التربية الإيـمانية: مقصد تشريعي وضرورة تنظيمية
دراسة في الأسس الشرعية والدواعي التنظيمية للتربية الإيمانية من خلال نظرية المنهاج النبوي
د. هيثم عبد الحميد خزنة/الجامعة الأسمرية للعلوم الإسلامية/ ليبيا
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد،
فقد تعددت الجماعات الإسلامية واختلفت مناهجها الدعوية، ومنطلقاتها الفكرية، فاختلفت أساليبها وتنوعت طرقها، رغم اتفاق غايتها ودعوتها إلى الالتزام بدين الله تعالى وتحكيم شرعه، وبسط سلطان دولته، ومن هذه الاختلافات اعتماد التربية الإيمانية منهجاً في العمل الدعوي، حيث اختلفت الاجتهادات الدعوية في ذلك، فنجد أن بعض الجماعات الإسلامية لا تعتمد التربية الإيمانية منهجاً في العمل الدعوي، ولا تجعلها ضمن خطة العمل في البناء التنظيمي، إذ إن الأولوية عندهم توجيه الجهد نحو العمل الفكري والدعوي والسياسي وغير ذلك، ولا يعني ذلك إنكاراً لأهميتها عندهم بل غاية ما في الأمر أنهم يَعُدّونها شأناً فردياً يعود أمر تحقيقها وإيجادها للفرد؛ إذ هي من خواص شؤونه، فكانت دعوة أفرادها إليها دعوة عامة، دون اعتمادها أساساً في البناء التنظيمي، ويذهب بعض الحركات الإسلامية إلى رفض اعتماد التربية الإيمانية في بناء الفرد بل تَعُدّها من معوقات العمل الدعوي([1]).
إلا أن أكبر الجماعات الإسلامية حضوراً وأكثرها تأثيراً ذهبت إلى ضرورة التربية الإيمانية في بناء الفرد، واعتماد وسائلها في الأطر التنظيمية، فجعلتها أحد مرتكزات التأسيس الفردي، وعملت على تحقيق وجودها ومتابعة استمرارها وزيادتها ضمن أنشطة وبرامج، فخصصت لها جانباً في العمل التنظيمي،كما جعلتها معياراً للتفاضل في الهرم التنظيمي.
والغاية من هذا البحث هو النظر في مدى ضرورة اعتماد التربية الإيمانية في بناء الفرد في الجماعة الإسلامية، ومدى أهمية اعتماد وسائلها في البناء التنظيمي والحركي، فيسعى البحث إلى بيان الأسس الشرعية للتربية الإيمانية، من خلال إيراد نصوص الكتاب والسنة الموجبة لتحقيق وجودها تحقيقاً فردياً وجماعياً، ودراسة المنهاج النبوي في التربية الإيمانية التي أثمرت معجزة تاريخية غيرت العالم أعمق وأوسع وأسرع تغيير، مبيناً أن المنهاج النبوي لم يكن خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بل هو منهاج عام لكل من يسعى لتحقيق التغيير المنشود.
ويسعى البحث أيضاً إلى التدليل على أن التربية الإيمانية ضرورة تنظيمية في العمل الدعوي المعاصر، فلا تُبلغ الغاية ولا يتحقق المقصد إلا بوضعها كأساس في البناء التنظيمي، فيجب على الحركة الإسلامية التي اعتمدت المنهج المتكامل في التربية والبناء أن تسعى إلى تربية أفرادها تربية متكاملة، وتأخذ بكافة أسباب الإعداد، ومنها الإعداد الإيماني باعتماد وسائل التربية الإيمانية في الأنشطة الحركية والبناء التنظيمي. ويتم التدليل على ذلك من خلال الواقع العملي الدعوي، كما يبين البحث أن التغافل عنها في أثناء تسارع مسيرة الدعوة وتتابع نجاحاتها، يؤدي إلى سطحية العمل، وانحرافه ووقوعه في منزلقات لا يمكن تجنبها إلا من خلال متابعة التربية الإيمانية في الأفراد وتعميق وجودها فيهم، ويتعرض البحث إلى مخاطر إهمال التربية الإيمانية في هذه المرحلة التي بدأت الجماعات الإسلامية تقطف ثمار دعوتها بسبب الربيع العربي، لانشغالها بالعمل السياسي، ووصول بعضها إلى السلطة أو تكاد، فتكثر المشاغل وتتزايد الأعباء على الدعاة، حيث يؤدى ذلك -من وجهة نظر الباحث- إلى ضعف الأداء، فيُبَيِّن الباحث أسباب ذلك ويقترح وسائل لتجنبه.
وقد استمد البحث هذه الفكرة من نظرية المنهاج النبوي التي وضعها الأستاذ عبد السلام ياسين، فاعتمدها أساساً ومنطلقاً فزادها بياناً وتوضيحاً وتدليلاً لها من الكتاب والسنة والواقع العملي التنظيمي.
وقد قسمت البحث إلى مبحثين وخاتمة، فكان على النحو الآتي:
المبحث الأول: الأسس الشرعية للتربية الإيمانية في نظرية المنهاج النبوي
المبحث الثاني: الدواعي التنظيمية للتربية الإيمانية في نظرية المنهاج النبوي
خاتمة: النتائج والتوصيات
المبحث الأول: الأسس الشرعية للتربية الإيمانية في نظرية المنهاج النبوي
تُعد نظرية المنهاج النبوي من أكثر النظريات والمناهج الدعوية التي تعتمد التربية الإيمانية في البناء والتنظيم، حيث جعل الأستاذ ياسين التربية الإيمانية الركن الأول والأهم في بناء نظرية المنهاج النبوي حيث قامت النظرية عنده على ركنين أساسين: التربية والتنظيم، فقال الأستاذ ياسين: “المنهاج النبوي: منهاج تربية وتنظيم جهادي”([2])، ويقول أيضاً: “تربيتنا وتنظيمنا ينبغي أن يعدا القوة الإسلامية الذاتية”([3])، بل نبّه إلى أن فقدها يعدم صفة الإسلامية في التنظيم قائلاً: “ولا يكون التنظيم إسلامياً إن لم تكن التربية إيمانية”([4]).
ولأهمية التربية الإيمانية عنده جاء تقسيم مباحث النظرية ومحاورها وفق المعاني والقيم الإيمانية، حيث كان تقسيم وترتيب المحاور وفق شعب الإيمان وخصالها، حيث قال الأستاذ ياسين: “نرتب مراحل التربية والتنظيم والجهاد ونحسب سبعاً وسبعين شعبة متدرجة ما فيها حرف واحد خارج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أتينا بالترتيب فقط لمقاصد تربوية تنظيمية”([5])، فكان عرضها عرضاً إيمانياً.
وقد استمدت نظرية المنهاج النبوي هذه المعاني من نصوص الكتاب والسنة النبوية، فجاء اعتماد التربية الإيمانية في نظرية المنهاج النبوي مبنياً على الأسس الشرعية؛ ذلك أن الإسلام أقام للتربية الإيمانية مكاناً علياً، فجعلها محور الأحكام والتشريعات، حيث ما كانت هذه الأحكام والتشريعات إلا تحقيقاً للعبودية المطلقة لله تعالى بالتسليم الكامل، والإيمان الجازم، والاعتقاد الراسخ بربوبيته وألوهيته وحاكميته، يقول الله تعالى:«وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ»(الذاريات: 56).
فالغاية من التربية الإيمانية([6]) تحقيق العبودية لله تعالى بشكلها الأمثل والأكمل، فهي تعمل على تفعيل الالتزام بالأحكام الشرعية -الأوامر والنواهي- فيتلقى الفرد المسلم حكم الله تعالى بتقبل ورضى وتسليم، ويؤمن بأن في هذا الحكم تحقيقاً لمصالحه في الدارين، والفرد في التزامه يعظم أمر الله تعالى وحكمه «وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» (الحج: 32)، وهذا بخلاف الالتزام بالقوانين الوضعية، حيث لا يسعى المشرع القانوني إلى هذا النوع من التربية، وهو في أحسن أحواله يعمل على توعية الفرد بهذه القوانين، ويبين وجه المصلحة فيها لتفعيل الاستجابة والالتزام بها.
وقد أكد الأستاذ ياسين هذا المعنى بقوله: “رسالتنا لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد. أن يكون ابتغاء رضاه، والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه، والنظر إلى وجهه الكريم، منطلق الإرادة، وحادي المسارعة وقبلة الرجاء. هذا معنى أن الإسلام دعوة إلى الله، دعوة إلى الاستسلام بين يديه، نحب لقاءه، ونطيع أمره، ونقبل حاكميته، ونجاهد لإعلاء كلمته، ونطلب الاستشهاد في سبيله”([7]).
ومن هنا جاءت أحكام الله تعالى مبنية على أساس إيماني، فبعد أن أثبت الله تعالى أن الحكم له بقوله عز وجل: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» (الأنعام: 57)، سواء كان وحياً أو اجتهاداً، ذكَّر الله تعالى أن الالتزام بهذه الأحكام مرتبط دائماً بالإيمان، ولذا يجيء الخطاب القرآني عند ابتداء تشريع بنداء الإيمان: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا»، يقول سيد قطب رحمه الله تعالى في هذا الربط: “إنه النداء العلوي للذين آمنوا، نداؤهم بالصفة التي تربطهم بمصدر النداء، والتي تلقي عليهم هذه الأعباء، والتي تؤهلهم للنداء وتؤهلهم للأعباء، وتكرمهم في الأرض كما تكرمهم في السماء”([8]).
كما أبان الخطاب القرآني في مواضع متعددة عن الغاية من تشريع الأحكام: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، أي “لعلكم تصيرون إلى تلك الصورة المختارة من صور البشرية، صورة العابدين للّه، المتقين للّه، الذين أدوا حق الربوبية الخالقة، فعبدوا الخالق وحده رب الحاضرين والغابرين، وخالق الناس أجمعين”([9]).
وجاء هذا الخطاب وأمثاله مكرراً في مواضع كثير ومتعددة ليوجه “النظر إلى حقيقة هذا الدين .. إنه وحدة لا تتجزأ .. تنظيماته الاجتماعية، وقواعده التشريعية وشعائره التعبدية .. كلها منبثقة من العقيدة فيه، وكلها نابعة من التصور الكلي الذي تنشئه هذه العقيدة، وكلها مشدودة برباط واحد إلى اللّه، وكلها تنتهي إلى غاية واحدة هي العبادة: عبادة اللّه الواحد، اللّه الذي خلق، ورزق، واستخلف الناس في هذا الملك، خلافة مشروطة بشرط: أن يؤمنوا به وحده، وأن يتوجهوا بالعبادة إليه وحده، وأن يستمدوا تصورهم ونظمهم وشرائعهم منه وحده، وهذا الدرس بمجموعة الموضوعات التي يحتويها، والتعقيبات التي يتضمنها، نموذج واضح لهذا الترابط المطلق في هذا الدين”([10]).
ولم تقتصر الغاية من التربية الإيمانية في نظرية المنهاج النبوي على تحقيق العبودية المطلقة لله تعالى، وممارسة وظيفة الاستخلاف على الوجه الأمثل، بل تعدت الغاية -كما أبان الأستاذ ياسين- إلى أمور أخرى، منها:
- اطمئنان القلب وراحة النفس وفي ذلك يقول الأستاذ ياسين: “نعمة الهدوء النفسي والطمأنينة التي تصبو إليها الفطرة البشرية، والتي لا تحصل إلا بذكر الله بعد الدخول في الإسلام وتعلم الإيمان”([11])، ودليل ذلك قول الله عز وجل: «الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (الرعد: 28)، فالإيمان يطمئن القلوب، ويريح النفوس من أعباء الدنيا وأحمالها، وهذا بدوره يؤدي إلى حماية الفرد المسلم من الأمراض النفسية والعصبية.
- تنقية المجتمع من الفحشاء والمنكر، إذ إن الطمع بما عند الله تعالى والخوف من عقابه، يؤدي إلى صلاح الفرد وردعه عن الآثام والمعاصي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم”([12])، فالإيمان يرتقي بالفرد المسلم، ويجنبه الوقوع في الفواحش والمنكرات، يقول الله عز وجل: «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» (العنكبوت: 45).
- الرضى بما قسم الله تعالى للمؤمن، يقول الأستاذ ياسين عن هذه الغاية الإيمانية: “ينبغي أن تتجلى التربية الإحسانية في الموقف القوي، موقف السكينة والثبات والقَبول والرِّضى بالقضاء”([13])، فيَقبل المؤمن بنصيبه بعد سعيه فيه، ولا يتعدى إلى غيره، ولا ينظر إليه نظرة طامع حاسد، وهذا المعنى مؤيد بنصوص الكتاب والسنة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا”([14])، وقوله صلى الله عليه وسلم: “ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس”([15])، فتسكن النفوس وترضى بقضاء الله تعالى وقدره ويتحصن المجتمع من الجرائم وأسبابها وآثارها، وتستقر أحوال الناس وأعمالهم، بل تزدهر وترتقي.
- تحرير النفس البشرية من الكثير من الآفات والأمراض، ومن ثم الارتقاء بها لتكوين شخصية الفرد المسلم تكويناً متوازناً ومتكاملاً، ومن هذه الآفات والأمراض: الكِبْر، والخوف من الغير، والتمرد على الحق، والهوان، والجهل، والشدة في غير موضعها، والغلظة، والظلم، والأثرة، والانسياق وراء الغرائز، والسخط، واللامبالاة، والعُجب، والقلق، وطلب الانتقام وعدم التسامح، والجبن، والتشاؤم، وغيرها من الأمراض والآفات، فيعمل الإيمان على تحرير النفس منها. وكلما زاد الإيمان وارتقت القيم الإيمانية في النفس البشرية كلما كانت أبعد عن هذه الآفات وآثارها فتتكون الشخصية المثالية ويتكامل بناؤها وتكوينها ويتزن. وقد أكد الأستاذ ياسين هذه الغاية الإيمانية وفصّل فيها القول في مواضع كثيرة ومتعددة منها قوله: “هذه الشخصية الإيمانية الإحسانية الصابرة المُصْطَبِرةُ المثالية أَلْيَقُ شيء بمجتمع ملائكي أخويٍّ سماويٍّ منزه عن التدافع والتقاتل والتحاسد والتباغض الأرضية”([16]). ويقول أيضاً: “إن صدأ الحضارة الحسية المتقاطر علينا لا بد أن يُمسَح من العقول والقلوب بتربية إيمانية إحسانية”([17]). فكانت الوقاية من هذه الأمراض غاية للتربية الإيمانية ومقصد من مقاصدها.
وبعد هذا البيان للأساس التشريعي والبعد الغائي للتربية الإيمانية لا بد من الإشارة إلى أن التربية الإيمانية في نظرية المنهاج النبوي تقوم على شقين:
الأول: ترسيخ القيم الإيمانية في النفس البشرية وتعميق مفهومها، وهي المتمثلة بالإيمان بالله تعالى والحقائق الإيمانية، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصحح مفاهيمها ويرسخ وجودها في النفوس ومن ذلك ما روي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما شاء الله وشئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أجعلتني لله عدلاً، قل: ما شاء الله وحده”([18]). ويبين الأستاذ ياسين أهمية تحقيق التربية الإيمانية وإيجادها بقوله: “التربية الإيمانية عملية على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوءه فيه وتمكنه ورجولته، ولا جهاد بلا تربية”([19]).
الثاني: ربط تصرفات الفرد المسلم ونشاطه بهذه القيم الإيمانية بحيث تبقى حاضرة أبداً، يقول الأستاذ ياسين في تأكيد هذا المعنى: “معنى الحل الإسلامي أن يهيمن شرع الله بأحكامه، والإيمان بالله بكل شعبه، على كل حركات المجتمع وعلاقاته ونشاطاته، في القضاء، في الحكم، في الجيش، في الإدارة، في الشرطة، في التربية، في الشباب، في إنصاف المرأة، في قوامة الرجل، في الأموال والاقتصاد، في الحياة اليومية، في علاقات المسلمين مع الصديق والعدو، في الأسرة والبيت، في القطر وعبر الأقطار … نحتاج أن تحتل القيم الإيمانية في كل مجال، وتملأ فراغا كبيرا على كل مستوى”([20])، وهذا المعنى مستمد من الشرع فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم دائم الربط بين الإيمان والسلوك، من ذلك ما روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا غيرك بعدك. قال: قل آمنت بالله ثم استقم”([21])، ومنه وصيته صلى الله عليه وسلم لابن عباس بقوله: “ياغلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف”([22]).
ولا يمكن للتربية الإيمانية أن تتحقق وأن تؤتي ثمارها إلا بتحقيق هذين الشقين على التوالي، فلا بد من إيجاد الشق الأول، ثم الثاني، ولذا كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة تتمحور حول ترسيخ القيم الإيمانية وتقعيدها في النفوس، ولما جاءت المرحلة المدنية بدأت الأحكام والتشريعات التفصيلية تتوالى وتبنى على القيم الإيمانية التي رسخت في النفوس.
ولا يعني ذلك إهمال القيم الإيمانية بعد إيجادها، بل لا بد من تنميتها واستمرار ترسيخها، يقول الأستاذ ياسين: “التربية أولاً ووسطاً وآخراً ولا آخراً ودائماً”([23])، ولذا جاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية زاخرة بالتدابير والتوجيهات والوصايا الإيمانية في العهد المدني بأساليب متعددة ووسائل متنوعة وعلى كل صعيد، مما يؤكد على ضرورة استمرار التربية الإيمانية وترسيخ قيمها في الفرد والمجتمع المسلم.
وسائل التربية الإيمانية وأساليبها في نظرية المنهاج النبوي
لما كانت التربية الإيمانية بهذه الأهمية والمكانة العالية، شرع الإسلام لها وسائل كثيرة وأوجب الكثير من الأحكام لتحقيقها وإيجادها واستمرار بقائها فردياً وجماعياً، وذلك بترسيخ القيم الإيمانية بالنفس وربط الالتزامات الشرعية بها، وقد اعتمدت نظرية المنهاج النبوي هذه الوسائل والأساليب التربوية لكونها نظرية دعوية مستقاة من الكتاب والسنة، وأسوق هنا مجموعة من الوسائل والأساليب التي شرعت لتحقيق التربية الإيمانية.
أولاً: الشعائر التعبدية
تُعد الشعائر التعبدية أعظم وسائل التربية الإيمانية، فهي تربط بين الإنسان وخالقه بشكل مباشر، وتجعله في حالة اتصال دائم ومستمر مع الله تعالى، وتشعره بالراحة والطمأنينة والسكينة، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا أراد إقامة الصلاة: “يابلال أقم الصلاة أرحنا بها”([24])، كما تعمل على تصفية النفس البشرية من كل الآثام والمعاصي والأمراض والآفات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات”([25])، وهي تذكر الإنسان بعبوديته لله تعالى وخضوعه أبداً لحكمه وشرعه، فيخرج الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
ومن هنا نجد نظرية المنهاج النبوي قد ارتكزت إلى حد كبير على هذه الوسيلة لتحقيق التربية الإيمانية، فاعتمدت الشعائر التعبدية منهجاً في التربية والبناء كالذكر وتلاوة القرآن والصلاة والصيام وغيرها من الشعائر.
ثانياً: القدوة
إن التربية بالقدوة لها أثر بالغ في النفس البشرية، وما جعل الله تعالى الرسل بشراً إلا ليقتدي الناس بهم، يقول الله عز وجل: «أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ» (الأنعام: 90)، ويقول تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (الأحزاب: 21)، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم “ترجمة عملية بشرية حية لحقائق القرآن وتعاليمه وآدابه وتشريعاته، ولما فيه من أسس تربوية إسلامية وأساليب تربوية قرآنية”([26]).
يقول الأستاذ ياسين في اعتماد هذه الوسيلة كأساس في التربية: “المؤمن المسؤول حوله تتألف الجماعة، يشيع فيها بنورانية قلبه معاني الإيمان، وبلطف معشره ولين جانبه المحبة، وبصرامة إرادته وضبطه الثقة. هو المجاهد القادر على بعث الإرادة الجهادية في الآخرين، وعلى توجيه التربية والحركة قبل قيام الدولة الإسلامية وبعدها … حامل أعباء التربية والجهاد ينبغي أن يكون مركز إشعاع إيماني”([27])، ويقول أيضاً: “وظيفة التربية بالقدوة والمثال والتعليم هي المهمة الأولى والدائمة لكل المؤمنين”([28]).
ثالثاً: الموعظة والعبرة
يُعد أسلوب الموعظة والعبرة من أساليب ووسائل التربية الإيمانية، وقد استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وعلى وجه مستمر مع حسن توظيفه باستغلال أفضل الفرص والأوقات، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا”([29]).
وقد اعتمد الأستاذ ياسين هذه الوسيلة الإيمانية في نظرية بقوله: “الشعبة السادسة والأربعون: التعليم بالمواعظ والقصص … الموعظة تذكير بالله، وباليوم الآخر، وبما فرض الله على المؤمنين والمسلمين. والموعظة إذكاء للهمم، وتوجيه نحو السلوك الإيماني الحكيم”([30]).
رابعاً: استثمار الحدث
يُعد استثمار حادثة وواقعة ما وتوجيهها تربوياً لتعميق القيم الإيمانية، وترسيخها في النفوس من أفضل وسائل التربية الإيمانية وأبعدها أثراً، فالحدث يمثل جزءاً من حياة المتربي، فإذا أُحسن توجيهه واستثماره في تنمية قيمة إيمانية فإنه ينقلب إلى قوة داخلية مؤثرة تغير مجرى حياة الفرد تغييراً جذرياً؛ “لأنها تؤثر في النفس تأثيراً خاصاً هو أقرب للانصهار، وذلك لأن الحادثة تثير النفس بكاملها، وترسل فيها قدراً من حرارة التفاعل والانفعال يكفي لصهرها أحياناً أو الوصول بها إلى قرب الانصهار، وتلك حالة لا تحدث كل يوم في النفس، وليس من اليسير الوصول إليها والنفس في راحتها وأمنها وطمأنينتها مسترخية أو منطلقة في تأمل رخي”([31]).
وقد استعمل القرآن الكريم أسلوب استثمار الحدث في تربية النفس وتزكيتها، ومن ذلك حادثة الإفك، فبعد أن خاض فيه الخائضون، واضطرب أهل المدينة فيه شهراً كاملاً إلى أن أنزل الله تعالى حكمه بالبراءة وصف الله تعالى هذا الإفك بقوله: «إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» (النور: 11)، فالخيرية في هذا الإفك الأليم تكمن في آثاره لا في الإفك نفسه، ذلك أن التوجيه القرآني للمواقف المختلفة والمتناقضة كان له أبعد الأثر في تصحيح المفاهيم وتعميق القيم وإثبات الأحكام، فلا يمكن أن يصل أثر وسيلة تربوية أخرى إلى الحد الذي وصل إليه استثمار هذه الحادثة في تعميق المعاني والقيم والأحكام التي وردت في هذه الآيات.
وقد أشار الأستاذ ياسين إلى أهمية استثمار الحدث في تعميق الإيمان وتقويته، حيث نبّه إلى أن الوسيلة التربوية يختلف تأثيرها باختلاف الحال والظرف حيث قال: “ذكرُ الله في سعةالعافية وأمن المسجد والخلوة ذكر عظيم لكن ذكر الله في ساحة الوغى، والعدوُّ محيط، والخوف سار في الأفئدة، ذكرٌ أكبر”([32])، ويقول أيضاً: “ويكون ذكر الله أعظم إن كانت دواعي الغفلة وأزمة الموقف أشدَّ”([33]) فلا بد من استثمار الحدث لتحقيق التربية الإيمانية.
رابعاً: العلم
يُعد التعلم وطلب العلم من أهم وسائل التربية الإيمانية، يقول الله عز وجل: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» (فاطر: 28)، ومعلوم أن الخشية من الله تعالى من أسمى القيم الإيمانية وأجلى معاني الإيمان، فإذا كانت الخشية من الله تعالى من آثار العلم، فإن العلم من أهم وسائل التربية الإيمانية، ولذا أوجب الشرع على الناس التعلم وطلب العلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:”طلب العلم فريضة على كل مسلم”([34])، كما رفع الله تعالى قدر العلماء وأهل العلم بقوله عز وجل: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (الزمر: 9).
ومن هنا نجد الأستاذ ياسين قد جعل العلم سبيل الإيمان بقوله: “العالم العامل يتلقى العلم ينشد كمال علمه وإيمانه([35])”، أي أننا بالعلم ننشد الإيمان، ويقول أيضاً: “وظيفة التربية بالقدوة والمثال والتعليم هي المهمة الأولى والدائمة لكل المؤمنين”([36])، أي أن التربية تتحقق بالتعليم كما تتحقق بالقدوة.
خامساً: العقوبة
تُعد العقوبة من الوسائل التربوية الضرورية، لكن لا بد من حسن استعمالها، وذلك بإيقاعها في كيفية وزمن مناسبين، حتى تعطي أثرها ولا يرتد الأمر إلى عقبه، وقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على هذه الوسيلة وهو قوله تعالى: «وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ» (النساء: 34)، وورد أيضاً في السنة النبوية وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين”([37]).
وقد نبّه الأستاذ ياسين إلى أهمية العقوبة باعتبارها وسيلة تربوية لعلاج بعض الأمراض قائلاً: “في دولة القرآن والشورى يتعامل أهل الإيمان القائمون بالقسط بمقتضى الإيمان، فهم يتوكلون على الله حق التوكل، ويجتنبون كبائر الإثم والفواحش، يتطهرون منها، ويُطهرون منها المجتمع. وهم رفيقون بالأمة، رحماء صابرون، يعالجون أمراض المجتمع بتؤدة وحنو قبل أن يعالجوها بالعقوبة”([38]).
سادساً: الصحبة والجماعة
تُعد الصحبة المؤمنة من أفضل وسائل التربية الإيمانية وأعمقها أثراً، ولما كانت الشعائر التعبدية من أهم وسائل التربية الإيمانية فقد شرعت لتؤدى جماعياً، كالصلاة والصيام والحج وغيرها، ولذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الجماعة وأوجب التزامها، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: “عليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية”([39])، وقوله صلى الله عليه وسلم:” إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة”([40]). وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم التزام الجماعة طريقاً للقيام بأمر الله تعالى وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس”([41])
فظهر بذلك أن التزام الجماعة والصحبة من أهم وسائل التربية الإيمانية ومن هنا جاءت نظرية المنهاج النبوي لتؤكد هذا الأمر، فنبّه الأستاذ ياسين في مواضع متعددة على ضرورة التربية الإيمانية الجماعية ومن ذلك قوله: “فالتجديد المطلوب للأمة هو تجديد بواعثها لتقوم، أفراداً تجدد إيمانهم بالتربية، وجماعة تجددت قوتها بتجدد بواعث أعضائها الإيمانية”([42]). ويقول أيضاً: “حصول الإنسان في مرحمة الجماعة، باكتشافه أخوتها الدافئة الرفيقة الباذلة الحنون، يحصل الخصلة الأولى: الصحبة والجماعة، ثم يترقى من خصلة إلى خصلة حتى يحصل الخصلة العاشرة وهي: الجهاد. وبذلك تكون تربيته تمت، وعضويته في تنظيم جند الله استوثقت، وبتحصيل جند الله جماعة لفضائل شعب الإيمان يكون التنظيم قد استوفى خصائص حزب الله المنصورين الغالبين”([43]).
وبناء على ذلك لم تكن التربية الإيمانية مطلباً شرعياً موجهاً إلى الفرد خاصة، بل هو مطلب شرعي موجه إلى الفرد والجماعة معاً، أي أن التربية الإيمانية واجب شرعي يوجه التكليف به إلى الفرد في خاصة نفسه، ويتوجه التكليف به إلى الجماعة لتحقيقها في أفرادها أيضاً. أما ثبوت تكليف الفرد بها فبما سبق بيانه، وأما ثبوت تكليف الجماعة بها، فأدلته من النصوص الشرعية أكثر من أن تحصى، ومن ذلك:
- قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الخروج على الإمام الظالم: “لا ما أقاموا فيكم الصلاة”([44])، فيجب على الإمام إقامة الصلاة في الناس، أي أن يقيم أمرها فيهم، وإلا جاز الخروج عليه لتركه إياها.
- قول النبي صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال، فأحرق عليهم بيوتهم”([45]). ففي النصين السابقين دلالة واضحة على أن الجماعة وإمامها مطالبون بتحقيق التربية الإيمانية في الأفراد، ذلك أن الصلاة لما كانت من أعظم العبادات، فإنها من أهم وسائل التربية الإيمانية، فإذا كانت إقامة الصلاة في الناس واجبة على الإمام، فإن تحقيق التربية الإيمانية في الأفراد واجب شرعي على الجماعة وإمامها.
- أمر الله تعالى الإمام بإقامة العقوبات على من وقع في موجباتها، ولما كانت العقوبة من وسائل التربية الإيمانية كان تحقيقها في الأفراد واجباً على الإمام.
- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب: هذه القاعدة من القواعد الأصولية المقررة الثابتة، فإذا علمنا أن التربية الإيمانية لا تتحقق على الوجه الأكمل إلا إذا أقامها الإمام في الناس؟، كان تحقيقها في الأفراد واجباً على الإمام والجماعة.
- إن من المقرر شرعاً أن إثم ترك الواجبات الكفائية يعود على الإمام في الغالب العام، ذلك أن متابعة إقامتها من قِبَل الأفراد متعذر وغير ممكن، فوجب على الإمام مراقبة أدائها وحمل من قدر عليها على القيام بها، بل يجب عليه تهيئة الأسباب اللازمة لأدائها، فإذا قصر في ذلك كان ذلك من الأسباب المبيحة لعزله وخلعه. ومن الواجبات الكفائية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإفتاء ،وتعليم الناس العلوم الشرعية، ومتابعة إقامة الشعائر التعبدية العامة، وغير ذلك من الواجبات، وهي بدورها تعد من وسائل التربية الإيمانية ومحققة لها، فلما كان أمر إيجاد هذه الوسائل منوطاً بالإمام كان تحقيق التربية الإيمانية في الأفراد واجباً على الإمام والجماعة.
فتقرر بذلك أن التربية الإيمانية مطلب شرعي موجه إلى الفرد والجماعة على حد سواء، ولذا اعتمدت نظرية المنهاج النبوي التربية الإيمانية الجماعية، بل تعدى الأمر إلى جعل الصحبة والجماعة شرطاً في تحقيق التربية حيث قال الأستاذ ياسين: “شروط التربية: …. الشرط الأول في نجاح التربية وجود صحبة وجماعة تتلقى الوارد عليها في رحاب المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة”([46])، وفي تأكيد معنى الشرطية يقول أيضاً: “إذا كان تهذيب النفس وترويضها على الزهد في الدنيا أصلاً من أصول التربية الإيمانية الإحسانية وشرطاً من شروطها في خاصة الفرد المؤمن الذي نفض يده من كل شيء ليتفرغ لطلب الله في رفقة محدودة بعيدا عن المجتمع، فإن مشروطيَّتها آكدُ، وتحقيقها أبعد منالاً، في حق المؤمنين العاملين جماعة، القائمين جماعة، لإحقاق الحق وإظهار دين الله”([47]).
وفي ختام هذا المبحث نخلص إلى نتيجة مهمة وهي أن التربية الإيمانية من الضروريات الشرعية وهي محور الأحكام والتشريعات، ويجب على الفرد تحقيقها في نفسه كما يجب على الجماعة وإمامها تحقيقها في الأفراد.
المبحث الثاني: التربية الإيمانية ضرورة تنظيمية في نظرية المنهاج النبوي
اعتمدت نظرية المنهاج النبوي التربية الإيمانية في البناء والتنظيم على أسس شرعية، فكانت مستندها ومبناها، إلا أن النظرية أضافت إليها أسساً أخرى لتأكيد ضرورتها وتدعيم وجودها، وهذه الأسس عبارة عن دواعٍ تنظيمية فرضتها ظروف العمل الدعوي. حيث تواجه الحركات الإسلامية على وجه العموم والحركات الإسلامية التي تعتمد المنهج المتكامل في التربية والبناء وفق إطار تنظيمي هرمي على وجه الخصوص حرباً لا هوادة فيها من قبل خصومها، تُستخدم فيها كافة وسائل الإضعاف والتدمير، ولذا وجب على هذه الحركات أن تعمل على حماية نفسها وأفرادها من هذه المكائد. يقول الأستاذ ياسين: “هناك خطر احتواء الموجة الإسلامية بإفساد الرجال، والكيد للحركة، والانحراف بها. ولكن متى كانت التربية إحسانية، وكان الجند وقادة الجند ربانيين، فإن لعبة الاحتواء تنفضح وتنهزم آخر الأمر”([48]). فتُعد التربية الإيمانية من أهم وسائل الوقاية والحماية إذ إنها تمنح الفرد والجماعة مناعة تقي من الوقوع في مكائد الخصوم.
إضافة إلى ذلك فإن الأمراض والآفات الحركية التي تضرب البنى التنظيمية للجماعات الإسلامية تُعد من أهم الدواعي التنظيمية للتربية الإيمانية، وكلما زاد حجم عمل الحركات الإسلامية واتسع نطاقه وظهرت قوتها كلما زاد احتمالية ظهور هذه الأمراض والآفات، ولذا أفرد الأستاذ ياسين مبحثاً خاصاً لهذا الموضوع في الفصل الرابع من النظرية أسماه (أمراض التنظيم)، وقد استفاض فيه بياناً وتفصيلاً ومعالجة.
وعليه فلا بد للحركات الإسلامية أن تؤسس لمنهج وقائي يحفظ البنية التنظيمية على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة أيضاً من خلال تربية متكاملة، تشمل أهم عناصرها وهي التربية الإيمانية.
وأسوق هنا الدواعي التنظيمية للتربية الإيمانية، مستخلصاً إياها من نظرية المنهاج النبوي، وفي سبيل تحقيق ذلك أطرق مسألتين مهمتين:
المسألة الأولى: الدواعي التنظيمية للتربية الإيمانية من خلال نظرية المنهاج النبوي
المسألة الثانية: تطوير وسائل التربية الإيمانية في الأطر التنظيمية
المسألة الأولى: الدواعي التنظيمية للتربية الإيمانية من خلال نظرية المنهاج النبوي
تُعد التربية الإيمانية من الضروريات التنظيمية، وقد ثبت هذا بالشرع أولاً، وبالتجربة التي مرت بها الحركات والتنظيمات الإسلامية ثانياً، يقول الأستاذ ياسين: “إن الخلل الذي يحدث في التربية ينتج عنه خلل في التنظيم”([49])، ولذا فإن الجماعة ممثلة بإمامها وأميرها مكلفة بتحقيق التربية الإيمانية في أفرادها من الناحية الشرعية، وأسوق هنا طائفة من الدواعي التنظيمية التي تقضي بضرورة تحقيق التربية الإيمانية في أفراد الجماعة:
أولاً: قوة التأثير
تعطي التربية الإيمانية المثلى للداعية قوة كبيرة في التأثير والإقناع، فعموم الناس متدينون بالفطرة، ويتأثرون بمن ظهرت عليه السمات الإيمانية أكثر من غيره، ولو كان أضعف حجة ومنهجاً، وتراهم في كثير من الأحيان يتوجهون بالسؤال والفتوى إليه دون غيره ممن هو أعلى رتبة في العلم والفهم.
وقد كان تأثير النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه كبيراً فهو أعلى مراتب الناس إيماناً وأكملهم، وقد وصل الأمر بتأثيره صلى الله عليه وسلم إلى أن الصحابة كانوا يبكون من شدة تأثرهم بكلام النبي صلى الله عليه وسلم في المواقف الشداد، ومن ذلك ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسّم الغنائم بعد حنين، فأعطى المؤلفة قلوبهم وخصهم بالعطية، تكلم بعض الأنصار في ذلك، ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم مقولتهم جمعهم وقام فيهم خطيباً، فكان مما قال: “يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، … ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله … أما والله لو شئتم لقلتم ولصَدَقْتم ولصُدِّقتم: أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، … ألا ترضون يامعشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم، … لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، … لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار شعباً لاخترت شعب الأنصار، … اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار”، فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم وقالوا: “رضينا برسول الله قسماً ونصيباً”([50]). وقد وصف الله تعالى اجتماع الصحابة حول النبي صلى الله عليه وسلم وتأثرهم به حيث قال عز وجل: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ” (آل عمران: 159).
وعليه فإن الحركات الإسلامية تكون أكثراً تأثيراً إذا ما اعتمدت التربية الإيمانية منهجاً وأساساً في تربية أفرادها ودعاتها، وهذا ما قرره الأستاذ ياسين بقوله: “ولأن خطابنا القرآنيَّ المنهاجيَّ يلتقي بالفطرة السليمة عند المسلم والمسلمة نُكوِّنُ رحمة إحيائية، معها وبها تنبعث القوى الإيمانية المحركة للجماهير”([51]).
ثانياً: البركة
إن قوة التربية الإيمانية تزيد الدعوة وقوداً واشتعالاً، حيث يبارك الله تعالى فيها، ويزيدها انتشاراً وقبولاً، وكم من دعوات اضطهدت وضيق عليها، ففتح الله على أهلها وبارك لهم في دعوتهم، وانتشرت في الأرض وامتدت حتى بلغت أرجاء المعمورة كلها، يقول الله عز وجل: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ” (الأعراف: 96)([52]).
وقد أكد الأستاذ ياسين هذا الأمر بقوله: “وشرط هذه الكرامة (البركة) الإيمان والتقوى، … وإنما تأتي البركة من السماء والأرض يوم تنبري الأمة بقيادة طليعتها من جند الله للجهاد في سبيل الله … إنما تحل البركة على المؤمنين المتقين”([53]). فجعل البركة كرامة لا تعطى إلا للمؤمنين.
وعليه فإن على الحركات والجماعات الإسلامية أن تعتمد منهج التربية الإيمانية لأفرادها حتى تكتسي دعوتها بركة يفتح الله بها عليهم، فتنتشر الدعوة ويعلو شأنها.
ثالثاً: توفيق الله تعالى إلى أصوب الأعمال
إذا قبل الله تعالى عبداً من عباده وارتضاه من الصالحين المقربين فإن الله تعالى يهديه إلى أصوب الأعمال، ويلهمه إلى أفضل الطرق، أما المعاصي فإنها تُذهب بنور القلب فلا يهتدي العاصي إلى طريق الحق، وتغلق دونه أبواب الرشاد، وقد قرر الإمام الشافعي هذه القاعدة بقوله:
| شكوت إلى وكيع سوء حفظي | فأرشدني إلى ترك المعاصي | |
| وأخبرني بأن العلم نور | ونور الله لا يهدى لعاصي |
وقد نبّه الأستاذ ياسين إلى أن ضعف التربية الإيمانية والإخلال بها يؤخر النصر، فقال: “إن أخللنا في التربية فلا يصح أن ننتظر نصراً من الله”([54])، وعليه فإن للتربية الإيمانية دوراً كبيراً في نيل رضى الله تعالى وحبه، فإذا أحب الله جماعة ورضي عنها هداها إلى أفضل الوسائل الدعوية، وأرشدها إلى حسن التعامل مع قضاياها ومشاكلها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحركية، ووقاها من الآفات والمشاكل التنظيمية.
رابعاً: الاندفاع والانطلاق في الدعوة
يُعد الإيمان حافزاً قوياً للانطلاق في العمل الدعوى، وعاملاً مؤثراً في سرعة الاستجابة والإقبال، وذلك لأن الإيمان يرفع الهمة في طلب الأجر والثواب، ويرسخ في القلب أحقية دين الله تعالى وصدق الدعوة، فيُقبل الفرد على الدعوة إلى الله تعالى والعمل لدينه ورفع رايته.
وقد ورد في السيرة النبوية الكثير من مواقف الصحابة التي تدل على أن تجدد الإيمان كان دافعاً قوياً للانطلاق في الدعوة، ومن ذلك ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه لما نزل قول الله تعالى: «الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ» (الرحمن: 1-2) خرج عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يتلوها نهاراً بصوت عال قرب أندية قريش يريد إسماعهم، حتى أتوا إليه فجعلوا يضربون وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ من السورة ما شاء الله تعالى أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه([55])، فهذا الموقف من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يدل على أن الإيمان يدفع الفرد المسلم إلى الانطلاق للدعوة إلى الله تعالى وتحمل ما يلاقيه من عنت في سبيلها.
ولذا فإن التربية الإيمانية من ركائز العمل الدعوي، وقد قرر الأستاذ ياسين هذا المعنى بقوله: “متى قوي الإيمان في القلب بتجديده اشتدت بواعث العمل الصالح، فالتجديد المطلوب للأمة هو تجديد بواعثها لتقوم، أفراداً تجدد إيمانهم بالتربية، وجماعة تجددت قوتها بتجدد بواعث أعضائها الإيمانية”([56])، فهذا يدل على وجود علاقة واضحة بين قوة الإيمان واشتداد بواعث العمل الدعوي.
خامساً: الوقاية من الأمراض والآفات الحركية والتنظيمية
يعتري عمل الحركات والجماعات الإسلامية الكثير من الأمراض والآفات الحركية والتنظيمية، فلا تخلو جماعة أو تنظيم إسلامي منها حيث تظهر وتطفو على ساحة العمل الإسلامي، ومما لا شك فيه أن هناك رابطاً بين التربية الإيمانية وهذه الأمراض، وهي علاقة عكسية، أي أن الأمراض تزداد بضعف التربية الإيمانية، وفي المقابل تقل بقوة التربية الإيمانية، وقد نبّه الأستاذ ياسين على هذه العلاقة بقوله: “أدوى الداء المتربص بجماعة جند الله الغفلة عن الله”([57])، فالغفلة عن الله تعالى دليل وهن التربية الإيمانية، وهذا بدوره يؤدي إلى ظهور الأمراض والآفات الحركية والتنظيمية وانتشارها واستفحالها.
وأسوق هنا بعض هذه الآفات الحركية، مبيناً كيف تكون التربية الإيمانية عاملاً وقائياً في منع ظهورها، ومنهجاً علاجياً في بتر أثرها وإيقاف ضررها، مستخلصاً ذلك من نظرية المنهاج النبوي.
- ظهور النزاعات الفردية في العمل الدعوي: تنتشر في ساحة العمل الإسلامي النزاعات الفردية في التنظيم الواحد، حيث يقوم هؤلاء الأفراد بامتهان النقد السلبي، فتنتشر بينهم الغيبة والنميمة، وتتبع العورات، وانتظار السقطات، وتطاول الألسن، والطعن في الأعراض، ويشيع ذلك بينهم وينتشر، بل يصل الأمر إلى تبريره واستساغته والتدليل عليه شرعاً بحجة وجوب التصحيح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من المبررات الحركية والتنظيمية والشرعية. والحق أن هذا من أعظم الابتلاءات التي تعتري الحركات الإسلامية على اختلافها وتنوعها، فتتصدع الصفوف وتضعف الدعوة ويتغلب أعداؤها عليها.
ولا يمكن للدعوة أن تتخلص من هذه الآفة إلا بالتركيز على التربية الإيمانية في مناهجها وبرامجها وأطرها التنظيمية، فتكون بذلك منهجاً وقائياً، وذلك بالتركيز على آفات اللسان واستعمال الأسلوب القرآني والنبوي في الترهيب منها كقول الله تعالى: «وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ» (الحجرات: 12)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم”([58]).
كما يجب أن تستخدم التربية الإيمانية للعلاج أيضاً من خلال رأب الصدع وجمع الكلمة، وقد وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يسارع إلى وأد الفتن كلما ظهرت بالتذكير بالمعاني الإيمانية وقيمها، حتى غدى علاج النبي صلى الله عليه وسلم “ما بال دعوى جاهلية … دعوها فإنها منتنة” شعاراً للمربين والمصلحين. ويؤكد الأستاذ ياسين هذا المعنى في مواضع كثيرة منها قوله: “على قدر ترسُّب العوامل المفرقة، وعلى قدر فتكها وإضرارها تكون الحاجة إلى تعميق التربية الإيمانية”([59])، ويقول أيضاً: “كلما شجر بين المؤمنين خلاف، ونشب نزاع، وهبت رياح الهوى، وماجت مظلمات بحر الأنانية، فليعلم المؤمنون أن إيمانهم نقص بمقدار ما ابتعدوا عن الأخوة واللين بينهم”([60]).
- ظهور التكتلات المتنازعة ومراكز القوى المتصارعة: لا تكاد تخلو حركة من الحركات الإسلامية إلا ويظهر فيها تكتلات ومراكز قوى تتباين في فكرها ومنهجها في العمل والدعوة، وهذا أمر طبيعي ومن خصائص البشر، لكنه ينقلب في أحيان كثيرة إلى آفة خطيرة حيث يتحول الاختلاف إلى خلاف ونزاع وصراع على قيادة الحركة أو على مراكز القوة ومؤسسات الحركة، وهذا بدوره يضعف القيادة في السير بالدعوة، فإن كانت القيادة من أحد أطراف النزاع فإن الطرف الآخر سيعوق عملها وينقض غزلها، وإذا كانت من جهة محايدة فإن جهدها سيضيع في ضبط النزاعات، وتحقيق التوازنات، والتطلع إلى حسم الخلاف، فإذا عجزت عن ذلك -وهو ما يحدث كثيراً- فإن هيبتها تضيع، والتزام أفرادها يقل، وتهتز الثقة بها، وإضافة إلى هذه الأخطار، فإن أعظم أضرارها أن يتحكم أعداء الدعوة بها عن طريق إدارة الصراع الواقع بين مراكز القوى بغية إضعافها إلى حد إسقاطها وانهيارها.
ولا يمكن التخلص من هذه الآفة الفتاكة في العمل الدعوي إلا باعتماد منهج التربية الإيمانية، مع التركيز على بيان أسس فقه الاختلاف وتقبل الرأي الآخر واحترام الاجتهادات الفكرية والحركية، واعتماد مبدأ الشورى، وأن ذلك واجب شرعاً وأن التحكيم فريضة شرعية في حالة الاختلاف وتقابل الآراء وتساويها في الظهور، ويجب أن تعطى هذه الأحكام الشرعية بأسلوب إيماني، وقد أكد الأستاذ ياسين على هذه المعالجات في مواضع متعددة منها قوله: “حصل لنا أن أمراض الخلاف الانفعالي دواؤها الشورى الإيمانية العميقة الهادئة”([61]).
- حدوث الانشقاقات الداخلية: إن مما يعتري العمل الدعوي حدوث الانشقاقات في الحركات الإسلامية، فلا تكاد تخلو حركة إلا ومرت بمرحلة انشقاق أو انشقاقات، وهي من الآفات الخطيرة التي تهدم الحركة، وتستنزف طاقتها، وتجهض دعوتها، وتزيد ضربات معاول الأعداء عليها، ففي التفرق ضعف، وفي الوحدة قوة، ويعود سبب حدوث الانشقاقات إلى أمور كثير منها: النزاعات الفردية وصراع مراكز القوى، وضعف القيادة واهتزاز الثقة بها، ووقوع الحركة في هزائم سياسية وغير ذلك من الأسباب المباشرة التي تؤدي إلى هذه الانشقاقات، ورغم تعدد هذه الأسباب إلا أنها تعود في المجمل إلى ضعف التربية الإيمانية أو إغفال جوانب مهمة فيها، فلا بد للمربين من التركيز على تربية الفرد على الطاعة في المنشط والمكره، وأن طاعة القيادة وأولي الأمر واجب شرعي يلزم تاركها الإثم واستحقاق العقوبة الدنيوية والأخروية، ولا بد أيضاً من استيعاب فقه الدعوة في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ» (النساء: 59) وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني”([62])، وقوله صلى الله عليه وسلم: “إن أُمِّر عليكم عبدٌ مجدع أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا”([63])، وقد نبّه الأستاذ ياسين إلى معالجة وقائية لهذا المرض وأضراره وذلك من خلال ربط الطاعة بمعاني الإيمان وأن علاقة الأمير بالجماعة ليست علاقة قانونية إدارية بل هي عبادة([64]).
- حدوث الاختراقات التنظيمية: لا تخلو حركة من الحركات الإسلامية من الاختراقات التنظيمية، ذلك أن أعداءها يتربصون بها ليل نهار، ويستعملون كافة الأساليب لإضعافها والسيطرة عليها، ولذا كان الاختراق التنظيمي من أهم وأنجح الأساليب في ضرب الحركات عموماً والإسلامية خصوصاً، كما لا تخلو الحركات من اختراق الوصوليين والمنتفعين الذين يبحثون عن مصالح خاصة، إلا أن ما يميز الحركات الإسلامية أن درجة الاختراق فيها أقل من غيرها خصوصاً التي تعتمد منهج التربية الإيمانية في أطرها التنظيمية بخلاف التي ترفضه أو تترك أمر تحقيقه للأفراد.
ولذا تُعد التربية الإيمانية من عوامل الوقاية والحماية من هذه الاختراقات، وهي تُظهر هؤلاء الأفراد بشكل واضح، حيث يسقطون في مواقف تتطلب تربية إيمانية، لأنهم لا يملكونها ولو تعلموها وحفظوها، فيظهرون بأقوالهم وأفعالهم، يقول الله عز وجل عنهم: «وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ» (محمد: 30). ورغم ذلك فإن “وجود المنافقين في الصف الإسلامي لا مناص منه، خاصة عندما يكبر التنظيم ويتوسع”([65])، فلا بد من الصرامة في قبول الواردين إلى الصف الإسلامي، واستمرار عرض أفراده على شُعب الإيمان وخصالها([66]).
- ظهور العصبيات المحلية والإقليمية في الحركات والدعوات الإسلامية: إن من أخطر الآفات التي تظهر في بعض الحركات الإسلامية ظهور العصبيات المحلية والإقليمية بين أفرادها، بحيث تصبح نظرتهم نظرة محلية إقليمية متعصبة، فيفقد الأفراد شعورهم بالانتماء للأمة ويسعون في دعوة محلية ضيقة، وقد يصل الأمر بهذا المرض إلى قيادات الحركة بل وسياساتها، وهذا الأمر ملموس وواقع في بعض الحركات الإسلامية في بعض الدول، وقد نبه الأستاذ ياسين إلى خطورة هذا المرض، فدعى إلى ضرورة التربية السليمة ابتداء قائلاً: “ينبغي أن نربي رجالاً فوق مستوى الانتماء التعصبي”([67])، ونبّه أيضاً إلى أن التنظيم الإقليمي والقطري إنما جاز من باب الضرورة المرحلية فقال: “والآن وقد توزعت الأمة في أقطار مستقل بعضها عن بعض في دويلات غثائية يطلب إلى المؤمنين أن يسعوا لإقامة جماعة المسلمين، لكن البناء لا يمكن من أعلى، فنظراً لحصول فئات المؤمنين الموزعين في أقطار بلاد الإسلام تحت سيطرة حكام حريصين على قطع صلات الحركة الإسلامية العالمية، مسارعين لقمع كل اتصال تنظيمي من قطر إلى قطر بدعوى التعامل مع قوات أجنبية، ونظراً لتعدد التنظيمات الإسلامية المنتشرة في أكثر من قطر، ونظراً لأن النزاع بين بعض هذه التنظيمات يبعد إمكانيات تأليف التنظيمات المحلية القطرية لتعلق الفئات القطرية بجانب دون جانب، نرى أن أنسب إطار للتنظيم هو القطر كما صاغته الفتن التاريخية وكما تحكمه الدويلات القومية. ذلك مرحلة حتى تتحرر الأقطار، واحداً بعد الآخر، وتلتقي الدول الإسلامية المحررة لتعيد وحدة المسلمين بتوحيد التنظيمات القطرية في كيان عالمي”([68]).
فينبغي أن يعاد النظر في المناهج التربوية للحركات الإسلامية في بعض الدول التي يكثر فيها هذا المرض، بحيث يترسخ في نفوس أفرادها حقيقة الانتماء إلى الأمة، وأن لا تتغلب عليهم العصبية المحلية أو الإقليمية.
- الاغترار بالقوة بعد الظهور والمكنة: إن مما يُخاف على الحركات الإسلامية الاغترار بالنفس والاعتداد بقوة السلطة أو قوة السلاح التي بدأت تظهر بشكل جلي في أيامنا بعد الربيع العربي، فهذا من الأمراض الخطيرة والفتاكة على الدعوات الإسلامية خصوصاً، لأنها ربانية، وقد جعل الله تعالى لها سنة خاصة، فهي إن صدقت مع الله تعالى حفظها وأعلى شأنها، وإن كذبت وخانت أوكل الله الأمر إليها وتركها دون رعايته تخوض غمار المعركة، ولنا في سيرة رسول الله العظة والعبرة حيث هُزم المسلمون يوم حنين لما اغتروا واعتزوا بقوتهم، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئاً وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
وقد تكلم الأستاذ ياسين عن هذا المرض وأسماه (علة الجماهيرية) فبيّنه بقوله: “عندما يكبر التنظيم، وتتوسع دوائره -خاصة بعد قيام الدولة الإسلامية- تكثر دواعي الخلاف بين المؤمنين، ويتسرب إليهم عناصر وصولية تأتي معها بالأفكار المضطربة، والمطامح الخبيثة، والأهداف المتناقضة عند ذلك يجب الاحتزاز، بل قبله لكيلا تتسرب تلك العناصر ومعها تلك العلل. ذلك أن دخول معركة بناء أمة أهمّ من معركة مع عدو محدود في ميدان محدود. فيجب أن تتحلى القلة المؤمنة بخصال الإيمان التي تؤهلها لتختلط بالجماهير مؤثرة لا متأثرة، مقومة لا طيعة لعوامل الاعوجاج”([69]).
ينبغي أن يستشعر أفراد الحركات الإسلامية أن قوة السلطة والسلاح التي ملكوها في هذه الأيام يمكن أن تنقلب عليهم وبالاً وخذلاناً، وعليه فلا بد من التركيز على نوع جديد من التربية الإيمانية تقي من هذه الآفة الخطيرة، وسأشير إلى هذا النوع من التربية في المسألة الآتية وهي تطوير وسائل التربية.
هذه بعض الآفات والأمراض التي تعتري العمل الدعوي والحركات الإسلامية، وقد أوردتها من باب التمثيل وإلا فإن الأمراض كثير والعلل منتشرة، وأزيد على ما سبق ذكره من الأمراض على سبيل الإجمال: سقوط الأعضاء وارتدادهم، ظهور أفكار متطرفة، الفشل في بناء البيت المسلم النموذجي، فهذه الأمراض وأمثالها لا يكون الحل فيها إلا بالتربية الإيمانية باعتبارهاً منهجاً وقائياً وعلاجياً.
المسألة الثانية: تطوير وسائل التربية الإيمانية في الأطر التنظيمية
لا أبتغي هنا الحديث عن وسائل التربية الإيمانية في الأطر التنظيمية وطرقها، فمجال ذلك في غير هذا البحث، إلا أنني أطرح هنا بعض الاقتراحات في مضمون الوسيلة وما تحويه من قيم إيمانية بحيث يكون هناك توازن في عرض القيم الإيمانية حتى تكون التربية الإيمانية متوازنة ومتكاملة تنتج شخصية المسلم المتوازنة التي تستوعب تنظيم حياته في مجالاتها المختلفة، كما أطرح ضرورة مراعاة التغير في الظروف والأحوال فيعالج الداء بالدواء المناسب، فتقدم قيمة إيمانية وتؤخر أخرى في التربية بحسب الحاجة.
أولاً: التربية الإيمانية المتوازنة
إن مما يعيب التربية في الأطر التنظيمية بشكل عام اعتماد نمط معين في التربية الإيمانية حيث تم التركيز مدة طويلة من الزمن على بعض القيم الإيمانية دون الأخرى مما أنتج اختلالاً في التربية الإيمانية وفي السلوك الفردي، ومن الأمثلة البارزة على ذلك التركيز على أدبيات التربية التي تتناسب مع مرحلة الاضطهاد والضعف دون مرحلة الظهور والقوة، فترى الفرد حينما يقع في شدة أو إيذاء أو خوف يثبت ثبوت الجبال، لكن حينما يصل إلى مرحلة السلطة والمال والقوة، فإنه ينزلق ويتهاوى، والسبب في ذلك يكمن في عدم التوازن في التربية الإيمانية حيث تجده تربى في الأطر التنظيمية على مواجهة الباطل والصمود أمامه وتحمل تبعات ذلك، فتربى على سيرة الصحابة رضي الله عنهم في الصمود في وجه الباطل، وتربى أيضاً على مواقف الدعاة الذين صمدوا أمام الإيذاء والمعاناة والقتل، لكن لم يتربَّ على سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته، وعمر بن عبد العزيز في ولايته.
لذا وجب مراجعة أدبيات التربية الإيمانية في الأطر التنظيمية وإعادة النظر فيها، لتحقيق التوازن والتكامل، لتُبنى شخصية الفرد بناء متوازناً يقوى على مواجهة فتنة الضعف وفتنة القوة.
وقد أوضح الأستاذ ياسين هذا المعنى بجلاء حيث قال: “لا بد إذن أن يتطلع المؤمن الذي نربيه -نثير فيه نحن هذا التطلع ونغذيه- ليكون من صانعي غد أمته. كان الإمام البنا رحمه الله يتحدث عن ضرورة صناعة الموت، يعني أن يكون هَمُّ المؤمن الاستشهاد جهاداً في سبيل الله، ونضيف نحن أن هناك صناعة أخرى في نفس المستوى من الضرورة وهي صناعة التاريخ، فاهتمام النصير والمهاجر والنقيب يجب أن ينصب حول مصيره عند الله، فيعمق إيمانه وشوقه، ويَعُدُّ حياته ليبذلها عند الحاجة في سبيل الله. كما يجب أن يحمله ذلك الإيمان نفسه وذلك الشوق وذلك الاستعداد للموت على تهييء طاقاته الفكرية والمالية والعملية وطاقات من حوله لخدمة بناء الدولة الإسلامية، مصير المؤمن المقبل على الله حقاً لا ينفك عن مصير أمته. همُّ ما بعد موته لا ينفك عن هم انتصار دين الله واستمراره”([70]).
ثانياً: اعتماد مبدأ الزيادة أو التغيير المنهجي للتربية الإيمانية في ظروف خاصة
إن مما ينبغي مراعاته في مناهجنا التربوية اختلاف الظروف والأحوال التي تعتري الفرد، فقد يمر بمرحلة يكون فيها أحوج إلى زيادة أو تغيير منهجي في التربية الإيمانية، ومن ذلك ارتقاء الفرد في الهرم التنظيمي، أو اعتلاء منصب عام في الدولة، أو ظهور مرض حركي فيه، وغير ذلك من الأحوال والظروف التي تمر بالفرد، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجود هذه الظروف والأحوال المتغيرة وأثرها في النفس وضرورة معالجتها بأسلوب تربوي يتناسب مع ذلك الظرف حيث قال صلى الله عليه وسلم: “ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم”([71]).
فالنفس البشرية تحتاج في مرحلة ما إلى زيادة في التأثير ببعض القيم الإيمانية التي تناسب حالتها وظرفها حتى تتجنب الوقوع في الزلل.
ولتحقيق ذلك لا بد من إيجاد آلية تنظيمية تجمع بين العاملين في الحقل السياسي والعاملين في الحقل التربوي، بحيث يتكامل العمل بينهما، فلا يطغى أو يهمل أحدهما الآخر.
ثالثاً: إقرار مبدأ الأناة في التربية الإيمانية
إن من الأخطاء التي تقع فيها الحركات الإسلامية الاستعجال في تنظيم الأفراد، والدفع بهم إلى مهام الدعوة قبل إكمالهم للمراحل التربوية، واستيعابهم للمفاهيم والقيم الإيمانية، فالأناة ضرورية في التربية الإيمانية؛ لأنها لا تأتي دفعة واحدة، وهي ليست مجموعة معلومات وكمّاً معرفيّاً يتلقاه الفرد، بل هي عملية تربوية تحتاج إلى زمن طويل يمتد إلى سنوات، لأن التربية الإنسانية بطيئة كما هو حال النمو الجسمي، فالتربية تحتاج إلى زمن قد يفوق ما يحتاجه الجسم من النمو، والمتعجل في التربية كالذي يريد إخراج الجنين خداجاً لا يملك مقومات الحياة. يقول الأستاذ ياسين: “التربية معالجة لمادة إنسانية … وكما تتأخر الشجرة الكريمة الثمار في الإنتاج … نصبر على ذوي الاستعداد الطيب السنين حتى ينضجوا”([72]).
والواقع العملي لبعض الحركات الإسلامية أثبت لنا صدق هذا المبدأ، فكم من حركات إسلامية خرجت خروجاً سريعاً، واستجمعت حولها واستقطبت أعداداً كبيرة من الأفراد في فترة وجيزة، ثم انهارت انهياراً أسرع من خروجها، ذلك أنها اعتمدت مبدأ التنظيم الجماهيري، فلم تعط للتربية الإيمانية المجال لتنشئة الأفراد، وأوكلت إليهم مهمة إيجادها ومتابعتها من غير إنكار أهميتها، نظراً لاحتياجها للتنظيم الجماهيري المتسع، فوقعت في كل أنواع آفات العمل الحركي من انتشار النزاعات الفردية، وظهور التكتلات ومراكز القوى المتصارعة، وحدوث الانشقاقات التنظيمية، وتغلغل الاختراقات في مختلف مستويات الهرم التنظيمي، وغير ذلك من الآفات والأمراض الحركية والتنظيمية حتى انهارت وتهاوت وانفرط عقدها في فترة وجيزة، ولم يبق لنا منها إلا آثارها التي يجب أن نتعلم منها الدروس والعبر وعلى رأسها ضرورة اعتماد مبدأ الأناة في التربية الإيمانية، لأن الاستعجال له عواقب وخيمة على الفرد والجماعة، فينبغي التأني ولو كانت الحركة بحاجة ماسة للفرد الجديد، فلا يحسن تقديمه للعمل إلا بعد اكتمال مرحلة النمو التربوي. يقول الأستاذ ياسين: “من أخطر الآفات التربوية والتنظيمية شرة الوارد المندفع، ونشوة الحركي الذي يبدد جهده في فورات ثم يخمد”([73]).
ومن هنا فإن اعتماد مبدأ الكم في الحركات الإسلامية له عواقب وخيمة، لأن الجماعة لا يمكن أن تستوعب أعداداً كبيرة من الأفراد بالتربية الإيمانية الشاملة المتكاملة المتأنية، وستنشغل بالكم عن الكيف، وسيكون التركيز على التوسع الأفقي بدلاً من الاهتمام بالتوسع العمودي، وقد ثبت لنا أن الأمة انتصرت في معاركها الحاسمة بعدد قليل وعدة إيمانية كبيرة، وهزمت في المقابل بعدد كبيرة وعدة إيمانية قليلة، ومن ذلك انتصار المسلمين في بدر وقد كانوا أقل عدداً وعدة، لكن الإيمان راسخ والعقيدة ثابتة، وفي مؤتة صمد الصحابة في وجه الروم صموداً أشبه بالمعجزة، حيث كانت النسبة العددية (1: 67)، وهذه النسبة لا يتصور عقل قبولها، لكنها معجزة التربية الإيمانية، وفي المقابل لما تزعزعت التربية الإيمانية واعتمد البعض على العدد دون العدة الإيمانية انقلب الأمر ووقعت الهزيمة، ففي حنين هُزم اثنا عشر ألفاً من المسلمين في مقابل أربعة آلاف فقط من المشركين، وبعد هروب هذه الآلاف ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم مئة فقط كانت من أكمل الناس عدة إيمانية، فهزمت المئةُ الأربعةَ آلاف من المشركين وحدها.
فهذه الحقائق في السيرة النبوية تظهر لنا بلا شك ولا ريب أن الكيف أولى من الكم، وأن مبدأ الأناة في التربية الإيمانية من ضروريات العمل الحركي ومن دقائق الفقه الدعوي.
ورغم اعتماد مبدأ الكيف على الكم إلا أن ذلك لا يمنع من استقطاب الجماهير واستجماع العدد الأكبر منهم وتربيته وتعبئته ليكون هذا العدد الكبير سنداً ودعماً من غير اشراكه في التنظيم، وقد أشار الأستاذ ياسين إلى هذا المعنى ونبه عليه([74]).
الخاتمة
بعد هذا التجوال في الأسس الشرعية والدواعي التنظيمية للتربية الإيمانية في نظرية المنهاج النبوي أورد أهم نتائج البحث، ثم أورد بعض التوصيات التي ظهرت من خلال البحث.
أولاً: النتائج
- شرع الإسلام للتربية الإيمانية وسائل متعددة منها: الشعائر التعبدية، والقدوة، والموعظة والعبرة، واستثمار الحدث، والعلم، والعقوبة، والصحبة والجماعة.
- تعد التربية الإيمانية من الضروريات الشرعية، فيجب على الفرد تحقيقها في نفسه كما يجب على الجماعة وإمامها تحقيقها في الأفراد.
- تعد التربية الإيمانية من الضروريات التنظيمية حيث تعددت دواعيها التنظيمية، منها: قوة التأثير، والبركة، وتوفيق الله تعالى إلى أصوب الأعمال، والاندفاع والانطلاق في الدعوة.
- من أهم الدواعي التنظيمية للتربية الإيمانية الوقاية من الأمراض والآفات التنظيمية، ومن هذه الأمراض: ظهور النزاعات الفردية في العمل الدعوي، وظهور التكتلات ومراكز القوى المتصارعة، وحدوث الانشقاقات الداخلية، والاختراقات التنظيمية، وظهور العصبيات المحلية والإقليمية، والاغترار بالقوة والمكنة.
- من الضروريات التنظيمية للحركات الإسلامية تطوير وسائل التربية الإيمانية في ظل متغيرات الواقع.
- من أساليب تطوير وسائل التربية الإيمانية التوازن في عرض القيم الإيمانية مع مراعاة بعض الظروف الخاصة التي يجب فيها اعتماد مبدأ الزيادة أو التغيير المنهجي للتربية الإيمانية.
- تعد الأناة في التربية الإيمانية من الضروريات التنظيمية للحركات الإسلامية.
- تعد نظرية المنهاج النبوي من أكثر النظريات والمناهج الدعوية اعتماداً للتربية الإيمانية في بناء الفرد والجماعة، حيث كانت التربية الإيمانية الركن الأول والأهم في بناء النظرية.
ثانياً: التوصيات
يوصي الباحث بما يأتي:
- إجراء مراجعة شاملة للمناهج التربوية وأدبياتها للحركات الإسلامية، بغية تقييمها والنظر في مدى مناسبتها لمتغيرات العمل الحركي وواقعه الجديد.
- إجراء دراسات ميدانية على الأمراض والعلل الحركية والتنظيمية التي تنتشر في الحركات الإسلامية وتقديم أفضل الحلول والعلاجات.
- دراسة التجارب التربوية الناجحة لبعض الحركات الإسلامية في بعض البلاد الإسلامية، والاستفادة منها والنظر في مدى إمكانية تطبيقها وتعميمها.
- ضرورة اعتماد القوة الإيمانية للفرد معياراً للتفاضل في الهرم التنظيمي.
- تعميم وسائل وأساليب التربية الإيمانية التي أوردها الأستاذ ياسين في نظرية المنهاج النبوي.
وفي الختام أسأل الله تعالى أن يكتب لهذا البحث التوفيق والسداد وأن يجنبه الخطأ والزلل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
- أحمد بن حنبل، مسند أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر.
- أمين، د. صادق، الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية، مصر، دار التوزيع والنشر الإسلامية.
- البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار ابن كثير، بيروت، الطبعة الثالثة، 1987م.
- الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، دار الجيل، بيروت.
- أبو داود، ، سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، دار الكتاب العربي، بيروت.
- قطب، سيد، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة.
- قطب، محمد، منهج التربية الإسلامية، القاهرة، دار الشروق، 1414هـ.
- ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، بيروت، دار الفكر.
- مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، دار الجيل، بيروت.
- النحلاوي، عبد الرحمن، أصول التربية وأساليبها، بيروت، دار الفكر المعاصر، الطبعة الثانية، 1403هـ.
- النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1991م.
- ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، بيروت، دار الجيل، 1411هـ.
- ياسين، عبد السلام، الإحسان، البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1/1998
- ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1/2000
- ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً، الطبعة الأولى 1981.
- ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، الطبعة الأولى 1994.
[1]– أمين، د. صادق، الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية، مصر، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 108.
[2]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص 12.
[3]– المصدر نفسه ص 17.
[4]– المصدر نفسه ص 59.
[5]– المصدر نفسه 44. هذا التقسيم مبني على حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان”، مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، حديث رقم (162).
[6]– إن استعمال مصطلح التربية الإيمانية قليل، ويكثر في المقابل مصطلح التربية الإسلامية، فهو أكثر شيوعاً وتداولاً وهو قريب من المعنى الذي نقصده هنا، وأجد أن مصطلح التربية الإيمانية أكثر انسجاماً مع الغاية من هذا البحث، فالتربية الإيمانية مبنية على القيم الإيمانية وهي بدورها ليست على مستوى ثابت في حياة الفرد بل تزيد وتنقص، وكلما زادت القيم الإيمانية زاد الفرد المسلم تمسكاً والتزاماً بالأحكام الشرعية، وكلما خبت القيم الإيمانية قل تأثيرها وضعف الالتزام بالأحكام التشريعية، وعليه فإن التربية الإيمانية عبارة عن رفع مستوى إيمان الفرد المسلم بالله تعالى والحقائق الإيمانية وهذا بدوره يزيده التزاماً وامتثالاً للأحكام، ويمارس وظيفة الاستخلاف في الأرض على الوجه الأمثل.
[7]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 15.
[8]– قطب، سيد، في ظلال القرآن 1/551.
[9]– المصدر نفسه 1/47.
[10]– المصدر نفسه 1/164.
[11]– ياسين، عبد السلام، الإحسان،ط 1، 1/420.
[12]– الترمذي، سنن الترمذي، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، حديث رقم (1795).
[13]– ياسين، عبد السلام، الإحسان 2/302.
[14]– الترمذي، سنن الترمذي، كتاب الزهد، حديث رقم (2346).
[15]– البخاري، صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب الغنى غنى النفس، حديث رقم (6081).
[16]– ياسين، عبد السلام، الإحسان 2/366.
[17]– المصدر نفسه 1/515.
[18]– النسائي، السنن الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب النهي أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان، حديث رقم (10825).
[19]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 59.
[20]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 121.
[21]– النسائي، السنن الكبرى، كتاب التفسير، باب سورة الدخان، حديث رقم (11489).
[22]– الترمذي، سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، حديث رقم (2516).
[23]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 350.
[24]– أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في صلاة العتمة، حديث رقم (4987).
[25]– صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات، حديث رقم (1555).
[26]– النحلاوي، عبد الرحمن، أصول التربية الإسلامية وأساليبها، بيروت، دار الفكر المعاصر، الطبعة الثانية، 1403هـ، 255.
[27]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 52.
[28]– المصدر نفسه 76.
[29]– صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، حديث رقم (68).
[30]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 215.
[31]– قطب، محمد، منهج التربية الإسلامية، القاهرة، دار الشروق، 1414هـ، 1/207.
[32]– ياسين، عبد السلام، الإحسان 1/258.
[33]– المصدر نفسه 1/260.
[34]– ابن ماجه، سنن ابن ماجة، كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، حديث رقم (224).
[35]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 336.
[36]– المصدر نفسه 76.
[37]– أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث رقم (495).
[38]– ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 66.
[39]– سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة، حديث رقم (547).
[40]– مسند الإمام أحمد بن حنبل، حديث رقم (22082).
[41]– مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، حديث رقم (5064).
[42]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 40.
[43]– المصدر نفسه 45.
[44]– مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم، حديث رقم (4910).
[45]– البخاري، صحيح البخاري، كتاب الجماعة والإمامة، باب وجوب صلاة الجماعة، حديث رقم (618).
[46]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 59.
[47]– ياسين، عبد السلام، الإحسان 1/435.
[48]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 18.
[49]– المصدر نفسه 59.
[50]– البخاري، صحيح البخاري، أرقام الأحاديث (4078، 4076). مسلم، صحيح مسلم، أرقام الأحاديث (2488، 2493)، ابن هشام، السيرة النبوية، بيروت، دار الجيل، 1411هـ، 5/177.
[51]– ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص 22.
[52]– إن البركة حقيقة شرعية لا مراء فيها ولا شك، وهي ثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة.
[53]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 240-241.
[54]– المصدر نفسه 22.
[55]– ابن هشام، السيرة النبوية 2/156.
[56]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 40.
[57]– المصدر نفسه 92.
[58]– البخاري، صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، حديث رقم (6113).
[59]– ياسين، عبد السلام، الإحسان 2/512.
[60]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 107.
[61]– المصدر نفسه 111.
[62]– مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية ، حديث رقم (4852).
[63]– مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم (4868).
[64]– ينظر: ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 97.
[65]– المصدر نفسه 113.
[66]– ينظر: المصدر نفسه 113، 165.
[67]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 25.
[68]– المصدر نفسه 25.
[69]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 112.
[70]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 52-53.
[71]– صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدراً، حديث رقم (3791).
[72]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 271.
[73]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي 270.
[74]– انظر: المصدر نفسه 61.