكثر مما انزلق إلى تبني لغة معقمة فضفاضة تدخل في مصطلح الآخرين ويدخل فيها المصطلح. فتبتعد عن لغة القرآن وحقائق القرآن. وقد سرى هذا التطبع منذ زمان حتى إنك لتقرأ من “إنتاجات” السوق ما تقرأ فلا تجد ذكراً لله ولا للرسول ولا للآخرة والجنة والنار والحق والباطل»[163].

ويعيب على «دعاة الإسلام الفكري الثقافي» «خطابهم الممسوح من ذكر الله»، حين «يكتبون بهذه اللغة المشتركة الثقافيَّة» المنصرفة «إلى الجري لتلافي التخلف الشنيع الذي تعاني منه الأمة في ميادين المعرفة الكونية والعلوم والصناعات»، حتى «أصبحت هذه اللغة الغافلة عن الله المغفِّلة عنه أسلوباً مألوفاً، فينشأ عليها الخَلَفُ بعد السَّلَف في أحضان إسلام أجوف منبهر مأخوذ، يولي وجهه نحو الكون ومن فيه وما فيه إلا أوقاتاً مخصوصة مستثناة يولي وجهه فيها نحو بيت الله لينقُر الصلاة نقْراً، أو يوليها المصحف ليقرأ آيات الله المباينة كل المباينة للغة الفكر والحضارة والبديل»[164].

ويقول: «إنَّ الذي يحدث عند كثيرين من الكتبة عن الإسلام هو استعمال اللغة العقلانية الثقافية، من خلال عباراتهم البعيدة عن القرآن وبيان القرآن. لا ترشُح من أقلامهم إلا أفكار سطحية مادية اصطبغت على أصلها “الحضاري الثقافي العقلاني” بصبغة إسلامية شفافة»[165].

لا منجاة من هذا “الانزياح القارّي” للخطاب الإسلامي عن أصوله الإيمانية الكبرى إلا في تميُّز لغته، «ولذلك حَقَّ على الإسلاميين أن يُلحوا على ما كان مسكوتاً عنه لبداهته في كلام سلفنا العلماء المومنين. وحَقَّ أن يتميزوا في العبارة، يقاتلون في صف الكَلِمِ القُرآنية السنية كل عوامل التلوث المعرفي»[166].

وضوح المطالب وأصالتُها من أمارات قوة خطاب أستاذنا؛ إنه لا يتردد في حسم المسألة معلناً: «لا بيان يُرجى، ولا بلاغَ، ولاَ مَسْلَكَ إلى قلوب العباد، ولا أصالةَ للخطاب الإسلامي إلا بالأسلوب القرآني السني البريء من لَوَثات الفلسفة وعُجمات الحذلقة الثقافية»[167]. لكنه يظل، مع قوة هذا الخطاب، مدركاً صلب الإشكالية في هذا الصدد، فيصوغها على النحو الآتي: «المشكل أن نطور أداة للتعبير عن العصر دون أن نضيع بعيداً عن لغة القرآن، أن نسعف العقل بأداة إجرائية مع تقوية لغة القلب»[168].

ليست لغة القرآن، عند منظّرنا، مؤهَّلةً فقط لمنازلة الثقافات الأجنبية والفلسفات الغازية، بل مرشَّحةً أيضاً لطرد شتى أصناف الطواغيت التي تستعبد الناس: «السؤال المُلِحُّ يا أخي هو ربط العباد برب العباد لطرد كل عبودية لعينَةٍ لطواغيت الحكم، وطواغيت الظلم الاجتماعي، وطواغيت البيداغوجيا الإلحادية. هذا الربط يقوله القرآن بوضوح، وهذا التحرير من الطاغوتية لا يُفصح عنه إلا البيان القرآني واللغة القرآنية»[169].

2– اللغة شرط العزة المستقبلية:

يتساءل أستاذنا عن قدرة اللغة العربية على استمرار عطائها الحضاري في سياق ظرف مغاير يقطع مع الروحانية التي اكتسبتها «بحمل القرآن وصحبته»، حيث لم يعُد لقدرتها «على غزو القلوب ووصف مشاعر الإيمان ونبضات الإحسان»[170] فاعلية. يقول التساؤل: «هذه اللغة العربية التي حملت القرآن، وحملت السنة، وحملت علوم المسلمين، وحملت حضارة عظيمة، هل بوسعها أن تحمل لمستقبل الأمة حضارة اليوم والغد وما يكون هذه الحضارة من مضمون تقني علمي مادي؟ هل تبلغ هذه اللغة الشريفة اليوم وغداً رسالة تحرير الإنسان كما بلغت من قبل؟»[171].

في جوابه عن هذا التساؤل، لا يكتفي ياسين بترشيح اللغة العربية، ضمن هذا الظرف النقيض، للتعاطي مع هذا التحدي بالفاعلية الحضارية ذاتها، بل يذهب بعيداً حين يجعل تمكُّن المسلمين من لغة القرآن شرطاً ضرورياً لعزتهم المستقبلية. يقول: «ما دام القرآن بين ظهرانينا لم يرفع فرسالة التحرير محمولة، واقتحام العقبة سماع مطلوب، والاستجابة له منشودة»[172]. ويقول: «أما نقل التكنلوجيا وتكوين العقول المبدعة فلا سبيل إليه أبداً إلا بالاعتماد الكلي على اللغة الإسلامية أداة تعليم وبحث وعمل، اللغة الإسلامية هي لغة القرآن»[173]. ويضيف «تُرى، هل تقوم للمسلمين قائمةٌ إن لم يكن الكتابُ المنَزّلُ عندهم محفوظاً مدروساً مفهوماً بنصِّهِ المنزَّلِ العربيِّ المُبينِ، معمولاً به لأن الناس مسلمون، معمولاً به على صوابٍ لأنه مفهوم على وَجْهِ دلالات اللغة العربية، على صوابٍ لأن المجتهدين الفقهاء العلماء أتقنوا اللغة العربية نحواً وبلاغة ولفظا ومعنى؟»[174].

هذا الاستفهام الإنكاري القاطع باستحالة نهضة المسلمين دون تمكّنهم من لغة الكتاب العربيِّ المُبينِ، مصاغٌ عنده في نصّ آخر بأسلوب خبري مباشر يقرن بين هذه اللغة وكفاءتها العلمية. يقول: «إن قدرتنا على اقتحام العقبة، والعقبة تحرير وعدل وسيادة، تتوقف على اكتساب لغتنا الشريفة المحتد سلطان الكفاءة العملية، سلطان السيطرة على المكاسب العلمية البشرية، سلطان الصلاحية للاستقلال بتلك العلوم والسير بها قدماً نحو القوة الحقيق بها من يستخلفهم الله عز وجل في الأرض»[175].

يدرك عبد السلام ياسين أن اكتساب العربية الكفاءة العلمية المطلوبة ليست بالمهمة الهينة؛ فكيف تستطيع هذه اللغة استيعاب العلوم الكونية وتحاشيَ سطوتها المادية في آن معاً؟ الإشكال هو: «كم من خدمة تنتظر منا اللغة العربية الشريفة، لغة الإسلام لغة القرآن، التي وَسعَت العِلْم بالله وبرسالة الله إلى الإيمان لتستوعب العلوم الكونية سلاحَ الحاضر والمستقبل. أحوج ما تكون أمة الإسلام لخدمة الآلة اللغوية حتى لا تطغى على القلوب عُجْمة تحملها في أحشائها هذه العلوم المادية الصمُّ أهلها، البُكْم عن كلمة الله»[176]. «فلا يزال على العرب المسلمين أن يتشرفوا بخدمة اللغة الشريفة، وتحميلها زينة الإفصاح عن المعارف الكونية كما هي مشرفة من قبل الحق سبحانه»[177].

«وهنا تعترضنا مشكلة عويصة لمستقبل الإسلام، وهي كيف نتعلم لغات العلوم ونحذقها دون أن تُعديَنا فلسفة تلك اللغات وكفرها»[178]؟

وهو على وعيه بهذا الإشكال / التحدي، لا يرى من سبيل إلى استعادة عزة المسلمين خارج استعادة عزة لغة القرآن. نجد مثل هذا الربط والتلازم بين المجْدَيْن في سؤاله: «مجد العرب، بل مجد المسلمين، أين هو منذ أهملوا اللغة الشريفة لغة القرآن؟»[179]، وفي حسمه: «النداء من حاضر الأزمات والكوارث الرديئة إلى مستقبل الإسلام، وعدل الإسلام، والعزة بالله، والطهارة بسنة رسول الله، إما يكون بلغة القرآن وبيان القرآن، وإما يهرف الهارفون[180] بما لا يعرفون»[181]، وفي تقريره: «فوجودنا المعنوي، وعزتُنا، ومستقبلُنا، رهنٌ بأن يعاد لهذه اللغة مجدُها وسيادتُها. وسنبقى صُماً عن معنى ديننا إن لم نُتْقِن لغة القرآن، بُكْماً عن تبليغ دعوة الله إن اخترنا رَطانَة[182] الأعْجام على اللسان العربي المبين، عاجزين كَسِيحينَ عن استنقاذ العلوم الصناعية الكونية وتوطينها إن لم تكن لغتُنا واحدةً قويةً فصيحةً في كل الميادين»[183].

يستنكر أستاذُنا تحويلَ العربية إلى لغة محنّطة معزولة عن المختبرات، منكفئة عن شؤون الحياة: «لقد كادت العربية بما همشها وعاداها المتفرنجون أن تصبح لغة كَهَنوتية في الكتب الفقهية وعلى منابر الوعظ الوديع المُسالم، أو لغةَ صَحافة يقودُها من أنفها أولادُ النصارى العربِ إلى الهُجانة والرَّطَانَةِ. لا وجودَ للعربية، ولا يكادُ، في مختبرات العلوم، وملتَقيات الخُبراء، ودروسِ التخصص العالي. وحتى في ميدان اللغة العربية الأصليِّ، وهو فهم القرآن والحديث، واستنباطُ الأحكام لا تجد تلك الفعالية المطلوبةَ، لأسباب أهمُّها تنحيةُ الشريعة من حياة المسلمين العامة، وفسادُ المَلَكَةِ اللغوية التي تُعَد من المقوِّمات الأساسية للاجتهاد».

ومع أن منظّرنا يدرك أن مهمة الاستنقاذ والتوطين ضاربة في العُسر، ذاهبة في التمنّع، فإنه، على مذهبه في توسُّط الشدائد المخيفة والدخول الشجاع فيها[184]، لا يراها متعذرة، خاصة وأن هذه اللغة هي التي حملت كلام الله ورسالته. و«إلى حين تستقل العربية وتتحلى ويثبت لها قدم في ميادين الخبرة والعلوم والصنائع والكشوف»[185]، يرى أن «المهمة سامية شريفة، مهمة تدريب العربية حتى تصير مستقلة مفتوحة الأبواب على العلوم الكونية والتكنولوجيا، وحتى تتقدم موكب اللغات في مجالات العلوم، إماماً لا تابعاً، سيدة لا خادمة. تكون إن شاء الله إماماً في عالم العلوم يؤهلها لذلك فرادتها بما حملت من رسالة الله تعالى، ويؤهلها خصوبتها، ومرونة اشتقاقها، وثروتها التي لا تطاول»[186].

«إن اللغة العربية لغة الإسلام المنبعث، وإنها لأجمل اللغات وأقواها، وإنها للغة الوحيدة الخالدة»[187]. لذا لا بديل عند الرجل عن تقدُّم لغة القرآن لحمل جسامة استنقاذ العلوم وتوطينها إلا المكوث على هامش التاريخ: «سيبقى المسلمون لقطاء متطفلين في عالم العلوم والصنائع مادام تعليمهم لا يرتكز على لغة القرآن في المجالين التربوي القلبي والتعليمي الفكري، مسايراً هذا لذلك، موصولاً به مستقياً من مبناه ولفظه ومعناه.

مقدمة لا بد منها إن أردنا أن نطوع عالم الأشياء لمقاصد الإسلام.

صياغة للعلوم بلغة القرآن لا بد منها إن طمعنا في صياغة الإنسان والعالم وطبعمها بطابع القرآن وصياغته. تبليغ رسالة لا إكراهاً وبطشاً»[188].

يكون هذا ممكناً ويتمّ يوم تسود لغة القرآن: «وبعد غد في أفق الخلافة على منهاج النبوة تسود لغة القرآن إن شاء الله في ميادين العلوم بتفوق الحكمة وفصل الخطاب، بسيادة العدل والشورى والحق. تسود إن شاء الله لغتنا العزيزة المصطفاة، حاملة كلمة الله ورسالته الخاتمة إلى الإنسان. ما عجزت لغتنا وكيف تعجز، لكن نحن تخلفنا وكسلنا. جبر الله كسرنا»[189].

بل إن الرجل، مستشرفاً مستقبل ما يسميه “دولة القرآن”، يرَقّي السعيَ العاملَ على تبوُّؤِ لغة القرآن مقامَ السيادة إلى مرتبة الجهاد: «وتسويد لغة القرآن في دولة القرآن بديهة، والجهاد لذلك واجب»[190]. «في دولة القرآن، وحيثما كان الرب رباً والقرآن كتابَه، يجب أن تكون لغة القرآن… سيدةَ اللغات»[191].

تسويد يمتدّ، بحكم الضرورة التاريخية، إلى تعليم العربيةِ الشعوبَ الإسلامية جميعَها «وإن تعليم اللغة العربية للشعوب المسلمة عجمها وعربها لما يتحتم أن نجعله في صدر الأولويات. تُوحد اللغة القدرة على الاستقاء من النبع الواحد كما توحد التفاهم والتقارب وتبادل المصالح. وكل ذلك شرط وفرض وضرورة تاريخية لتوحيد المسلمين»[192]. «إن العربية لغة البلاد العربية، وهي لغة دار الإسلام كلها مرتلة في المصاحف. والانبعاث الإسلامي يهدف آخر الأمر لوحدة دار الإسلام، فلابد من اتخاذ لغة القرآن لغة للوحدة الإسلامية. وحيثما بدر الانبعاث الإسلامي، ولو في غير بلاد العرب، فاستعاضة اللغة القومية بلغة القرآن ضروري. وسيبقى المسلمون عالة ما لم يعتمدوا على لغة القرآن اعتماداً كلياً لا يقيد بشرط»[193].

يستحضر أستاذنا أظهر المعوقات التي تَحُول دون تحقيق طموح تعليم العربية للشعوب المسلمة. يقول: «ويطرح السؤال: لكن لغة القرآن لا تتحمل التعبير في شكلها الحاضر عن العلوم المتنوعة ومن يتكلمونها مختلفون في اصلاحاتهم واتجاهاتهم. ومثل هذا السؤال ذو موضوع إن لم تكن تعبئة. ونحن إنما نتكلم عن مستقبل تعود فيه الروحانية الإسلامية والسمت الإسلامي والتعبئة الإسلامية»[194].

ثم إن الثورة التواصلية الحديثة قرّبت الشقة وطوّعت المستحيل: «إن كان عاق تعميم العربية في تاريخنا سعة المساحة وتباعد الشقة وتصارع القوميات وفشو العجمة، فإن مشروع وحدة المسلمين الذي يبشر به ويحمله الإسلاميون، ثم الثورة التواصلية التي قربت البعيد وأبلغت الصورة والصوت والمعلومات في لمح البصر من أقصاها إلى أقصاها، من شأنهما أن يجعلا تعميم اللغة القرآنية الشريفة المنيفة في متناول الهمة»[195]. «ويوم يكون للمسلمين عمل إسلامي تتجند قرائح مؤمنة مزودة بفكر مومن حر مستظل بتقوى الله وبهدي كتاب الله، وستفصح اللغة القرآنية عن وحدة القلوب ووحدة الفكر والعمل بوحدة اللغة. وإن كانت تبدو لنا عقبات أمام توحيد اللغة بين كل المسلمين، فإنما الإيمان اقتحام للعقبة وما للمسلمين لغة إلا لغة القرآن، وإنهم لأغراب في لهجاتهم كغربتهم المفروضة عليهم في القوميات الجاهلية»[196].

إن «لغات المسلمين القومية لغات ذليلة على صورة الغثاء البشري، إنها لغات متخلفة تتسكع على موائد الثقافات الأجنبية ولغاتها، ولكل منا ثقافته الحضارية، فإذا اجتمع المفتونون منا فبلغة الجاهليين يتفاهمون، وإن اجتمع المسلم الصادق بأخيه كان اللقاء لقاء جسمياً وعاقتهما عن التواصل فرقة اللسان، إلا أن يرطن أحدهما لصاحبه بلسان ثقافته العالمي. وما جاءنا هذا الذل إلا من فرقتنا. وإذا دعونا للاجتماع فلسنا ندعو إلى اجتماع ثقافي على لسان موحد فقط. لكن ندعو لاجتماع على القرآن وجهاده وأخوته بين المؤمنين وطاعته وشريعته»[197].

إن «الأمة الإسلامية متفرقة واهنة، ولا يجمعها إلا القرآن العربي المبين»[198]. ومتى توحدت الأمة تحت قرآنها، ارتقت إلى شرف الشهادة على الناس، «استجابة لتكليفه تعالى: “وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً” (البقرة، 142). فلا شهادة، ولا شهود، بعيداً عن التنزيل، ولغة التنزيل، بلسانها العربي المبين»[199]. و»لا يغسل مرض الغثائية عنا إلا ماءُ القرآن»[200].

خاتمة

تلخص عناوين المباحث الرئيسيةُ والفرعيةُ موضوعَ بحثنا برمته، لذا نكتفي هنا بلفت انتباه الباحثين المهتمين بالفكر الإسلامي المنظِّر المجدِّد إلى أهمية التنقيب في ثنايا خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين، مكتشِفِ نظرية المنهاج النبوي، لتقصي تجليات تعلقه الفريد بلغة القرآن، وللوقوف على سرّ قوة خطابه، وسرّ تمكُّنه من صياغة رسالة الإيمان القرآنية في قالب زمان تحديات ما بعد الحداثة.

لائحة المصادر والمراجع

أولاً: المصادر

1- مؤلفات عبد السلام ياسين:

– الإحسان، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط2، 1998م.

– الإسلام بين الدعوة والدولة: المنهاج النبوي لتغيير الإنسان، الدار البيضاء، مطبعة النجاح، 1972م.

– الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، الدار البيضاء، مطابع النجاح، 1973م.

– الإسلام والحداثة، وجدة، مطبوعات الهلال، ط1، 2000م.

– الإسلام والقومية العلمانية، المحمدية، مطبعة فضالة، ط1، 1989م.

– الرسالة العلمية، وجدة، مطبوعات الهلال، ط1، 2001م.

– العدل: الإسلاميون والحكم، الدار البيضاء، مطابع أفريقيا الشرق، ط1، 2000م.

– القرآن والنبوة، ، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2010م.

– المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً، ط2، بلا طبعة ولا تاريخ.

– إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2009م.

– تنوير المؤمنات، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1996م.

– حوار الماضي والمستقبل، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1997م.

– حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1994م.

– حوار مع صديق أمازيغي، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1997م.

– رسالة إلى الطالب والطالبة: إلى كل مسلم ومسلمة، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، 1995م.

– سُنَّة اللَّه، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 2005م.

– في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1995م.

– مقدمات في المنهاج، بدون دار الطبع، ط1، 1989م.

– نظرات في الفقه والتاريخ، بيروت، الشركة الأوروبية اللبنانية للنشر، 1990م.

2- مؤلفات العلماء والمفكرين:

– ابن إبراهيم بن الحسين الفارابي، إسحاق، (ت. 350ﻫ)، معجم ديوان الأدب، تحقيق: أحمد مختار عمر، مراجعة: إبراهيم أنيسبيروت، القاهرة، مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، 2003م.

– ابن أحمد الفراهيدي، الخليل، (ت. 170ﻫ)، كتاب العين، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، بلا طبعة ولا تاريخ، 4/45.

– ابن الحسن بن دريد الأزدي، محمد، (ت. 321ﻫ)، جمهرة اللغة، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، بيروت، دار العلم للملايين، ط1، 1987م.

– ابن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أحمد، (ت. 395ﻫ)، مجمل اللغة، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1986م.

– ابن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أحمد، (ت. 395ﻫ)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الفكر، 1979م.

– الأصفهاني، الراغب، (ت. 502ﻫ)، معجم مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: نديم مرعشلي، بيروت، دار الفكر، 1972م.

– الشاطبي، إبراهيم بن موسى، (ت. 790ﻫ)، الموافقات في أصول الفقه، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1997م.

– الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، (ت. 817ﻫ)، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق: محمد علي النجار، القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1996م.

ثانياً: المراجع

– ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق: ناصر عبد الكريم العقل، بيروت، دار عالم الكتب، ط7، 1999م.

– ابن خليل القطان، مناع، مباحث في علوم القرآن، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط3، 2000م.

– الأوراغي، محمد، لسان حضارة القرآن، الرباط، دار الأمان، ط1، 2010م.

– الرافعي، مصطفى صادق، تاريخ آداب العرب، راجعه واعتنى به: درويش الجويدي، بيروت، المكتبة العصرية، 2002م.

– الرافعي، مصطفى صادق، تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد، بيروت، المكتبة العصرية، 2002م.

– السامرائي، إبراهيم، في شرف العربية، من مقدمة عمر عبيد حسنه، سلسلة كتاب الأمة، عدد 42، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 1994م.

– رضا، محمد رشيد، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م.

– طرابيشي، جورج، إشكاليات العقل العربي، بيروت، دار الساقي، ط2، 2002م.

– مجلة الجماعة، السنة الثالثة، العدد السابع، سنة 1401ﻫ.


[1] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، الدار البيضاء، مطابع أفريقيا الشرق، ط1، 2000م، ص355.

[2] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1996م، 2/113.

[3]– ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، الدار البيضاء، مطابع النجاح، 1973م، ص 701.

[4]– ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، بيروت، الشركة الأوروبية اللبنانية للنشر، 1990م، ص 55.

[5]– ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص 249.

[6]– ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، ص 339.

[7]– ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، ص 20.

[8]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 136.

[9]– ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1995م، ص 98.

[10]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 108.

[11]– المصدر نفسه، ص 109.

[12]– المصدر نفسه، ص 86.

[13]– المصدر نفسه، ص 109.

[14]– المصدر نفسه، ص 110.

[15]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 110.

[16]– المصدر نفسه، ص 111.

[17]– المصدر نفسه، ص 112.

[18]– المصدر نفسه، ص 114-115.

[19]– المصدر نفسه، ص 128.

[20] السامرائي، إبراهيم، في شرف العربية، من مقدمة عمر عبيد حسنه، ص 28.

[21] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، 1/519.

[22] الرافعي، مصطفى صادق، تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد، ص 38-39.

[23]– ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، بدون دار الطبع، ط1، 1989م، ص 10.

[24]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، المحمدية، مطبعة فضالة، ط1، 1989م، ص 9.

[25]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً، ط2، بلا طبعة ولا تاريخ، ص 100.

[26]– المصدر نفسه، ص 215.

[27]– ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2010م، ص 90.

[28]– ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2009م، ص 185.

[29]– ياسين، عبد السلام، رسالة إلى الطالب والطالبة: إلى كل مسلم ومسلمة، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، 1995م، ص 6.

[30]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، وجدة، مطبوعات الهلال، ط1، 2000م، ص 7.

[31]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 9.

[32]– المصدر نفسه، ص 11.

[33]– ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 696.

[34]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 14.

[35]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1994م، ص 158.

[36]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 14.

[37]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 11.

[38]– الأصفهاني، الراغب، (ت. 502ﻫ)، معجم مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: نديم مرعشلي، بيروت، دار الفكر، 1972م، ص ن من المقدمة.

[39]– الرافعي، مصطفى صادق، تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد، بيروت، المكتبة العصرية، 2002م، ص 39.

[40]– المرجع نفسه، ص 16.

[41]– المرجع نفسه، ص 11.

[42]– السامرائي، إبراهيم، في شرف العربية، من مقدمة عمر عبيد حسنه، سلسلة كتاب الأمة، عدد 42، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 1994م، ص 17.

[43]– ابن خليل القطان، مناع، مباحث في علوم القرآن، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط3، 2000م، ص 330-331.

[44]– رضا، محمد رشيد، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م، 1/25.

[45]– الشاطبي، إبراهيم بن موسى، (ت. 790ﻫ)، الموافقات في أصول الفقه، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1997م، 2/101-102.

[46]– المرجع نفسه، 5/53.

[47]– طرابيشي، جورج، إشكاليات العقل العربي، بيروت، دار الساقي، ط2، 2002م، ص 159.

[48]– المرجع نفسه، ص 158، والتشديد منه.

[49]– ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، وجدة، مطبوعات الهلال، ط1، 2001م، ص 60.

[50]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 233.

[51]– ياسين، عبد السلام، الإحسان، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط2، 1998م، 2/495.

[52]– المصدر نفسه، 2/494.

[53]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 159.

[54]– المصدر نفسه، ص 159-160.

[55]– ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص 101.

[56]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 22.

[57]– المصدر نفسه، ص 22.

[58]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 131.

[59]– ابن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أحمد، (ت. 395ﻫ)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الفكر، 1979م، 3/263.

[60]– المصدر نفسه، 2/135.

[61]– المصدر نفسه، 5/374.

[62]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 22.

[63]– ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/79.

[64]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 159-160.

[65]– ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 696.

[66]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 88.

[67]– ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، ص 185.

[68]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 157-158.

[69]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، الدار البيضاء، ص 84-85.

[70]– ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 702.

[71]– المصدر نفسه، ص 705.

[72]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 97.

[73]– الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، (ت. 817ﻫ)، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق: محمد علي النجار، القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1996م، 2/418.

[74]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 161.

[75]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 22.

[76]– من معاني «الكاف والسين والحاء»: «عيب في الخلقة»، و«الكسح، هو العرج. والأكسح: الأعرج». و«الباء والتاء والراء أصل واحد، وهو القطع قبل أن تتمه… ويقال للرجل الذي لا عقب له أبتر. وكل من انقطع من الخير أثره فهو أبتر». ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، 5/179، و1/194 على التوالي.

[77]– المصدر نفسه، 1/194.

[78]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 157-158.

[79]– الرافعي، مصطفى صادق، تحت راية القرآن: ص 44.

[80]– الرافعي، مصطفى صادق، تاريخ آداب العرب، راجعه واعتنى به: درويش الجويدي، بيروت، المكتبة العصرية، 2002م، 2/69.

[81]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 227.

[82]– المصدر نفسه، ياسين، ص 226.

[83]– المصدر نفسه، ص 230.

[84]– «السماجة: نقيض الملاحة». ابن إبراهيم بن الحسين الفارابي، إسحاق، (ت. 350ﻫ)، معجم ديوان الأدب، تحقيق: أحمد مختار عمر، مراجعة: إبراهيم أنيسبيروت، القاهرة، مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، 2003م، 3/99. و«السين والميم والجيم أصل يدل على خلاف الحسن. يقال هو سمج وسمج، والجمع سماج وسماجى. ومن الباب السمج من الألبان، وهو الخبيث الطعم». ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، 3/99.

[85]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 230.

[86]– السامرائي، إبراهيم، في شرف العربية، من مقدمة عمر عبيد حسنه، سلسلة كتاب الأمة، عدد 42، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 1994م، ص 8.

[87]– الأوراغي، محمد، لسان حضارة القرآن، الرباط، دار الأمان، ط1، 2010م، ص 50-51.

[88]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 93.

[89]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 96-97-98.

[90]– المصدر نفسه، ص 89.

[91]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 20.

[92]– المصدر نفسه، ص 21.

[93]– السامرائي، إبراهيم، في شرف العربية، ص 35.

[94]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 21.

[95]– ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 691.

[96]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 9.

[97]– المصدر نفسه، ص 137.

[98]– المصدر نفسه، ص 9-10.

[99] الأوراغي، محمد، لسان حضارة القرآن، ص 119-120.

[100]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 232.

[101]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 167.

[102]– ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 700-701.

[103]– المصدر نفسه، ص 697.

[104]– المصدر نفسه، ص 697-698.

[105]– المصدر نفسه، ص 700.

[106]– الرافعي، مصطفى صادق، تاريخ آداب العرب، 2/137.

[107]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 166-167.

[108]– ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 702-703.

[109]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 127.

[110]– ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 700.

[111]– الرافعي، مصطفى صادق، تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد، ص 39.

[112]– ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق: ناصر عبد الكريم العقل، بيروت، دار عالم الكتب، ط7، 1999م، 1/519.

[113]– المرجع نفسه، 1/526.

[114]– ياسين، عبد السلام، الإسلام بين الدعوة والدولة: المنهاج النبوي لتغيير الإنسان، الدار البيضاء، مطبعة النجاح، 1972م، ص 132.

[115]– الأوراغي، محمد، لسان حضارة القرآن، ص 96.

[116]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 158.

[117]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 79.

[118]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً، ص 215.

[119]– ياسين، عبد السلام، سُنَّة اللَّه، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 2005م، ص 41.

[120] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 159.

[121]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 110.

[122]– المصدر نفسه، ص 159.

[123]– المصدر نفسه، ص 112-113.

[124]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 86-87.

[125]– ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، ص 185.

[126]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 89.

[127]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 25.

[128]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 9.

[129]– ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/265.

[130]– ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 701.

[131]– المصدر نفسه، ص 698.

[132]– ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، ص 64.

[133]– المصدر نفسه، ص 31.

[134]– المصدر نفسه، ص 41.

[135]– ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص 32.

[136]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 83.

[137]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً ، ص 147.

[138]– المصدر نفسه، ص 214-215.

[139]– المصدر نفسه، ص 400.

[140]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 15.

[141]– ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1997م، ص 275.

[142]– «اللام والواو والثاء أصل صحيح، يدل على التواء واسترخاء ولي الشيء على الشيء. يقال: لاث العمامة يلوثها لوثاً، ويقولون: إن اللوثة: الاسترخاء، ويقولون: مس من الجنون». ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، 5/219.

[143]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 126.

[144]– «السخم: السواد، سخم الله وجهه أي سوده». ابن الحسن بن دريد الأزدي، محمد، (ت. 321ﻫ)، جمهرة اللغة، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، بيروت، دار العلم للملايين، ط1، 1987م، 1/599.

[145]– ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص 146.

[146]– المصدر نفسه، ص 146.

[147]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 162.

[148]– ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص 10.

[149]– ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص 147.

[150]– المصدر نفسه، ص 146.

[151]– المصدر نفسه، ص 19-20.

[152]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 26.

[153]– ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص 16.

[154]– المصدر نفسه، ص 347.

[155]– ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص 4.

[156]– المصدر نفسه، ص 4.

[157]– ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص 16.

[158]– المصدر نفسه، ص 19.

[159]– ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص 37.

[160]– ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، ص 116.

[161]– ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، ص 63.

[162]– ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص 101.

[163]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 53.

[164]– ياسين، عبد السلام، الإحسان، 1/307.

[165]– المصدر نفسه، 1/98.

[166] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص 147.

[167]– المصدر نفسه، ص 19.

[168]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 22.

[169] ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، ص 266.

[170]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 22.

[171]– المصدر نفسه، ص 22.

[172]– المصدر والصفحة نفسهما.

[173]– ياسين، عبد السلام، الإسلام بين الدعوة والدولة: المنهاج النبوي لتغيير الإنسان، ص 132.

[174]– ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 79.

[175]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 22.

[176]– ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/251.

[177]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 157-158.

[178]– ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 15.

[179]– المصدر نفسه، ص 199.

[180]– «الهرف: شبه الهذيان من الإعجاب بالشيء». ابن أحمد الفراهيدي، الخليل، (ت. 170ﻫ)، كتاب العين، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، بلا طبعة ولا تاريخ، 4/45.

[181]– ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، 335.

[182]– «الرطانة: كلام لا يفهم، ويخصُّ بذلك كلام العجم». ابن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أحمد، (ت. 395ﻫ)، مجمل اللغة، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1986م، 1/382.

[183]– ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، ص 185.

[184]– هذا هو تعريف مفهوم الاقتحام عنده في: ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص 54.

[185]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 163.

[186]– المصدر نفسه، ص 161.

[187]– ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 705.

[188]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 161.

[189]– ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص 32.

[190]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 159.

[191]– ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، ص 186.

[192]– المصدر نفسه، ص 130.

[193]– ياسين، عبد السلام، الإسلام بين الدعوة والدولة: المنهاج النبوي لتغيير الإنسان، ص 132.

[194]– المصدر نفسه، ص 132.

[195]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 131.

[196]– ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 706.

[197]– المصدر نفسه، ص 701.

[198]– المصدر نفسه، ص 699.

[199]– السامرائي، إبراهيم، في شرف العربية، من مقدمة عمر عبيد حسنه، ص 32.

[200]– ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص 146.