تجديد النظر في قضايا المرأة المسلمة من خلال نظرية المنهاج النبوي
للأستاذ عبد السلام ياسين
د. وفاء توفيق / باحثة في الفكر الإسلامي- المغرب
مدخل: سؤال المرأة في الفكر الإسلامي المعاصر
اكتست قضية المرأة أهمية بارزة في الفكر الإسلامي المعاصر فتعددت الكتب والدراسات والأبحاث والملتقيات الفكرية حول مختلف الاهتمامات التي تتعلق بالموضوع، إلا أن كثرة التأليف في قضايا المرأة لا يعكس بالضرورة تراكماً كيفياً يمثل ترتيبا تصاعديا على مستوى الأفكار والمفاهيم، أو على مستوى منهجيات البحث وأدواته التحليلية، وكذا على مستوى الخبرات والتطبيقات والتجارب. ما عدا بعض المؤلفات التي لا ينبغي تجاوزها مثل كتاب (حقوق النساء في الإسلام)[1] للشيخ محمد رشيد رضا، الذي صدر عام 1930م، والذي يقدم بعض الرؤى والأفكار المؤسسة والبانية في قضية المرأة، وبالتالي يعد في هذا الباب من أهم المؤلفات عمقا بالمقارنة مع عشرات الكتابات التي صدرت بعده ولا تزال تصدر.
كما أن جل المقاربات الأدبية لقضايا المرأة في العالم الإسلامي تحكمها مؤثرات ذاتية وأخرى موضوعية؛ نتج عنها خلل منهجي عميق كان له أثره في ضياع النظرة الشمولية والتكاملية في التعاطي مع الموضوع، والقدرة على نقد واقع مجتمعي هو في النهاية حصيلة تراكمات تاريخية تعكس واقع الاستبداد والظلم الذي عانته الأمة وتعانيه. ونرى أن أبرز تلك المؤثرات يمكن تلخيصها في عاملين أساسيين، الأول موضوعي والثاني ذاتي، وما سواهما مؤثرات فرعية من نواتجهما:
العامل الأول: ويتمثل في التبعية لمنطق التفكير الصراعي مع الغرب ومعه الدول الحديثة الوارثة للاستعمار، المقلدة للنموذج الغربي في بناء أنظمتها ومؤسساتها التشريعية على مستوى الإعلام والمجتمع والسلطة والدولة، والتي تمتلك سلطة القرار لفرض وتسويق نموذج نسوي معياري يحاول الغرب تدويله بشكل ممنهج ومقنن، مما جعل الحركات الممانعة أسيرة منطق دفاعي تطبعه الانتقائية وافتعال العصرنة.
العامل الثاني: وإن كان سابقا في الزمن لأنه نابع من ذاتنا وتاريخنا وهو أصل كل الأدواء التي لحقت بالأمة، ونقصد به عامل الاستبداد وما لازمه من انفصام بين الشأن العام للأمة والشأن الفردي الخاص، إلا أننا أرجأناه في مسألة منهج التناول لقضية المرأة لكون العامل الأول شوش أكثر على منهجية التعامل مع الموضوع وخلط الأوراق بطرحه نموذجا يبدو ناجحا متلألئا أمام الناظرين (النموذج الغربي للمرأة)، لا أقصد أن المفكرين الإسلاميين تأثروا بهذا النموذج من حيث المضمون، بل لكونه سبب قلقا منهجيا تأرجح بين الرفض القاطع للنموذج الآخر المتفوق عسكريا وتقنيا وسياسيا وبين التبعية للغرب وفق قاعدة “نحلة الغالب” بالتعبير الخلدوني.
من تجليات العامل الثاني (عامل الاستبداد السياسي)؛ فقدان القدرة على فرز التراكمات التاريخية الناتجة عن “إيديولوجيا الاستبداد”، وإضفاء نوع من المشروعية والقدسية على أنماط وصيغ مجتمعية هجينة في معاملة المرأة، وهي المثالب التي لم تتردد الحركات التحررية النسائية في ركوبها لتدفع باستماتة باتجاه قطع العلاقة المرجعية بين المرأة المسلمة وبين أصولها الدينية. يتفرع عن هذا العامل الأساسي مجموعة من العوامل الفرعية أصبحت لازمة للكتابات حول موضوع المرأة، منها على سبيل المثال:
- الابتعاد نسبيا عن مصادر المعرفة الاسلامية (الكتاب والسنة) لصالح التراث أو اجتهادات قرونية مرهونة بزمانها ومكانها وظروفها.
- تغييب الرؤية التجديدية القادرة على معالجة الواقع واستشراف المستقبل على ضوء مرجعية الأمة وهويتها الصحيحة (القرآن والسنة).
إلا أنه في مطلع القرن الخامس عشر الهجري صدرت بعض الأعمال الفكرية الهامة، التي استطاعت خرق النمط السائد في منهجية االرؤية حول المرأة، خصوصاً في مجالين عظيمين من أصول الفكر الاسلامي، هما مجالا الحديث والفقه. ففي مجال الحديث جاء كتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة)[2] لعبد الحليم أبو شقة، والذي اعتمد فيه صاحبه على الصحيح من الروايات وبالأخص البخاري ومسلم ففوجئ فيه بالصورة المشرقة لشخصية المرأة المتوازنة تربية وحضورا في واقع المسلمين إبان عصر الرسالة، ودعا الى تصحيح تصورات المسلمين للصورة التي ترتسم في أذهانهم حول المرأة وأسلوب التعامل بين الرجال والنساء في المجتمع الاسلامي. ولعل ربط مفهوم التحرير بعصر الرسالة كان مقصودا عند أبو شقة؛ إذ إن أكبر عملية تحرير عرفها تاريخ المرأة خصوصا، والانسانية عموما، جاءت مع انبعاث الإسلام، ولا مجال للحديث عن إعادة التحرير دون الرجوع الى عصر الرسالة لاستلهام أسرار التغيير الأول.
وجاء في مجال الفقه كتاب (مسائل حرجة في فقه المرأة) لمحمد مهدي شمس الدين[3]، الذي جمع بين الفقه والثقافة، وبين النقد والتأسيس في مجال الأحكام المتعلقة بعلاقة المرأة بالمجتمع والأسرة، يدعو فيه الى التعامل مع النصوص الواردة في السنة على ضوء النص القرآني من جهة، وعلى اعتبار النصوص وحدة متكاملة لا يمكن فصل بعضها عن بعض، في عملية استنباط الأحكام.
يستشف من هاتين المحاولتين أن أزمة هذه الأمة وفي ثناياها أزمة المرأة، هي أزمة تربوية وفكرية وسياسية، أو قل هي أزمة منهاج بالأساس. تحتاج إلى تقويم منهاجي يستمد النور من القرآن والسنة ويستفيد من تجربة الإنسانية، في معالجة مشاكل المجتمع في مختلف مظاهرها، فيعمل العقل المستنير بنور الوحي على فهم المقاصد والغايات والكليات والقواعد، وتنزيلها في الواقع المركب والمتغير.
من هنا يأتي إسهام الأستاذ عبد السلام ياسين في قراءة القرآن المجيد، والسنة النبوية الشريفة قراءة متوازنة شاملة متكاملة، مع استلهام -وليس استنساخ- التجربة من العهد النبوي والراشدي والومضات المضيئة في تاريخنا، ليحقق المقاصد القرآنية الكلية الكبرى، ليس على مستوى الأفكار والمفاهيم، أو على مستوى منهجيات البحث وأدواته التحليلية فحسب، بل أيضا على مستوى الخبرات والتطبيقات والتجارب، مستعملا منظومة مفاهيمية تتسم بالأصالة والدقة والنسقية والتكامل، وتوحي بفهم عميق لماضي المسلمين وحاضرهم واستشراف لمستقبلهم، وتضع الإصبع بكل وضوح على موضع الداء، كخطوة صحيحة قبل توصيف الدواء، الذي ما هو إلا منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرفيق، الرحيم، المتدرج، في تنزيل آي القرآن الحكيم على واقع الناس، فكان كتاب “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا”[4]، خلاصة رؤيته التجديدية في ترتيب الأولويات، واقتراح البدائل التطبيقية لمعالجة أدواء الأمة.فما موقع المرأة المسلمة في النظرية المنهاجية للأستاذ عبد السلام ياسين، وما حظها من هذا الاجتهاد؟ هل وسعها ما يسع أمتها، أم حظيت باهتمام تنظيري يراعي خصوصيتها؟ وهل لها خصوصية ينبغي أن تراعى؟ ثم ما دورها في التغيير المنشود؟ وما حجم مركزية القرآن الكريم والسنة الشريفة في معالجة قضية المرأة في الفكر المنهاجي؟
ذلك ما سنحاول ملامسته في هذه الورقة، من خلال ثلاثة محاور، هي كالتالي:
المحور الأول: مفاهيم مركزية في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين
المحور الثاني: مركزية القرآن الكريم في معالجة قضية المرأة عند الأستاذ عبد السلام ياسين
المحور الثالث: معالم الرؤية التجديدية في معالجة قضية المرأة في نظرية الفكر المنهاجي
أولا: مفاهيم مركزية في نظرية المنهاج النبوي
عند الأستاذ عبد السلام ياسين
ابتدأ كتاب المنهاج النبوي، للأستاذ عبد السلام ياسين، ببسط وتشخيص حال الأمة مؤرخا لبداية الانحدار أو ما اصطلح عليه بـ”الانكسار التاريخي الأول”، وذلك بزوال الخلافة الراشدة، وانتقال نظام الحكم إلى مُلك وراثي، عطل آلية الشورى وفرض الطاعة بالسيف، ورسخ نظام حكمٍ مبني على الاستبداد والقهر، لم يلبث أن سحب إيديولوجيته على سائر مناحي الحياة؛ فكان نقض عروة الحكم إيذانا ببداية نقض عرى الإسلام بأكملها. وتدهور حال الأمة بعدما خرست الأصوات الحرة بفعل السيف، ما عدا القائمين من أهل البيت ضد جور بني أمية، ومن عاصرهم أو لحق بهم من حركات ممانعة تحت قيادة العلماء العاملين، من أمثال الأئمة الأربعة وغيرهم كثير، ممن لم يخل زمان من وجود أمثالهم، لكن عموم الأمة لم يكن هناك، فقد فعل الخوف فعله في نفوس المسلمين، مما أفسح المجال، لحدوث الأسوأ والأشد نكاية على الأمة، أي “الانكسار التاريخي الثاني” المتمثل في الاحتلال الغربي الحديث للدول المسلمة، والذي لم يتردد في الإجهاز على ما تبقى من مكامن القوة لديها.
بعد مرحلة الاحتلال هذه بقيت الأمة في معاناتها مع الراقصين على جراحها؛ حكامٌ أوكل إليهم الاحتلال إتمام المهمة ليعيدوا إخراج المشهد الدراماتيكي للأمة، على شكل أمة مستسلمة طائعة في أيدي حكامها، منشغلة عن بيع أعراضها، وتبديد خيراتها، كما لم يفعل بها من قبل. مشهد يكاد يوحي باليأس والقنوط، لولا تلك الومضات اللامعة التي يرسلها من هنا وهناك رجال ونساء الصحوة الإسلامية الذين لم يعرف لهم اليأس طريقا، ثم اتسعت دائرتها مع “الربيع العربي”، لتعطي إشارات واضحة بأن نبض الأمة لم يتوقف نهائيا، وأن الأمل موجود في الخروج من ظلمة اليأس، وقد بدأت تباشير الفجر تلوح في الأفق معلنة إشراق صبح قريب.
واضح بلا شك أن واقع المرأة المسلمة جزء لا يتجزأ من واقع الأمة المسلمة عموما، ولعل هذا ما يؤكده الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه “تنوير المؤمنات”[5]، والذي بسط الرؤية المنهاجية الكلية بصدد قضية المرأة المسلمة، والإشكالات المرتبطة بها، تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جعل للصحابيات الجليلات يوما خاصا بهن يعلمهن ويعظهن، حيث قال: “انحطت المرأة المسلمة بانحطاط المسلمين. بدأ الانحطاط منذ تدهور نظام الحكم مِن خلافة على منهاج النبوة إلى مُلك عاض وراثي بمقتضاه ينتخب الوالد ولده ويعهد إليه أمر المسلمين يورثه إياه كبعض مايورث من المتاع. ولم تلبث المرأة أن أصبحت سلعة في السوق وجارية في القصور ومحضية وكمًّا مُهملا. حتى إذا جاء عصر اللائيكية، عصر وكلاء الاستعمار ليبشرها بأنها دخلت عصر الحرية لتكون كمثيلاتها الكاملات في الغرب سيدة جسدها، انتحلت المغربات نحلة الغالب، فهن داعيات مناضلات بجنب حقوق الإنسان، أي حقوق المرأة في أن تنعتق من ربقة كانت فيها كما مهملا وسلعة”[6].
لفهم الرؤية المنهاجية للأستاذ عبد السلام ياسين في قضية المرأة، لابد من تفكيك منظومة المفاهيم/المفاتيح التي تشكل مرتكز رؤيته، مثل مفهوم التربية المتوازنة، مفهوم اقتحام العقبة، ومفهوم الغثائية، ومفهوم الفقه المغيب، مفهوم الولاية بين المومنين والمومنات، مفهوم الحافظية والبرج الاستراتيجي، مفهوم الكمال الوظيفي، مفهوم الاستقرار الأسري والمودة والرحمة، مفهوم التشريف والتكليف. إلا أن طبيعة هذه المداخلة تجعلني أقتصر على بعض المفاهيم المنهاجية المتعلقة بالموضوع:
- التربية المتوازنة: يحتل مفهوم التربية مساحة واسعة في التفكير المنهاجي، وعلى أساس التربية يستقيم البناء، ولا تستقيم التربية إلا إذا كانت متوازنة، ولا تتوازن إن لم يكن لبُّها التربية القلبية، يقول الأستاذ: “لتتربى المؤمنات التربية الكاملة المتكاملة عقلا وقلبا وخلقا. قلبًا قبل كل شيء”[7]، و”نسمي تربية متوازنة تلك التربية التي لا تقصر بالمؤمن عن درجة المجاهدين، ولا تجعله من غثاء الحركية الجوفاء الخالية من لُب الإحسان”[8]
– الغثائية: هي الكثرة الكمية المرَضية، “الغثائية إذاً مرض الطفوح والتفرق وخفة الوزن. وهي صفات ما يضيع ويذهب غيرَ معتَد به. أي لا قيمة له ولا أثر. وكُنْهُ الغثائية الظاهرة وسببها الوهْنُ الذي لا يفيد معه كثرة العدد. من مليار مسلم ويزيدون أين كتيبة برَأَتْ من الوهن؟ الوهن حب الدنيا وكراهية الموت”[9]، ففي الحديث النبوي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”[10]، حتى تصير الأمة بلا وزن ولا كرامة بين الأمم، يقول الأستاذ: “ريشةٌ في مهب الريح، وفُلك تلعب به أمواج العالم الهَدّارة ما لم يكن تكتل وتعاون وتجالس وتآزر ووحدة تعطي الأمة وزنا، وتعطيها الكيان القوي ذا الحجم القوي الذي لا تخبِر عنه الأعداد الغثائية المنتشرة المنتثرة، وتمسك الريشة المفردة أن تَذهب بها العواصف والقواصف“[11]. فما هو علاج الغثائية؟
“في تشخيص الأمراض الغثائية الذاتية المهلكة ينبغي أن نحفِرَ عليها وننقِّبَ بِمِسْبَارِ الكتاب والسنة ليكون التشخيصُ أَوْثق، وليكون العلاجُ طِبا نبويا قرآنيا لا يُملِّسُ على العاهة بل يستأصلها بإذن الله تعالى. إن الله عز وجل أعلم بما خلق، وإنه سبحانه أشار إلى أصل البلاء ومباءَة الداء وعش الآفة: ألا وهي النفسُ وسلطانها المانعُ العبدَ عن الهُدَى، الصارفُ له عن العبودية لربه عز وجل، التائه به في الشهوات والأنانية، وسُكْرِ الهَوَى، وضلال العقل، وأسْرِ العادة.”[12]، فلا دواء للغثائية إلا بالتعرض لنور القرآن والسنة، يقول الأستاذ: “لا يغسل مرض الغثائية عنا إلا ماءُ القرآن، ولا يُذهبُ وسَخَ الفتنة الفكرية النفسية إلا صابون السنة. وبعدها نعرض ناقهنا لنلبسه لباس التقوى، ونعَطِّرَهُ بعطر الوحي، ونَفْتِقَ جيوبه ليتنسم نسيم الآخرة، وليرُوحَ رَوْحَ حب الله، ويتزين بزينة الله التي أخرج لعباده”[13]
- الاستقرار الأسري: ويشكل الأرضية الصلبة التي ترتكز عليها المرأة لتنظيم “غزواتها” الاصلاحية في المجتمع، وعليها المعول لتحقيقه، حيث يضع الفكر المنهاجي على عاتق المومنات مهمة الحفظ أو “الحافظية” ويأتي حفظ الفطرة في أولى أولوياتها. كما تشكل “الأسرة” البُرج الاستراتيجي للمرأة المسلمة، الذي تغزو منه ولا تُغزى. فالمؤمنات “يُصَحِّحنَ البديهيات، يُطَهِّرْنَ الجذور، يُقَلِّمْنَ الفروع الخبيثة، بصبر وتؤدة ومتابعة. يُعلمن النظافة والكياسة في الحياة الاجتماعية كما يعلمن الوضوء والصلاة والعقيدة. يُلقِّنَ مبادئ الاقتصاد المنزلي وتربية الطفل ومعاشرة الزوج والبِر بالأقارب وخصال الإيمان. يحاربن الأمية الدينية محاربتهن الأمية الأبجدية”[14].
- المؤمنة وطلب الكمال: لابد من وسائل إيضاح تسهل للمؤمنة أداء وظيفتها في زمن الفتنة، فإن مخلفات القرون وتسلط العقلية الذكورية المسندة ظهرها إلى فقه نوازلي متحجر، سلب منها الثقة بنفسها وجذَّر في نفسها الإحساس بالدونية والتهميش، إلا أن الفكر المنهاجي يبادر الى رفع نموذج حي للصحابيات الجليلات اللواتي نقلتهن التربية النبوية الرحيمة من “لاشيء”، إلى صانعاتٍ لمجد الأمة لما تحررت إراداتهن لطلب وجه الله تعالى، وهو الباعث الحقيقي من وراء بلوغ الصحابيات الجليلات وفي مقدمتهن أمهات المؤمنين، رضي الله عنهن، كمالهن، التربوي، والخلقي، والجهادي والعلمي.
ثانيا: مركزية القرآن الكريم في معالجة قضية المرأة
عند الأستاذ عبد السلام ياسين
يرسم كتاب المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين المعالم الكبرى لمشروعٍ تجديدي يستمد روحه من رؤيةٍ كلية شاملة للنبع الصافي: القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة. فالتصور المنهاجي لأي قضية من القضايا لابد وأنه يستمد قوته من المصدر المعرفي المطلق وهو القرآن الكريم، ينظر في آيه الأستاذ عبد السلام ياسين بمنظار تجديدي خاص، يربط الجزئيات بالكليات ويرد الخاص إلى العام، بل إن الأستاذ -إمعانا منه في الرجوع إلى القرآن والسنة والاحتكام إليهما- يسائل الأحكام الفقهية التي حجرت على المرأة وسجنتها قعيدة البيت أمية جاهلة مستضعفة. يسأل عن الأدلة المعتمدة عند السابقين، بل هو من يقابلها بالدليل، وفيما يلي نماذج توضح لنا مركزية القرآن الكريم والسنة النبوية في رؤية عبد السلام ياسين لقضايا المرأة:
1- الولاية بين المؤمنين والمؤمنات:
يتخذ الأستاذ عبد السلام ياسين من قوله تعالى: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم“(التوبة:72)، محورا لتنبيه المرأة المسلمة إلى واجب خدمة أمتها ودينها، والقيام بفريضة ولايتها للمؤمنين مشاركة في الحياة العامة للمجتمع، تحقيقا للاستخلاف في الأرض وعمارتها. يقول الأستاذ: “فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليفان على المرأة منهما مثل ما على الرجل. عليهما من ذلك مثلُ ما عليهما من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله. لو جاز للمرأة أن تترك الصلاة أو بعضها بدليل الحديث الحكيم الذي وزع المسؤوليات وعين الرعِيَّات لجاز لها أن تنسحب من ساحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء، هما العمل التضامني الذي يوقف الوَلاية بين المومنين والمومنات على قَدَمٍ. إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ركنان من أركان الإسلام، وطاعة الله ورسوله أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وَلايَة إيمان. تدخل الصلاةُ وتدخل الزكاةُ في طاعة الله ورسوله كما يدخل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخولا اندماجيا لا فصل معه بين الدين والسياسة. الدين سياسة والسياسة دين. والمرأة المومنة كالرجل المومن نصيبها من المسؤولية السياسية مثل نصيبه”[15]
2–مشاركة المرأة في الحياة العامة ودورها في التغيير:
لقد مرت الأمة بمرحلة تاريخية وصمت بانحطاط الحكم وتدهوره مما أدى إلى انحطاط المجتمع وحدوث فتن وانحلالات وفساد على عدة أصعدة. فاجتهد الفقهاء في شأن المرأة بناء على معطيات عصرهم السياسية والاجتماعية وغيرها، فضيقوا على المرأة بفقه مُنحبس تحت وازعين اثنين: كونها فتنة يجب عزلها واتقاؤها، والثاني: حمايتها من الفتنة والفساد الخارجيين. فترتب عن ذلك أحكام أسفرت عن انحطاط المرأة وتجهيلها. مما جعل المرأة في عطلةٍ بلا شُغل يغلب عليها الكسل، وتغمرها السلبية والخمول النفسي والعقلي. لا تتطلع إلى نهج سبيل الكاملات من الصحابيات ومن اتبعهن بإحسان، وكأن ذاك حدث مرة ولن يعود. من هنا جاء استنكار الأستاذ ياسين هذا الواقع المستكين: “ما وظيفتها في الحياة بصفتها مسلمة تنتمي إلى خير أمة أخرجت للناس؟ إسعاد أهلها وذويها من فرائض فطرتها وأمومتها، لكن ماذا تقدم من خدمة لأمتها؟ أن تغشى المسجد وتسمع الوعظ شيء حسن، مطر رحمة يحيي القلوب وينعش الإيمان من جمعة لجمعة. لكن أين هي من مجالس العلم ومدارس التفقه في الدين؟ أين هي من المشاركة الفعالة في الحياة الاجتماعية وفي الجهاد وفي الاقتصاد كما كانت الصحابيات يشاركن؟”[16] ، ويسأل مستنكرا على كل من يعتقد أو يروج مقولة أن أمر الدين والسياسة وشؤون المجتمع هو حكر على الرجال دون النساء: “أمع الرجال دليل وحجة بها أحالوا إماء الله قواعد في البيوت محجورات عاجزات جاهلات مظلومات؟ كيف فُقدت تلك التربية، وماتت تلك الروح؟ كيف قُتلت المرأة وأُفْشلت؟“[17]
يتبين إذن وجوب انخراط المؤمنة في الشأن العام للأمة دون التفريط بالواجب الأساسي في بيتها مع زوجها وأبنائها، قدوتها في ذلك “مشاركة الصحابيات رضي الله عنهن في بناء الإسلام كان ما يُهلك من كيان الأمة أكثر مما يبني. وهل يتصور بناء دون مشاركة المومنات؟“[18].. خاطب الأستاذ عبد السلام ياسين النساء قائلا: “ما هنا لكُنّ معشرَ المومنات من دليل يُقيلكن ويعفيكن من المسؤولية السياسية. إن كانت السنة المطهرة خصصت لكن مجالكن الحيوي حيث تزاولن أمانة الحافظية صالحاتٍ قانتات، فعموم القرآن أهاب بكن إلى تعبئة شاملة تدْعَمْنها بما يفيض من وقتكن وجهدكن بعد أداء واجبكن التربوي الأساسي. وليست تربية الأجْيال إِلا ترسيخا للمعروف وإبادة للمنكر. فأنتن تزاولْن السياسة في البيت والمدرسة والمعهد والجمعية الإحسانية وميدان الشغل والكسب -لمن كانت منكن كاسبة- أسمى ما تكون السياسة.”[19]
تحظى المرأة في نظر الأستاذ ياسين -بفطرتها وسجيتها- بالنصيب الأوفر من شروط التغيير وآلياته: الرفق والتدرج والصبر والحلم والمكابرة. ومن ثم فإن التغيير وما يتطلبه من رفق وحلم وأناة رائدته المرأة، فقد كانت للمؤمنة – في عصر النبوة وفي عهد الخلافة الراشدة – قدم راسخ في التغيير بالشروط السالفة. كما أنه لا يمكن الاستغناء عنها في التغيير المشروط في أي زمان وفي أي مكان…
يسوق لنا الأستاذ عبد السلام ياسين جملة من الأحاديث النبوية روتها امرأة والتي تنبه إلى آليات التغيير وشروطه: “روى الشيخان والترمذي عن أم المومنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يحب الرفق في الأمر كله” . وفي رواية للبخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: “يا عائشة! عليك بالرِّفق، وإياك والعُنفَ والفُحشَ”. وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما “[20] ، ليثير انتباهنا قائلا: “ما بال أحاديث التدرج والرفق واللين واليسر ترويهما امرأة؟ “[21]
ليجيب مذكرا: “القلب الرحيم لا شك، وحس المومنة المجبولة على تعهد الحياة وبناء الإنسان محمولا في البطن، وموجعا من أجله في الوضع، ومُرْضَعا مَحْنُوّاً عليه، ومفطوما مفصولا برقة، وصبيا يلعب في الحجر، وغلاما مشاكسا، ويافعا ثائرا، وزوجا بعد وأبا. كل ذلك يطلب من المعاناة والصبر واللين والحب والرفق ما تقدُره المرأة حق قدره، فتسمعه من الوحي، وتخزنه لنا ذاكرتها. فللمؤمنة في فقه التغيير وتفقيه الرجال بأسلوبه المرتبة الأولى. وكم أمامها من معاناة لتقنع الشباب المتحمس أن إكراه المتبرجات على ستر شعرهن إنما يبلد الشعور وينفر القلوب”[22]، فمن كانت تلك وظيفتها، ومن كانت تلك فطرتها، ومن كانت تلك سجيتها، لهي أحق بالمشاركة في البناء والتغيير والتنمية، ولحري بها أن تكون “لها قضية ومسؤولية في تغيير المنكر وبناء المعروف متقربة بذلك إلى ربها”[23]، لا أن تبقى قابعة في ركن البيت، راضية “بـ”الدرجة” و”الرعاية” يتصرف بمقتضاهما الرجل تجاهها على هواه لتبقى عالة ولتنكمش في خصوصياتها تتفقه في أحكام النساء لا تتطلع إلى ما وراء ذلك؟“[24]. أين هم دعاة انزواء المرأة في ركن قصي من بيتها، ومقزمو قضيتها في إشباع رغبات الزوج ورعاية شؤون الأطفال دون الاطلاع إلى ما وراء ذلك من التهمم بقضايا الأمة وأحوالها؟ أين هم من “تلك النهضة التي أبرزت خديجة أم المؤمنين، وسمية أول شهيدة في الإسلام، وعائشة العالمة، واللاتي غزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واللاتي عرضن نحورهن فداء لنحره، واللاتي جادلهن عن حقوقهن ونازعن حتى أنزل الله قرآنا يتلى في فصل خصومتهن ورد حقهن، واللاتي هاجرن إلى الحبشة، واللاتي هاجرن إلى المدينة، واللاتي آوين ونَصرن؟“[25].
3– الحافظية:
يقول الله عز وجل: “ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّه” (النساء:34)، ويعتبر العديد من المفسرين أن حافظية المرأة تتلخص صورتها فيما جاء في لفظ الحديث النبوي الشريف: “خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك “[26]. وللأستاذ عبد السلام ياسين قراءة متميزة لمفهوم الحافظية الوارد في النص القرآني أعلاه، حيث يعد أول من استعمل مصطلح “الحافظية” للدلالة على وظيفة المرأة موازاة مع اعتبار “القوامة” وظيفة الرجل. إذ ينطلق الأستاذ ياسين من الآية الكريمة ويقف عند “كلمات قرآنية هي المفتاح والدليل إلى توزيع المهام وتكاملها وشمولها”[27]، كما يقف عند الحديث النبوي الشريف السابق يأخذ منه “إشارة الانطلاق”[28]، ويتخذه “مفتاحا لفهم أشمل”[29] لحافظية المرأة.
وفيما يلي بسط صورة قراءة الأستاذ ياسين للنص القرآني وللحديث النبوي لتجديد مفهوم الحافظية وتبعاتها:
- “حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّه“(النساء:34): “ماحفظ الله. ما هنا سواء اعتبرناها موصولية أو مصدرية تؤدينا إلى قراءة: “بما حفظ الله ” أي بحفظ الله، بالذي حفظ الله، أي أن حافظية المرأة هي تحمل ما كلفها به الشرع، وما حفظه الله من آياته العاصمة للشرع: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون“(الحجر:9)“[30] ليخلص أستاذنا إلى أن “حافظيتها إذا لا تقصُر على حفظ حقوق الزوج بل تشمل كل حقوق الله المكلفة بها الزوج. حافظية الصالحات القانتات في المجتمع المسلم لا تقتصر على شُغل بيوتهن وإرضاء أزواجهن، بل تنطلق أولا من إرضاء الله عز وجل وترجع إليه”[31]، وبهذا الفهم المستنبط من الآية الكريمة يضيف الأستاذ ياسين فهما تجديديا لمفهوم حافظية المرأة بإعطائها معنى أوسع وأشمل من المعنى الذي نص عليه المفسرون والفقهاء في الماضي.
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “في الحديث الشريف تتميز ملامح الحافظية، ويظهر لفظها، في نطاق الحياة الزوجية “[32].
– “إذا نظرت إليها سرتك“: إن من مظاهر تحقق حافظية المرأة الزوجة حصول الاستقرار والسكينة والمودة في “البيت المسلم الذي ينظر فيه الزوج إلى زوجه فتسره. يعني ذلك أنه يحبها ويسكن إليها، لا شرطها أن تكون فاتنة الجمال الجسدي. ذلك يذبل ويبقى جمال الخلق وكمال الحافظية”[33].
– “وإذا أمرتها أطاعتك“: تتوزع المهمات وتتكامل بقوامة الرجل وحافظية المرأة، حيث ينهض الرجل لقيادة السفينة المشتركة بين أفراد الأسرة، والمرأة الزوج “حافظة لما به تتغذى السفينة وتتحرك من دواليب خفية ووقود وصيانة. تطيع الربان إذا أمرها، وتحفظ غيبه في نفسها وماله”[34]. فيحصل التكامل والتعاون والتساكن.
– “وإذا غِبتَ عنها حفظتك في نفسها ومالك“: يقول الأستاذ: “أنفس ما تحفظه نساء الأمة أنساب الأمة، لأن لفيفا من اللقطاء لا يسمى أمة، إذ لا جامع بين مخلوقات فيه منفصمة الروابط…في نفسها عفة وشرف. في ماله تدبير للنفقة واقتصاد. وها هي المرأة قد دخلت على مقاصد الشريعة العليا من باب واسع”[35].
إن حافظية المرأة وظيفة تناط بها مهمة بل مهمات جليلات، تعدل قوامة الرجل في ميدانه، تستلزم – في القراءة التجديدية للأستاذ ياسين – حضورا ويقظة وحزم، كيف لا ومستلزمات الحافظية تستدعي الحفاظ على كليات الشريعة ومقاصدها: “ضروريات خمس قرأنا منها ثلاثا. قرأنا حافظية المرأة على النسب وعلى نفسها، وهما متلازمان. ثم حافظيتها على مال زوجها. بقيت ضروريتان مما عند إمام فقه المقاصد: حفظ الدين، وحفظ العقل. هل ينحفظ شيء من أمانات النساء إن لم يكن إيمانهن باعثا، وعقلهن مدبرا؟ “[36].
إن حافظية المرأة في الفكر المنهاجي لها مفهوم أشمل وأوسع مما ذهب إليه الفقهاء والمفسرون والمحدثون، فالحافظية “مسؤولية لا تنحبس في جدران بيت الزوجية، وفي هموم المعاش اليومي. الدِّين الذي هو رأس المقاصد وغاية الغايات، يُرْضَع من ثدي الأمهات الصالحات القانتات الحافظات. وتعهُّدُهن لجسوم الأطفال ونباتها وغذائها وصحتها كتعهدهن للعقل الناشئ، يأمرن بالحسن، ويزجرن عن القبيح، ويجبن عن الأسئلة، ويلقِّنَّ اللغة”[37].
ولا تقتصر الحافظية على حفظ الضروريات فحسب، بل من مستلزماتها أيضا حفظ المقاصد الحاجية، وهذا يعني أن “أن الجانب العاطفي الإنساني الإحساني البري الذي فطرت المرأة عليه مقصد سام من مقاصد الدين”[38]. هذا بالإضافة إلى اشتمال الحافظية على المقاصد التحسينية أيضا من حيث تحقيقها والحفاظ عليها، ذلك أن “الصالحات القانتات أرق من عرف الأليف، وميز الحسن والأحسن، وأورث العادات الحسنة، وترفع عن المدنسات الملوثات، وأنف مما تأنف منه العقول الراجحات”[39].
إذا كانت المقاصد الشرعية الحاجية تهدف إلى رفع الحرج عن الناس، ويتحقق بها ضمان المصالح الحياتية ونظامها، ويحصل بها خدمة المصالح الضرورية وتكملتها، فإن النساء بحافظيتهن في التصور المنهاجي يسهمن في التوسعة ورفع الحرج والضيق بما “يمكن للصالحات القانتات أن يمهدنه من وعر في الحياة، وما يمكن أن يخدمن به من جانب لباقتهن ما لا تحققه قوة الرجل وخشونته”[40].
الحافظية إذن أمانة عظيمة تقابلها القوامة عند الرجل وتكملها، لا يمكن لأحدهما تستغني عن الأخرى، كما لا يمكن لأحدنا أن يستغني عن قلبه أو يده أو عينه، الحافظية إذن بُرج جهادي، منه تمارس المرأة وظيفتها، فإذا: “كان على المسلمين الرجال أن يرابطوا في أبراج الدفاع الخشن الجسدي العسكري، فإن على المسلمات أن يرابطن في أبراج الدفاع التربوي أساسا، ثم مساعدة المسلمين الرجال في الشؤون الجهادية الأخرى”[41].
يتبين لنا محورية القرآن الكريم في الفكر المنهاجي للأستاذ عبد السلام ياسين وهو يبسط لنا مفهوم الحافظية وتجلياتها ومستلزماتها، وهو مفهوم استخرجه من قراءة عميقة متأنية للنص القرآني، آخذا منه مفاتيح فهم أشمل وأعمق لمفهوم الحافظية عند المرأة أخت “القِوامة” عند الرجل، متجاوزا التوقف عند نص الحديث ودلالته السطحية المباشرة. تلك الحافظية التي أناط الله تعالى المرابطة عليها بشطر الإنسانية، مهمة جليلة ووظيفة عظيمة إن أدت المرأة مستلزماتها كانت حامية لدين ربها، محققة لمقاصد شريعته وحافظة لها، لكن عند رجوعنا إلى واقعنا وواقع نسائنا، ندرك بعمق مدى “حاجة المسلمين إلى اجتهاد يشرك الصالحات القانتات في الجهاد العام للأمة، جهادا يخرجها من قمقم قعيدة البيت الأمية غير المسؤولة، ومن بؤس الكادحة المكدودة الكاسبة قهرا وحاجة ويُتما من كفالة الأقارب المشتتين بين بادية وحاضرة، ومن عناية أزواج يرمون في الشارع من بلغت الأربعين ليجددوا الفراش”[42]
مَن لنا بقراءة تجديدية للنصوص الشرعية؟ مَن لنا باجتهاد يبصر الأمور في شمولها، ويستنبط الأحكام من أصولها؟ من لنا بفقهٍ يستفيد من ذخائر أئمتنا الأكابر دون أن ينحبس في حدودها؟ من لنا بقراءة شاملة للنصوص الشرعية تستحضر فيها كليات الشريعة ومقاصدها؟ ولا تقف عند جزئيات القضايا والنوازل الغابرة. حتى نتجاوز الأحكام التي قزمت دور المرأة، وأردتها قعيدة البيوت سجينة الجدران في عطالة طويلة تعرقلها عن ممارسة أمانة حافظيتها كاملة شاملة.
4- تنظيم النسل:
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة. إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له”[43]، إن لفظ الحديث النبوي يؤكد أن ما ينجبه المرء من ذرية صالحة كانت أو فاسدة هي مِن عمله – وهذا لا ينفي كونها خلقا لله تعالى- ومن ثم “فقد توجّه أمامَنَا عِظَمُ مسؤولية الإنسان عن ذريته: تصلح إن أصلحها، وتَفْسُدُ إن أساء تنشِئتها. فيترتب على هذا المنطقِ المستنير بنور الوحي ونور التوجيه النبوي منهاج المسؤولية البشرية عن صلاح الأجيال وفسادها. لا يهدي للصلاح إلا الله، لكن الهداية الإلهية يقيض الله لها بشرا يهدون. والغَوَايَةُ تضليل من شيطان جن أو شيطان إنس”[44]. فكان أول مانبَّه إليه الأستاذ عبد السلام ياسين من الحديث هو أن “الولَدَ مِن عمل الإنسان. الولَدُ خلْقُ الله وعمل الإنسان”[45].
تأسيسا على ما سبق، كان لا بد من حرص الأبوين معا على كمالهما الوظيفي المتمثل في “أبوين مسؤولين مربيين” لحفظ فطرة الله في الناشئة حتى تكون بإذن ربها ذرية صالحة مُصلحة.
في ضوء هذا الحديث الذي يعتبر الذرية من عمل الإنسان يعالج التفكير المنهاجي قضية تكثير النسل وتحديده وغثائية العدد. ففي التكثير قال صلى الله عليه وسلم: “تزوجوا الوَلودَ الوَدودَ فإني مُكاثر بكم الأمم”[46]. والتكثير الغثائي لا ينفع الأمة في شيء، فكيف نجمع أطراف الأمر؟ يتساءل الأستاذ قائلا: “التكثير من النسل مطلوب شرعا، والولَد الصالح ذخْر للأمة في الدنيا ولوالديه في الدنيا والآخرة. لكن ما الشروط ليكون العمل الإنجابي صالحا، ولتكون الكثرة مما يبهج نبينا في معرض مكاثرة الأمم؟ ما معيارُ الصلاح في حساب الدنيا والآخرة؟”[47]
وخلال معالجته للموضوع يستحضر الأستاذ ياسين واقع الأمة آنفا وحالا ومآلا، وموقعها بين الأمم، ليؤكد قائلا: “نتناول موضوع الإنجاب وتكثير النسل أو تحديدِه، عينٌ منا على الظروف الموضوعية وما ابتلانا به ربنا وابتلى به خلقه، وعين على الأمر الشرعي والدليل الشرعي”[48]. التكثير دون غثائية، وإعداد القوة النوعية، من غير الانصياع وراء الدعوات التي تتوجس خيفة من خطر الانفجار الديمغرافي في بلاد المسلمين المستضعفة.
باستحضار المعطيات الواقعية والموضوعية، وقبلها الانطلاق من نصوص شرعية تدعو إلى المكاثرة، وتحذر من الغثائية يبلور الأستاذ رؤيته المنهاجية لموضوع الإنجاب وتكثير النسل أو تحديده فيشركنا قائلا: “يقول لنا قانون المزاحمة، وسُنة الله في المدافعة: كاثروهم عَدَداً، وغالبوهم عُددا. وتقول لنا السنة النبوية: “تزوّجوا الوَدود الوَلودَ فإني مُكاثر بكم الأمم”[49]، ليؤكد أن “التكثير من النسل مطلوب شرعا، والولَد الصالح ذخْر للأمة في الدنيا ولوالديه في الدنيا والآخرة”[50]، ليضعنا في محك المقاربة الشمولية غير السطحية متسائلا: “لكن ما الشروط ليكون العمل الإنجابي صالحا، ولتكون الكثرة مما يبهج نبينا في معرض مكاثرة الأمم؟ ما معيارُ الصلاح في حساب الدنيا والآخرة؟”[51].
بالتأمل والتدبر في حديث الغثاء، هل “من دليل شرعي يبيح للأم المسلمة أن تنظم نسلها وتعمل من الصالحات والصالحين بمقدار لا يطغى فيه الكم على الكيف؟ “[52]
لقد تأرجحت آراء العلماء بخصوص تنظيم النسل بين الإباحة والمنع، وجمهور العلماء يرون الجواز اعتمادا على أحاديث أربع رواها الإمام البخاري في باب العزل منها حديث جابر: “كنا نعزل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل[53]“، أما المانعون للعزل فدليلهم حديث عند الإمام مسلم يصف العزل بأنه “وأدٌ خفي”[54]، والذين أجازوه أجمعوا على أن يكون بشرط رِضى المرأة بذلك.
في خضم بلورة بسطه لرؤيته المنهاجية في موضوع تكثير النسل أو تحديده، يستثمر الأستاذ عبد السلام ياسين ما خلفه السابقون من فقه مجزأ ولا يقف عنده، يسائله، يحاوره، يبني عليه ويوسع من نظرته حتى لا يبقى حبيس الفردية الذاتية، فاصلا بين هموم الفرد ومسؤولية الأمة ومصيره، متجزئا…
يجمل الأستاذ عبد السلام ياسين شرط الفقهاء في جواز العزل، في ما “معناه أن التسبب في الحمل أو عدمه باختيار الزوجين وتراضيهما. إن طالبت الزوجة بحقها في جِماع كامل كان ذلك فيصلَ الاختيار” ليعلن متعجبا: “سبحان الله! رضاها واختيارها وجمالها وسِمنها والتمتع بها بواعث مَرْضِيَّةٌ، فكيف بمصير أمة!”[55]، ويسأل مستنكرا: “كيف يُجيز الفقه الإسلامي وتبيح السنة اعتبار مصلحة امرأة ولا يتسع الفقه والسنة لاعتبار مستقبل أمة؟”
تجديدا للنظر في قضية العزل ومعضلة الغثائية وواقع استضعاف الأمة يقول الأستاذ ياسين: “نُوسع من نظرة الفقيه النوازلي لنطالع المسؤوليات السياسية الاقتصادية الجهادية وما يجب على الأمهات المومنات من تكثير نوعيٍّ قويٍّ، لا غثائيٍّ عالَةٍ على أمة متسكعة متسولة”[56].
إذا كانت آراء العلماء تركز على الجوانب الذاتية للفرد في القول بالإباحة وعدمها، فإن الفكر المنهاجي يربط قضية التكاثر بمصير الأمة حالا ومآلا، يستحضر الواقع وما ينتجه من تحديات في وجه الأمة الإسلامية، يعتبر المسؤوليات السياسية الاقتصادية الجهادية المرتبطة بالفرد والجماعة، يتهمم بالمسؤولية الجماعية المرتبطة بالأمة ومصيرها بين الأمم، يأخذ بعين الاعتبار العواقب المصيرية التاريخية للأمة ليخلص الأستاذ ياسين إلى أن “للمرأة الحق والحرية في أن تنجب أو لا تنجب، وعلى المؤمنة واجب ألا تضع غثاء، ولا تتسبب في التكثير الأرنبي بينما غيرها يربي صقورا ونمورا[57]“. إن واقع الأمة وما يفرضه عليها من تحديات يجعل “جهاد المومنة وحيثيَّتُها في سجل كرامة الإيمان أن تُنجب مجاهدين ومجاهدات أقوياء. فإن اضطرتها ظروف الحاضر والاحتياط المستقبلي من غَدَرات مجتمع منفصم الأوصال، وصوَلات زوج يطلق ويشرد، للعمل في مِهن الإنتاج البضاعي، فإن نداء المستقبل يُحيِّي المومنات ويُهيبُ بهن أن يكون لهن في صنع غد أفضل اليد الطولى، والكلمة المسموعة، والخِدمة التي لا يقوم بها غيرهن. ليست هذه الخدْمة تفريخ أعداد بشرية. إن كان الوَلَدُ الصالح الواحد ذخرا باقيا للآخرة وعملا يرضاه الله، فكيف بإصلاح أمة وإحيائها وصناعة مستقبلها”.[58]
هكذا تمزج المؤمنة بين أداء وظيفتها الأساسية في إنجاب قوة لا غثاء، وتُسهم بما فاض مِن وقتها وبما نبغت فيه في إحياء أمتها والنهوض بها بين الأمم، بل إن أداء وظيفتها السامية لن تتأتى إلا بالعمل الدؤوب لإصلاح حال الأمة من أجل غد أفضل يضمن لها ولمثيلاتها العيش الكريم والعش الدافئ الذي يكون مجالا مهيئا لممارسة حافظيتها في الاحتضان والمتابعة والتلقين وحفظ الفطرة وتدبير أمور الأسرة، وقبله ومعه وبعده التفكر في ملكوت الله وعبادته.
5-نفقة المُعتدَّة:
للأستاذ ياسين تناولا تجديديا منهاجيا لقضية نفقة المعتدة، يتجاوز فيها القراءات الفقهية التجزيئية، فهو يربط القضية بواقع المسلمين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي، ويسائل الحكم الفقهي الموروث من خلال مستجدات عصرنا ليخلص إلى وجوب اجتهاد شامل يمس جميع المؤسسات حتى نتمكن من إنصاف ضعيفة المستضعفين. يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ“(الطلاق:1).
من نص الآية استخرج الفقهاء حق المطلقة في السكنى والنفقة أثناء عدتها، فالفقيه “فسر إضافة البيوت إلى النساء بأنها إسكان لا إضافة تمليك، ثم نفض يده من القضية. وحكم القاضي للمطلقة بسكنى مؤقتة ونفقةٍ يقتِّرُها القانون تقتيرا. ونفض يده من القضية “[59]. لكن ماذا بعد انتهاء مدة العدة؟! أين ستأوي المنتهية عدتها؟! هل لها من ضامن على أمان يومها وغدها حتى تقي نفسها وعيالها آفة التشرد وتتفرغ لممارسة أمانة حافظيتها؟!
إن ما يميز الفكر المنهاجي هو الشمول والعمق في الرؤية، والنظر في مآل الأمر كما في حاله. فيحاور الأستاذ عبد السلام ياسين الفقه الموروث ويخاطبه، يسائل الآخذين به جملة وتفصيلا رغم أن سادتنا الأوائل من فقهاء وقضاة قد حكموا به “في زمن غير هذا الزمان، ومكان غير هذا المكان، وأحوال غير ما يَتقَلّب به الليل والنهار من أسواءٍ وأدواءٍ اجتماعية اقتصادية كلها تنزل على الزوجة المطلقة لتُلقِي بها في أسفل سُلَّم البؤس والتشرد”[60].
إن حكم الأولين بنفقة وسكنى مؤقتة للمعتدة كان متماشيا مع زمانهم وظروفهم وأحوالهم. كانت لهم ضمانات هي منعدمة في واقعنا اليوم، كانت المرأة -آنئذ – لا تكاد تنتهي من عدتها حتى تدخل في رابطة زوجية جديدة. قلما تجد غير ذات زوج فيما مضى. كانت زكاة الأموال تعطى للمستحقين لها. كان التشبت بالدِّين والقيام بشعائره سمة عامة في المجتمع. كان العقل المسلم في منآى من أي غزو أو تضليل. كانت أواصر التآزر والتكافل بين ذوي الأرحام قائمة ألح الله تعالى عليها إلحاحا وأوصى بها إيصاء. كانت حقوق المرأة مكفولة من طرف الأب والزوج والأخ والعم والخال وسائر ذوي القرابات. ناهيك عما فصله الله تعالى من أمر السكنى والملجأ وما يرتبط بآداب البيوت في سورة النور خاصة. ما به يتجلى السياق العام الذي يجب أن يحكم المجتمع المسلم، ومنه تتحقق مقاصد الشريعة من خلال أحكامها. “سياق متكامل تقرأ فيه آيات الله وما أوجب من حق وأمر به من بر. نفهم ديننا نُتفا ممزقة إن غفلنا عن المقاصد العليا للشريعة وأخذنا الأحكام منفصلة بعضها من بعض، مستقلة كأنها جزُرٌ منعزلة لا وصل بينها”[61]
إن النظرة المنهاجية التجديدية لهذا النص القرآني ولغيره مما في معناه وسياقه، والفقه الجامع غير المجزأ يؤكدانأنه “ضمن الإضافة في “بيوتهن” يَكْمُن حق المرأة في الأمن السَّكني. وضمن حكم توقيت السكنى والنفقة للمعتدة يكمن أمن النساء في المجتمع المسلم السّوِيّ”[62].
يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين ويذكر أنه “لا مجال لمراجعة حكم الله النهائي في حق المطلقات وسكناهن ونفقتهن، إنما المراجعة في مُلاءمة واقعنا الكلي لأمر الله الكلي. حينئذ تأخذ الأحكام المفردَةُ مكانها وأهميتها ونسبيتها في دعم المقاصد الكلية”[63]. إنَّ الحكم – حاليا في زماننا وأحوالنا- بما حكم به الأولون في موضوع سكنى المطلقة ونفقتها، يعرض العديد من المطلقات – لا محالة – للتشرد ويتوعدهن بالبؤس… مما يعرض مقاصد الشريعة للخرم والضياع: “هل المشردة التي لا مأوى لها ولا أمان على غدها تجد متسعا لتتأمل في آيات الله فيكمُلَ إيمانها؟ هل المشردة التي لا مأوى لها تُربِّي نشأ صالحاً أو قِطَطاً مشردة مثلها؟”[64].
إن سكن المطلقات ومأوى المشردات مطالب ملحة في المجتمع المسلم حفاظا على كليات الشريعة من الضياع، وحرصا على أمانة الحافظية من الخرم. فإن “كان من شأن القاضي والمفتي المقلد أن ينفض يده من هم المشرَّداتِ عن بيوتهن، والمُعْدِماتِ ما لهن بيوت، فإن الحاكم المسلم حقَّ الإسلام غدا من واجبه أن يعمل وهو سلطان على تحقيق ما بشر به في أمس الدعوة من مثاليات القرآن. يعمل ويُقارب”[65]، ينظر ويخطط على مستويات عدة، ذكر منها الأستاذ عبد السلام ياسين ضمن رؤيته المنهاجية في المسألة:
– الاهتمام بالرجل والمرأة على السواء، واعتبار “الرخاء والتنمية والإعمار مطالب أساسية للنهوض بماديات المرأة والرجل ومعنوياتهما. لا تنبُت الفضائل في رمال الفقر والعوَز والبؤس المادي“[66]، لأن الفقر كاد أن يكون كفرا.
– تمكين المرأة من استقلال اقتصادي يقيها بؤس التشرد ومذلة السؤال، فتتمكن من تربية أبنائها وتجد متسعا لممارسة حافظيتها: “ولكي تأمن المرأة زوجا ومطلقة على غدها وغد أبنائها لا بديلَ في الأفق القريب عن تمكينها من استقلالها الاقتصادي”[67].
– البحث الشرعي والاجتهاد الفقهي في أفق أن “يُلجِمُ الفقه الإسلامي المسؤول عن تطبيق الشريعة في منظور مقاصدها العليا الطلاق ومزاجية الرجل باللجام الشرعي للحد من عوامل تشرد المرأة عن بيتها“[68].
– العمل الجاد الواعي والتخطيط التربوي النفسي الهادف إلى إعادة غرس قيم التضامن والتآزر بين البنات والخالات والعمات وسائر البيوتات، و”تحويل علاقات الناس من تدابر وتنافر وأنانية وكراهية إلى مثال الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمى والسهر”[69].
وهذه المطالب ليست بالأمر الهين، و”ليس مما تهب به الريح على جناح الارتجال”[70]، بل يحتاج إلى دراسات وأبحاث وبرامج وإرادة وسلطة وزمن.
6- فتنة النساء:
لا يزال الكثير من المسلمين يعتقدون أن المرأة هي “فتنة” بمعنى أنها شر يجب الحذر منه واتقاؤه، فهي منبع الغواية وموطن إبليس اللعين ! ولعل هذا الرأي موروث عما فهمه بعض الأجداد من نصوص شرعية صحيحة قرآنا وسنة، دون أن نهون من شأن تأثير الإسرائيليات المدسوسة في مؤلفات المسلمين. ولا أخفي سرا إن أعلنت أن هذه النقطة: اعتبار النساء فتنة بالمفهوم الموروث المتداول كان يؤرقني وأجد في نفسي حرجا منه. إلى أن مَنَّ الله علي وعلينا بالاطلاع على فكر منهاجي تجديدي لرائده الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله وأجزل له العطاء، برؤية منهاجية تجديدية لمفهوم فتنة النساء، بدَّدت حيرتي، وأزالت الغشاوة مِن على عيني.
قال الله تعالى: “زُيِّنَ للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنينَ والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسَوَّمة والأنعام والحرث. ذلك متاع الحياة الدنيا. والله عنده حسن المآب“(آل عمران:14). فجاءت المرأة في الآية “على رأس قائمة شهوات الدنيا “[71]، كما هي “عديلةَ الدنيا بأسرها” في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الدنيا حلوةٌ خَضِرَةٌ.وإن الله مستخلفُكم فيها فينظُرُ كيف تعملون. فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء. فإن أولَ فتنة بني إسرائيل كانت في النساء”[72]. ولعل هذا من خصوصيات المرأة، إذ “للمرأة وخصوصية جنسها وجمالها وجاذبيتها معنى كونيٌّ مصيريٌّ، دنيوي أخروي، لا سبيلَ لإدراك حكمة الشرع فيما أمر ونهى بصددها من دون استحضاره والاستبصار به. هذا المعنى هو أنها فَصُّ زينة الدنيا وملخَّصُ شهواتها للرجل، وملتقى أمانيه. فهي بذلك للرجل، وهو بذلك لها، السؤالُ العويصُ من بين أسئلة الامتحان”[73] عن كيفية تصرفنا تجاه أعظم الزينات وأسبقها: المرأة، كما سنسأل عن كل زينة هي في الأرض، لأن “كل ما على الأرض من زينة ابتلاء. قال الله عز وجل: “إنا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لنبْلُوَهم أيُّهم أحسَنُ عملا“( الكهف:7)[74].
إن المرأة فتنة وابتلاء على المؤمن ذلك أن “التعلق الفطريُّ للذكر بالأنثى، وهيُامُ الرجل بجمال المرأة، وما تَغَنَّى به الشعراء في حبها، وما تقاتَل عليه الرجال لنيل رضاها أو لحيازة جسمها، إنما هو من أثر التزيين الإلهي المغروز في الفِطر، المجعولِ فيها فتنة واختبارا ليعلم الله من يخافه بالغيب، و”ليميزَ الله الخبيث من الطيب ويجعلَ الخبيث بعضَه على بعض، فيَرْكُمَه جميعا، فيجعلَه في جهنم. أولئك هم الخاسرون ” (الأنفال:37)”[75] . فالمرأة هي الزينة على السبق والإطلاق، تعدل كل الدنيا في مباهجها وشهواتها، وهي بذلك فتنة وامتحان فينظر الله إلى عمل الرجل وسلوكه تجاهها: “فاختيار الغريزة الهابطة مسلكا معها انحطاطٌ إلى الحياة الدنيا. واختيارُ شرع الله في معاشرتها، واختيارُها هي شرعَ الله في نظام حياتها، شَرْطا استحقاق للحياة الطيبة دنيا وأخرى.”[76]
المرأة اختبار و”امتحان هي عسير لمن تجاوز حدود الله فيها فظلمها وهي الضعيفة، أو نَهَبَها وهي الجميلة، أو عبدَها وهي بشر”.[77] وللمرأة معنى وجودي كوني، خاطبها الله جلت عظمته مكلفة، ووعدها بالحياة الطيبة الهنية في الدنيا والجزاء الحسن في يوم المعاد إن هي آمنت وأطاعت، خاطبها سبحانه وتعالى “حين أمر رسوله بتبليغ هذا البيان لنسائه بالأصالة ولنساء العالمين بالمثال فقال: “يأيها النبيء قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالَيْن أمتّعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تُردنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما“(الأحزاب:28-29)”[78]. حيث الخيار مطروح للمرأة بين الدنيا والآخرة: فإن هي “اختارت الدنيا وزينتها وكفرت باليوم الآخر فعليها ما تولت من أوزار الحضارة المادية، تكون لعبتَها ودميتها وهي في الآخرة من الخاسرين. وإن هي اختارت الآخرة فلها نصيبها من الدنيا، وللرجل نصيبُه منها في كنف العفة والطهارة والمحبة والتآزر والتعاون على تعب الرحيل والعبور إلى دار البقاء”[79]
ثالثا: معالم الرؤية التجديدية في معالجة قضية المرأة
في نظرية الفكر المنهاجي
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “ليس التجديد تغييرا للثابت من شرع الله، فإن أحكام الكتاب والسنة ماضية إلى القيامة (…) لا نرتاب أن الاجتهاد ضروري لتكييف حياة العصر مع شرع الله، فهو تسليم العصر لا عصرنة الإسلام”[80]. وما قضية المرأة إلا باب من أبواب التجديد في دين الله تعالى لما تكتسيه من الأهمية في صرح بناء الأمم. فما هي يا ترى بعض معالم التجديد في قضية المرأة في الفكر المنهاجي؟
الدعوة إلى قراءة التاريخ من أعاليه:
يدعو الفكر المنهاجي إلى قراءة التاريخ من أعاليه لا من أسافله في كل القضايا، وفي قضية المرأة المنسية في الزوايا أو المتعامل معها بعقلية لائيكية تحررية تنادي بالنِّدِّية والتنافس عوض التواد والتكامل. وقراءة التاريخ من أعاليه أساس عظيم في الفكر المنهاجي، والمقصود به التتلمذ المباشر للوحي، وقراءة التاريخ من خلاله، والأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفهمه ووعي دروسه. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “يهبنا الوهاب همة عالية لننظر إلى الواقع من أعالي التاريخ لا من أسافله”[81]. ويقول كذلك: “إن تتلمذنا للرسول المعلم الناصح صلى الله عليه وسلم مباشرة (…) يمكننا من مراقبة الأمور من أعاليها لا من أسافلها”[82]. دون إغفال الواقع إذ بهذه القراءة المنيرة ينظر المؤمن إلى العالم في مخاضه وتقلبه بالناس، ولكن أمله معقود على ما بشر به كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مِن تفتق الضوء من العتمة، وإشراق سنا العدل والقسط والرحمة في هذا الكون رغم التمزق وتداعي الأكلة قوى العدو وهيمنتها المادية، وانهزام الاقتصاد، وذبول القيم، وتجزئ الأنظمة الحاكمة المستبدة، والظلم الجاثم على النفوس.
نفقد لا محالة مقوماتنا إذا نظرنا إلى التاريخ نظرة قاصرة وأسأنا فهمه واستنطاقه، وعطلنا السنن الكونية التي تقنن حركيته وسير الخلق فيه. أو أعمى أعيننا دين الانقياد السلبي، ودين التقليد للآخر دون الجلوس المتتلمذ عند عتبة المنبر النبوي الأشرف. والنظر في واقعنا المفتون نظرة منهاجية كلية لإصلاحه لا لتسويغه.
الاهتمام بقضية المرأة واجب إحساني تعبدي
العدل هو رفع للظلم عن المستضعفين والتصدي لكل أشكال الحيف على الأمة رجالا ونساء، أفرادا وجماعات، وهو من صميم الاهتمام بشؤون الأمة في سيرها الجماعي. والإحسان هو ارتقاء في مدارج الإيمان والمعرفة بالله تعالى وهو خروج عن دائرة النفس إلى رحاب الترقي الإيماني الإحساني في سلوك المؤمن والمؤمنة الفردي إلى الله تعالى. ومن هذا المنطلق تعالج قضية المرأة في الفكر المنهاجي، وليس استجابة لمزايدات سياسوية أو موضة تحررية، ولا من منطلق اكتساب الصيت والحظوة عند الناس، وإنما طاعة لله تعالى وعملا بوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورغبة في رفع الظلم عنها وإعادة الاعتبار لها، لأن بدونها لا يصح الحديث عن إعادة بناء الأمة أو إحيائها.
إن قراءة الفكر المنهاجي لقضية المرأة تعد قراءة أصيلة مستمدة من نور الوحي كتابا وسنة، وواقعية تربط الظلم الجاثم عليها بالابتعاد العام عن الإسلام لأسباب تاريخية وسياسية واجتماعية، وشمولية تربط اندحار مكانتها داخل المجتمع بالتدهور العام الذي عرفته الأمة ولا يمكن اختزالها في قضية بين ذكر وأنثى، وهي قراءة إجرائية أخيرا لا تكتفي بالتشخيص ولكن تطرح حلولا وبدائل. يقول الأستاذ ياسين: “يجب إعادة حق المرأة المغصوب كما حده شرعُ الله، وحمايتها من العدوان، ومن جملة العدوان وأشنعِه العدوان على كرامتها باسم الحرية. يجب أن تتحرر المرأة من العجز والتبعية الاقتصادية فيُعطاها حقُّ النفقة زوجة وأما، ويُعطاها حق المتاع مطلقةً، وأجرةٌ كريمةٌ عاملةً، وأن تُهيأ لها ظروف الاستقرار في بيتها، لأن عليه يتوقف استقرارُ المجتمع والدولة”[83].
القراءة الشاملة وانحباس الفقه
لا يختزل الفقه المنهاجي قضية المرأة في فقه ينحبس فض الصراع بين ذكور وإناث وإنما يربطه بالمجتمع ترديا وانتكاسا أو تقدما وارتقاء. فقد انحطت المرأة المسلمة بانحطاط مجتمعها، فبعدما كانت سيدة في مجتمعها تحت ظلال مجتمع النبوة الوارفة وما تلاها من خلافة راشدة، بعد أن كانت لا تعد شيئا في المجتمع الجاهلي، حيث الوأد والذل والمهانة، فصارت مشاركة فاعلة في المجتمع في كل مناحيه، وتبوأت أعلى المقامات، وشغلت أعظم الولايات، وأسهمت إسهاما في جهاد التعبئة والبناء.
وسرعان ما تحولت مع انتقاض عروة الحكم إلى جارية تزين القصور، وقينة تطرب الحكام والسلاطين، واختُزلت قيمتها في جسد لا يصلح إلا للمتعة وقضاء الوطر وإشباع الرغبات وتفريخ الذرية. وزاد الطين بلة واقع التغريب الذي تعيشه المرأة فيما بعد صدمة الاستعمار الذي لم يقتصر على تقسيم البلاد وشقاء العباد وسلب الخيرات وإنما تجاوزه إلى الإسهام الخطير في انحلال الأخلاق وانقلاب الموازين وضعف القيم، فلم تجد المرأة التي عانت صنوف الذل في ظل مجتمع المسلمين الذين سلبوها ما أكرمها به الإسلام، إلا نموذج المرأة الغربية المتحررة التي عملت على تقليدها في ظل تقليد الضعيف للقوي واستحكام نِحلة الغالب.
علاقة تردي أحوال المرأة بتردي أحوال الأمة:
تأثر الفقه بتردي الأمة حتى صارت أحيانا الفتوى الفقهية بخورا في حجر الحاكم، وتأثر وضع المرأة بهذا التردي العام للأمة، وتجزأ فقهها وانتشر فقه “لا يجوز” وأضحى ينظر إلى المرأة أنها سبب البلاء الذي حل بالدولة لا ضحية من ضحاياه. يقول الأستاذ: “همهمة في معبد الطاغوت هي الفتوى الفقهية، مهما كانت صالحة مصيبة، إن لم يكن الفقه ترعاه قوة بل إن لم يكن أهل القرآن مشرفين من جانب الحق على أهل السلطان. بل إن لم تكن الدولة في يد الدعوة. بل إن لم تكن الأمة كلها معبأة مع الدعوة تنصر شرع الله والدولة في خدمتها، لا سيدة مستبدة عليها، مسؤولة أمامها، لا مطْلقة تعبث بالأموال والأعراض (…) ما تغني الكوابح الشرعية التي ترمي إلى درء مفاسد الأخلاق ومحاصرة الزنى إن كانت يد السلطان نجسة، وكان هواه مع الحداثة الإباحية “[84].
للانحطاط السياسي آثاره السلبية على انحباس الفقه إلى أن آل الأمر إلى سد باب الاجتهاد وانكب الاهتمام على جزئيات الشريعة منفصلة عن كلياتها، ورضخ الفقه للأوضاع السائدة، وصار بقراءاته الضيقة السطحية، ورغبته في سد ذريعة الفساد، أداة لتقزيم دور المرأة وقيمتها داخل البناء الأسري وفاعليتها المجتمعية والإنسانية
قضية المرأة قضية أمة لا قضية جنس:
لما كان تجديد الدين وتجديد فهمه في مقدمة انشغالات التفكير المنهاجي، فإن ذلك يقتضي تجاوز الآفات التالية:
1- آفة التسطيح: ويتم تجاوزها بمحاربة الغفلة عن الله تعالى وعن الآخرة في تناول قضية المرأة لأن المؤامرة على الغيب طالت حتى بعض الاسلاميين خشية أن يوصموا بالظلامية والتخلف، فأصبح همهم طرح بدائل اجتماعية، وغاب كنه الأمر الذي هو طلب التوبة والهداية والاستقامة. يقول الأستاذ ياسين: “سعادة هذا الكتاب، أن يوقظ الواسن ويحرك الساكن لتمسك المؤمنة القارئة والمؤمن الباحث بتلابيب نفسه وهواه، ويحمل فكره على المكروه الذي تهرب منه النفس الراكدة في خبثها، ألا هو مواجهة الذات بالسؤال المليح الصريح: أي إيمان هو إيماني؟ وما قضيتي مع ربي؟ ضاعت ونسيت في ضجيج الحركية فهل إلى تلافي الأمر من سبيل؟ أم إن المنطلق الأول كان خطأ حين اندفعتُ في حماس أزعم أني مهاجر إلى الله، ناصر لدين الله، مجاهد في سبيل الله بين قلبي هواء وخواء[85]“
2- آفة التقليد: وتُدرأ بتجاوز القراءات الفقهية والمذهبية الضيقة والتأسيس لاجتهاد جماعي المؤسساتي البعيد عن المزايدات، اجتهاد ينهل من النبع الصافي كتابا وسنة مع مراعاة شروطه الموضوعية وعدم إغفال الواقع ومتطلبات العصر والحرص على عدم الحاق الظلم بالناس عموما والمرأة تحديدا لمجرد الرغبة في تقليد مذهب بعينه يقول ذ.عبد السلام ياسين: “ما كلفنا الله باتباع مذهب وتقليد فقيه… لا ينبغي أن نلقي بالأمر الإلهي آخر لتنقضه. بل الاجتهاد رعاية المصلحة العادلة”[86].
كما يوجه الفكر المنهاجي إلى ضرورة تطويره من جهتين:
- التمكن من الأصول والمقاصد.
ب- تقويم الاجتهاد نظريا بالخروج من دائرة علماء السلاطين إلى مؤسسات علمية مستقلة.
3- آفة التجزيء: بالنظر في قضية المرأة بوصفها قضية إنسان، قضية رجل وقضية امرأة، قضية ظلم يحبس أنفاس المستضعفين في الأرض ذكورا وإناثا، قضية إرادات ينبغي أن تنتفض لتحمل مشعل التقليد والتجديد، “في سورة البلد دعوة ملحة من الله عز جل ليقتحم العقبة. دعوة للإنسان ذكرا وأنثى”، و”شريعة العدل والإحسان دعت جنس الرجال وجنس النساء إلى التوحد على طاعة الله عز وجل والعبودية له وحده دعت الجنسين والعالَمين إلى حياة انسجام وتعاون وتآزر وتكامل في حمل أعباء الدنيا. ليخلص الرجال والنساء إلى آخرتهم ليس على ظهورهم وِزر التظالم وغمط الحقوق”[87].
خاتمة
إن ما كتبه الأستاذ عبد السلام ياسين حول المرأة المسلمة المؤمنة، خاصة كتابه الفريد “تنوير المومنات” والذي طبع أكثر من أربع طبعات، يعد بحق دراسة علمية رائدة ومؤسسة في مجالها. تسعف المرأة المسلمة في بناء شخصيتها الفاعلة في التغيير وتبصيرها بدورها الوظيفي في صنع غد الأمة وبناء مستقبلها، وهي مشاركة لأخيها الرجل في حمل أعباء التربية والتنشئة والإصلاح والتغيير. ولا تنفصل قضية المرأة عن قضية الرجل ولا عن قضية الأمة، ولا ينحبس الخوض في هذه القضايا في تقليد اجتهاد السابقين من جهة أو التبعية للمُغرَّبين من جهة ثانية، بقدر ما يستدعي التأسيس لفقه جماعي جامع يعالج الواقع بمنهاج القرآن والنبوة، وهو يستشرف مستقبل التمكين لأمة المسلمين في العالمين.
والحمد لله رب العالمين
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- رضا محمد رشيد، حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام، مطبعة المكتب الإسلامي،1404 هـ/ 1984م
- أبو شقة عبد الحليم محمد، تحرير المرأة في عصر الرسالة، دار القلم للنشر والتوزيع، ط الأولى، 1410هـ/ 1990م.
- شمس الدين محمد مهدي، مسائل حرجة في فقه المرأة، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، الطبعة 1، 1995م
- ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا، الطبعة الثانية، 1989م
- ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، طنطا، دار البشير للثقافة والعلوم، الطبعة الأولى في مصر، 1996م
- ياسين عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، دار الأفاق، الطبعة الثالثة، 1422ه/2001م
- ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1430ه/2009م
- ياسين عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، الدار البيضاء، دار الخطابي للطباعة والنشر، ط1، 1989م
[1]– رضا محمد رشيد، حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام، مطبعة المكتب الإسلامي، 1404 هـ/ 1984م
[2]– أبو شقة عبد الحليم محمد، تحرير المرأة في عصر الرسالة، دار القلم للنشر والتوزيع، ط1، 1410هـ/ 1990م.
[3]– شمس الدين محمد مهدي، مسائل حرجة في فقه المرأة، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، ط 1، 1995م.
[4]– ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا، طبعة2، 1989م.
[5]– ياسين عبد السلام، تنور المؤمنات، طنطا، مصر، دار البشير للثقافة والعلوم ، ط 1، 1996م.
[6]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/21 .
[7]– ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/18.
[8]– ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص132.
[9] – ياسين عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، دار الأفاق، المغرب، طبعة3، 1422ه/2001م، ص43.
[10] – سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، رقم:4297.
[11] – ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/141.
[12] – ياسين عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص59.
[13]– ياسين عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص150.
[14]– ياسين عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص295.
[15]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/270.
[16]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/92.
[17]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/267.
[18]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/53.
[19] – ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/270.
[20]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/56.
[21]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/57.
[22]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/57.
[23]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/53.
[24]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/53.
[25]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/60.
[26]– رواه الإمام الطيالسي في مسنده برقم 2325، ورواه الإمام أحمد مختصرا بدون ذكر الآية 7415، كذلك رواه الإمام الحاكم 2/161، والإمام النسائي 2/72.
[27]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/82.
[28]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/82.
[29]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/82.
[30]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/82.
[31]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/82.
[32]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/83.
[33]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/83.
1- ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/83.
2– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/83.
3– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/84.
[37]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/84.
[38]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/84.
[39]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/84.
[40]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/84.
[41]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/111.
[42]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/85.
[43]– رواه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، رقم: 1631.
[44]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/193.
[45]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/193.
[46]– أخرجه الإمام أحمد أبو داود والنسائي بسند حسن.
[47]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/197.
[48]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/195.
[49]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/196.
[50]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/196.
[51]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/196.
[52]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/197.
[53]– رواه البخاري، كتاب النكاح، باب العزل، رقم الحديث:4911.
[54]– حديث جُثامةَ عند مسلم قال فيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عن العزل: “ذلك الوأْد الخفيُّ”. هناك حديثان آخران عند الترمذي والنسائي يقول فيهما اليهود عن العزل: إنه الموءودة الصغرى! فيُطَمْئِنُ الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه قائلا: “كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لم تستطع رده”.
[55]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/198.
[56]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/198.
[57] ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/202.
[58]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/195.
[59]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/75.
[60]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/75.
[61] – ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/77.
[62]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/76.
[63]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/77.
[64]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/76.
[65]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/79.
[66]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/78.
[67]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/78.
[68]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/78.
[69]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/78.
[70]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/78.
[71]– ياسين عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص268.
[72]– رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، كتاب الرقاق، رقم الحديث: 2742.
[73]– ياسين عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص268.
[74]– المرجع نفسه، ص268.
[75]– المرجع نفسه، ص268.
[76]– المرجع نفسه، ص268.
[77]– المرجع نفسه، ص268.
[78]– المرجع نفسه، ص269.
[79]– ياسين عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص269-270.
[80] – ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص40.
[81]– ياسين عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، الدار البيضاء، دار الخطابي للطباعة والنشر، ط1، 1989م، ص42.
[82]– ياسين عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ص43.
[83]– ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1430ه/2009م، ص117.
[84]– ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/167.
[85] – ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/4.
[86] – ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/150.
[87] – ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/80.