العقل والوحي في نظرية المنهاج النبوي
أحمد الفراك
مقدمة
ينتبه قارئ كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين إلى مسألة أساسية غَفلت عنها جل الكتابات الفكرية المعاصرة التي تتحدث في قضايا المسلمين الفكرية قديما وحديثا من داخل المرجعية الإسلامية، ألا وهي ضرورة استصلاح الجهاز المفاهيمي الذي به نُعبر عن الأفكار والمواقف والاجتهادات، ومن خلاله تتشكل الرؤية المنهجية للحياة. وضرورة الاستصلاح هاته تقتضي الرجوع إلى القرآن الكريم بوصفه المصدر المعرفي المطلق والخالد؛ نورا وهداية وحُجة لمعرفة الحق والعمل بما يواتيه ويقتضيه من قيم، سعيا بالصلاح والإصلاح والتجديد وإرادة الرحمة للعالمين، “فلا يصلح لتوضيح الجادة البيضاء إلا لغة القرآن ولغة النبوة”[1]. وتقتضي عدم الوقوع في آفة التقليد المميت لمعرفة السابقين-على سبقها وفضلها-، والغفلة عن فقه الواقع وفقه المآل وفقه التجديد، إذ لا زالت “ميادين فسيحة لم يَشْملْها اعتناءُ الأولين، بل منها ما لم يَطرقوه”[2]، بالإضافة إلى أن التقليد الساذج يُعطل العقل والحس معا عن البحث والمعرفة والتحقق، ويجعل المعرفة عاجزة عن أن تنتج وتتقدم وتصحح ذاتها باستمرار.يقول الحجوي الثعالبي الفاسي بهذا الصدد: “سدودٌ بين الأمة وبين نُصوص الشريعة، ضُخمت شيئا فشيئا إلى أن تُنوسيت السنة، ووقع البُعد من الكتاب… وأصبحت الشريعة هي نصوص الفقهاء وأقوالهم لا أقوال النبي الذي أُرسل إليهم”[3]. وفي ذم التقليد يتساءل الأستاذ ياسين: “كيف يمكن أن نقوم ونتحرك وننال المطالب العالية الغالية وطوق التقليد في أعناقنا؟ كيف يمكن، وهذا الطوق الثقيل بثقل تاريخنا وتراثنا ينقض ظهرنا، أن نجادل عن الخلافة المنهاجية ومستقبل الإسلام تحت دولة الشورى والعدل والإحسان؟ كيف نتصور هذا المستقبل، مستقبل الوحدة والقوة وحمل الرسالة الخالدة إلى العالمين؟ كيف نعبر عن حاجات الإنسانية وشكواها وطموحاتها؟ كيف ننصر دين الله الذي جاء لنصرة الحق والانتصاف للمستضعفين؟ كيف كيف ونحن نرجو الإفادة والعلم ممن هم دون القرآن والسنة؟”[4]
ومن بين المفاهيم والقضايا التي جدد الأستاذ فيها النظر، والتي نخصها بالمعالجة في هذا الموضوع نذكر مفهوم العقل في علاقته بالوحي والتاريخ والفلسفة، كاشفا عن قدرته في إنتاج المعرفة الكونية والإنسانية، ومبينا مكانته في النسق المعرفي القرآني، ومميزا دلالته القرآنية عن الدلالات الشائعة تاريخيا وفلسفيا.
القرآن الكريم مصدر المعرفة
يقدم الوحي أصول المعارف والعلوم ووسائلها والغاية منها؛ معرفة الإنسان بنفسه وما يتفرع عنها من معارف، ومعرفته بربِّه وما يتفرع عنها من علوم، ومعرفته بغيره من المخلوقات وما يرتبط بها من علوم تخصصية وفوائد عملية، ومعرفته برسالته في الوجود وما يتعلق بها من معارف وسُنن، ومعرفته بمصيره المزدوج في الدنيا والآخرة، وما يتطلبه ذلك من علم وعمل وعمران وحضارة، لذلك كانت مفاهيم الوحي ومعارفه هي الأصل والمرجع الأكمل والأبقى والأصح في النظر والتحقق والبناء والتقويم، وليست اجتهادات الناس وترجيحاتهم واستعمالاتهم المظروفة بظروفهم والخادمة لمصالحهم والملبية لحاجياتهم المادية، مهما بلغت تلك الاجتهادات التاريخية من درجة ادعاء الصحة والمعقولية. قال الله تعالى: “وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (الحج:54).
من القرآن العزيز يستمد الأستاذ عبد السلام ياسين المفاهيم والتصور والنظرية في التغيير الأنفسي والآفاقي، ومِن قصصه يستوعب حكمة الله في الخلق وسننه في التاريخ؛ نهوض الأمم وسقوطها، قيام الحضارات وانهيارها، ابتلاء الناس وامتحانهم، نصرة الله لعباده ومكره بأعدائه… ومن أوامره يحدد المطالب الشرعية الفردية والجماعية، الآنية والمستقبلية.
لقد يسَّر اللهُ تعالى القرآنَ للتعلُّم والتعليم والتزكية والعمران، والعقل المؤمن مطالبٌ بأن يستنفد جهده في فهم مكنونات القرآن الكريم وهو متوجه إلى ربِّه وإلى نفسه وإلى الواقع من حوله. ذُكر هذا التيسير في أربعة مواطن من سورة القمر: “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ” القمر:17،22،32،40، وفي سورة مريم: “فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً” (مريم:97)، وفي مواطن أخرى، إنهاضا للإنسان كي يتعرض لإشعاع القرآن الكريم لعله يتعلم ويهتدي بهدايات الوحي في تفكره وتدبره وسلوكه. لذلك كانت مفاهيم الوحي ومعارفه هي الأصل والمرجع الأكمل في النظر والتحليل والبناء والمقارنة والتقويم عند الأستاذ عبد السلام ياسين -وهو الذي صحب القرآن صحبةَ ملازمةٍ وتلمذةٍ وتدبرٍ واتباعٍ منذ صباه-، “وإذا سَمعُوا مَا أُنزِل إلى الرسُول تَرى أعيُنَهم تَفيضُ من الدَّمع مما عَرفُوا مِن الحَق يقُولُونَ ربَّنا آمَنا فاكتُبنا مَعَ الشَّاهِدين” (المائدة:83). و”هكذا معرفة الحق تتسرب مباشرة من القرآن المسموع بالقلب والعقل”[5]، وما ذلك إلا لأن القرآن الكريم حاكم على المعرفة لا محكوم بها. وكل من جحد هذه الحقيقة فقد ظلم نفسه وظلم غيره، قال تعالى: “بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَايَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ” (العنكبوت:49).
يؤكد الأستاذ ياسين في كتابه “القرآن والنبوة” أن القرآن الكريم هو البرهان والفرقان والإحسان:
- القرآن هو البرهان: بمعنى أنه المرجع المطلق في المعرفة والتقويم والحكم، على الأشخاص والأفعال والأفكار، في الماضي والحاضر والمستقبل، قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً” (النساء:174).
- القرآن هو الفرقان: بالقرآن يُعرف الحق من الباطل، والعدل من الظلم، والخير من الشر، قال تعالى: “تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً” (الفرقان:1)، على نقيض المعرفة المعتدة بمناهجها الوضعية والابستمولوجية التي تلغي القرآن مصدرا وتحاصر نفسها في غاشيةٍ من ظلام الشك والجهل والتجاهل.
- القرآن هو الإحسان: إذ القرآن هدى ورحمة وبشرى للمحسنين، قال الله تعالى: “الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ” (لقمان:1-3)، نزل ليُتلى فيتجسد في حقائق قلبية وواقعية عينية قابلة للقياس، يحياها الناس “حياة نابضة بالأخوة والقوة”[6]، وليست أفكارا فلسفية مجردة قوامها الظنون والشكوك والتخمينات والنقد ونقد النقد.
القرآن والنبوة والعقل
ظهرت في زماننا دعوات فكرية تدعي التمسك بالقرآن دون السنة! تفصل بين القرآن والنبوة، وتعتبر ختم النبوة رفعا للسنة النبوية وتدعو إلى الاكتفاء بالقرآن وحده، وإعمال العقل فيه، حتى سُمي هؤلاء بـ”القرآنيين”! وهي تسمية في نظرنا وُضعت في غير موضعها، إذ القرآن نفسه بريء من هذا الفصل الشيطاني الذي يستغني بالعقل عن النبوة، وبالمنهج العقلاني عن المنهاج النبوي. إلا أن الأستاذ ياسين يتصدى لمثل هذه الدعوات معتبرا أن النبوة وحي من الوحي، نورها من نوره، مصدرها من مصدره، وليست على هامشه ولا اجتهادا من البشر بحوله وحيلته. قال الله تعالى :”وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (الشورى:52)، فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم “عبدٌ لا يُشرع مِن عنده، وإن خَطط فتطبيقٌ للوحي يَصحبه التوفيق الإلهي”[7]، ما أحلَّه رسول الله مثل ما أحلَّ الله و”ما حَرَّم رسول الله مثل ما حرم الله”[8].
النُّبوة روح من أمر الله ونور ورحمة وفضل، إذ “الوحي والرسالة مناط الإيمان كله”[9]، بها نقتدي ومنها نتعلم وعلى أنموذجها نسير، إذ “المنهاج اتباع، والاتباع هو السُّنَّة”[10]،باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم نستلهم روح المنهاج بيضاء واضحة، صراطا مستقيما، ونحتمي من الوقوع في الآفات والانحرافات التاريخية التي وقعت فيها الأمة قديما وحديثا فأردتها شتاتا وقصعة تتداعى لها الأمم. والتحدي الذي يرفع في وجه المسلمين اليوم هو: تجسيدها في الواقع أخوة في المجتمع، وشورى في الحكم، وقوة في الاقتصاد، ورحمة في العالمين.
وقد بيَّن الأستاذ أن القرآن الكريم هو الذي يحرر العقل من عبوديته لنفسه وعبوديته لغيره من المخلوقات، كما يحرره من ثقافة التاريخ وتراث المتدينين ورواسب الجهل والغفلة والتحريف والتأويل المغرض، لكن ذلك لا يقع إلا لمن سمع القرآن لالمن أعرض عنه، قال الله عز وجل: “إِنّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ“، ولقد “فتح الله بالقرآن قلوبا غلفا وعقولا كانت في جاهليتها في كنٍّ عن الهداية، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجيل المبارك الذي عاش في كنفه إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. كذلك بالقرآن يعيد الله ثاني الخلق المسلم كما بدأ أوله. وكذلك بمنهاجه صلى الله عليه وسلم يضع عنا وعن كل جيل يهتدي بهدي الوحي والنبوة ركام الذهنيات والعادات والأنانيات التي تغم النفوس والعقول وتحجبها عن نور الوحي. فتح الله تعالى بالقرآن والهدي النبوي آفاقا واسعة، وطرح على العقل الذي أسلم وصدق واتقى اقتراحات للتأمل والسير في الأرض والاعتبار بتاريخ الأمم. وعلمه ببيانه المعجز أن يعبر عن أدق خلجات نفسه وأرق حركاته الفكرية. خلجات النفس المومنة المصدقة المتقية، وحركات العقل المسلم المستنير بالوحي لا تدور حول سؤال “كيف”، بل تتلقى الجواب عن سؤال “لماذا””[11].
بتدبر القرآن الكريم يفهم العقل المسلم عن الله تعالى تكليفه ونداءه، ويملك مفتاح التفكر والاعتبار والعلم والمعرفة، فيكتشف المنهاج النظري والعملي الذي به يُحلل ويرُكب ويُقوِّم ويسلك في الواقع المتغير، ويُنهض الإنسان ليقوم بواجبه الشرعي في الإصلاح والبناء والتدافع وإقامة العمران الإنساني الرحيم بالإنسانية، مقتحما كل العقبات النفسية والذهنية والاجتماعية والبيئية والسياسية، إذ المنهاج “مسلك يَعبر الدنيا بما فيها من قوى واصطدام واضطراب ونشاط ولا يتجنبها”[12]، فهو منهاجُ عمل وليس منهاج كسل أو جدل، كما تسرب إلى تاريخ الأمة جراء انحطاطها واستضعافها. أما النموذج والأسوة أمام اجتهاد العقل المسلم فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قام “قومةً شاملة ضد كل شرك وطغيان. كلمته الجامعة لا إله إلا الله، هي رفض للجاهلية والاستكبار”[13]، ومعه سيرة الخلفاء الرشيدة وبعض الومضات المتفرقة من تاريخ الأمة. بالإضافة إلى ما أثلثه حكمة البشرية المشتركة من تطوير للنظم وتنظيم للحياة وتدبير للاختلاف، ثم لنا مستقبلا بِشارة الإخبار النبوي بعودة الخلافة على منهاج النبوة تطبيقًا تعزُّ فيه الأمة فينتصر الإسلام وينتشر -بعد عهود الـمُلْك القُروني المتردية- نور الهداية في العالمين.
العقل تلميذ للوحي
على خلاف التصور الذي يتوهم أن “العقل الإنساني عضو نشط جدا لدرجة أنه في كل دقيقة تتخلله كمية من الدم تساوي وزنه”[14] يبين الأستاذ ياسين أن عشرات الآيات[15] في القرآن الكريم لا تستعمل كلمة “عقل” بكونها عضوا من الأعضاء الفيزيولوجية، ولا مفهوما نظريا خالصا، ولا “جوهرا” قائما بذاته كما نقل متفلسفة العرب عن اليونان، ولا جهازا حسيا، وإنما “العقل في القرآن فِعلُ حاسةٍ باطنةٍ في الإنسان تسمى القلب. العقل تلقٍّ لحقائق الوحي بواسطة القلب“[16]، وعملية العقل عن الوحي وإن تفاوت فيها الناس[17] فإنها لا تتم من خلال التلمذة الكلية على القرآن الكريم، فهي “تعقل فطري سجد أمام عظمة الخالق، ثم سمع الوحي الهادي، وامتثل، وسعى جُهده لتحصيل سعادته الأخروية. العقل آلة نفيسة ونعمة من الله الوهاب عظيمةٌ وظيفتها السَّعادية الدنيوية والأخروية لا تؤديها كاملةً، ولا جزئيةً، إن لَم تتلمذَ للوحي”[18]، لذلك تكثر صيغة: “لعلكم تعقلون” في مثل قوله تعالى: “كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” (البقرة:242) وصيغة: “أفلا تعقلون” في مثل قوله تعالى: “لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” (الأنبياء:10)، والقرآن الكريم يأخذ صفة الفعل لا صفة المصدر أو الاسم لأن الفعل هو الذي يشتمل على الذات الفاعلة وعلى الحدث في نفس الآن.
العقل نور إلهي موهوب للإنسان لم يتكلف في وجوده، به يَعرف ويميز ويتدبر ويفهم ويحكم ويحلل ويختار، ثم يتحمل مسؤولية اختياره، والكون مُعطى إلهي مُسخر لهذا لإنسان ليَعتبر مِن دقة نظامه وجمال أشيائه ويعمر أرضه بالصلاح والإصلاح، أوتي غريزة العقل عطاء إلهيا، وأُرشد بنزول الوحي لطفا ربانيا، وكُلِّف بالاستخلاف في الأرض علما وعملا. لكن الإنسان يطغى ويتمرد وينحرف عن الصراط، ويستعمل عقله على غير هدى ومنهاج. فـ”يصيب العقل المسلم عاهة ازدواج النظرة عندما لا يتطابق إدراك البصر العقلي المنطقي مع بصيرة القلب الإيمانية فتنحرف ذات اليمين وذات الشمال عقيدتا الجبر والقدر اللتان شغلتا المسلم ولا تزالان. يتساءل القاصر المنحرف الذي لم يقبل بطمأنينة الإيمان تزامن نقيضين عقليين وتراكبهما وتواردهما على محل واحد. ويقبل العقل المؤمن المفتوح العينين ما جاء به الوحي وما صدر عن النظر العقلي بارتياح يكل أمر ما أبهم على فكره المنطقي إلى ما تجلى لقلبه من حقيقة أن الله أعلم وأحكم”.[19]
ذلك ما وقع للإنسانية في أطوار مختلفة من تاريخها، فنسيت وظيفتها وعطلت العمل بالوحي أو وظفته شاهدا لمآربها تستدعيه عند الحاجة ثم تتركه جانبا، وضيعت أمانة الاستخلاف والاصطفاء، فانعكس هذا النسيان والتعطيل والتوظيف على رؤى الناس ومناهجهم ومواقفهم حتى وقعت الغفلة عن المنهاج المستقيم، وحصل الفصام النكد في العلوم بين دراسة النص ودراسة الكون، فسميت الأولى في ثقافتنا “شرعية” وحسِبوها مكتملة وجاهزة، وما ترك فيها السلف للخلف إلا تكرارها وشرحها وحفظ متونها، واعتُبرت الثانية “غير شرعية” لا يضر الجهل بها فردا ولا جماعة ولا أمة، إن لم يعدوها مجرد هرطقة و”مَن تَمنطق تزندق”[20]. حتى عُد علم المنطق و-هو علمُ آلةٍ- من العلوم المرفوضة لمجرد أنها تُنسب في وضعها لأرسطو طاليس! ومن الرافضين له مَن لم يقرأ منه ولو حرفا واحدا، وتشتهر بهذا الصدد فتوى ابن الصلاح التي قال فيها: “وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع…وأما استعمال المصطلحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة، والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية، والحمد لله، افتقار إلى المنطق أصلا”.[21]
في مقابل ذلك تلقف بعض المتفلسفة وبعض المتكلمين مفاهيم “العقل” و”العلم” و”الكون” و”العالم” و”الطبيعة” و”الجوهر” و”العرض”…وغيرها من فلسفة اليونان القديمة ونقلوها نقلا تعسفيا وكأنها هي الحكمة الكونية المطلقة وغيرها السفسطة والخرافة، وهي الأصل وما بعدها تَبع. نقلوها نقلاً “معرفيا” أعمى، فخاضوا في عرضها وشرحها وتأويلها وتكلُّف الدفاع عن صحتها، على حساب الأصل الشرعي لهذه المفاهيم الذي تؤسسه حقيقة القرآن الخالدة.
حينما نقول مصطلح “عقل” فهو يجمع بين الدلالة على عملية التعقل ذاتها وعلى الذات المتعقلة -أي الإنسان العاقل- في نفس الوقت. وعناية القرآن تتجه نحو حركة الإنسان وفعله وفاعليته لأن القرآن كتاب هداية ودلالة وإرشاد للعمل، “وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (التوبة:105)، يرشد الإنسان ليكون عاملا للصالحات في هذا الكون، قائما بمهمته الإعمارية الاستخلافية، مفضلا عن غيره من المخلوقات.
إن لم يرد في القرآن الكريم لفظ “العقل” اسماً، فإنه استعمل الألفاظ المشتقة منه، للدلالة على عملية التعقل، أو الدلالة على المعقولات التي يدركها العقل، كما أن القرآن الكريم يستعمل ألفاظاً مرادفة للعقل، كالأفئدة والألباب والنُهى، أو قريبة منه، كالنظر والتفكير والتأمل والإبصار، والتدبر والاعتبار والتفقّه والتذكر. ويمكن تسميتها بـ”أفعال التفكير” أو “أفعال التعقل”. ويأتي ذكر العقل في القرآن الكريم في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ويتعدد استخدامه في مقامات مختلفة، الحكم والتذكر والتفكر والتنبيه، وخلافه اتباع الأهواء والظنون وتقليد الآباء، قال الله تعالى: “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ” (الجاثية:23).
مقامات العقل في المنهاج النبوي
لقد تميزت كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين بمراجعة جملة من المفاهيم التي أثقلتها الدلالات اللغوية والاصطلاحية التاريخية والمستوردة من الغرب، ومن بين هذه المفاهيم مفهوم العقل، حيث ميز بين: عقل الهوى وعقل الإيمان وبينهما العقل المعاشي. ففي كتابه “محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى” يتساءل: “هل من فرق جوهري بين عقل من يستقي من حوض اللاييكية وينظر بمنظار مستعار، وتجري في دمائه الثقافية تيارات فلسفية متطورة متدرعة بالحجة العلومية، وبين عقل غيره من الناس؟ أليس التركيب العقلي للناس واحدا، وهم إما ذكي مثقف، وإما أُمي في دركةٍ ما مِن دركات الأمية؟”[22]ليجيب الأستاذ ياسين أن “ما نُسميه عقلا لغة وتعريفا للمَلَكة المشتركة بين البشر ليس هو مُسمَّى العقل في القرآن”[23]. فما الفرق بين هذه العقول الثلاثة؟
أولا: العقل المشترك
فِعلُ التعقل كفعل التجريب مُتاح ومُيسر للإنسانية، أي أنه مشترك إنساني لايصح الحديث بصدده عن عقل شرقي وعقل غربي، عقل قديم وعقل حديث، وهذا ما يصح تسميته بـ”وحدة العقل البشري” أو اشتراك الناس في قواعد موحدة للتفكير، فالناس يمتلكون جميعا قدرة ذهنية واحدة محكومة بمُسبقات فطرية هي قوانين عمل العقل، كما أنه يفترض فكرة البديهة؛ أي وجود حقائق بسيطة وبديهية يدركها الناس جميعا، إذ للفرد كما للجماعة البشرية القدرة على الملاحظة والاستقراء والتحليل والتركيب والتعليل والاستدلال والاستنباط والمقارنة والنقد… وتلك هي أفعال التعقل والتفكير ووظائف العقل والتمييز، التي يتفاوت الناس في درجتها ودقتها ولا يتفاوتون في امتلاكها واستعمالها.
وقدرات التعقل الهائلة الميسرة من الله تعالى للإنسان باعتبار إنسانيته، وإن كانت مشتركة بين جميع الناس، فإنها لا تحمي الإنسان من الوقوع في الأخطاء والسقوط في الزلات، إذ بعقله قد يضل ويزل ويرتكب الرذائل، ولا يُختصر إدراك الكائن البشري في العقل فقط وإنما يحيا في أبعاد متعددة، وتُحركه بواعث مختلفة، وتتنازعه رغبات متباينة، وتشده مصالح متكاثرة. وقبل ذلك وَهبه الله قوى إدراكية متفاعلة ومتكاملة لا يلغي بعضها بعضا، ولا يعوضه. وقد يطغى بعضها على العقل فيستعمله، كما هو الحال عند قيادة الأهواء والميول لاختيارات الفرد ومواقفه.
هذا العقل المشترك هو الذي يسميه الأستاذ ياسين بـ”العقل المعاشي المدبر للشؤون الحياتية”[24] أو “عقل المعاش المدبر لشؤون الحياة الدنيا”[25]،وهو عقل مشترك بين الناس جميعا، تركيب واحد بين البشر، ويخضع لقانون السنن الإلهية التي بثها الله في الكون، وهي “أسباب وضعها الله عز وجل لا تُحابي مُؤمنا ولا تبخس جهد كافر”[26]، يقول الله تعالى: “ليسَ بأمَانيكُم وَلا أمَاني أهْل الكِتاب مَن يَعمَل سُوءاً يُجْزَ به ولا يجد لَه مِن دون الله وَلياً ولا نَصِيراً” النساء:123، فـ”هذا العقل المعاشي المشترك بين البشر إما يكون آلة للقلب يخدم تطلعات القلب إلى خالقه، وإما يكون آلة للهوى المتألِّه، أو للنفس والشهوات، أو للفلسفة والتأملات، أو للفعل في المكونات، أو لجمع المعلومات واستنتاج حصيلة الماجريات”[27].
ثانيا: العقل المؤمن
أما العقل المؤمن فهو “العقل الذي مجَّده الله تعالى في القرآن، وهو فعلُ القلب المؤمن بالله وبالآخرة وبالنبوّة وبالشريعة.”[28]، يستقي مسلماته من “كتاب الله تعالى خالق الإنسان ومركب مداركه وهادي من يشاء إلى صراط مستقيم. من هنا تبدأ خصوصية العقل المؤمن واختلافه الجوهري عن العقل المشترك بين البشر”[29]، فهو يتفوق على العقل المعاشي بإضافة إتقان التدبير وفق السنن الكونية إلى اتباع الوحي الخالد اتباعا كليا، فهو مسلم للوحي بإطلاقه وكليته، لا ينازعه ولا يطاوله، وإنما يعيش تلميذا له. يقول الأستاذ: “وكمال العقل الآلة أن يخدم القلب وتطلعاته خدمة متزامنة متساوقة مترابطة هنا وهناك. هنا في الكون حيث يشترك مع كافة البشر في طرق تحصيل علوم الكون. وهناك وراء سجف الغيب من حيث لا تتأتى له معرفة إلا باستماعه للوحي”.[30]
فليس العقل كيان تأميل مجردا وإنما هو عقل كادح في الأرض “مشارك في علوم الكون وحصائل التجربة البشرية دون أن يَطعَنَ الحاصلُ البشريُّ في المتلقّى من الوحي، كان عقلا كاملا، مكتملا منجمعًا. لأن دين الإسلام كلمةُ الله إلى الإنسان جاءت بها الرُّسلُ، والكون مخلوق الله معروضٌ على مخلوق الله المميَّز بجوهرة العقل المطلوبُ إليه شرعا وقرآنا أن يسعى في الأرض. في الأرض رزقُه ومعايشه، لا بد أن يكدَح لتحصيلها، وفي السماء قَدَر رِزقهِ، يؤمن بالرَّازق دون أن يُعطل التكليف الشرعي بالسعي والكدح وإعمال العقل. عقل مجتمع متكامل كامل… لأنه عقل يسمع الرسالتين معا بسمعٍ واحد: رسالة القرآن المتلوة، ورسالة الكون المنشورة في الآفاق”[31]، فيجتمع التعقُّلان: تعقل في الوحي وتعقل في الكون، أو قلْ: تعقُّل تدبري في الوحي المنزَّل، وتعقُّل تفكري في الكون المسخَّر. وبذلك تتخلص العقلانية من آفتين:
– آفة التجريد التأملي الذي لا يقبل تجريبا، الذي يقطع الصلة بين العلم والوحي، باعتماد العقل المجرد وحده مصدرا للعلم والمعرفة، وهي الآفة التي أبعدت الفلسفة التأملية والعقلانية والوجودية عن الوحي.
– آفة التحييد الذي لا يقبل وحيا منزلا من فوق الطبيعة المادية، أي قطع الصلة مع الوحي بالاقتصار على الانطباعات الحسية وحدها. وهي الآفة التي لم تتجاوزها الفلسفة التجريبية.
والعقل المؤمن في سعيه وكدحه لا يتنكر للفطرة المشتركة بين البشرية، ولا يدعي الانفراد بالعلم والمعرفة والحقيقة، وإنما هو واقف بباب ربه عبر العبادة القلبية الجوارحية المتسقة يسأله ليعطيه، يقول الأستاذ: “هذا العقل الذي وفد على عتبة الفطرة يسأل عن الحق لا يتركه الرب الخالق الرؤوف الرحيم في قاحلة جفافه. بل يذيقه حلاوة الإسلام يقتنع بحجة أسمى محتدا من حجة المنطق الفكري. يأتيه الإقناع من التحوُّل الكياني الشامل النافذ إلى نفسه من مفردات العبادة. عن كل عبادة جزاء معجل. عن كل سؤال فطري صادق جواب”[32]، وبالسؤال الفطري عن المعنى والغاية والمصير والكيف يقترب العقل من معرفة مقامه من الوحي ومن الكون. كتب الأستاذ ياسين بأسلوبه الخاص: “سألت أيها العقل المفتقر عن معناك وتريد أن تعرف؟ قيل لك في أول سورة نزلت “إن الإنسان ليَطغَى أَن رآه استَغنى“(العلق:6-7) وأنت تخليت عن كبرياء استغنائك بما عندك، وتريد أن ترجع إلى ربك. تريد الفلاح وطهارة نفسك: “قد أفلَح مَن زكاها وقَد خَاب مَن دسَّاها“(الشمس:9-10). خاب من طمر نفسه تحت ركام الكفر والمعاصي”.[33]
بهذه الرؤية القرآنية النبوية تتقلص قيمة التصور المادي الوضعي والتصور السببي الصارم للعقل والعقلانية أمام القرآن الكريم وهو يحدد الغاية من خلق الخلق، “غائية الخلق والتكوين”، ومسيرة الإنسان الكادح في الدنيا ومصيره الراجع إلى الحق “ثُم إليه تُرجعون“، وينفي الصدفة والعبثية والغفلة التي أعمت العقل المعاشي عن النظر الاعتباري في الملكوت، والنظر الاجتهادي فيما يعرض للناس من أقضية ونوازل، في إطار الشريعة القرآنية النبوية لا خارجها، ذلك أن “الشريعة هي المصلحة وفي حدودها يجتهد العقل”.[34]
ثالثا: العقل الأعمى
ينعت الأستاذ ياسين العقل المعرِض عن الوحي بـ”العقل الأعمى”، وهو العقل الذي لا يهتدي بالوحي. وباستكباره وادعائه العلم والمعرفة “صَمَّ عن سماع رسالة الأنبياء عليهم السلام، وتمرَّد على الله، وأنكر وجود الله، وتأله، وتمطَّى، واستكبر. لكنه مثل الذبابة في القارورة، محبوس بين أرض الله وسمائه. يُخيَّل إليه أن عقلانيته المخترعَة ستُسلِّح إرادته البْرُوميثية يوما ليخرق طباق السماءِ، وليستعمِر بعد قرنٍ أو قرنين المريخَ والزُّهرةَ.”[35] وبالإعراض عن الوحي لا يتخذ العقل مصدرا للمعرفة سوى الطبيعة والأهواء والميولات الشهوانية وتخمينات الفلاسفة وفرضيات العلوم. وعقل الهوى هو عقل مُصابٌ بـ”عاهة العمى الكلي” عن الاستبصار بعلم الوحي الذي ينير الطريق ويسدد النظر ويؤيد العمل. نشأ في ساحة الأكورا “يستقي من حوض اللاييكية وينظر بمنظار مستعار، وتجري في دمائه الثقافية تيارات فلسفية متطورة متدرعة بالحجة العلومية”[36]، فيعيش العقل في محنة كبرى جراء تعنته وادعائه وإعراضه. فما مصدر هذه المحنة؟
يجيب مؤلف محنة العقل المسلم: “جاءته المحنة من إعراضه عن الوحي، أو استخفافه بالعلاج الشامل وتجيئه العافية، ويجيئه الخلاص، وتجيئه الحرية من الإيمان والتصديق والعمل. قل لي! أعن محنة العقل نتحدث أم عن محنة الطهارة والصلاة؟ ما هو العقل؟ ما هو الإنسان؟ أهو الجسم؟ أهو هذا الغائب الحاضر المعروف المنكر الذي تسميه “أنا” ولا تدري ما أنا؟ إذا كان الأنا هو العقل، وكان يفصل بين الجسد وما يتقمص الجسد، ويصدق حسه ولا يصدق الوحي فمحنته لا تنتهي”.[37]
العقل الأعمى عن الوحي “ينصرف إلى حيرة لا تنتهي إن لم يستوهب الهداية من الخالق، وإن لم يسمع بالسماع القلبي الفطري كلام الله ينبئه عن مآله بعد الموت وعن وجوده”.[38] وإذا انصرف بلا هداية الوحي المنزل على رسول الأسوة الحسنة – لمن تداركته العناية الإلهية ليرجو الله واليوم الآخر ويذكر الله الذكر الكثير- إلى دراسة الكون فإنه يظل “كالأعمى الدائر حول نفسه، لا وجهة له فيتقد إليها، ولا هادي له يبصِّره بنفسه وطريقه”[39]، هائما بلا معنى يستهل كلام الناس وسكرانا بدراساته ومفاهيمه المقطوعة عن نور الإيمان، يتعاطاها كما تتعاطى المخدرات، فلا راحة له إلا بها، والويل لمن خالفها وخرج عن مقتضياتها المنهجية الصارمة. فـ”لايسجد هذا العقل الأعمى أمام عظمة الخالق، لأنه جعل في أذنيْه أصابع استكباره، واستغشى ثياب عُتُوِّه وإنكاره”[40].
العقلانية التدبيرية والعقلانية الملحدة
وعيا بخطورة ترجمة المصطلحات والمفاهيم من لغة إلى لغة يُنبه الأستاذ إلى ضرورة التمييز بين عقلانيتين: لهما معنيان مترجمان “متداخلان لَفظاً متباينان دَلاَلَةً. فإذا تُرجما إلى العربية بكلمة واحدة اكتَظَّ التداخلُ واختفى التبايُن. ولذلك يصعب الحِوارُ بالعربية بين عَرَبٍ يفكرون كما يفكر الأوروبيون لكنهم لا يعطون لكلمة “عقلانية” مترجمةً إلا مدلولاً واحداً عناداً وتدليسا، وعَرَبٍ يسألون الكلمةَ الواردة الغازية المتلبِّسة باللفظ العربي عن أصلها وفصلها ليحاوروا الناس بأمانَةٍ”.[41]
أولا: “راسْينالِتي“Rationalité:” صفة ما هو “راسْيُنِلْ”. و”الراسيُنِلْ” هو ما يعتمد على العقل لا على العفوية والعشوائية. فـ”العقلانية بالمعنى غير الإديولوجي… هي الطرائق الجديدة التي يبتدعها الإنسان على صعيد الواقع أو النظرية لتحسين مردودية جهده ورفع فعاليته… العقلانية هي ببساطة القدرة على الترشيد في العمل والنظر الإنسانيين، وهي القدرة الناجمة عن تراكم الخبرة البشرية والحضارية”[42]، و”الراسيُنِلْ” ما هو مطابق لمقتضى العقل والحكمة العملية. فالعقلانية بهذا المعنى العملي المعتمِد على العقل والحكمة لا على العفوية والعشوائيةِ مطلَبُ كل عاقِل، وعِمادُ كلِّ تَصَرُّفٍ يُصنّفُكَ مع العقلاء لا مع المخبولين.
فإذا أخْدَمنا العقلانيةَ بهذا المعنى في مجالها العملي، وهو دوائرُ معاش الإنسان على الأرض، ودوائرُ كسبِه الرزْقَ، وإدارتِه الاقتصادَ، واختراعِه الآلاتِ، وقياسِه المسافات، وصنْعِهِ من الأَرفاق ما يجْعلَ الحياةَ رَخاءً، فنحن وغيرُنا عقلانيون بنفس المعنى. وإذا صرَّفْنا الذكاء العقلانيّ -بمعنى الحكمة العملية- في فنون العلوم النظرية والتطبيقية من رياضيات وفزيقا وكيمياء ومكانيكا، أو في مُرَكَّباتٍ علومِية كما هي مُرَكبةٌ في عصرنا التطبيقاتُ الكَهْرُمغناطيسية، والديناميكياتُ الحرارية والفضائية، والمعلوميات، والسِبِرْنِيقيَّات، والفَلَكيات، وما إلى ذلك من عجائب التركيبات العقلانية، فَنَحنُ وغيرُنا أفْرَاسُ رِهانٍ: كنَّا والحمد لله، وسنصير إن شاء الله. كنا قبل اخْتراع كلمةِ “عقلانية”، وقبلَ ترجمتنا بهذه اللفظة لمطلوبٍ أكِيدٍ. ونصيرُ مستقبلا إن شاء الله، فما الذكاءُ والعقلُ الباحِثُ المخترع حُكْر على جنسٍ من أجناس النوع البشريِّ. بلْ العقلانيَّةُ العلومية الفاعِلَةُ هي منذُ اليَوْمَ مِن أثْمَنِ مَا ينهبُه مِنا أقوياء العالم وأغنياؤه. يرجع النابغُ من شبابنا والنابغة ومعهما الشهادات العليا من أكبرِ جامعات العالم، فلا يجدون موْطِئَ قدمٍ ولُقْمَةَ عيش في بلدهم المنكوبِ بأدواءِ التخَلُّفِ العَامّ، وأدْواء التعفن الإداري، وأدواء المحسوبية والرشوة وهَدْر الكفاءات.
عقلانية نابغَةٌ، وأدمغةٌ ممتازةٌ يتلقَّفُها العالَم المصنَّعُ، ويَكفُلها، ويفتحُ أمامها فُرَصَ العمل، ومختًبراتِ البحثِ، وأمَلَ تحقيقِ الذاتِ. العالَم المصنّعُ النظيفُ الإدارةِ المهتبِلُ بالأدمِغَةِ النابهة، يعيشُ الحاضرَ ويهيئُ المستقبلَ، على اقتناع تامٍّ بأن الحاضِرَ والمستقبلَ لا يرفعان إلا أمة فِي حِرْزِها ومِلْكِها تكنولوجيا متطورة، وبحثٌ علومي يُمَوّلُ بسخاء، وباحثون علوميون يشعرون أنهم في بلدهم في الرَّحْبِ والسَّعَةِ ماديا ومعنويا وشَرَفا، وتعليمٌ يكون الأدمغة ويبثُّ روح العقلانية المتعلمة الصانعة”.[43]
ثانيا: “راسينالزم“Rationalisme: ويسميها بـ”العقلانية العاتية”، إذ إنها تصرف العقل عن الوحي، بل تتجرأ فتصنف الوحي ضمن الظواهر المرضية البعيدة عن مجال المعرفة العلمية. ويظهر ذلك من خلال التعريفات التي ساقها الأستاذ للمفهوم:
– “هي مذهب فلسفي يقول: ليس هناك من شيء لا يدْركه العقل”.
– “هي مذهبية فلسفية تقول: لا ثقة بمعرفة لا تنبثق عن مسبقات عقلية عالمية ضرورية”.
– “هي مذهبية تعطي للعقْل الشُّفُوفَ على كل شيء”.
– “هي مذهبية ترفض كل تفسير غيبي للكون”[44].
والناظر في هذه التعريفات يتأكد فعلا من أن مفهوم العقلانية يحمل معه جذورا إلحادية تعادي الدين وتنكر الغيب، أو تحافظ عليه بوصفه قطعة ميتة من التراث، وفي نفس الوقت تحافظ على تلبسها بالعقلانية التدبيرية، حتى يتبدى للناس وجهها الإيجابي في الحياة ويحسبون أن نجاعتها في قطيعتها مع الدين. لذلك قال الأستاذ ياسين: “فصل الدين عن الدنيا باب من أبواب العقلانية، بل شرط من شروطها”.[45]
يسوق الأستاذ تلك التعريفات ليبين أن العقلانية الفلسفية “مذهبية وفلسفة هي، لا منهجية علومية”،[46] وليكشف “مواطن التدليس في خطاب مَن يتهمنا بمعاداة العقلانية، ثم لا يسمحون ولا ينتظِرون أن يعرفَ الناس عن أي شيء نتَحدَّثُ ويتحدثون. ذلك أن اللُّغَة العربيَّة الصافية في الخطاب القرآني، الحيَّة بحياة القرآن ومفاهيم القرآن، سكنتها شياطينُ اللغة الأجنبية المبتورَةِ أصْلاً، الباتِرَة القاطعةِ وظيفةً”[47]، وسلمتها لمسلمات عدمية مزقت الإنسان وأردته دابة تلتهم الطعام والشراب وتتناسى الموت، وما يضيره إن كان حلقة في سلسلة النشوء والتطور الداروينية؟[48]
يقول الأستاذ مؤاخذا العقل عن غفلته وعماه: “ما أعظمَه ذنباً ذنب العقلِ الذبابةِ يأكلُ من زرق الله، ويكفر نِعَم الله ويكفر بالله. يتتلمذُ لنواميسَ وضعها خالق الكون في الكون، فينْفُذ إلى أسرار في الكون بعضُها أغربُ من بعض، ثم لا يعترف بما يراه العقلُ الفطري بديهة. وهو وجود خالق قادر حكيم. ما أعظمَه ذنباً ذنب العَقل الجاحد الذي زوّده الله بفطرة سليمةٍ جمعاء، جدَّعتها تربية مضادة، ورانَ عليها غليظٌ كثيف من عقلانية ملحدة”.[49]
وقد غالى بعض المفكرين في “العقل” حتى رفعوه فوق الوحي وألهوه، وغالى آخرون فيه حتى نبذوا المنهج التجريبي وأنكروا المعرفة الحسية.
التطرف للعقل (التعقلُن) والتطرف عن العقل (اللاَّعقل) كلاهما داء عضال فشا في الأمة المسلمة قرونا، حتى ظهر مَن يعبد العقل ويتخذه إلها يُشرع به لنفسه ولغيره ما لم يأذن به الله فلا حلال إلا ما أحله العقل ولا حرام إلا ما حرمه العقل، أما الحجج المنزلة فهي باطلة وفي أحسن الأحول هي ظنية. وفي المقابل ظهر من ينكر للعقل اجتهادا أو قدرة على تعليل حكم من الأحكام أو حجة غير منقولة. حتى انحدر التفكير عند المسلمين وانتكست المعرفة وفتنت الأمة في دينها ودنياها.
مع العلم أن المعرفة البشرية بالرغم من كونها معرفة تعقلية وتذكرية وتفكرية وتدبرية، فإنها تتميز بالنسبية والتغير، والقابلية للمراجعة والنقد والتصحيح والتجاوز، مادامت عملا بشريا موسوما بالنقص والتقصير والغفلة، و”الغفلة تُضاد كمال العلم”[50] كما يقول ابن تيمية، قال تعالى: “وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً” (الإسراء:85)، وإلا سقطت في الانغلاق والتوقف والتحيز السلبي وادعاء الكمال، فهي لم تولد مع الإنسان فطرية وإنما اكتسبها من الوحي من خلال تفاعله مع الكون “وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (النحل:78).
القرآن الكريم وهداية العقل في بناء المعرفة
وحده القرآن الكريم يوفر للعقل الرؤية الشاملة للوجود وامتداداته الزمانية والمكانية، ومنه المنهجية المعرفية القمينة بتحقيق الاستخلاف المعرفي للإنسان. ولا يخفى أن التأسيس القرآني لوحدة العلوم وتكاملها وتداخلها قد شابه التحريف والنقص والتعطيل، حتى انحاز العقل المسلم إلى الخوض في قضايا جزئية تاريخية مظروفة بظروفها، ثم سحبها على القضايا الكلية الكبرى التي ينتظم وفقها الخطاب القرآني في إطلاقيته لتلحقها بها أو تهمل النظر فيها. مما يستدعي تجديد صلة العقل بالقرآن المجيد حتى يعطي أكله كل حين بإذن ربه، ويُحَصِّل كل جيل منه حظه في التدبر والتلاوة والاستبصار والعلم. قال الله تعالى: “شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ“(آل عمران: 18).
العقل وسيلة الإنسان لإبصار الآيات وتبين معانيها وتتبعها بحسب سياقاتها، والحذر من الوقوع في الأوهام المحدقة به، واستكشاف الأجوبة عن الأسئلة الظاهرة والمضمرة في نص الكتاب المجيد وفي واقع الكون، ولا تعارض بين العقل والوحي كما ادعت أغلب الفلسفات، إذ الوحي بالعقل يُتعقل ويُتدبر ويُفهم ويُطبق،كما العقل بالوحيِ يُوجه ويسدد. “وللمومنين والمومنات والمسلمين والمسلمات ما به يستهدون من ضلالات العقل المعاشي الأصم الأعمى الذي يصطدم خفاشه بنور الوحي فلا يزداد إلا ضلالا. مع المومنين والمومنات كتاب الله تعالى خالق الإنسان ومركب مداركه وهادي من يشاء إلى صراط مستقيم. من هنا تبدأ خصوصية العقل المؤمن واختلافه الجوهري عن العقل المشترك بين البشر، عقل النظر القائم بذاته المستقل المتأله، عقل المعاش المدبر لشؤون الحياة الدنيا، المحجوب عن حقائق الغيب مادام لا يسمع من الوحي ولا يبصر نور الوحي”[51].
تُكتشف المعرفة وتخترع وتتجدد وتتسع وتتعقد، والاستكشاف إعمالٌ لمختلف القدرات العقلية في الاستنباط والاستقراء والاعتبار مع القدرة على النظر المندمج المتوازن في موضوعين متكاملين منسجمين يشرح أحدهما الآخر؛ الكتاب المسطور والكتاب المنظور، وهما متوائمان متوافقان، من حيث يستحيل تناقضهما أو تعارض آياتهما. فكلاهما مبني بناء ربانيا سُننيا محكما لا عبث فيه ولا صدفة ولا فراغ. وكلاهما جُعل للإنسان لعله يتذكر ويعتبر ويخشى، إذ التذكر والاعتبار والخشية علوم كما قال تعالى: “وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ” (فاطر:28)، وَقال: “إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى” النازعات:26، وَقال: “سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى” (الأعلى: 10-11).
العقل والعلم والوحي
العلوم علوم وحي وعلوم كون، وتدرك علوم الكون بالتفكر في آيات الله “الحُسبانية” (كل شيء عنده بحسبان) مصداقا لقوله تعالى: “الذين يذكرون الله قياما وقُعودا وعلى جُنوبهم ويتفكرون في خَلق السماوات والأرض ربنا ما خلقتَ هذا باطلا سبحانك فقِنا عذاب النار” (آل عمران:191)، كما تدرك علوم الوحي بالتدبر المفضي إلى فتح الأقفال ونزع الأغلال، مصداقا لقوله تعالى: “أفلا يتدبرون القرآن أم على قُلوبٍ أقفالُها” (النساء:82)، والتدبر نظر قلبي وعقلي عميق يأتي بعد الفهم والتفسير. وبين المصدرين تعاضد وتكامل وانسجام واتحاد، آيات الوحي وآيات الكون، وليس بينهما أي تنافر أو تضاد، وكذا بين العلمين يسري هذا التكامل نفسه ويتبلور في نظريات ودراسات وبحوث.
ويُتخذ القرآن مصدرا كونيا للعلوم في تآخٍ مع مصدرِ الواقع كما هو لا كما تقدمه الفلسفات المادية في مختلِف تخصصاتها وفروعها. إذ القرآن الكريم مصدر للمنهاج والمعرفة في العلوم المرتبطة بالإنسان والعلوم المرتبطة بالكون، حيث “تنطلق خُطانا المنهاجية من قواعد الشِّرْعة، يستنير القلبُ بنورها، والعقل بعلمها، والنّظر بمفاهيمها، والإرادة بحافزها وداعيها وندائها، لنقتحم العقبة إلى الله عز وجل.”[52]. ويبقى العلم بالله سيد العلوم وأشرفها، يقول الأستاذ ياسين: “العلم الذي لا علم أشرف منه هو العلم الحق بالحق. هو العلم بالله عز وجل وبكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هو العلم بما فرض الله وسن رسوله صلى الله عليه وسلم. وهو العلم المفروض طلبه فرضا ينص الحديث. حديث “طلب العلم فريضة على كل مسلم” جاءت روايته من أوجه كثيرة بعضها يؤيد بعضا. فهذا هو العلم الواجب”.[53]
لما كان الإنسان الكائن المستخلف من ربه في الكون، المختار في إرادته، المسئول عن أفعاله، وكان فعله يغطي حركة هذا الكون طاعة لخالقه وتفكرا في آلائه وقضاء لمآربه، وانسجاما مع وظيفته، فبَيِّن أن معرفته ينبغي أن تستغرق مجال الكون وما فيه، ولا تقتصر على جزء منه أو تفرض نسبية النظر فيه على مطلق ما يحتويه. ومنه يجب أن تكون الرؤية التعقلية المنهاجية شاملة لمحيط الكون وسعي الإنسان فيه في صيرورته الوجودية، ولا تقتصر على جزء منه كما فعلت الفلسفات التجريبية المادية التي تُلخص المعرفة العلمية في المحسوسات دون المعقولات وتلغي من العلوم علم الغايات، ناهيك عن علوم الوحي ويقين الحياة بعد الممات.
بدأ العلم مِن الله تعالى وهو العليم الحكيم، ومِن عنده تعلم العقل ما لم يعلم، وبمشيئة الله كان العلم وكان التعليم، قال تعالى: “إني أعلم ما لا تعلمون، وعلم آدم الأسماء كلها“(البقرة:30-31)،وباسمه كانت القراءة في سور الكتاب وفي آفاق الكون “اقرأ باسم ربك الذي خلق” العلق:1، هذا التعليم الرباني للأسماء هو أول عطاء تزود به الإنسان على وجه الأرض بعد خلقته مستويا في أحسن تقويم، فصار قادرا على معرفة ربه ومعرفة نفسه ومعرفة العالم من حوله بقوانينه وأشيائه. قادرا على التفكر والتدبر والاعتبار، بالجمع بين النظر “الإنصاتي” لآي القرآن والنظر “الاعتباري” لآي الموجودات من حيث دلالتها على الله، قال تعالى: “لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ” (الحشر:21)، ولا يتدبر من لا يتفكر مثلما لا يتفكر من لا يتدبر، فهما عمليتان متكاملتان متداخلتان تؤسسان معا لمنهج فريد فات الفلسفات المعاصرة أن تهتدي إليه. منهج غاية فهمه واستيعابه والعمل به إسعاد الإنسان والأخذ بيده للخروج من فتنة الابتلاء وتذكيره بوظيفته في الحياة ومعناه، والوصول به عبر سبل السلام إلى نيل الأوطار في العاجل وبلوغ المرام في الآجل.
العلوم الكونية وإعمال العقل التجريبي
الكون هو الفضاء الذي تستطيع أن تمتد إليه قوى الكائن البشري حالا أو مستقبلا، بَحرا وبَرا وجَوا، أي ما في السماوات وما في الأرض من كائنات حية وجامدة وأشياء، إنه مجال الفعل والحركة والفاعلية والسعي والابتلاء والاعتبار، وفي هذا الكون ومن التفكر في آياته والاستيعاب لسننه وإتقان استعمال أشيائه تتعلم الإنسانية وتعتبِر وتتفكر وتعرف وتهتدي، قال الله تعالى: “وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (النحل:78)، حيث يؤكد الله تعالى على دور القوى الإدراكية الحسية في اكتشاف المعرفة المحيطة بالإنسان، إلى جانب النظر العقلي والتدبر في آيات الكتاب المجيد، والتفكر في آيات الكون ومكنوناته. يقول الأستاذ ياسين: “تفتحنا على الواقع إنما هو تفتح ذو مغزى، ذو دلالة، ذو وجهة. إنه تفتح على آيات الله في الكون، لا نرى العالم حركة سائبة مستقلة، إنما نراه ونرى أنفسنا في قبضة الله عز وجل. الكون مسخر لنا، ومن هذا المنطلق نكسب إن شاء الله تعالى وضوح الرؤية وثبات الخطى وسلامة التقدير”[54].
أسباب اكتساب العلوم الكونية لا يدركها العاجزون القاعدون عن الفهم والاجتهاد والعمل، وإنما يدركها ويتفوق بها عن غيره مَن شمر عن ساعد الجد واكتسب المهارة والفعالية والخبرة وجمَّع الإنجازات العملية الإنتاجية القابلة للقياس والتطوير، فهي “أسرار أودعها الخالق البارئ سبحانه في خبايا المادة وتلاحمها الفيزيائي وتفاعلها الكيماوي وقوانينها الرياضية في الذرة والأجرام السماوية، وفي الماء والهواء، وفي المعدن والأحياء، وفي النبات والحيوان. وخلق سبحانه وقدر الأدمغة البشرية. رقد بعضها فلم يطور آلات علمية لينبش ويبحث ويستخرج. وبحث بعضها فوجد. الناس سواسية في العقل، كافرهم ومؤمنهم. وهذه الآلة الكلية الأساسية التي بها تستخرج كنوز الأسرار التي وضعها البارئ سبحانه في ثنايا الكون كان للمسلمين اليد الأولى الطولى في تدبير صنعها واستنباط طرق استعمالها. إنها الطريقة التجريبية نسبوها لبكين ونسل بكين من رواد العلوم في الغرب، فأنكرت أبوتنا وننكر نحن بنوتها وذلك عقوق. والتوبة عن كبيرة العقوق تأتي في مقدمة التوبة. أي شيء صنع المستكشفون والباحثون طورا على طور؟ اكتشفوا شيئا كان هناك صنعه غيرهم. وصاح صائح الظفر من تلك الديار: هذا نيوتن صاغ قانون الجاذبية، وهذا باستور اكتشف الميكروبات وصنفها وصنع الأمصال”[55].
العلوم الإنسانية وحدود العقل
يسجل الأستاذ عبد السلام ياسين بعض الملاحظات المنهجية على العلوم الإنسانية، فهي أولا لم تنفرد بمناهجها وإنما استوردتها من العلوم الطبيعية، لما أثبتت هذه الأخيرة نجاعتها بتحقيق تراكم هائل في مجال الصناعة والتكنولوجيا والتواصل والاتصال، وما وفرته للإنسان من رفاهية اقتصادية وترفيهية…، يقول أستاذنا: “تَسحب هذه “العلوم” على مجال بحثها مقدمة الشك المبدئي الذي هو عماد العلوم التجريبية. لا تعترف العلوم المضبوطة بعلمية شيء إلا إن ثبت بالتكرار إمكان عودة نفس الظواهر بعودة نفس الشروط. ولا تعترف بعِلمية ما لا يقع عليه الحس بواسطة الملاحظة المباشرة أو الآلة، أو بواسطة المنطق العقلي الرياضي الذي يلحق بالفرضيات التقديرية الملاحظات العينية فتتأكد علمية الظواهر أو تبطل”.[56]
وقد انتبه إلى أن أكبر عائق في وجه العلوم الإنسانية هو موضوعها؛ الإنسان، وهو ظاهرة واعية تتصف بالإرادة والتعقيد والتغير وتتمنع من الدراسة المنهجية الصارمة في علوم النفس وعلوم الاجتماع وغيرها، ولا تشبه الظاهرة الطبيعية التي يحكمها مبدأ العطالة، لذلك “لا يزال الإنسان سرا غامضا من حيث جسمه العجيب مهما تفرعت المعلومات البيولوجية الفيزيولوجية الوراثية عنه. لا يزال سرا غامضا خاصة من حيث نفسه وعقله ومشاعره وعواطفه، وهذه لا تخضع للمبضع، ولا تنكشف للمجهر، فلا يبقى إلا الشك المبدئي يرجع بعضه على بعض، ويتغذى بعضه ببعض، ويعض بعضه أعقاب بعض. مسلمة أن لا إله إلا الطبيعة هي أساس هذه “العلوم” الدعية. فأسلمتُها لا يفيد فيها إعادة الصياغة، ولا تحوير الاستعمال والتطبيق”.[57]
أكثر من هذا ينظر الأستاذ إلى نتائج المعرفة العلمية وقد اصطدمت بالأسئلة الوجودية الكبرى للإنسان فأعلنت عجزها عن الإتيان بأجوبة مُقنِعة لها، تنبئ الإنسان عن معناه ومصيره وغايته في الحياة وماهية كينونته، وللأسف “يرتع الذكاء البشري طولا وعرضا وعمقا في الأكوان الأركيولوجية والأنتربولوجية والتاريخية هاربا من حقيقة الحقائق، ملتفا عليها، لاهيا عنها بإفرازاته العُلومية. علوم بلا هدف غير المعرفة ثم المعرفة ثم المعرفة. ولما كانت هذه المعارف متراكمة على مدى أعمار الحفارين الجوالين والغواصين لا تشبع الحاجة المعرفية الحارة المحرقة -كانت تكون- وهي ما معناي ومعنى الوجود فهي في ميزان الحق باطل. ومِن حكمة الله تعالى وإملائه لأهل الضلال المعرضين عن سماع الوحي أن زين لهم التمادي في تعاطي المخدرات المعرفية. فما هو إلا مخدر منش لبؤس الإنسان الغافل عن الله الجاحد كل هذا الإفراز الذكي”.[58]
حاجة العقل المسلم إلى المنهاج النبوي
المنهاج في لغة العرب: الطريق على صيغة “مِفعال” التي تدل على اسم الآلة كمفتاح ومصباح، أو اسم مكان كمِرصاد، أو أداة القسمة والعدل كميزان. والصيغة تحتمل المصدرية أيضا كمعراج، واصطلاحا “المنهاج هو الطريق الموصل للغاية ووضوحها، وتمامها وكمالها”، ويفيد السلوك والوضوح. قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: “النهج الطريق الواضح، ونهج الأمر وأنهج وضح. ومنهج الطريق ومنهاجه، فالنهج والمنهج والمنهاج معناها الطريق، ونهج يعني سار في هذا الطريق، أو قام بإجراءات تصل به إلى الهدف، لأن الطريق هو المعبر للوصول إلى الهدف”[59]، وفي لسان العرب: “المِنهاجُ: الطريقُ الواضِحُ. واسْتَنْهَجَ الطريقُ: صار نَهْجاً. وفي حديث العباس: لم يَمُت رسول اللَّه حتى تَرَكَكُم على طريقٍ ناهِجةٍ أَي واضحةٍ بَيِّنَةٍ. ونَهَجْتُ الطريقَ: أَبَنْتُه وأَوضَحتُه؛ يقال: اعْمَلْ على ما نَهَجْتهُ لك. ونَهَجتُ الطريقَ: سَلَكتُه. وفلانٌ يَستَنهِجُ سبيلَ فلانٍ أَي يَسلُكُ مَسلَكَه. و النَّهْجُ: الطريقُ المستقيمُ”.[60]
ولم ترد كلمة “منهاج” إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا” (المائدة:48)، حيث جاءت مقترنة بـ”الشِّرعة”، مما يجعله منهاج شِرعة مُنزَلة مع نزول الوحي، وليس اجتهاد زيد وعمر من الناس. منهاج الاستقامة والهدى ودين الحق، قال الله سبحانه وتعالى: “أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (الملك: 22)، والشِّرعة أمرُ الله المنزل الضابط للتكليف وشروطه وأحوال المكلفين وبيئاتهم، ويكون المنهاج هو التطبيق العملي للشريعة، وإنزالها على أحداث التاريخ في الإطار الزماني والمكاني والاجتماعي الاقتصادي السياسي المتغير المتطور، الذي تُمثل السيرة النبوية نموذجه الحي القابل للتجدد في رُوحه وإن تنوع الشكل واختلف الزمان. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “المنهاج النبوي ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء”.[61]
والحاجة إلى المنهاج لا تعني الحاجة إلى الدِّين، بل هي حاجة المتدينين أصلا إلى مصباح ينير لهم الطريق، إلى فهمٍ سليم يمنعهم من الانحراف أو السقوط، إلى يقظة قرآنية تجديدية كلية. قال الإمام الشاطبي رحمه الله: “وانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادا واقتصادا أن يكون على منهاج الأنبياء وسنتهم”[62]، فهو منهاج نبوة يتوجه إلى الإنسان ليُذكره بميثاق الفطرة الأول، ويهديه إلى الحق المنزل، وينبهه إلى الحذر من الغرور والاستكبار والغفلة، ويضعه أمام مسؤوليته في العالم أمام الله وأمام الناس. حتى يستقيم مؤمنا فاعلا ضمن جماعة المسلمين، مشعا باستقامته في العالمين، إذ المنهاج صراط واستقامة وإنجاز، فـ”الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لااعوجاج فيه”[63]، وليس “حيلة فكرية أو مهارة نظرية، أو أسلوب سياسي، أو يبني المجتمع من خارج بقهر الدولة”. واضح بلا اعوجاج في سلوك الفرد المؤمن متدرجا في مدارج الإيمان والإحسان، وواضح بلا اعوجاج في مسلك الجماعة المؤمنة المتراصة المتراحمة “رحماء بينهم وأشداء على الكفار. هذه السُّنَّة، وهذا هو المنهاج النبوي”.[64]
السالك ببينة على الطريق الواضحة لا بد أنه مصيب الرُّشد وبالغ القصد، وبذلك يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “الدين شرعة ومنهاج. الشرعة ما جاء به القرآن، والمنهاج ما جاءت به السنة كما قال حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. الشرعة خاطبت الإنسان، والمنهاج حقق النموذج الإنساني. “المنهاج” هو اللفظة القرآنية لا المنهج، المنهاج التطبيقي العملي المفصل المنظم المتدرج”[65]. فعلى هذا تكون الشريعة أو الشِّرْعَةُ أمرَ الله المنزل الضابط للتكليف وشروطه وأحوال المكلفين، ويكون المنهاج هو التطبيقَ العملي للشريعة، وإنزالَها على أحداث التاريخ في الإطار الزماني والمكاني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي المتغير المتطور، الذي تمثل السيرة النبوية والخلافة الراشدة نموذجه.
إذا كان المنهج ضروريا للمعرفة من خلال وظيفته في تقنين الفكر وترتيب الأولويات وتركيب العناصر، وفي غياب المنهجية تفقد المعرفة نظامها، وتفقد المصادر قيمتها، وتتوارى المقاصد الكلية وراء الجزئيات، وتضيع الحقائق في التجزيء والتعضية. وتسيطر ردود الأفعال على المواقف والقرارات والأحكام. فإن “المنهاج النبوي ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء”.[66]
المنهاج النبوي منهاج قرآنٍ مادام القرآن كلام الله تعالى ورسالته إلى الخلق، والنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم رسول من الله تعالى إلى الإنسانية يدلها على الله تعالى وعلى الطريق السالك إليه، بذلك كان القرآن كتاب هداية للإنسان؛ العروة الوثقى التي من استمسك بها هُدي إلى صراط مستقيم، “هو العلم، وهو المنهاج، وهو البرنامج، وهو النور الهادي إلى صراط الله… هو الفهم وهو العلم وهو الحياة”[67]، به “ابتُنيت نفوس مؤمنة، ومجتمع مؤمن، وحركة في العالم إيمانية، بالقرآن عرف أهل القرآن الله عز وجل، وبه استناروا في سلوكهم النفسي ومعراجهم الروحي في معارج الإيمان. وبالقرآن كانوا القوة التي حطمت باطل الشرك، وبه أقاموا العدل”[68]، ولاقومة للمسلمين من انحطاطهم ولا عزة لهم من هوانهم ولا ظهور لهم بين العالمين ولا خيرية في كيانهم ولا وحدة لشتاتهم ما بَقُوا لا “يحْكُمون بحكمه في صغير الأمر وكبيره.”[69]
إن من يتصدى لهَمِّ الإسلام والمسلمين وبيان رسالة الله تعالى إلى الناس أجمعين، لا مندوحة له عن منهاج النبوة المستمد من القرآن الكريم والنبوة الشريفة، يقول الأستاذ: “الدعاة إلى الله على بينة واتباع هم ورثة النبوة، لا منهاج لهم إلا منهاج النبوة”،([70]) أما الذين يصنفون الإسلام كنظام فكري أو مذهب اقتصادي أو موسوعة ثقافية أو عبقرية قومية… فقد غفلوا عن كون “تمجيد النظام الإسلامي في السياسة والاجتماع والاقتصاد كأنه إيديولوجية، أي منظومة فكرية، تبُزُّ في المقارنة كل مذهب بشري ما هو في الحقيقة إلا مسخٌ للدين، إن لم نربط النظام الإسلامي لشؤون الأرض والناس بالمبدإ والمعاد، والألوهية والربوبية، ووحدة الخلق، ومصيرهم بعد الموت، وبالآخرة والبعث والخلود في الجنة أو النار. الفهم الصحيح هو ما كانت النظم السياسية الاجتماعية والاقتصادية فيه تأخذ مكانها باعتبارها فروعا للشريعة. واللب هو مصيرك يا إنسان إلى ربك، وعبورك هذه الدنيا لتُختبر فيها وتصير إلى جزائك”.[71] بهذين الأصلين العظيمين يعمل العقل المسلم في إطار “منهاج نبوة”، وأسعد الناس من عمل بالمنهاج وتمسك به، كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: “وأسعدهم بها مَن سلك فيها المنهاج النبوي المحمدي، ولم ينحرف انحراف الغالين، ولا قصر تقصير المفرطين”.[72]
خاتمة
العقل المسلم تلميذ للوحي، يشترك مع العقل المعاشي في القدرات التدبيرية والإنتاجية، لكن مسلماته تختلف عن مسلمات التفكير الدوابي الذي يحسب أن الحياة دنيا بلا آخرة، والطبيعة خلق بلا خالق. يعمل العقل المؤمن مكتشفا المنهاج القرآني النبوي على بناء المعرفة أو اكتشافها وفق المقاصد الكلية الناظمة للرؤية المعرفية القرآنية، ليكون العلم الجامع أو علم المنهاج -وليست العقلانية المجردة أو المادية الوضعية- هو الجواب الإسلامي للأمة المسلمة عن الأسئلة والإشكالات المعرفية النظرية، وهو المفتاح المناسب لاقتحام العقبات وحل المشاكل العملية التي تتخبط فيها الإنسانية اليوم. يبدأ بالإنسان يذكره بكينونته ورسالته ومصيره، ثم يحرضه للصلح مع فطرته وأداء أمانة الاستخلاف الفردي والجماعي. يقول الأستاذ: “المنهاج موضوعه الإنسان، ومصير الإنسان في الدنيا والآخرة. والكون وأسراره ونواميسه تابع للإنسان، لا يستغني الإنسان عنه لأنه مجاله الحيوي ومصدر معاشه وعماد بقائه وقوته”.[73]
والحمد لله رب العالمين
لائحة المصادر والمراجع
1- القرآن الكريم.
2- الثعالبي، محمد بن الحسن الحجوي الفاسي، الفكر السامي في تاريخ الفكر الإسلامي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1416هـ/1995م
3- ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق عبيدة أسامة بن محمد الجمال، القاهرة، مطبعة أبو بكر الصديق، 1426هـ/2005م.
4- ابن كثير، تفسير ابن كثير، دار النهضة العربية للطباعة بيروت، ج1، ط5، 1417هـ/1996م
5- ابن منظور، لسان العرب، دار الجيل، بيروت، ط1، 1408هـ/1988م
6- ابن تيمية أحمد، مجموع الفتاوى، ج7، دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، 1412هـ/1991م
7- ابن خلدون عبد الرحمن، المقدّمة، المكتبة العصرية، بيروت، ط2، 1416هـ/ 1996م
8- ابن عاشور محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية، تونس، 1984م
9- الراغب الأصفهاني أحمد بن الحسين، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق عدنان صفوان داوودي، دمشق، دار القلم، ط4، 1430هـ/2009م
10- الهلالي مجدي، العودة إلى القرآن لماذا وكيف؟ دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، ط1، 1424هـ/2003م.
11- الغزالي محمد، كيف نتعامل مع القرآن؟، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، 1997م
12- الجابري محمد عابد، مدخل إلى القرآن الكريم، ج1، في التعريف بالقرآن، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2006م
13- أركون محمد، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 2001م
14- إقبال محمد، تجديد التفكير الديني في الإسلام، دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1421ه/ 2000م
15- الشاطبي أبو إسحاق، الاعتصام، تحقيق سليم بن عيد الهلالي، دار ابن عفان، ط1، 1412ه/1992م
16- الشاطبي أبو إسحاق، الموافقات في أصول الأحكام، دار الفكر، د .ت
17- يوسف القرضاوي، العقل والعلم في القرآن الكريم، مكتبة وهبة، القاهرة، 1996م
18- بدوي عبد الرحمن، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دار النهضة العربية، ط3، 1965م
19- خليل عماد الدين، حول تشكيل العقل المسلم، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1992م
20- فارب بيتر، بنو الإنسان، ترجمة زهير الكرمي، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، عدد: 67، 1403هـ/ 1983م
21- غليون برهان، اغتيال العقل، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط6، 1992م
22- طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 1998م
23- ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1431هـ/ 2010م
24- ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، الرباط، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال، ط1، 1994م
25- ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، الدار البيضاء، دار الخطابي للطباعة والنشر، ط1، 1989م
26- ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، المغرب، دار الآفاق، ط1، 2000م
27- ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، وجدة، مطبوعات الهلال، ط1، 2000م
28- ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1994م
29- ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1430هـ/ 2009م
30- ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، مصر، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، ط2، 1995م.
31- ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1997م.
[1] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1، 1431هـ، 2010م، ص:90.
[2] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1430هـ، 2009م، ص:229.
[3] الثعالبي، محمد بن الحسن الحجوي الفاسي، الفكر السامي في تاريخ الفكر الإسلامي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1416هـ، /1995م. ج2، قسم 3-4، ص:7.
[4] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، الدار البيضاء، دار الخطابي للطباعة والنشر، ط1، 1989م، ص:14.
[5] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، مصر، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، ط2، 1995م، ص:10.
[6] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص:31.
[7] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص:13.
[8] سنن ابن ماجه، كتاب المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه، رقم الحديث: 12. ولفظ الحديث هو: “يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل ما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله”.
[9] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص:13.
[10] المرجع نفسه، ص:36.
[11] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، الرباط، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال، ط1، 1994م، ص:119.
[12] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص:12.
[13] المرجع نفسه ، ص:47.
[14] فارب بيتر، بنو الإنسان، ترجمة زهير الكرمي، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، عدد:67، 1403هـ/ 1983م، ص:22.
[15] وردت مادة عقل في 49 آية من القرآن الكريم، و16 آية مادة اللب، و16 آية مادة الفؤاد…
[16] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:7.
[17] “الناس كما فطرهم الله عز وجل متفاوتون في العقل والطبع والقدرات”، ياسين، عبد السلام، العدل؛ الإسلاميون والحكم، المغرب، دار الآفاق، ط1، 2000، ص:550.
[18] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1994م، ص:134.
[19] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:50.
[20]– تنسب هذه القولة لابن الصلاح، وتُعبر عن موقف مشهور من رفض الفلسفة وعلوم اليونان من أغلب الفقهاء في الثقافة الإسلامية العربية.
[21]– بدوي عبد الرحمن، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دار النهضة العربية، ط3، 1965م، ص:161.
[22] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:4.
[23] المرجع نفسه ، ص:7.
[24] المرجع نفسه، ص:25.
[25] المرجع نفسه، ص:4.
[26] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص:87.
[27] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:7.
[28] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، المغرب، دار الآفاق، ط1، 2000م، ص:144.
[29] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:4.
[30] المرجع نفسه، ص:8.
[31] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص:137-138.
[32]– ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:45.
[33]– ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:35.
[34] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص:144.
[35] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص:138.
[36] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:4.
[37] المرجع نفسه، ص:46.
[38] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص:132.
[39] المرجع نفسه، ص:132.
[40] المرجع نفسه، ص:139.
[41] ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1997م ص:146.
[42] برهان غليون، العقلانية ونقد العقل، مجلة الوحدة، عدد:51، 1409هـ/1988م، ص:104.
[43]– ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، ص:146-147.
[44] المرجع نفسه، ص:149.
[45] المرجع نفسه، ص: 144.
[46] المرجع نفسه، ص:149.
[47] المرجع نفسه، ص:149.
[48] ينظر: ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، وجدة، مطبوعات الهلال، ط1، 2000، ص:155.
[49] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص:140.
[50] ابن تيمية أحمد، مجموع الفتاوى، ج7، دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع،الرياض، 1412هـ/ 1991م، ص:235.
[51] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:4.
[52] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:24.
[53] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص:142.
[54] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص:12.
[55] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص:144-145.
[56] المرجع نفسه، ص:147.
[57] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
[58] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص:148-149.
[59] الراغب الأصفهاني أحمد بن الحسين، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق عدنان صفوان داوودي، دمشق، دار القلم، ط4، 1430هـ/2009م، كتاب: النون.
[60] ابن منظور، لسان العرب، دار الجيل، بيروت، ط1، 1408هـ، 1988م، مادة: (ن ه ج).
[61] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ص:12.
[62] الشاطبي أبو إسحاق، الإعتصام، تحقيق سليم بن عيد الهلالي، دار ابن عفان، ط1، 412هـ/ 1992م، 1/111.
[63] ابن كثير، تفسير ابن كثير، دار النهضة العربية للطباعة بيروت، ج1، ط5، 1417هـ، 1996م، ص:26.
[64] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص:31.
[65] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:31.
[66] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ط2، ص:10.
[67] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص:13.
[68] المرجع نفسه، ص:14.
[69] المرجع نفسه، ص:15.
[70] المرجع نفسه، ص:46.
[71] المرجع نفسه، ص:89، 90.
[72] ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق عبيدة أسامة بن محمد الجمال، القاهرة، مطبعة أبو بكر الصديق، 1426هـ/ 2005م، 3/354.
[73] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص:25.