التسامح وقبول الآخر في الفكر الإسلامي

0 562

ذة. خولة مرتضوي[1]

مقال من أشغال المؤتمر الدولي “البُعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: الإمام عبد السلام ياسين نموذجا”

من تنظيم مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات يومي السبت والأحد 4 و5 جمادى الأولى 1442ه/ 19 و20 دجنبر 2020م بالرباط

مقدمة

لقد جاءَ الإسلامُ والناسُ مُتفرِّقَة ومُمزَّقَة؛ يتعادَونَ في القبائِلِ والشُعُوب والألوانِ والأديانِ والأنسابِ واللُغات، فكان كُلُّ اختلافٍ بينهُم يُفرقُهم ويُفتِتَهُم أكثر وأكثَر، إلى أن جاءَ دين الإسلامِ القوِيم داعِيًا إياهُم إلى الوِحدَة والائتلاف الإنسانِي الجامِع، إلى التسامُح والتحابُبِ والتَوادُد والصفح والعَفُو الجَمِيل، إلى الالتزام بالقِيَم الخُلُقيَّة السَامِيَة، ناهِيًا إياهُم عنِ التباغُض والتفرُّق والتعادِي.

إن العالم اليوم أحوج إلى تطبيق هذه القيم لتجاوز كل صور الخلاف والنزاع، فما مضمون التسامح؟  كيف تناوله رواد الفكر الإسلامي فهما ودراسة؟

أقف مع موضوع “التسَامُح وقَبُولُ الآخَر في الفِكر الإسلَامِي”، أسعى من خلال مباحثه بيان مفهوم التسامح وأهميته.

المبحث الأول: مفهوم التسامُح وأهميته

أولا: مفهوم التسامح

جاء في مادَّة (سَمَحَ) بمعجم لِسان العرب لابن منظورٍ الأنصاري أنَّ سَمَحَ وسموحَةً وسَماحَةً وسَماحًا تعنِي الجُود والسَخاء، ففي اللُغة يُقال سَمَحَ فُلان، أي: أعطَى عن جُودٍ وسخاءٍ وكرَم[2]. وتكادُ تُجمِعُ قوامِيس اللغة العربيَّة على أنَّ التسامُح: “موقِفٌ فِكريٌ وعمليٌ قوامُهُ تقَبُّل المواقِف الفكريَّة والعمليَّة التي تَصدُر من الغَير، سواءً كانت مواقِف موافِقَة أو مُخالِفَة لمواقِفنا”[3]، وبتعبيرٍ آخر، فالتسامُح هو تقَبُّل واحترام موقِف الآخر المُخالِف، وهو المعنَى الذي اتفقَت عليهِ كذلك معاجِمُ الفلسفَة[4]، وتُعتبَر الفلسفَة، أمُّ العُلوم، من أكثَر العُلوم المُستعِدَّة لقَبول التسامُح والعمَل الجادّ بِهِ، فأصلُ الفلسفة أنَّها تقومُ على البحث عن الحقائِق لا امتلاكها أو التحيُّز ببعضِها على الآخر.

أمَّا التسامُح بالمعنى الاصطلاحي، فيُعَرَّفُ بكونِهِ: “كلمةٌ دارِجَةٌ تُستخَدم للإشارة إلى المُمارسَات، الجماعيَّةِ كانت أم الفرديَّة، التي تتقضِي بنَبذِ التطَرُّف أو مُلاحَقَة كُلِّ من يعتقِد أو يتصَرَّف بطريقَة مُخالِفَة قد لا يُوافِقُ عليها المرء”[5]. إذن فمفهومُ التسامُح يُشيرُ إلى تبنِّي الأفراد لموقِفٍ إيجابي نحو الآخر المُخالِف، هذا الموقِف يجعلُهُم يُقرُّون بحَق الآخرين في التَمتُّع بحُرياتِهِم وحُقوقِهم الأساسية، وعليه يجعلهُم يَسمحُونَ لغيرهم بأن يعيشُوا كما يحلُوا لهم، تمامًا كما يفعلون هُم بالمُقابِل، فهو سماحٌ عامٌ لكُلِّ من يُخالفُنا في المعتقَد أو الرؤية أو المُمارسَة، دونَ تدخُّلٍ أو حُكمٍ من أحدٍ على الآخر. إنَّ مبدأ التسامُح هذا يبدُو مُشابِهًا لمبدأ الاحترام المتبادَل، فهو يترُكُ مساحة للآخر الذي يختلف بمعتقداتِه عن المعتقدات الشائعة في المجتمع[6].

إنَّ من يَبحَثُ في الثقافَةِ العربيَّة الإسلامِيَّة عن معنى التسامُح أو جذرِهِ وأصلِه فإنَّهُ لن يجِد الكثير من الدِراسات العلميَّة، رُغم أنَّ هذِهِ الثقافَة أُكَّدَت في بعض مبادِئ التسامُح في النصوص القُرآنية الكريمة والسُنَّة النبويَّة الطاهرة.

كما أنَّ لفظة التسامُح لم ترِد في النصُوص القرآنيَّة، لكن الشريعَة الإسلاميَّة ذهبت إلى ما يُقارِبُه ويُفِيدُ معناه، فالقُرآن دعا إلى التشاوُر والتآزُر والتراحُم والتقوَى والتعارُف وكُلُّها مِن صِفات التسامُح، فالقرآن إذَن أكَّد حقَّ البشَر في الاختِلاف والتنوُّع دُونَ أن يُلغِي حقَّهُم في الائتِلاف والتحالُف. والأمثلَة على ذلك كثيرة في القُرآن الكريم، مِنها على سبيل المِثال لا الحَصِر: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ البقرة 197، ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ التغابن 14، ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ألأنعام 12، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة 8)، ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى 40).

وورَد في السُنَّة النبويَّة المُطهرَة، عن شداد بن أوس -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الله كتَبَ الإحسانَ على كُلِّ شيء، فإذا قتلتُم فأحسِنُوا القتلة وإذا ذبحتُم فأحسِنُوا الذبحَة ولِيحِدَّ أحدَكُم شُفرتَهُ وليُرِح ذَبيحته”[7]، ويقتَضِي هذا الحديث؛ التسامُح والمَودَّة والتناصُح والتراحُم إلى غيرها من الصِفات الحميدّة التي تُوحِّد المجتمع الإنسانِي المُتبايِن وتجعلهُ في سلامٍ وسعادَةٍ ووِئَام. وقد جسَّد المسلمُون الأوائِل هذا التسامُح حتى قال قائلُهُم: “رَأييٌ صَوابٌ يَحتمِل الخَطأ، ورَأيُ غَيري خَطأٌ يَحتمِلُ الصَواب”.[8]

وعليه فإنَّ فكرة التسامُح تعنِي في أبسَط معانِيها القُدرَةُ على تقبُّل الرأي الآخر والصَبرُ الجَميل على أشياء لا يُحبُّها الإنسانُ ولا يستسِيغُها، بل يعُدُّها أحيانًا مُعاكِسَة تمامًا لما يدينُه وما يؤمِن بِهِ من أفكار ومعتقدات وأخلاق، فمبدأ التسامُح والتعايُش يعنِي تجاوُز أيُّ سبيلٍ للانقسام، الذي كان وما زال، يقومُ على أساس الرابطة الدمويَّة، أو الرابطة القبليَّة، أو الرابطة العشيريَّة أو الدينيَّة أو الطائفيَّة وغيرها، مِن سُبُل التفرقة والاختلاف على صعيدَيّ النظريَّة والأخلاق. فالتسامُحُ إذن ضرورة حياتيَّة ورُكنٌ أساسيٌ من أركان السلام وانتصار روح الخير البشريَّة في هذه المعمورَة.

أمَّا مفهومُ التسامُحِ عندَ الغرب، فإنَّهُ دخَلَ مِن باب الفِكر المُعَبِّر عن الصِراع الاجتماعِي المُحاوِل التخفِيف مِن حِدَّتِه، وكانَ أولُ ظُهورٍ لكلمة (تسامُح Tolerance) في كِتابات الفلاسفة الذين تناولوا الأيدولوجيا في أوروبا، وقد برهَنَ التارِيخ على أنَّ أغلَب فلاسِفَة عَصِر التنوِير في كُلٍّ مِن إنكلترا وفرنسا وإيطاليا وغيرها مِنَ المُنادِين بالتسامُح؛ لم يكُونوا مُستعِدِّين لتطبيقه وتقبُّل ما يدينُهُ المخالفين لهم.

فعلى سبيل المثال، نجِد أنَّ دُعاةَ التسامُح من المسيحيين البروتستانت كانوا يضعُون حدودًا لحُريَّة الاعتقاد وبالتحدِيد إن كانَ المذهَبُ الذي يعتنقُه الطرف الآخر مُخالِفًا لمذهَب الدولة التي ينتمُون إليها.[9] وفِي مُقابِل ذلك، شَدَّد كثيرٌ من الكُتَّاب الغربيون على أهمية التسامُح كمبدأٍ سِياسِيٍ واجتماعِيٍّ، ومن ضمن هؤلاء نجِد جون لوك، وهو أحَدُ رُوّاد الفِكر السِياسِي في فرنسا؛ يُدافِعُ عن ضرورَة الفَصِل بين الدولة والكنيسة وذلك في كِتابِه (رسائِل حولَ التسامُح) الذي أصدرهُ على إثر إعلان الحكومة الإنجليزيَّة عن قانون التسامُح عام 1689، حيثُ أكَّد لوك في كِتابه على أنَّ الدُوَل مُهمتُها تكمُن في المحافظَة على حُقوق مواطِنيها ومُقيميها ومصالحِهِم المدنيَّة ولا يجِب أن يكُونَ لها عِلاقَة بخلاص نفوس رعاياها، فالكنيسة، برأيِه، هي مُجرَّدُ جمعيَّةٍ إرادِيَّةٍ حُرَّة ليسَ لها الحَقُّ أن تتدخَّل في إيمان الأفراد والجماعات.[10] إنَّ مذهب لوك في التسامُح يوحِي بمقولة: “لِتَعِش ولِتَدَع غيرَكَ يعِش”، وبرأي لوك، فالأفراد الذين لا يتسبَّبُون بأيِّ ضَررٍ للآخرين عِندَ مُمارستهم لشعائرهِم الدينيَّة؛ يجب التسامُح معهُم، فالجميع أحرار فيما يرغبُون في اعتناقه واعتقادِه، ما دامُوا لا يُنكِرون على غيرهِم حقوقَهُم المدنِيَّة الأساسِيَّة.[11] إنَّهُ من الواضِح، وِفق هذه التوطِئَة، أنَّ مفهوم التسامُح وُلِدَ في أحضانِ السِياسَة والأيدلوجيا؛ ليُوظَّف توظيفًا سِياسِيًا وأيدلوجيًا ويقِف مع السُلطَة أو ضِدَّها.

ثانيا:أهميَّة التسامُح

يفرِضُ واقِعُ الحياة تنوًعًا وثراءً ثقافيًا ودينيًا كبيرًا، كما أنَّ التبايُن والتنوُّع الإنسانِي ينعكِس بشكلٍ مُباشِر على الأمزِجَة والمذاهِب والمُيُول والمُعتقدات؛ الأمر الذي يؤدِّي إلى اختلافٍ وتمايُزٍ وتغايُرٍ في المنطلقات الفكريَّة والسُلوكيَّة للبشر، ولولا مبدأ التسامُح لما تقبّلنا، بصدرٍ رحِب، كُلّ هذا الثراء والتنوُّع الذي اقتضَتهُ سُنَّةُ الحياة، وكُل تِلك الآراء ووِجهات النظَر والرُؤى المُختلِفة التي تزيدُ العقل الإنساني خُصوبَةً وتلاقُحًا وإنتاجيَّة.[12] وفي هذا الصدد يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه “الإسلام والحداثة”: “إنه من قلة النزاهة الفكرية عدم ترتيب هذا الهامش من الثقة وعدم افتراض الاستقامة والنزاهة لدى الآخر، إنه برهان على الوهن الفكري، وإلباس الآخر نقائص أودعها في مخيلتنا ضيق صدرنا وأحكامنا المسبقة”[13].

فالتسامُح إذن مُتطَلَّبٌ ضَرورِيٌّ لمواجهَة التزَمُّت والعَداء والتشَدُّد والانغلاق والتعصُّب، والإفراط في الاعتقاد بالتفوُّق على الآخر دينيًا وعِرقيًا وسِياسيًا وثقافِيًا. كما أنَّ التسامُح مع الآخر؛ يُعَدُ كذلِكَ شرطًا من شُروط استمرار الحياة الكريمة للإنسان وتعايُش كافَّة مكنُوناتِها المُتبايِنَة، فالاختِلاف طبيعَة اجتماعيَّة بشريَّة أكَّدتها وتؤكِّدُها ذاكِرَة التجارُب البشريَّة. [14]

المبحث الثاني: التسامُح في الفكر العربي الإسلامي

إنَّ الدين الإسلامِي كانَ وما زال منهَجًا للهِداية الإنسانيَّة، فهُو النظام الذي ارتآهُ رَبُّ العالمين للعَرب والمُسلمين؛ لتحقِيقِ التضامُن الاجتماعِي واستِيعاب التبايُن في هذا العالم، وبهذا النِظام العالمي فضَّل اللهُ المُسلمِين على العَالمِين، على كُلِّ أصحابِ المَمالِك والدُويلات والأُمَم الدُنيويَّة المُستنِدَة على منهَج القَهرِ والقُوَّة. فهذا النظام العالمِي الشُمولِي يعتمِدُ على إيقاد مشاعِر الرحمَة والمودَّة والإيمان والتسامُح والتعايُش عِندَ كُلِّ مُسلم باعتبارِهِ خليفةُ اللهِ في هذه الأرض وبعضًا من نورِهِ وقَبَسِه، فهو بالتالِي نظامٌ لا يقومُ نهائيًا على السُلطة القهريَّة الموجُودَة في غالبيَّة الأنظمة الدنيويَّة الموضُوعَة.[15]

ويتفَرَّدُ الإسلام على غيرِه من الأديان السماويَّة والفلسفات الشرقيَّة والأيدولوجيات الغربيَّة؛ بكَونِهِ حركةً دِينيَّة اجتماعيَّة وسِياسيَّة، فهو يجمَعُ في ثناياه؛ نزعَة الهِدايَة الرُوحيَّة مع إرادة القوَّة والهيمنَة، وهذا الجَمعُ المَثالي يَجعَلُ الإسلام، دونًا عن سواه، ثورةً تاريخيَّة كُبرى غيَّرَت مجرى الحياة، فعندما فَهِم المُسلمون نُصوص دينَهم الحَنِيف؛ قاموا بِبناء حضَارة واسِعَة وعظيمة ومؤثِّرة، أما اليوم فحالُ الأُمَّة يشهَدُ على ابتعاد الغالبية العُظمى عن تعاليم دينهم الكريم، فالانتكاسة الهائلة التي تشهدها حياة المسلمين في هذا الزمن جليَّةٌ جدًا، وهي دليلٌ دامغٌ على خُضوع السُلطة الإسلاميَّة الحُرَّة لإرادة الشَيطان وهوى النفس والعياذُ بالله.

إنَّ التعَصُّب يجُرُّ من خلفِه التعصُّب، والتسامُح- مع مَن هُو أهلٌ له- يستجلِب التسامُح، والاعتدال يولِّد الاعتدال، والتاريخ الإسلامِي المُشرِق مَليءٌ بالأحداثِ التي تُؤكِّد ذلكم، فعندما خضعَت الدولة الإسلاميَّة لسُلطة المغول الكافِرَة في أواسِط القرن السابِع الهجري؛ دُمِّرَت كثيرٌ من معالِم الحضارَة والفِكر الإسلامي، ورُغم تلك الانتكاسَة السياسيَّة الهائلة في حياة المسلمين إلّا أنَّ الفكر الإسلامي استطاعَ أن يُحافِظ على تقدُّمه الثقافِي، فقساوَةُ الغازِي وشراسَة الصَدمَة لم تتسَبَّب في شَللِ مفاصِل الحياة الإسلاميَّة بل العكس، فالانهيار السِياسِي قُوبِلَ بالتقدُّم الفكري والثقافِي، حيثُ زادَت النتاجات العِلميَّة والفكريَّة لعُلماء المسلمين في تلك الفترة، وكانت سببًا رئيسيًا في تحوُّل أجهزَة السُلطَة المغوليَّة إلى العقيدَة الإسلاميَّة و كذلك الإعلان على أنَّ الإسلام هو دين مملكتهم الرسمِي، هكذا حَقَّق الإسلام نصرَهُ الحضارِي بعدَ خسارتِهِ العسكريَّة الفادِحَة.[16]

ولنا في التجرُبَة الإسلاميَّة في بلادِ الأندلُس مثالٌ آخر على الإنسانيَّة التي حملها هذا الدين، ففي عهد المسلمين بالأندلُس وصَل التسامُح إلى ذروته وتعايشَت كثيرٌ من الحضارات والثقافات والشعوب بسلامٍ ووئام. وفي عهد الخليفة الأموي عبد الرحمن الثالث، ضمَّ طاقمه الوزاري؛ وزراء يهود وآخرين مسيحيين.[17]

 ووصَل أمر التسامُح في الأندلُس، أن دعا البابا سلفستر الثاني[18]، الذي تتلمَذَ لمدَّة ثلاث سنوات على يد أساتذتها في أشبيلية وقرطبة؛ رعاياه الغربيين إلى التخلُّق بأخلاق المسلمين التي تدعُو إلى كُل ما هو نبيل من صِدقٍ وأمانةٍ وتسامُحٍ وتعايش وغيرها من الصِفات النبيلة. [19]

يُخبرنا التاريخ أنَّ أصحاب الديانات الأخرى عاشُوا في ظِل نظام الحُكم الإسلامِي؛ قرونًا متواترَة من الرِعايةِ والكَرامة والتسامُح والحُكمِ الذي يُراعِي، فيما يُراعي، عُهودهُم وذِمَمهُم، يقولُ الله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (الروم: 22). ويقولُ سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الجاثية: 14)، وقال عز من قائل ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف: 89)، وقال عزَّ وجَلّ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199).

وورد في السُنَّة النبويَّة الشريفَة قولُ النبيُّ الكريم صلى اللهُ عليه وسلَّم: “ألا مَن ظلَم مُعاهِدًا أو انتقَصَهُ حقَّهُ أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِه أو أخَذَ مِنهُ شيئًا بِغَيرِ طِيبِ نَفس؛ فأنا حجِيبُهُ يومَ القِيامَة”[20]، ولمّا رفَعَ رجلٌ سيفَهُ على رسولنا الكريم صلى اللهُ عليه وسلَّم قائِلًا لهُ: “مَن يمنَعُكَ مِنِّي يا محمد؟ فسقَط السيفُ من يدِه وأخذهُ النبيُّ الكريم وقال له: “من يمنعُكَ منِّي؟” وأخذهُ إلى أصحابه وأخبرهُم بما حدَث، فتعهَّد الرجُل للنبي -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم- ألّا يُحاربه وألَّا يكونَ مع قومٍ يُحاربُونَه، وفي هذه الحادِثَة، نرى كيف أنَّ تسامُح النبي الكريم -صلواتُ الله عليه- كان سببًا في إحراج هذا الرجُل وسبيلًا إلى اتخاذِهِ موقِفًا جديدًا من الإسلامِ وأهلِه.[21]

وقد كان رسُولُ الله مُتسامِحًا مع المنافقين وهُم أعداءُ الدين الداخليين، ومن أمثِلَة ذلِك، أنَّه صلى اللهُ عليهِ وسلَّم قد عفا مِرارًا عن عبد الله بن أبي سلول –وهو أحد أبرَز المُهادِنين الظاهريين للإسلام حيثُ لقَّبَهُ المسلمون، آنَ ذاك، بكبير المنافقين؛ وزارَهُ عِندما مَرِض، بل وصلَّى عليهِ لمّا مات، ونزَل على قبرِه وألبَسَهُ قميصَه. فقال عمر بن الخطّاب رضي اللهُ عنه لرسولِ الله: “أتُصَلِّي عليهِ وهو الذي فعل وفعَل؟ فكان رَدُّ النبي عليه بأن قال-صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-: “يا عُمر، إنِّي خُيِّرتُ فاخترت، قد قِيلَ لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 80)، ولو أعلَم أنِّي لو زِدتُ على السبعِين غُفِرَ لهُ لَزِدت”[22].

إذَن فدستورُ الإسلام الخالِد المُتمثِّل في القُرآن الكريم والسُنَّة النبويَّة الشريفة؛ يفيضُ بالمعانِي التي تجعَل التسامُح لُغةً إسلاميَّة أصِيلَة ومعنىً أخلاقِيًا شرعِيًا، وفلسفةً إنسانيَّة جامعَة، إنَّ هذه النصوص المقدَّسَة أعطَت زادًا نظريًا شامِلًا للمُمارسات الإسلاميَّة المطلوبة بشأن التسامُح وقبُول الآخر، وقد انعكسَت هذه التوجيهات الإلهيَّة والنبويَّة بشكلٍ تطبيقي ومنذُ أول حُكمٍ للإسلام، أي في عهد الرسول الكريم محمد -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وعهد صحابتِه الراشدين، وانجلَت هذه التوجيهات كذلك في العديد من المواثيق والاتفاقيات والنُصوص السِياسيَّة، مثل: دُستور المدينة وحِلف الفُضول وصُلح الحُديبيَة وغيرها.

وهكذا نجد أنَّ الحُكومات الإسلاميَّة عبر العُصور أبَت على نفسِها أن تُعامِل رعاياها غير المسلمين معاملةً إقصائيَّة أُخرويَّةً غير متسامحة، ورُغم كُل العَثرات التي وقعَت فيها بعض الأنظمة الإسلاميَّة في العصر الحديث، إلّا أنَّهُم ما زالوا يسعَون، بشكلٍ جادّ، إلى إحلال قيمَة التسامُح وربطها بالقوانين والأنظمة المنظِمَة والرادِعة.

وبالنتيجة، لم يشهَدِ التاريخ الإسلامي نظامًا عامَل الآخر الديني معاملة (ألفونسو السادس- ملك ليون وقِشتالَة) الذي طرد المسلمين من الأندلُس وقَتَّل بعضهُم خِلال مجزرة دمويَّة بشِعَة سُميَت بمحاكِم التفتِيش، أو حتى كما فعل (لويس الرابع عشر- ملك فرنسا) الذي تعصَّب للكاثوليكية بشكلٍ حادّ واعتبر البروتستانتيًّة ديانَةً ممنوعَة وشرَعَ في تصفيَة أهلها والتضييق عليهم وجعل اعتناقها مُحرَّمًا قانونًا، أو حتى كما فعَل الساسَة البريطانيون الإنجيليون الذين لم يسمحُوا باليهود من دخول أرض بريطانيا العُظمى لمُدَّةٍ تزيد عن ثلاثمائَة وخمسُون عامًا.[23]

إنَّ الإسلام عقيدة وفِكرًا سبَقَ غيرهُ من الأديان والأنظمة في سَنِّ مبدأ (اللِين والتسامُح واللاعُنف) الذي أخذَه عنهُ الفكر الغَربي المُعاصِر والحَديث، وكان لهذا المبدأ، الذي عمَل المسلمون على نشرِهِ في أرجاء العالم؛ دورٌ كبيرٌ في تقدُّم المسلمين وازدهار حضارتهم الإنسانيَّة، فالتسامُح أدَّى إلى اللِين فِي القول والدعوَة بالحِكمَة والموعِظَة الحَسَنَة والمُجادلّة بالتي هِيَ أحسَن، يقولُ عَزَّ وجَلّ ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 46)، ويقول الله تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 195)، ويقولُ الله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125)، وقولُ الله تعالى ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).

وأدَّى التسامُح كذلِك إلى الدعوة إلى التعارُف بينَ الأُمَم والشُعوب، يقولُ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، فالتسامُح في هذا المقام يأتي بِبُعدٍ وُجوديٍ، فهو ضَرورِيّ ضَرورَة الوُجودِ الذي اقتضَى في سُنَّتِه أن يكون الناسُ في هذه المعمورة مختلِفِي الأعراق والديانات والثقافات والبيئات[24]، ولا يتحَقَّقُ التعارُف الذي تنُص عليهِ الآيةُ الكريمة إلا عَبرَ الحوار والتفاهُم والالتِقاء، وهي مِن شُروطِ ومُتطلَّبات التسامُح الأساسيَّة.[25]

وكان من مَيِّزات التسامُح أيضًا؛ الإقرار بالتَعدُديَّة والاعتراف بالآخر المُخالِف فردًا وجماعَة، فالتسامُح الإسلامي إذن وفق هذا المنظور الأخلاقي العالمي؛ يُعتبر ضرورة أساسيَّة لضَبطِ الاختلافات وإدارتها والتعايُش بالطريقة الإيجابيَّة الصحيحَة في جوٍ من الإخَاء والسَلام بين كافَّة أجناس ومُعتقدات وألوان البشر، فكُل هؤلاء المختلفون ظاهريًا ينحدِرون من أصلٍ واحد، وهي النفسُ الواحِدَة، فالقرآن الكريم يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:1)

فالإسلام، هذا الدين العالمي الذي يتَّجِه برسالتِه للبشريَّة جَمعاء، يُقِرُّ حُرِّيَّة التديُّن بكُلِّ سُموٍ وموضُوعِيَّة، وذلك في مظهرٍ متفَرِّدٍ وعمِيق من مظاهِر التسامُح الدِيني، كما أنَّهُ يعترِف بالدِيانَات السماويَّة الأخرى (اليهوديَّة والمسيحيَّة) جَاعلًا الإيمان بالرِسَالات والأنبيَاء الذين بعثهُم الله هدايةً للناس؛ رُكنًا من أركان الإيمان، وسامِحًا لمُعتنِقِي هذه الديانات الإبراهيميَّة؛ بحُريَّة الاستمرار في شعائِرِهِم وعقائدِهِم، قال اللهُ تعالى في سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (النساء 285)، فالإسلام بهذا المنظُور يعترِف بالحُقوق الشخصيَّة لكُل فرد من أفراد المُجتمَع ولا يُجيز تحت أيِّ ظرفٍ من الظُروف أيُّةُ مُمارساتٍ تَنتَهِك هذِهِ الخُصُوصِيَّات والحُقوق، فالاختلافات بين البشَر عليها، وفق هذا المنظور، ألّا تُؤسِس للتباعُد والقَطِيعَة والجَفاء، إنما تُؤسِس للتسامُح مع الآخرِ المختلِف.

إنَّ المنظُومَة السُلوكيَّة والأخلاقيَّة التي جاءَ بها الدين الإسلامِي الحَنِيف، المبنيَّة على الإيثار والإحسان والرِفق والعَفُو والأمانَة والقَول الحَسَن والأُلفَة؛ اقتضَت بالنتيجة الالتزام بمبدأ التسامُح، فالعلاقات الإنسانيَّة والاجتماعيَّة في أصلِها علاقات قائِمَة على المودَّة والمحبَّة والأخوَّة، مهما تباينَت المواقِف والأفكار، فهذا التبايُن والاختلاف يؤكَّد على ضرورة الالتِزام التامّ بهذِهِ المبادِئ والقِيَم.

يقول عبد السلام ياسين في مقالة (شوكة الإسلام) “إن المشكلة المطروحة من طرف القوميين هي كيف يتم التعايش بين الطوائف الدينية التي تكون الدول العربية. وهذا خطأ كبير في تفكيرهم. لأن وضع المشكل في إطار عربي بعيد عن روح الإسلام أتاح للنصرانية وهي دعوة عصبية، ولليهودية وهي دعوة عنصرية وللعروبة والأتراك وهي دعوة لأعداء جنس على الآخر، أتاح لهذه النعرات الجاهلية أن تحدد مفهوم حركتها بالمقارنة مع العناصر الأخرى، وهذا ما شجع التناحر وزاد العرب فرقة بعد ذهاب شوكة الإسلام وهوانا في أعين من تطاولت مطامعه في الانقضاض على الحمل الذي ذهب حارسه المستبد. الحل هو ما جاء به الإسلام. طبق زمن النبوة وأيام الخلافة على منهاج النبوة، وهو يحل مشكل التسامح الديني فلا عصبية دينية ولا قومية ولا وطنية ولا قبلية”[26].

ويقول ياسين في موضع آخر في كتابه (الإسلام والقومية العلمانية): “إن من ينظر إلى المستقبل ويفكر للمستقبل، والمستقبل بيد اللّه عز وجل تؤدي إليه جهودنا ونحن مسؤولون عن نتائجها، يمثل أمامه مشهدان تاريخيان: العرب أول عهد الإسلام، والعرب اليوم. على أي مجتمع دخل الإسلام، بل في أي مجتمع برز؟ معرفة ذلك التفاعل الأول علم ضروري لتَنْهيج الحاضر والمستقبل. دون الحنين إلى خيال العروبة في مهدها، وفي وارف بساتينها الثقافية، واقع دموي جاهلي تحكمه العصبية، ويحركه الحقد، وينتج عنه الفوضى، وتهدر فيه الحرم، ويستعبد فيه الإنسان. الروح الجاهلية كانت حقيقة شوهاء زيَّنَتْها في خيال القوميين العاطفيين المقتنصين للهوية الضائعة لغة مجيدة، وشعر يرفع للعلا مكارم الأخلاق، والفروسية، والشجاعة، والكرم. الروح الجاهلية لم تمت. وهي تلبس في لبنان التمزق، لبنان القناصة والأحقاد والعشائر والخيانات، لباسا عصريا، وتركب سيارات، وتفتك بالرشاش والدبابة بدل الرمح والسيف. أي كرم، وأية شجاعة، وأية فروسية لا تزال تكمن في العرب الطائفيين القوميين بلبنان التناقضات، وفي عرب القومية الاشتراكية الوحدوية؟ بل أية بلاغة عربية تحمل إلى تلك الآذان، إلى ذلك الوعي الذي أودى به الانفعال وتاهت به الأحلام، رسالة العالمية، رسالَة التحرر، رسالَة اقتحام العقبة وفك الرقبة إن لم تكن بلاغة الإسلام، ورسالة الإسلام؟[27]“.

خاتمة

يُمكن القَول أننا اليوم في أشَدِّ الحاجَةٍ إلى تفعيل مبدأ التسامُح وأخذِهِ من طورِه النظري البَحت إلى طورِ التشغِيل التطبيقي، فمجتمعات القرن الواحد والعشرين بحاجَة إلى هذا التسامُح العظيم الذي فيه وحدَه يتم القبولُ بالآخر المُختلِف والتعايُش معهُ بإيجابيَّة ومُرونَةٍ حقيقيَّة، فالتقارُب بين الأُمَم والحضارات والثقافات أصبح واقِعًا كبيرًا بفِعل ثورة الاتصالات التي جعلت العالم (غُرفةً واحدة) يستوطِنُها الجميع، مُزيلةً كافَّة الحواجِز الزمكانيَّة بينَ هؤلاء الجماهيرِ الغفيرةِ المُتباينة، الأمر الذي يدفعُ بهؤلاء السُكّان في هذه الرقعة الصغيرة إلى إيجاد مساحاتٍ مشتركة مع غيرهم من المستوطنين؛ تحقيقًا لمصالِحِهِم الفرديَّة والمُشتركَة والمُضِيِّ بِهِم بسَلامٍ وأمَان إلى الغَدِ المُشرِق الذي يضُمُّ الجَميع.

المصادر والمراجع:

  1. القرآن الكريم
  2. برهان غليون، الدولة والدين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1993.
  3. جمال الدين أبي محمد بن مكرم بن المنظور، لسان العرب، المجلد الأول، مادة سمح، دار صادر، بيروت، د.ط، 1990.
  4. جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، د.ط، 2013.
  5.  حسن الشامي، الفكر الإسلامي في مواجهة التحدّيات السياسية-دراسة في التجربة، موقع دار الإسلام، تاريخ نشر الموضوع: 26 سبتمبر 2004،
  6. حيدر عبد الزهرة التميمي، التسامح الفكري من منظور إسلامي، مجلة العميد، ، المجلد الرابع، العدد: 2 ، 2015.
  7. رمضان بسطاويسي، التسامُح-مفاهيم فلسفيَّة، مكتبة الدار العربية للكتاب، القاهرة، ط1، 2018.
  8.  ستيفن ديلو، التفكير السياسي والنظرة السياسية والمجتمع المدني، ترجمة ربيع وهبة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، د.ط، 2003.
  9. سليمان بن الأشعث أبو داود، سُنن أبو داود، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، د.ت.
  10. عبد السلام ياسين، “شوكة الإسلام”، مجلة الجماعة، جماعة العدل والإحسان، الرباط، العدد 3، 1979
  11. عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، دار الآفاق المغربية للنشر والتوزيع، الرباط، ط1، 2000.
  12.   عبد السلام ياسين، الإسلام والقومية العلمانية، دار الخطابي للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1989، ط1.
  13.  عبد الله علي العليان، حوار الحضارات في القرن الواحد والعشرين-رؤية إسلامية للحوار، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2004.
  14. فائز صالح الهيبي، التسامح وقبول المختلف في الفكر العربي الإسلامي، مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية، جامعة الموصل، مجلد:9، العدد:2، العراق، 2009.
  15.   محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري، صحيح البخاري، تحقيق د. مصطفى ديب التغا، ج4، ط3، ر دار ابن كثير، بيروت، 1987.
  16. محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997
  17.  نبيل نعمة الجابري، “التسامح في الإسلام”، شبكة نبأ المعلوماتية، تاريخ نشر الموضوع: 18 فبراير 2008،
  18.  نظلة أحمد الجبوري، التسامح-مقولة أخلاقية ومقاربة فكرية عقائدية، موقع الحوار اليوم، تاريخ نشر الموضوع: 28 يوليو 2011.

باللغات الأجنبية:

  1. John Locke, A letter on Toleration, Indianapolis, Bobbs Merrill, 1955.

المواقع الإلكترونية:

  1. www.albayan.ae
  2. www.alhiwartoday.net.
  3. www.aljazeera.net
  4. www.annabaa.org
  5. www.daralislam.org
  6. www.islamweb.net
  7. www.siraj.net
  8. www.yassine.org
  9. www.yassine.net



[1] إعلاميَّة وباحثة أكاديميَّة في الإعلام الجديد والدين المقارن، تعمل في قسم الإعلام والنشر بالإدارة العليا في جامعة قطر.

[2]  -محمد بن مكرم، ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، د.ط، 1990، مادة سمح

[3] -محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997، ص20.

[4] – جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، د.ط، 2013، 1/271-272.

[5]  -رمضان بسطاويسي، التسامُح-مفاهيم فلسفيَّة، مكتبة الدار العربية للكتاب، القاهرة، ط1، 2018، ص113.

[6]ستيفن ديلو، التفكير السياسي والنظرة السياسية والمجتمع المدني، ترجمة ربيع وهبة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، د.ط، 2003، ص 70.

 [7] -محمد بن عيسى، الترمذي، جامع الترمذي، الصحابي: شداد بن أوس، الأفق: 1325، العزو: 1409.

[8]  -فتوى “التسامح سمة الإسلام البارزة”، مركز الفتوى، موقع الشبكة الإسلاميَّة (إسلام ويب)، تاريخ نشر الموضوع: 26 مارس 2006، http://www.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=72777، تاريخ الدخول إلى الموقع: 27 أكتوبر 2018.

[9]– محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، مرجع سابق، ص 25.

[10] John Locke, A letter on Toleration, Indianapolis, Bobbs Merrill, 1955, p.17.

[11]  -ستيفن ديلو، التفكير السياسي والنظرة السياسية والمجتمع المدني، مرجع سابق، ص81.

[12] – عبد الله علي العليان، حوار الحضارات في القرن لواحد والعشرين-رؤية إسلامية للحوار، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2004، ص 187.

[13] – عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، دار الآفاق المغربية للنشر والتوزيع، الرباط، ط1، 2000، ص 8.

[14] – نظلة أحمد الجبوري، التسامح-مقولة أخلاقية ومقاربة فكرية عقائدية، موقع الحوار اليوم، تاريخ نشر الموضوع: 28 يوليو 2011،

http://www.alhiwartoday.net/node/988، تاريخ الدخول إلى الموقع: 27 أكتوبر 2018.

[15] – برهان غليون، الدولة والدين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1993، ص58.

[16] – حسن الشامي، الفكر الإسلامي في مواجهة التحدّيات السياسية-دراسة في التجربة، موقع دار الإسلام(daralislam.org)، تاريخ النشر: 26 سبتمبر 2004، تاريخ زيارة الموقع: 27 أكتوبر 2018.

[17] – ماربيل فيرون، “عبد الرحمن الثالث-خليفة قرطبة الأول”، جريدة البيان الإماراتية(www.albayan.ae)، تاريخ النشر: 6 نوفمبر 2016، تاريخ زيارة الموقع: 27 أكتوبر 2018.

[18] – محررون، سلڤستر الثاني، موسوعة المعرفة، تاريخ نشر الموضوع: لا يوجد، https://www.marefa.org/، تاريخ الدخول إلى الموقع: 27 أكتوبر 2018.

 [19]  – فائز صالح الهيبي، التسامح وقبول المختلف في الفكر العربي الإسلامي، مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية، جامعة الموصل، مجلد:9، العدد:2، العراق، 2009، ص486.

[20] – سليمان بن الأشعث بن إسحاق، أبو داود، سُنن أبي داود، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، رقم الحديث: 3051، دار الفكر، بيروت، د.ط، 3/170.

[21] – محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع رقم: (3906، تحقيق د. مصطفى ديب التغا، دار ابن كثير، بيروت، ط3، 1987، 4/1515، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف، رقم 843، 1/576.

[22] – صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين، رقم 1300

[23] – مصطفى يسري، عرض كتاب “فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي للدكتور عبد الحسين شعبان”، تاريخ نشر الموضوع: 10 أغسطس 2015، في موقع (www.aljazeera.net)، تاريخ زيارة الموقع: 27 أكتوبر 2018.

[24] – نبيل نعمة الجابري، “التسامح في الإسلام، شبكة نبأ المعلوماتية”، (www.annabaa.org)، تاريخ نشر الموضوع: 18 فبراير 2008، تاريخ الدخول إلى الموقع: 27 أكتوبر 2018.

[25]– حيدر عبد الزهرة التميمي،”التسامح الفكري من منظور إسلامي”، مجلة العميد، جامعة بغداد، المجلد الرابع، العدد: 2، يونيو2015، ص 85.

[26] – عبد السلام ياسين، “شوكة الإسلام”، مجلة الجماعة، الرباط، العدد 3، 1979، ص 90.

[27] – عبد السلام ياسين، الإسلام والقومية العلمانية، دار الخطابي للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ط1، 1989، ص 141.