الأسس القرآنية للنظرية التربوية

0 543

عند الأستاذ عبد السلام ياسين

د.ناصر محمدي محمد جاد، المدير التنفيذي لإدارة مشروعات التحقيق والنشر


الحمد لله فاتحة كل خير وتمام كل نعمة، والصلاة والسلام على نبينا الهادي الأمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد:

فلقد قال الله تعالى: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”( الشمس: 7– 10). فجعل التزكيةَ الموصِّلة إلى الفلاح مِن فِعْل الإنسان وإرادته، وكذلك جعل تَدْسِيَتَها[1] مِن فِعْل الإنسان وإرادته، وبذلك يصبح هذا العِراك بين التزكية والتدسية هو ميدان العمل التربوي في مسيرة الحياة الإنسانية.

وبعث الله رسوله في الأُمِّيِّين “يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ”( آل عمران: 164). فكان المعلم والمربي الذي وضع عن كاهل البشرية إصرها والأغلال التي كانت عليها، وقَدَّم للإنسانية جيلًا لا يزال يُشكل الأنموذج الأمثل لكل المربين والمصلحين؛قدَّم «كائنا عضويّا حيًّا تألَّف في مكَّة ربَّاه المعصوم المؤيَّد المنصور، هو جماعة سُميت فيما بعد المهاجرين، وتحركت الجماعة وصدقت، وتحابّ أعضاؤها في الله»[2].

ولا يزال العلماء والمصلحون والموجِّهون الأمناء من هذه الأمة يتفيئون ظلال ذلك المنهاج النبوي المبارك ليستخرجوا منه كنوز العلم وذخائر المعرفة في شتى المجالات ومختلف الميادين، والأستاذ عبد السلام ياسين من هؤلاء المصلحين الذين تفيئوا ظلال تلك الدوحة النبوية المباركة مستندا إلى منهاج النبوة ليغترف من مَعِينه ما شاء الله له أن يغترف، ومن هذا الخير الذي اغترفه تلك المنظومة التربوية التي شكّلت نظرية تربوية متكاملة غدت إحدى مشروعاته الفكرية التي تقدم بها للأمة الإسلامية بهدف النهوض بها ومعالجة واقعها وتاريخها ومستقبلها، ليساهم بهذه النظرية في تزكية المسلم وإحياء وعيه برسالته الإنسانية، وذلك بحسن تنشئته وتحريره من العبودية لغير الله، وقيامه بأعباء الاستخلاف الإنساني وإقامة العمران البشري في ضوء منهج الله وسننه في الحياة والأحياء، ومحاولة التحول بالعملية التربوية والمعرفية من حالة التلقين والمحاكاة والتقليد وتغييب العقل إلى ممارسة التفكير والاجتهاد والإبداع، وإعادة بناء العقل الجماعي في ضوء هدايات معرفة الوحي ومرجعية القيم الإسلامية في الكتاب والسنة، ومراعاة تطور العصور وأحداث الواقع.

أهداف البحث:

وهذه الدراسة تهدف إلى تلمّس الأسس القرآنية التي شكّلت تلك النظرية التربوية لدى الأستاذ ياسين، مع إبراز بعض الجهود واستخلاص الآراء التربوية من خلال ما صَنَّف من آثار، وتحت هذا الهدف الرئيس، فسوف يحاول البحث تحقيق مجموعة من الأهداف الأخرى وهي:

الاستقراء الكامل والشامل لمؤلفات الأستاذ ياسين، واستخراج الأسس القرآنية التي أقام عليها نظريته التربوية في إطار المشروع الفكري الذي تقدم به للأمة الإسلامية.

إلقاء نظرة عامة على نظريته التربوية، وذلك بمحاولة إبراز الوظائف الاجتماعية والسياسية للتربية ومعرفة أصحاب المسئولية، والتطرق إلى مختلف القضايا المرتبطة بهذه النظرية.

محاولة إبراز أثر هذه النظرية على الفرد والمجتمع.

إبراز دور النظرية التربوية لدى الأستاذ ياسين في النهضة بالمجتمعات الإسلامية.

أهمية البحث:

تَبرز أهمية هذه الدراسة وقيمتها في إطار الدراسات التربوية الإسلامية التي استمدت وجهتها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ يستطيع المطالع للإنتاج الفكري والثقافي للأستاذ ياسين أن يلمح بجلاء تلك النظرية التربوية المتكاملة بجميع أبعادها المعرفية، يضاف إليها الشق التطبيقي باعتباره قضى جزءًا كبيرا من حياته في سلك التربية والتعليم، فضلا عن تربيته وتزكيته على يد العارف بالله الشريف الحاج العباس بن المختار القادري نسبا البوتشيشي شهرة الشاذلي طريقة، وغيره من المربين والصالحين، وكان ذلك في الأربعين من عمره حيث النضج الفكري والعمق الثقافي والديني لدى الأستاذ[3].

كما تستمد هذه الدراسة أهميتها من الاهتمام الشديد الذي حظيت به كتابات الأستاذ ياسين عن التربية، فكان لها النصيب الأكبر في مؤلفاته التي لا نكون مبالغين إن قلنا: إن صفحة واحدة من مؤلفاته لم تغفل الجانب التربوي ولو بالإشارة؛ إذ بالتربية تتحقق النهضة الدينية والدنيوية معا فـ «التربية تنميةُ الإيمان والطموحِ، التربية صعود إراديٌّ وتصعيدٌ مستمر، التربية اقترابٌ من الكمال وتقريب، التربية قَدْحُ زِنادٍ في القلب والعقل، إشعالُ فتيلٍ، تعبئة طاقاتٍ فرديّةٍ لتندمج في حركية اجتماعية يَعْمَل فيها العاملون بجهْدٍ مُتكامِلٍ ينفع الله به الأمة»[4] فالتربية ثم التربية ثم التربية – كما أكد الأستاذ ياسين- هي المطلب المحوري للأمة[5].

أهم الصعوبات:

لا أحد ينكر أن الحديث عن مثل هذا الموضوع ودراسته من خلال مؤلفات الأستاذ ياسين لا بد أن يكتنفه بعض الصعوبات أهمها قلة المساحة التي يكتب فيها الباحث؛ إذ إن هذا الموضوع ثري جدًّا في كتابات الشيخ، فمثل هذا الموضوع يحتاج إلى رسالة ماجستير أو دكتوراه لتغطيته بصورة كاملة، ولكن تغلبنا على هذه الصعوبة بالحديث عن بعض الموضوعات الرئيسة التي تفي بالغرض، واكتفينا بإيراد النصوص الدالة من كلام الأستاذ لتدل على المطلوب.

فلذلك يحق لنا أن نقرر بين يدي هذا البحث أن هذه الدراسة أشبه بتعريف لبعض الأفكار والقضايا الرئيسة والعامة التي تناولها الشيخ، فهو مدخل للدراسات التربوية عند الأستاذ ياسين، أو مبحث في دراسة كبيرة.

خطة البحث:

وسوف يتضمن هذا البحث مقدمة ومبحثين وخاتمة كالتالي:

المقدمة: وهي التي بين أيدينا، وفيها تعريف بالبحث وأهدافه وتحديد مجاله وخطته وأهم الصعوبات.

المبحث الأول: المعالم القرآنية للنظرية التربوية لدى الأستاذ ياسين.

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: المعالم القرآنية لمجالات التربية في نظرية المنهاج النبوي.

المطلب الثاني: المعالم القرآنية للوظيفة الاجتماعية للتربية في نظرية المنهاج النبويهأأ.

المطلب الثالث: المعالم القرآنية لأهداف التربية في نظرية المنهاج النبويهأأ.

المبحث الثاني: الأسس القرآنية للفكر التربوي ودعائمه في نظرية المنهاج النبوي.

وفيه ثلاثة مطالب:

  المطلب الأول: العقيدة القرآنية وأثرها في كتابات الأستاذ ياسين التربوية.

  المطلب الثاني: أثر تصوير القرآن لفطرة الإنسان وصراعه مع عدوه اللدود في كتابات الأستاذ ياسين التربوية.

  المطلب الثالث: مبدأالمسئولية والجزاء وأثره في الكتابات التربوية للأستاذ ياسين.

الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث.

منهج البحث:

من أجل الوصول إلى الأهداف التي سبق ذكرها، فسوف يتبع الباحث عدة مناهج حسب القضية التي سيتم معالجتها من خلال الخطة السالفة، ومن هذه المناهج المنهج الاستقرائي الذي يقوم على تتبع الفكرة في كل مؤلفات الأستاذ ياسين.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

المبحث الأول

المعالم القرآنية للنظرية التربوية لدى الأستاذ ياسين

لا يتسع المجال للحديث المفصل عن نظرية الأستاذ ياسين التربوية بكل عناصرها؛ لأن بحثنا يرصد الأسس القرآنية التي أقام عليها نظريته، ولأن الحديث عن النظرية التربوية يستلزم مجهودا ضخما ومساحة أفسح، ومن هنا فسوف نحاول في هذا المبحث التمهيدي أن نعطي فكرة عامة عن ملامح هذه النظرية التي وصف الأستاذ ياسين معالمَها بعرضها على فقه الصوفية تارة، وبمعارضة السلوك الصوفي من جانبها تارة أخرى[6]، ولعل تناول ثلاثة محاور رئيسة في هذه النظرية تبين معالمها القرآنية، وذلك بالتناول الموجز لمجالاتها ووظائفها وأهدافها، وذلك في المطالب التالية:

المطلب الأول: المعالم القرآنية لمجالات التربية في نظرية المنهاج النبوي.

تشمل هذه التربية في نظرية الأستاذ ياسين عدة مجالات هي:

أولا: تربية القرآن في مجال العقيدة: فالتربية تهدي إلى عقيدة واضحة سهلة لاغموض فيها ولا التواء، تحرر الروح من الأوهام والخرافات وتحرر طاقات البشر للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق «إن تربية جند الله على الإيمان، ورفع همتهم إلى ذرى الإحسان، وإيقاظ قلوبهم لمعاني حب الله ورسوله، والجهاد في الله، والسعي إلى مرضاته، وتربيتهم على العمل الجماعي والشورى والطاعة في غير معصية، والعصيان لمن لا يطيع الله، لهي أقوم طريق لتسليح الإرادات بالعزم، والعمل بالفعالية، والفعالية بالقوة التي من شأنها أن تزحزح الباطل وتصرعه دون أن تهدم البيت على رءوس الأمة بما فعل مجرموها كما توصي بذلك الاستراتيجية الطبقية»[7].

ثانيا: تربية القرآن في مجال الإنسان: فالقرن يهدي الإنسان إلى التناسق بين مظهره ومخبره وسلوكه ودوافعه، وبين النظرية في الإيمان والتطبيق في الواقع، الأمر الذي يجعل الإنسان يسمو بنفسه إلى عالم أفضل ويترجم أعماله كلها إلى عبادات حتى ولو كانت من متع الحياة ما دام المقصود بها وجه اللّه تعالى «ويلتقي وعْدُ الله الأخروي… ببشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلافية، فيتكامل عند المؤمنين والمؤمنات اليقين بما هم منصرفون إليه من عبادات؛ الصلاة والزكاة باليقين بما هم مجاهدون لتحقيقه من عبادات، إقامة دولة الإسلام على قواعد شريعة الإسلام وشورى الإسلام، ربطٌ محكم يقيني في عقيدة المؤمنين والمؤمنات، وجهاد المؤمنين والمؤمنات، وعبادة المؤمنين والمؤمنات، بين شئون الدنيا والآخرة، بين السياسة والدين»[8].

«لكن عمل القلب وحده هو الذي يرفع المؤمن في درجات الآخرة والقرب من الله عز وجل إن اقترن عمله بأداء الفرض والنفل، وللعقل مشاركة في التسبيح والذكر كبيرة، ينظم الحركات الجوارحية في الزمان والمكان والمقدار، ويحرك نسائم القلب، ويسجل هباتها خادما ساعيا بين يدي القلب أمينا على تدبير الطاعات وضبط نزوات النفس، ما تسميه اللغة عقلا آلة ثمينة نفيسة وجوهر غال، بوجوده يتميز الإنسان من الحيوان، لكن ما يسميه القرآن عقلا هو اندراج العقل الاصطلاحي في خدمة القلب وتوجهاته إلى الله تعالى، فمن كان عقله في خدمة النفس والشهوات سائرًا في ركاب الشيطان والهوى فهو من الصم البكم الذين لايعقلون»[9].

ثالثا: تربية القرآن في مجال العبادة، هي هداية وتربية إلى عبادات سهلة بسيطة تتوازن فيها طاقات الإنسان والتكاليف التي أمره الله بها بحيث لا تتعارض التكاليف مع طاقة الإنسان وقدراته، وبحيث يكون التوازن بينهما محفوظا بنسبة ثابتة “لايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ” ثم “رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ” (البقرة: 286). والموازنة الدقيقة بين التكاليف والواجبات هي التي تجعل هذه التكاليف سهلة معقولة لا مشقة فيها فتملّها النفس وتيأس منها الروح، ولا سهولة فيها بالدرجة التي تجعل المرء يستهين بها، فهي وسط لا تتجاوز حدود الطاقة والاحتمال، والقصد والاعتدال «ولا يحق للأمير أن يكلِّف المؤمنين فوق طاقتهم، هنا رحمة يجب على الأمير والمؤمنين أن يفيئوا إلى ظلها عند وهج نيران العدو، وعند شدائد العقبات، دون أن يتخذوها ذريعة للكسل والتواكل والميل إلى الاسترواح»[10].

فليست التربية إذن بعيدة الصلة عن العبادة؛ فالصلاة التي هي عماد الدين لا تبلغ درجة القبول حتى تنهى صاحبها عن الرذائل المنافية للتربية الإيمانية فـ«إقامة الصلاة ليسَ مجرد أدائها، بل القيام بشرائطها، من أول شرائطها تشييد أركان الإسلام في حياة التائب من شرك أو من إسلام وِراثي بالٍ، ثم الانتهاء عن المنكر؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وبانتهائه وكفه نعلم هل هو مقيمٌ للصلاة أم منافق مُندس»[11].

ويقول الأستاذ أيضا: « وكل طاعة تنوّر العقل؛ من الطاعات ما يذيق طعم الإيمان، ومن قواعد التطبيب والتربية الانخراط في سلك الجماعة بالمسجد، المسلم ينهى نفسه، يمسك بتلابيبها، ويزجرها، ويحاسبها، ويحملها محامل الصدق والجهاد، وتنهاه صلاته وتنهاه تقواه وينهاه غيره من المسلمين لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتعاون مع المسلمين على التقوى»[12].

رابعا: تربية القرآن في مجال الجماعة والدولة: لم تغفل نظرية الأستاذ ياسين هداية الإسلام وتربيته للدولة من القاعدة ممثلة في الأمة الإسلامية إلى القمة ممثلة في الحاكم أو الراعي، وتوجيهه في نظامه الأساسي الذي يشمل: نظام الحكم، نظام الاقتصاد والمال، النظام الاجتماعي، نظام التعامل الدولي.

أما تربيته للجماعة: فتشمل علاقة الناس بعضهم ببعض والضوابط الاجتماعية التي تحكم الأفراد والأسر والدول والأجناس والآباء والأبناء وغير ذلك من مجال العلاقات، بل تضبط علاقة المرء مع الله أولا، وسيأتي في نظرية الأستاذ ياسين أن العقيدة هي التي توجه السلوك، ولأن العقيدة مسألة خاصة بالإنسان يحاسب على أساسها، فإن الله يوجه الخطاب للفرد مع عمومية الأمر فقال: “لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَر”(الإسراء:22)، “يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ”(لقمان:13). والنهي عن الشرك يقتضي توحيد المعبود الواحد الأحد، لذلك قال تعالى: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” (الإسراء:23). وهذه الصيغ نجدها كثيرة في القرآن الكريم؛ إذ نجد الأمر بعبادة اللّه ثم النهي عن عبادة غيره أو الشرك به، وكلا المعنيين واحد إلا أن أحدهما منطوق والآخر مفهوم “يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ”(الأعراف:59) و”لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ”(لقمان:13) “وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا…”(النساء:36) إلخ. إضافة لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو واجب ديني يصور مدى تعاون الجماعة المسلمة على التقوى[13].

ثم الإحسان إلى الوالدين: لم تضم نظرية الأستاذ ياسين الإحسان إلى الوالدين فحسب، بل إلى كل من له حق علينا؛ يقول الأستاذ ياسين جامعا لأنواع المعاملات: « حفظ القلوب ومخالقة الإخوان وسائر مَن له علينا حق من العباد بالأخلاق الإيمانية ركن أساسي من أركان بناء الجماعة وبناء المجتمع الإسلامي وبناء الأمة جميعا، وقد جمعتُ من شعب الإيمان تحت خصلة «الصحبة والجماعة» إحدى عشرة شعبة يكون مجموعها نسيجا لأخوة في الله، ورداء يدخل في كنف رحمته القاصي والداني من الأمة -إن شاء الله- تتسلسل هذه الشعب الإيمانية التي يحافظ على حياتها تعاطف أعضاء الجماعة تحت نظر ربانية القيادة وكمالها كما يلي: محبة الله ورسوله، الحب في الله عز وجل، صحبة المؤمنين وإكرامهم، التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خُلُقِه، التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق، الزواج بآدابه الإسلامية وحقوقه، القوامة والحافظية في علاقة الزوجين، إكرام الجار والضيف، رعاية حقوق المسلمين والإصلاح بين الناس، البر وحسن الخلق »[14].

أما عن قتل الأولاد: الذي حكاه القرآن عن الجاهليين؛ فإن القرآن يخبرنا بأن العقيدة الصحيحة تؤدي إلى توافق الإنسان مع فطرته وصحة مشاعره وسلامته كفرد وكعضو في المجتمع، وكما أن العقائد الصحيحة تنعكس آثارها على المجتمع، فكذلك العقائد المنحرفة تنعكس على المجتمع؛ لأن المجتمع في حركته لا يصدر إلا عن عقائد فالعقيدة هي الحياة، والقرآن يحدثنا عن انعكاس المعتقدات على المجتمع بما كان يفعله الجاهليون من قتل الأولاد خشية الفقر والإملاق، ولو كانوا يعتقدون اعتقادا صحيحا بأن الأرزاق بيد الله لما وجدوا علاقة بين كثرة الأولاد والفقر، فالدافع إلى ذلك التفكير هو فساد العقيدة التي لا تترك الأمر بيد الله خالق الكون ورازق الأحياء، إننا نجد الصورة تتكرر في الجاهلية التي نعيشها فقد نشأ عن انحراف عقائد المسلمين وإبعادهم لتولي الله الأرزاق من تفكيرهم أن ربطوا بين ظروفهم المادية وكثرة النسل، فظهر في واقعهم العملي والنظري حركة تحديد النسل بادعاء صعوبة الحياة وارتفاع تكاليف المعيشة وتحسين التربية بالإقلال من عدد الأولاد، يقول الأستاذ ياسين: «أما مذهب تحديد النسل فلا مكان لذكره، حتى التلفظ به، وحرمته واضحة قبل الشاهد كما يعبر الشاطبي؛ قال الله عز وجل: “وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا” (الإسراء: 31). وإنما يدعو مَن يدعو لتحديد النسل مخافة أن يموت المخلوقات جوعا، وإنه لابتلاء مِن الله عز وجل لقدرتنا على الكسب، وعلى تطويع الاقتصاد لئلا ينتج مادة الترف بل مادة الحياة الأساسية، واسمعوا يا مؤمنين منادي القدرة الإلهية ينادي على رءوسكم: “نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ” فاتخذوا الأسباب، أنتم مرزوقون مثلهم فاجعلوا مِن رزقكم أن تكسبوا وتنتجوا، لا مجال في الإسلام أن يتخذ تحديد النسل مذهبا، والاجتهاد لكسب قوت العيال عبادة، والله عز وجل يرزقنا وإياهم، وهو الرزاق ذو القوة المتين»[15].

ومع هذا يحذر الأستاذ ياسين من الوصول بالنسل الكثير إلى مرحلة الغثائية التي عبر عنها الشاعر العربي حين قال:

      إِنِّي لَأَفْتَحُ عَيْنِي حِينَ أَفْتَحُهَا        عَلَى كَثِيرٍ وَلَكِنْ لَا أَرَى أَحَدًا

يقول: « من زاوية التربية نقول: إن عويصة التضخم السكاني بلاء آخر من الله عز وجل للأمة؛ فمن قال بضرورة الزيادة في التناسل والتكاثر لتكون لنا جيوش أكثر، وأيد عاملة أكثر، فقد غفل عن إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من سمات الغثائية الكثرة التي لا غناء فيها، ومن كان يظن أن إرضاء الذَّكَر من المسلمين والأنثى شهوة عابرة يتلوها نسل سائب تربيه الشوارع في غير مسئولية فلا يدري ما هو العَمل الصالح، ولا ما معنى كون الولد كسبا لك، أنت مسئول عن تسليمه وصونه مما ينصره أو يشركه أو يغوثه، أم نكون نحن نغَثّي مَن بَعْدنا؟! على دولة القرآن أن ترفع الإنتاج ليكفي الرزق خلق الله، لكن مسئولية الدعوة أن تربي الأبوين على تحمل المسئولية ورعي الأمانة»[16].

لذا كان من أهم وظائف التربية في هذه النظرية الاهتمام بالكيف وليس الكم؛ يقول الأستاذ ياسين: «وتبقى الواجهةُ الأساسيةُ، واجهةُ التربية والتعليم هذه لا يقاس النجاح فيها فقط بكم الخريجين من المعاهد العلمية التقنية، إن كان الخريجون سيبقوْن عاطلين لانهيار الاقتصاد أو لسوء التنسيق بين ما تخرجه المدارس وما تستطيع استيعابه عجَلَة الإنتاج، إنما النجاح بالكيف الخلقي الإيماني المشارِك المسئول الذي يتحلى به جيل كامل أصاب طويلا أو قصيرا من التكوين المدرسي»[17].

وتطالب التربية القرآنية الإنسان بالبعد عن الفواحش؛ يقول الأستاذ ياسين: «من بنود الواجبات الإسلامية النهي عن المنكر والتعاون على حربه ” لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ”( لقمان: 13). أول ما يتواصى به المسلمون، ثم لا تعق والديك، ولا تشهد الزور، ولا تفر من ساحة الجهاد، لا تسرق، لا تكذب، لاتنافق، لا تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، لا تزن، لا تقرب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، لا تقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، لا تطفف المكيال والميزان، لا تكل بمكيالين فذاك حرام»[18].

أما عن تربية القرآن في مجال المعاملات والبيع والشراء فواضح أن الجماعة المسلمة تتحرك وتتعامل فيما بينها، والمجتمع المستقر المزدهر هو الذي يقوم فيه التعامل على أسس من العدل والأمانة والاستقامة والنظافة في القلب والضمير، ولذلك ذم اللّه سبحانه المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، وذلك استعجالا للكسب الفاني والقليل الذي يذهب الثقة ويهدر الكرامة ويضيع الحقوق نتيجة للغش المتعدد الأوجه، ولذلك فإن «تربية المؤمن – المنتج النافع الذي يبذل ولا يظلم، الذي لا يلهيه التكاثر المادي عن ذكر الله، ولا يدفعه الحرص والجشع إلى الاحتكار واللم والمنع والسرقة والغش والرشوة والربا- هي وحدها الضامنة للقضاء على جذور الظلم»[19].

والأوامر التي تدعو إلى سلامة الحياة ونقائها كثيرة؛ كالوفاء بالعهد، وقول الحق ولو على ذوي القربى، واتباع هدى الله والاقتصاد في الإنفاق، والنهي عن التبذير، وإلقاء النفس في التهلكة، وغير ذلك من الأوامر والنواهي التي يحفل بها كتاب الله وسنة نبيه، وكلها تؤدي إلى توفير حياة هانئة سعيدة خالية من القلق والإضراب والفوضى.

أما بالنسبة لقانون الارتقاء الروحي والعقلي فلم تغفلها هذه النظرية؛ فإن القرآن يدعو الإنسان إلى المحافظة على عقله الذي كرمه الله به وميزه عن الحيوانات؛ لذلك حرم عليه كل شيء يؤدي إلى فقدانه لهذه الخاصية المميزة له، فحرم عليه المسكرات والمخدرات باعتبارها عوامل هدم للمجتمع وقتل لمواهب الإنسان وصرف للطاقات البشرية في غير الوجهة التي يجب أن توجه إليها، وهي تتنافى مع مطالبة الإنسان بالسمو الروحي الذي هو من مميزات الإنسان، وهي التي تمنحه السكينة والطمأنينة، وهي التي ترفعه عن الخلود إلى الأرض واتباع الشهوات والانغماس في الحياة المادية؛ يقول: «الإسلام ارتقاء لا يرضى بالقرار في مقام معين، يبدأ بمنزلة القيام بالشعائر والواجبات التي يحددها الشرع لكل مسلم، ثم ينتقل إلى مقام الإيمان حيث تلازم الاستقامةُ العبادةَ ليرتقي إلى مقام الإحسان الذي يفتح الباب ليلج بالغُه فضاء الرحلة الروحية الكبرى، في هذه المرحلة يحتاج المسلم إلى مرشد روحي؛ لأن السبيل طويل مليء بالعقبات، لا بد من مرشد روحي، من ولي يرعى نبتة الكائن الروحي إلى أن يتجذر غرسها ويقوى عودها»[20].

إن فقدان التربية الروحية للإنسان يؤدي به إلى الانحلال والفوضى وسيطرة الشهوات وانتشار الأدواء الاجتماعية مثل الحسد والبغضاء والكذب والنفاق.. إلخ؛ إذ إن الجانب الروحي في حياة الإنسان يمثل إحدى حاجاته الطبيعية التي تبعده عن كثير من الأمراض المادية وتحقق له السعادة في الدنيا والآخرة وتسمو نفسه إلى درجات الكمال والنماء والرقي، والعبادات التي فرضها الإسلام من صلاة وصوم وزكاة وحج وخضوع كامل لله هي الطريق إلى السمو الروحي والكمال العقلي ووسيلة إلى السعادة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، ولذلك فإن « القرآن يقدم لنا أنبياء الله عز وجل في صورة نماذج عليا للفضيلة وقدوات ينبغي اتباعها، وتجسيد متكرر للكمال الروحي، كما يليق بمن ائتمنهم الله عز وجل على رسالة نبيلة»[21].

والقرآن يقدم التزكية على التعليم كما هو واضح من ترتيب السياق ويجعلها مقدمة له تسهل التعليم وتعززه: “قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى”. وفي هذا الصدد يعرض الأستاذ ياسين المفارقة بين مجتمع النبوة الذي أفلح بالتزكية وغيره من المجتمعات التي ترتع كالبهائم؛ يقول: « كانوا من صفاء نفوسهم وزكاتها وخوفهم من الله عز جل وَوَجَل قلوبهم إذا ذُكر يضجون فزعا وحضورا قلبيا مع حقائق الموت وما بعده إذا أنذروا بعذاب القبر، كان ذلك المجتمع الذي يفِد فيه الرجال أرْسالا على بيت امرأة ليسمعوا منها، وليتلقَّوا العلم عنها مجتمعا يتآمر فيه الرجال والنساء بالمعروف ويتناهون عن المنكر، لم يكن مجتمعا ملعونا تشيع فيه الفاحشة فيسكت العلماء ويتملصون من واجبهم، في ذلك المجتمع كانت تغضَب المؤمنة، وتحتج، وترفع شكواها إلى المقام العالي إن زعم أحد أنه أولى بالفضل منها، وأنها أحط منه درجة في الإيمان والجهاد»[22].

وفي ميدان التزكية هذه تشدد التطبيقات النبوية على الابتعاد بالفرد عن البيئات التي تتنكر للقيم الإسلامية وعن مؤسساتها الثقافية والتوجيهية والوظيفية ابتعادا يستهدف توفير نوع من الحماية الفكرية والروحية والسلوكية، ويمكّن التربية الإسلامية من الانفراد بإعادة تشكيل سلوكه؛ يقول الأستاذ ياسين: «كانت روح المسجد لا روح المراقص والحانات والشواطئ مَعَارِض اللحوم الأنثوية هي السائدة؛ فَخَوْفا من أن يستعمل الإباحيون والإباحيات ما كان من لقاء وتعارف وتزاور ومذاكرة بين الصحابة رضي الله عنهم والصحابيات استعمالا مضلِّلا نُسرع إلى التأكيد بأن اجتماع المؤمنين والمؤمنات في ذلك القرن الخَيِّرِ عالَمٌ آخر غير العالَم الذي يَتخذه الإباحيون مرجعا، ويتبنون فلسفته مذهبا، البَوْن شاسع بين جاهلية وإسلام؛ الإسلام هو ذاك الذي نقرؤه في السيرة النبوية حيًّا، والجاهلية المعاصرة هي النموذج الأتم لما تنحط بالإنسان غرائزه لَمّا طوى صفحة البحث عن معنى وجوده، وجَهِل الله وكفر به وبالدار الآخرة، ما مقارنة اللقاء بين المؤمنين والمؤمنات في قرن النور مع لقاء الفواسق والفاسقين في هَوَس الاختلاط الإباحي إلا كمقارنة بهائم ترعى الأخضر واليابس مع الملائكة، كاد طُهْرُ تلك القلوب أن يُلحِق الصحابيات بالملائكة، كانت الملائكة تسلم على أحدهم، وينزل جبريل عليه السلام بالتحية من عند الله لأمتِه أم المؤمنين خديجة، شتان ما بين مؤمنات تغذت عقولهن وقلوبهن بالقرآن، وتزكت نفوسهن بتربية من يتنزل عليه القرآن، وما بين من ابتلعتهن الفلسفة الدوابية! هذه الفلسفة تقول: إن البنات يُغَرْغِر في ضميرهن الكبت ومركبات النقص بسبب انعزالهن عن الأولاد، تأتيهن الصحة النفسية والعافية السيكولوجية، والعفوية والبراءة، إن اختلطن برُفقائهن!!»[23].

وفي سبيل هذه التزكية اتخذت التطبيقات التربوية الإسلامية ثلاث خطوات؛ أولها: تعديل السلوك بإبعاد المسلم عن المنابع الدينية الأخرى وتوحيد المنبع الذي يستقي منه المسلم وهو القرآن ومخالفة المظاهر الحياتية لغير المسلمين، وثانيها: إبعاد المؤثرات الثقافية الخارجية من أنماط التفكير والقيم والعادات والتقاليد والتصورات، ثم الخطوة الثالثة وهي الشروع بتعديل السلوك غير المرغوب فيه وتعزيز ما هو مرغوب فيه، ويلاحظ أن القرآن الكريم والسنة الشريفة قد حددا للنفس ثلاث مراتب يتدرج الفرد خلالها حتى يبلغ السلوك العاطفي والعقلي والعملي منتهاه المرغوب فيه. وهذه المراتب هي: مرتبة الإسلام وتستهدف تعديل السلوك الظاهر، ثم مرتبة الإيمان حيث يتدعم السلوك الظاهر بالإيمان الباطن، ثم مرتبة الإحسان حيث تتناسق مهارات التفكير مع تطبيقات الجوارح وانفعالات الشعور وتتضافر جميعها لإخلاص العبودية لله وإصابة الحق في كل ميدان من ميادين العبادة أو العمل، وبذلك تتضافر جميع أنماط السلوك لتعزيز الموقف الذي تحدده أهداف التربية الإسلامية.

ومرحلة الإيمان التي ذكرها الأستاذ ياسين والتي يطلب فيها مطابقة المخبر للمظهر هي التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله: “قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ” (الحجرات: 14). يقول الأستاذ ياسين: « ارجعْ إلى كتاب الله وسنة رسوله، واقرأ حديث القلب ونورِه، والنفسِ وتزكيتِها، ومقامِ المقرَّبين من الله المحبوبين أوليائِه، وكون المرء على دين خليله، وكون الأعرابِ مسلمين لمّا يَدخل الإيمان في قلوبهم، وكون المؤمنين أصحاب الميمنة لاحقين بالسابقين متخلفين عنهم»[24].

أما المرحلة الثالثة: فهي التي عبر عنها الرسول صلى اللّه عليه وسلم بقوله: «الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك»[25] كما سيأتي.

ولو استعرضنا التكاليف والأوامر التي أمرنا الله بها لوجدناها في نهاية الأمر كمال السلوك وقمة الاستقامة وغاية الرقي الروحي والعقلي وصلاح الفرد والأمة، فالصلاة والصيام والزكاة والحج، ومراعاة حقوق اللّه كلها من إيمان به ورسله وملائكته وكتبه وبعثه وحسابه وجنته وناره وحلاله وحرامه، ومراعاة أوامر الله في طاعة الوالدين وحقوقهما وبرهما، ومراعاة حقوق الزوجة والأولاد، وحقوق الأقارب والجيران والمسلمين عامة وحقوق الدولة الإسلامية والجماعات، كل هذه الأشياء هي التي تؤدي إلى الإنسان الكامل الخلق الموجه لطاقاته التي أودعها الله فيه في اتجاهها الصحيح، وكلها في النهاية تؤدي بالإنسان إلى تحقيق سر وجوده على هذا الكون وهو عبادة الله وحده خالق هذا الكون الذي سخره لعباده ليكونوا سادة الكون وعبيد الله..

إن الرقي الكامل لا يتم بمجرد الجهود التي يبذلها الفرد لإصلاح نفسه والسمو بها والترفع بها عما يهين آدميته ويذهب عقله، ولكن جهود الأمة والدولة كلها يجب أن تتجه إلى ذلك، فإذا كان العلم المجرد يرى ضررا كبيرا على إنسانية الإنسان من إباحة الخمور وأنواع الدخان والانقياد وراء الشهوات بلا رابط، فإن أنظمة الحكم وقوانين الجماعات يجب أن تحرم ذلك صيانة لعقل الإنسان وكرامته وإنسانيته، وذمة المؤمنات ودين المؤمنين يفرضان على الأفراد طرح هذه الخبائث[26].

وإذا كان التفكير الحر المعقول حقا يميز آدمية الإنسان، فإن الأنظمة التي تحجر التفكير وتمنع النقد والمناقشة والتأمل كالمجتمعات الشيوعية والاشتراكية وتوابعها والأنظمة التي تبيح التفكير بلا قيود ولا ضوابط كلها تحط من قدر العقل وإنسانية الإنسان، والقرآن قد جاء بدعوة لتحرير العقل البشري من قيود الحَجْر كلها قديمة وحديثة، وأنكر على الذين يعطلون هذه الخاصية خاصية التفكير في أنفسهم «فالعقل هو الآلة والحَكَم لتمحيص المعرفة، وتحديد مكان الإنسان في الكون، وتنظيم المجتمع، وتدبير السياسة»[27].

المطلب الثاني: المعالم القرآنية للوظيفة الاجتماعية للتربية في نظرية المنهاج.

أكدت كتابات الأستاذ ياسين على أهمية التربية الإيمانية في تنمية الإنسان تنمية معنوية تكون أساسا ومنطلقا لتنمية شاملة في جميع المجالات والميادين، ومن خلال استقراء سريع لمؤلفات الأستاذ يمكننا تحديد مجموعة من الوظائف التي يمكن أن تقدمها التربية القرآنية من أجل النهوض بالمجتمع، وحفظه وصد هجمات المعتدين وردع الخارجين على نظام المجتمع، وتحقيق العدل والأمان بين المواطنين، وذلك في النقاط التالية:

  • التربية الإيمانية القرآنية مطلب ملحّ في شتى مناحي الحياة، فبغيابها مَلَكَنا أعداؤنا مع أنهم «حطام بشري من حيث العقيدة والفكر والخلق والرجولة، لكنهم يحكموننا لما لهم من انضباط بخط فكري يلتزمون به، وتنظيم مصلحي أو حديدي أيديولوجي يجمع قوامهم في قبضة ضاربة تعيث فسادا في قيم الأمة المعنوية والمادية، وإنما صرنا غثاء السيل لا نملك من أمرنا شيئا؛ لأن الوهن، وهو خوف الموت وحب الحياة الدنيا، احتل أنفسنا في غياب التربية الإيمانية»[28].
  • التربية الإيمانية القرآنية هي السبيل الآمن للتخلص من حملات التشكيك والتضليل، فـ «الأمة فيها خير، لكنها ضحية للتضليل والتهييج الحكوميين والحزبيين، وحملات التشكيك في الإسلام ودعاته عاتية، فلكي ننازع دعاة الجبر والتضليل القائمين على أبواب جهنم كما جاء في الحديث لا بد لنا من دعوة واضحة تنير الطريق أمام الأمة، ولا بد من تربية وتنظيم صف متراص من المؤمنين يتوسطون الشعب، ويقيمون صلبه، يتغلغلون في بيئاته شاهدين حاضرين ثابتين على خطى هادفة، يأتم الشعب المسلم بها ويتبعها ويساندها، ويستلهم من رسوخها في الحق ودؤوبها على السير في جادة الجهاد معاني الاعتزاز بالله ورسوله ودينه، ومعاني العطاء في سبيل الله حتى الشهادة»[29].
  • التربية الإيمانية القرآنية هي الموجه للطاقات، «فتربيتنا الإيمانية وتنظيمنا الجهادي ينبغي أن يرصدَا طاقاتنا ويوجهاها لقومة أعمق أصلا، وأرفع وأوسع منبسطا من حروب التحرر من الاستعمار وثورات ما بعد التحرر، تلك الثورات التي نقلت شعوبنا المغلوبة على أمرها من نظام جاهلي يميني إلى آخر يساري، ثم عودا على بدء في حمى الاضطرابات التي تعصف بنا على يد حكام الجبر فينا، تربيتنا وتنظيمنا ينبغي أن يعدا القوة الإسلامية الذاتية التي لا تعتمد على سند جاهلي لتقاوم آثار الفساد في مجتمعاتنا وجند الإفساد الجاثم على صدرنا، حتى نستقيم على أقدامنا، ونكسب المناعة ضد الغزو الفكري والغزو الفعلي والحصار الكائد والخانق من وراء حدودنا»[30].
  • التربية الإيمانية القرآنية كفيلة بتغيير الواقع الجاهلي؛ يقول الأستاذ ياسين: « في بلادنا الإسلامية صنائع للجاهلية وسدنة من بني جلدتنا لمصالحها وفكرها، يحكموننا بغير ما أنزل الله، فجهادهم لا يتأتى بوسائل على نمط وسائلهم، ولا على أرضية صنعوها وهيئُوها وبثوا فيها الألغام من حيث لا ندري، لن يقوم القومة الإسلامية إلا جند الله الذين يتعين أن ننشئهم ونربيهم على نشدان الشهادة، ثم ننظمهم وننظم تغلغلهم في الشعب تعاطفا معه وتعليما وتبشيرا وتحريضا، حتى تتألف الموجة الإسلامية العارمة التي ينبغي أن نقودها لتكون قومة إسلامية لا ثورة عمياء»[31].

المطلب الثالث: المعالم القرآنية لأهداف التربية في نظرية المنهاج النبويهأأ.

أما عن أهداف التربية فقد حددتها بدقة عبارات صريحة في مختلف كتابات الأستاذ ياسين، الذي جعل التربية القرآنية هي البداية الوحيدة الصحيحة العملية لتصحيح المسارات الخاطئة والتي تعج بها المجتمعات بهدف العودة لشموخنا واعتزازنا « الذي يبدأ من البداية الوحيدة الصحيحة: التربية ثم التربية ثم التربية»[32].

  • التربية الإسلامية الإيمانية الإحسانية ستعالج داء عضالا حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم أمته، وهو حب الدنيا وكراهية الموت[33].
  • التربية هي التي ستحقق الرجولة القرآنية «إن غابت التربية، وهجرت المساجد، وتنكرنا للذكر والتسبيح بالغدو والآصال فلن تكون تلك الرجولة القرآنية أبدا»[34].
  • التربية الإيمانية الإحسانية ستربط جهاد النفس لترويضها على الحق بجهاد العلم والعمل[35].
  • بل إن ميدان التربية والتعليم سيكون أعظم ميدان لمواجهة الجاهلية الخارجية والفتنة الداخلية وتكتل الدخلاء الصنائع المعادين للدين مع جنسهم من الكفار، ذلك الميدان الذي فيه يتقرر المستقبل، وعلى نتائج غرسه يتوقف مصير الأمة[36]. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: « مكان المواجهة التي نحتاج غدا للمثقفين يساندوننا فيه هو جهاز التربية والتعليم، نظام التربية والتعليم هو العَمود الفِقَري للدولة، وإعادة ترتيب هذا الجهاز ضرورة الضرورات في حياة الأمة، يجب إنشاؤه إنشاء جديدا، وصياغة قنواته وسد منابع الفساد المُخَلَّفَةِ فيه لإعداد أجيال سليمة العقيدة والفطرة، مسلحة بالمعارف العملية التطبيقية. ومَن يُفْرِزُ الغَثَّ من السمين، والضارَّ من النافع، والسم من العسل غيرُ المثقفين الذين عرفوا الجاهلية ثم عافوها وأدركوا قزامتها وضآلتها وأوَوْا إلى حضن الإسلام؟ من يُطَهِّرُ البرامج وينتقي من زُملاء الأمس الصالحَ من الطالح غيرُ من مارس المهنة وجال في الحقل الثقافي جولات؟»[37].


المبحث الثاني

للفكر التربوي ودعائمه في نظرية المنهاج

يمثل القرآن والسنة الأسس القرآنية المصدرين الرئيسين لأسس التربية وأهدافها ووسائلها وخصائصها ونماذجها في النظرية التربوية لدى الأستاذ ياسين؛ إذ إننا نستمد بطبيعة انتمائنا الإسلامي دعائم التربية الإسلامية وأسسها من المصدرين الأساسيين للعلوم الإسلامية كلها وهما: الكتاب والسنة؛ لأن أصول التربية الإسلامية ومرتكزاتها وأهدافها موضحة ومفسرة في هذين المصدرين، ويؤكد الأستاذ ياسين في نظريته التربوية أن كل « تعليم وتربية، وكل حركة، وكل تخطيط وإنجاز، لا تكون إسلامية إلا بموافقتها واستجابتها لأمر الله ورسوله؛ الموافقة والاستجابة لنقل صحيح من كتاب وسنة يجتهد في إطارهما عقل عالم، بإرادة جهادية»[38].

إن هذه النظرية ترتكز على أساس قرآني متشعب الفروع، فإذا كانت التربية الإسلامية تهدف إلى « رعاية الإنسان في جوانبه الجسمية والعقلية والعلمية واللغوية والوجدانية والاجتماعية والدينية وتوجيهها نحو الصلاح والوصول بها إلى الكمال، وإذا كانت غايتها هي تحقيق العبودية الخالصة لله في حياة الإنسان على مستوى الفرد والجماعة والإنسانية، وقيام الإنسان بمهامه المختلفة لعمارة الكون وفق الشريعة الإلهية»[39]. فإن ذلك يعني صياغة الشخصية الإسلامية وفق نسق متكامل من العناصر التي تغذي بناء تلك الشخصية في جميع أبعادها المتفاعلة بحيث تنهض بمهامها على الوجه الأكمل، وليست تلك العناصر إلا مجموعة من الدعائم القرآنية التي تحقق للإنسان إنسانيته ككائن حظي بالتكريم من الله تعالى، هذا التكريم الذي تجسد بمنحه العقل وأمانة الاستخلاف في الأرض، وما دام الله تعالى قد جبل الإنسان بفطرة تؤهله للتشكل وفق الأهداف الخيرة والسير في خطها المستقيم؛ فإن هذه الدعائم ستكون هي الأساس الذي يضمن للإنسان أن يولد ولادة ربانية تؤهله للحياة في ظلال طاعة الله وحمل النفس على تنفيذ مراده في هذا الكون. 

ويمكن القول بأن هذا ما سعت إليه نظرية الأستاذ ياسين، فقد اعتمد على ثلاث دعائم رئيسة في القرآن الكريم شكلت هذه النظرية التربوية في غالب مناحيها، وهذه الدعائم هي (العقيدة، الإنسان والفطرة والصراع مع عدوه اللدود، المسئولية والجزاء) ومن خلال هذه الدعائم القرآنية تتشكل هذه النظرية التربوية في بناء الإنسان، وسوف نتناول هذه الدعائم بشيء من الإيجاز:

المطلب الأول: العقيدة القرآنية وأثرها في كتابات الأستاذ ياسين التربوية.

من خلال استقرائنا لكتابات الأستاذ ياسين نجد أن العقيدة الإسلامية تمثل الدعامة الأساسية للنظرية التربوية عنده؛ فالإيمان بالله وحده هو الموجه لسلوك الإنسان والدافع له إلى فعل الخير والنصير له من حيث العناية والرعاية والتوفيق، كما أنه الذي يصرفه عن طريق الشر ويجعله متحليا بالفضائل وحسن الخلق، والمقصود بالإيمان في هذه النظرية أركان الإيمان التي وردت في حديث جبريل المشهور الذي جاءنا – على حد تعبير الأستاذ ياسين- في حُلَّةٍ من التشويق والغرابة والتفصيل التربوي، وقد احتاج الأمر لأهميته أن يَنزل جبريل على صورة رجل ويحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم حوارًا مدهشًا ليُعَلِّمهم دينهم[40].

يقول الأستاذ ياسين:«ومتى قوي الإيمان في القلب بتجديده اشتدت بواعث العمل الصالح، فالتجديد المطلوب للأمة هو تجديد بواعثها لتقوم أفرادا تجدد إيمانهم بالتربية»[41]. فمن ثم ينبغي للتربية الإيمانية الإحسانية أن تربط جهاد النفس لترويضها على الحق بجهاد العلم والعمل[42].

ولأن هذا الإيمان هو الموجه للسلوك والضابط له والمتصل اتصالا وثيقا بالأعمال الصادرة من الإنسان، فإن هذه النظرية التربوية تربط دائما بين العمل والسلوك، ثم بين العمل الصادر من هذا الإيمان وبين الجزاء؛ قال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً”( الكهف: 107). ويقول: “وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ”( العصر: 1-3). والقرآن مليء بالآيات التي تقرن الإيمان بالعمل؛ فالإيمان الحق هو الذي يصدر عنه السلوك وينبع منه العمل الصالح ويخرج منه الخلق الكريم، فحسن الخلق والإخاء والمودة واجتناب الكبائر والتمسك بالفضائل يجب أن تصدر كلها عن هذه العقيدة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول مبينا عملية الربط بين الإيمان والسلوك الصادر من المؤمن: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له»[43].

إن التربية في هذه النظرية « تخاطب أعمق ما في الإنسان وهو شعوره بالخواء والعبث ما دام بعيدا عن الله، ثم ترفعه في صحبة المؤمنين المتواصين الصابرين المتراحمين إلى طلب أسمى غاية وهي وجه الله والاستواء مع أصحاب الميمنة. الالتزام الإسلامي الإيماني الإحساني ليس كالالتزام السياسي؛ فهذا لا يحتاج إلا لتربية الفكر، أما الدخول مع المؤمنين فيريد اندماجا عاطفيا وفكريا وحركيا في جسم الجماعة، اندماجا لا ينقطع بانتهاء الحياة الدنيا بل يمتد إلى الحياة الأبدية»[44].

« إن كنتَ مؤمنا مسلما فهات! هات حق الزكاة، وحقًّا غير الزكاة، وبرًّا واسعًا تتطهر به ويتطهر المجتمع من أرجاس الشح والظلم والفقر والمرض والجهل، والنفس ما لم يَتَبَطَّنها الإيمان لا تُرخِي قبضتها على المال، وفي قهرها على إرخاء القبضة تدريبٌ لها على الإيمان»[45].

يقول الأستاذ ياسين أيضا: « من اعتقد في نفسه أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ونطق بذلك لسانه، وصدّق برسل الله وكتب الله وملائكة الله وقدر الله وباليوم الآخر، ثم عمل بمقتضى الشهادة والتصديق فقد آمن، فما عدا تعريف الإيمان في حديث جبريل: «… أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»[46].

لكن الإيمان حق الإيمان – وهو يزيد وينقص وله شعب منها الأعلى والأدنى، وله كمال حين يكتمل وخروج حين يخرج، فيكون كالظلة على رأس الزاني حين يزني مثلا – حالة شاملة لكيان المؤمن، ليس الإيمان معنى مضافا إلى ذات الإنسان، بل هو معنى قائم بها، فكمال الإيمان هو كمال المؤمن في معناه، وما يحصله المؤمن في مجموعه من التحلي بصفات الإيمان، والتخلق بشعبه، هو مدى كماله الذاتي الذي يبعث على صورته إن ختم الله له بالحسنى، وهو مقامه عند الله أبد الآبدين، فإذا اكتمل الإيمان من كل جوانبه، واستمد قلب المؤمن من كل شعبه، ارتفع به إلى الإحسان درجات “وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا”( الإسراء: 21). فطلب كمالك من الله عز وجل بوقوفك على باب الكريم الوهاب، وعملك الدائب على مقتضى الكتاب والسنة، هو ما يطلبه إليك الإيمان، ليس الاعتقاد النفسي والنطق اللساني والتعبد المفروض عليك، ترقيك عن درجة الإسلام. لا، حتى يتجدد في القلب الإيمان، حتى يحدث في القلب تحول، حتى يجد في القلب حلاوة الإيمان، حتى ينشرح الصدر بها. عند ذاك تزدهر رياحين الإيمان، وتصبح على مثال تلك الشجرة الطيبة المضروب مثالها في القرآن. إن العقيدة النفسية العقلية، والنطق اللساني، والعبادة بالجوارح إيمان عام جاء في حديث جبريل، وتخصصه الأحاديث الأخرى الكثيرة التي ذكرت حلاوة الإيمان وشعبه وكماله والآيات التي ذكرت زيادته ونقصه ودخوله، وكتابته في القلب. هذا الإيمان المخصص هو الإيمان الحي الذي يحيي قلوب الرجال والنساء حتى يصلحوا أن يخاطبوا بـ: يا أيها الذين آمنوا؛ لأن لهم إرادة طاعة الله ورسوله، ولأن لهم القدرة على تنفيذ ما أمروا. من زعم أنه مؤمن وهو منكمش على شحه، وأنانيته، وسوء مخالقته لأهله ولجيرانه وللمؤمنين، فذاك دَعِيٌّ»[47].

يقول الأستاذ ياسين: «فالمؤمنون حق الإيمان كما جاء في الآيات هم “الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا”، “وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا”(الأنفال:72). الولاية قرب بين المؤمنين وتناصر وأخوة ووحدة الأمر الجامع بينهم» [48].

هذه هي التربية القرآنية التي في ربطها المحكم بين العقيدة والسلوك وجعل العمل نابعا من العقيدة والعقيدة أساسا لكل فعل، إنما تؤكد أهمية ربط التربية بمعتقدات الأمة، وكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ترتكز على هذا الجانب وتؤكد عليه وهو: أهمية ربط الأمة بعقيدتها.

المطلب الثاني: أثر تصوير القرآن لفطرة الإنسان وصراعه مع عدو اللدود في كتابات الأستاذ ياسين التربوية.

أهم عناصر العملية التربوية في هذه النظرية هو الإنسان، ومن هنا تأتي صعوبة هذه العملية؛ لأن محلها وموضوعها الإنسان بكل دوافعه وطبائعه ونوازعه وغرائزه، كما أن وسيلتها الإنسان أيضا، فهو الهدف والوسيلة معا، «والتربية أبوة وأمومة، وفطرة يورثها جيل سالم لجيل ناشئ يتعرض للتلقي، ويقبَلُهُ ويمتص ويرشف ويرتوي»[49].

وقد اختلف العلماء حول الطبيعة الإنسانية بين من يرون الإنسان مادة أولية تطورت وتعقدت، ومن يرونه عقلا وروحا، ومن يرونه مكونا من الروح والمادة، واختلفت تبعا لذلك تفسيراتهم لطبيعة الإنسان، أهي طبيعة حيوانية أم طبيعة روحية، أم متوسطة بينهما؟

أما الإنسان في هذه النظرية فله حكمة في طبيعة خلقه كما حددها القرآن الكريم؛ يقول الأستاذ ياسين: « لا بديل إذن من قراءة متأنية متواصلة للنص القرآني لمن يبحث عن العلم والفهم في خبايا الوحي بعد فشل العلوم والفلسفات البشرية في هدايته؛ فسورة «المؤمنون» مثلا تستوعب في بدايتها الحياة الدنيا للإنسان ومصيره في الآخرة بعد اجتيازه لامتحان العبور: “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ”(المؤمنون: 1–5). ليعرج القرآن فور انتهائه من تعداد الفضائل والعبادات التي تؤهل المؤمن للسعادة الأبدية على أصل الإنسان: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ”. ثم مصيره: “ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ”(المؤمنون: 12– 16)»[50].

والقرآن كذلك يبين أن الإنسان خُلق في أطوار “مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا”(نوح: 13-14). والأطوار هي الانتقال من مرحلة الطين إلى مرحلة الإنسان الذي ميزه الله عن سائر مخلوقاته بالعقل: «يكرم الله المؤمنين به والمؤمنات بنور العقل القلبي، فيفقه عن الله ما يخاطبه به في آياته المنزلة في القرآن، ويعقل عن الله ما يخاطبه به من الآيات المخلوقة في كونه الجسمي والنفسي، وفي الكون الخارجي عنه؛ من أرض وشمس وقمر وكواكب وإنسان وحيوان ونبات وجماد ونظام بديع، يفقه ويعقل خطاب الله له المزدوج يدعوه لينظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء، وفي فعل الله بالناس حين خلقهم من نطفة ثم من علقة ثم أطوارا إلى أن خرجوا من ظلمات الأحشاء إلى عالم البلاء، وكيف يعمرهم عمرا طويلا أو قصيرا، وينكسُهم في الخَلق حين يبلغون الكبر، كل ذلك ليتذكر الإنسان المتحرر من ربقة الهوى والهلع أن له أجلا وموعدا مع الله في الدار الآخرة»[51].

فالنفخة الروحية التي ذكرها القرآن هي التي جعلت من الطين إنسانا مكرما، أما التفاصيل الموجودة في الآية فهي تتناول أطوار نشأة الفرد الإنساني بعد أن صار إنسانا، فالله تعالى “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ”. والله تعالى « يقص علينا بدء خليقتنا: “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا* قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا* قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا* وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا* إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا* رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا* وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا* أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا”(الإسراء: 61 – 68). هكذا اقترن البلاء بالخلق، وسلّط الرحمن على بني آدم الشيطان وحزبه، وأمره أن يستفزهم بصوته ويُجلب عليهم بخيله ورجله، وأن يشاركهم في الأموال والأولاد، وأن يمنيهم وعود غواية وغرور، وأمر الله مُطاع، وما الشيطان إلا عبد أخزاه الله وشده في عجلة البلاء، والبلاء حكمة الرحمن – تقدست أسماؤه – ومن البداية أعْلم الحق سبحانه مَن يلقي السمع وهو شهيد أن عباده المصطفين لعبودية الإيمان وولاية الرحمن ومقامات الإحسان لا سلطان عليهم للفاسق عن أمر ربه بالسجود لآدم عليه السلام، وانطلق الشيطان يحتنك ذرية آدم ويكيد ويمكر ويغرُّ… وكل ذلك بفعل الشيطان لعنه الله؛ يلجم أولياءه، ويأكل ممن استجاب له العقل والمروءة والدين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عند مسلم يرويه عن ربه عز وجل: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم –أي على الفطرة والاستقامة– وإنهم أتتهم الشياطين واجْتالَتْهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا»[52].

منذ البداية اجتهد إبليس وذريته وحزبه في احتناك ذرية آدم يحرفهم عن الفطرة جيلا بعد جيل، ويلجم ما يلجم، ويأكل ما يأكل، ويجتالهم عن دينهم، أي: يجول بهم بعيدا من دينهم.

فلما بعث الله عز وجل رُسله للخلق يذكرونه بميثاق الفطرة وعهدها، جعل لكل نبي أعداء من شياطين الجن ذرية إبليس ومن شياطين الإنس، تتعاون الشيطنة الجنية والإنسية في عملية الاحتناك؛ قال الله عز وجل: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ”(الأنعام:112). وشاء ربك تبارك وتعالى أن يكون شياطين الإنس أسبق في محاربة الفطرة من أبالسة الجن؛ لكونهم ألصق بالجنس وأشبه وأدخل، كما شاء الله أن يكون الهداة من الإنس، أنبياء ومربين، من الإنس لا من الملائكة، وكما كان شياطين الإنس ولا يزالون أعداء الفطرة وملجميها وآكليها، كذلك كان المهتدون الهادون ولا يزالون إلى يوم القيامة أولياء الفطرة ومحرريها ومحييها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحَدكم من يخالل»[53]. أنت على حظ من الإسلام أو الإيمان أو الإحسان والرجولة النورانية التي قرأناها في سورة النور بدرجة مَن تصحب وتخالل وتجالس؛ فإنّ سَبَق لشيطنة الإنس والجن إلى فطرتك بادرة فأنت المأكول. فلينظر أحدكم من يخالل. هذه هلكة جاءت الأمةَ من تسليط الشياطين على العباد الذين خلقهم الله كلهم حنفاء واجتالتهم الشياطين، بمعنى جالت بهم، وجاءتها من فساد الفطرة التي يناصبها العدوّان العداء ويقتنصانها، في زمان النبوات وبعد ختامها. وهناك هلكة تضافرت على هذه الأمة عواملها مع عامل الشيطنة المحتنكة للمولود وللجماعة عن الجادة الوراثية القويمة المقومة، ألا وهي هلكة الحكم»[54].

ومن هنا يرى الأستاذ ياسين أن « تربية أهل الإيمان ينبغي أن تجمع القلوب والعقول على ذكر الله، والتفكر في النفس ومصيرها»[55].

إن وجود خصائص مادية وخصائص روحية في الإنسان جعلت التركيب الإنساني جامعا لصفات ترجع بعضها إلى الناحية المادية، وبعضها إلى الناحية الروحية، وبعضها إلى امتزاج الناحيتين في الإنسان، وهذا ما يسمى بالميول والدوافع والغرائز، أو ما يسمى بالفطرة التي تشمل الثلاث، وكل واحدة من الثلاث لها دلالتها وتفريعاتها؛ فالغرائز هي الاستعدادات النفسية العضوية فطرية أو موروثة تجعل المرء يحدد مواقفه سلبا أو إيجابا إزاء مواضيع معينة بعد إدراكه لها مباشرة، أما الدوافع فهي كل أمر يدفع الإنسان إلى سلوك معين أو تغير داخلي معين، سواء كان الدافع داخليا من الإنسان أو خارجيا من بيئته التي يعيش فيها. والدافع يشمل كل الدوافع كالميول والرغبات والحوافز والحاجات، وذلك كله يعبر عنه الإسلام بالفطرة باعتبارها قوة دافعة تدفع الإنسان إلى القيام بأفعال معينة نتيجة مواجهة مواقف معينة في الحياة، ولا يتسع المقام لتفصيل القول في الدوافع كلها، ولكننا سنعرض لبعضها من نظرية الأستاذ ياسين، فمثلا « من أخص خصائص المؤمن حياةُ القلب، لا يعرفها عالَم الجاهلية، وقد مستنا عدوى العقلانية الجافة، واختلطت في مجتمعاتنا دوافع النفس البشرية المشتركة مع الدوافع الجاهلية الهِيَاجِيَّةِ المُعْدية، فضمُرَت، ثم ذبُلَت، ثم ماتت رقائق القلب من تواد، وتراحم، وتساكن فإذا مجتمعنا تركيب تُقَعْقِعُ فيه المصالح، والعلاقات النفعية الجافة والكراهية والتحاسد والتباغض والعنف وهو الجاهلية. ما ذاك إلا لتعطيل، بل تعطل، الحياة القلبية»[56].

وحب التملك دافع فطري في الإنسان عالجه القرآن مرارا “وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ”(العاديات:8). “وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا”(الفجر:20). وقد ترتبت بعض الصفات على غريزة حب التملك في الإنسان مثل التدافع في الدنيا وحب الشهوات والنساء والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والأنعام والحرث، وهو مع ذلك هلوع جزوع إذا أصابه شر، ومنوع وناس إذا أدركه الخير. يقول الأستاذ ياسين: « يعبئ الإسلام غريزة التملك ونازِعَ المبادرة وجاذبيَّةَ السوق، لكن يهذب هذه الغريزة، ويخاطب الفطرة، ويوقظها لكيلا تستنيم، ويذكر المرءَ بأنه مسافر عابر سبيل، إن كان لا بد له من متاع يرتفق به في الدنيا ويتبلغ به فإنه لن يجد في آخرته غيرَ ما قدمت يداه من عمل صالح يشهد الشرع بصلاحه»[57].

يقول الله تعالى: “وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ* لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ* أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ* وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ”(الروم:33– 36).

فهذه الآيات تصور النفس الإنسانية التي تتحكم فيها الانفعالات حين لا تستند إلى عقيدة ثابتة وقيم دائمة، فهي تلجأ إلى الله في ساعات الشدة فإذا صرف الله عنهم الشدة نسوه بل كفروا بما آتاهم من فضله ورحمته، وقد يفرح الإنسان برحمة الله ونعمه وتنسيه الفرحة شكر النعمة والرحمة، بل قد يتجبر ويتكبر ويبطر فإذا ابتلاه الله في نعمته جزاء عمله تملكه اليأس والقنوط من رحمة الله. وهذه الحالات هي للنفس البشرية التي لا تستقيم على منهج الله ولا تثبت على قيمه « وتشترك الانفعالات البشرية في التسمية، فيكون للمؤمن والجاهلي فرح وغضب، حب وبغض، وسائر ما تعتلج به الأنفس. لكن المؤمن وحده المختص بحاسة القلب يفرح بالله، ويغضب لله، ويحب في الله، ويبغض فيه. أما الكافر المطبوع على قلبه فلا يعدو الانفعالَ النفسيّ»[58].

هذه الدوافع الفطرية والغرائز المادية كلها خير إذا وجهت إلى الخير وشر إذا وجهت إلى الشر وأسيء استعمالها. فالأستاذ ياسين يرى أن في الإنسان طاقات ضخمة يمكن توجيهها إلى الخير إذا وجهت توجيها صحيحا، وإلى الشر إذا لم يحسن استخدامها، كما يرى أن الدوافع والغرائز والميول يمكن أن توجه إلى الخير لتسمو بالإنسان وترقى به وتخلصه من الخلود إلى الأرض والركون إلى الشهوات وطاعة الشيطان.

«وأصل الجِبِلَّة على الفطرة السليمة والطبع المتهيِّئ لقَبول الدين الحق، فلو تُرِك عليها لاستمر على لزومِها ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن هذا الدين حُسنُه موجود في النفوس، وبِشرُه في القلوب. وإنما يعدِل عنه من يعدِل إلى غيره لآفة من آفات الشر والتقليد. الفطرة فطرة الله تعالى، وكونه متهيئا لقبول الحقيقة طبعا وطوعا، ولو خلّته شياطين الإنس والجن وما يختار لم يختر إلا إياها. وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلِك الجمعاءَ والجدعاء مثلا. يعني أن البهيمة تولد سَوِيَّةَ الأطراف سليمة من الجَدْعِ (وهو قطع الأنف) ونحوه لولا الناسُ وتعرضهم لها لبقيت كما وُلدت سليمة»[59].

أما الدوافع الفطرية الروحية فإن الإسلام قد قررها ومنها نزعة التدين في الإنسان واستعداده الفطري في الالتجاء إلى الله ومعرفته والركون إليه والاطمئنان عنده بصرف النظر عن صحة التدين أو انحرافه فـ «القلب المنوَّر شاهد عدل تقبل شهادته وفتواه، إنه بمثابة الأعضاء والجلود التي تشهد على أصحابها في الآخرة، كما قال الله تعالى: “يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”(النور: 24). القلب المفتوح له تجاوز العادة وخرقها وأصبح شأنا من شئون الآخرة. لتجاوز قلبِ المؤمن الذائقِ طعمَ الإيمان، العادة كان له الإشرافُ والإمارةُ على العقل القاصر المسجون في بيتِ العادة والحجاب عما وراء الحس، وكانت له الفتوى في الدقائق التي لا يدركها العقل ولا تنالها الحواس. القلب المؤمن يسمع ويرى ويذوق ما لطُف من المعاني والحقائق ويُدلي بشهادته… وقال النبي صلى الله عليه وسلم لوابصة حين سأله عن البر: «استفتِ نفسك؛ البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس»[60]. هذا مقام تصدّر فيه القلب للفتوى، صدَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذِن لَه، أذن له أن يقول كلمته في فهم خاص لرجل في خصوصيات أخلاقه وإدراكه لعموميات البر والإثم. ولا يُستنتجُ من هذا الإذن الشريف أن لقَلبِ وابِصةَ أو لقلب غيره من الأمة أن يشرِّع حدود البر وتخوم الإثم من عنده. إنما يستنتج منه أن البر كما شرعه الله ورسوله، والإثم كما وضع الله عز وجل له حدودا ورسولُه، تطابِقُ معالمهما الفطرة السليمة، فيطمئن القلب السليم للبر، ويحوك الإثم في الصدور ويتردد فيها»[61].

«خطابنا القرآنيَّ المنهاجيَّ يلتقي بالفطرة السليمة عند المسلم والمسلمة نُكوِّنُ رحمة إحيائية معها، وبها تنبعث القوى الإيمانية المحركة للجماهير»[62].

كما يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مدى قابلية الطفولة للتكون وإعادة الصياغة حسب استعدادها الطبيعي[63] فيقول: « ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه»[64]. يقول الأستاذ ياسين: «يولد المولود على الفطرة، أي: على الاستعداد لتلقي الإيمان والاستقامة عليه، وإنما تُجْدَع فطرتُه وتُقطع وتُبتَر بفعل العامل التربوي، بفعـل الأبوين أساسا؛ إما يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه إن كان ذاك دينهما، أو يحفظانه مؤمنا بالله وباليوم الآخر إن كانا مؤمنين راعيين لمسئوليتهما التربوية قادرَيْن عليها، يشِع من قلبهما وسلوكهما وكلامهما ورفقهما وعنايتهما هداية الوحي، وإلا تخليا عن وظيفة الهداية الفطرية وزُحزِحا عنها»[65]. من هنا يقرر الأستاذ ياسين أن التربية سماع وتشبه وتمثل وتشرب[66].

ومن ثَمَّ يبرز الدور الذي يقوم به الوالدان والمحيطون بالطفل في توجيه هذه الفطرة والذي قد يمتد أثره لأجيال لاحقة، فيقول: « لا جرم أن فعل الوالدين وفعل كل من يقع تأثيره على المولود، هو الذي يزيغه عن الفطرة وهي إقامة الوجه لله عز وجل على مقتضى الميثاق الأزلي الذي أحقه ربنا سبحانه على بني آدم. ونوعية الزيغ من تهويد وتنصير وتشريك المذكورة في الحديث لا تَحصر التأثير في هذه الأصناف، وأي نوع من العقيدة والسلوك والثقافة والفكر والحضارة أُنشئ عليها مولود فردا وأُنشئ عليها جيل وورثها كان مضمونا أن تسري بالوراثة للأجيال اللاحقة»[67].

ويقرر الأستاذ ياسين أن الإنسان كثيرا ما ينحرف عن فطرته ولكن التربية القرآنية هي الوسيلة لإرجاع الإنسان إلى فطرته وتوافقه معها وإرسال الله الرسل للناس مع إشهاده لهم على أنفسهم إنما هو الوسيلة لهداية الإنسان إلى فطرته وتوجيهه إليها، ومع أن القرآن يذكر أن الله ألهم النفس تقواها وفجورها وأن الإنسان قد يفلح بتزكيتها ويخيب بدسها فإن سيدنا إبراهيم يدعو الله قائلا: “رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ”(البقرة: 129).«فهذان مؤهلان في الرسول، كونه مبعوثا من لدن المولى جل وعلا، وكونه منهم… مؤهلان اثنان أساسيان ضروريان أن يتكاملا ليقدر الرسول على توصيل الرسالة وعلى التأثير التربوي القائم على القدوة والمثلية»[68].

المطلب الثالث: مبدأ المسئولية والجزاء وأثره في الكتابات التربوية للأستاذ ياسين.

تربية الإحساس والشعور بالمسئولية من الأمور التي بنت هذه النظرية التربوية ركائزها عليها، وذلك لما للإحساس بالمسئولية وغرسها في النفوس وممارستها في الواقع من أثر كبير في تربية الأفراد والمجتمعات، والمسئول هو الشخص الذي يتحمل نتيجة أعماله أمام اللّه وأمام نفسه ومجتمعه، وعلى مدى الالتزام بهذه المسئولية أو عدم الالتزام بها يكون الجزاء خيرا أو شرا، والمسئول في الإسلام هو الراعي كما بينه الرسول صلى اللّه عليه وسلم في حديثه: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»[69]. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشجع المبادرات البناءة، ويُحمِّل المسئوليات للأمير والمأمور، والرجل والمرأة[70]. لأن المسئولية من بداية عبادة المسلم لله وتسير معه وتكون ملازمة له طوال هذا الطريق “وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”( الإسراء: 23) من هنا تبدأ مسئولية كل مسلم ومسئولية الدولة المسلمة حق الإسلام لتقرأ في القرآن كله والسنة كلها ما فرضه الله على كلٍّ من مسئولية وواجب وفرض عين وفرض كفاية، وعدل وإحسان وشورى وأخوة وتراحم بين بني الإنسان»[71].

فمعنى «المسئولية حين يلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفهمها العقول وتعيها القلوب التي تقرأ القرآن وتعيه فهو الوقوف بين يدي الله عز وجل غدا يوم القيامة ليُسأل الإمام والرجل والمرأة والأب والابن، ويُجازوا عن أعمالهم، يُثابون إِن أحسنوا عملا، ويعاقبون إن أساءوا»[72].

كما أن المسئوليات تتدرج لتشمل الفرد والأسرة والجماعة والحاكم والعامل مما يدل على أن الراعي هو كل شخص في موقع المسئولية أيا كانت المسئولية المنوطة به، والمسئولية بهذا المعنى تشمل كل فرد من أفراد الأمة توفرت فيه الأهلية للتكاليف والوعي بنفسه وسلوكه وواجباته في الحياة. يقول الأستاذ ياسين: «لا بد من إرساء قواعد الدولة الإسلامية، وهي مشروع التطبيق الكامل للشريعة، في الذمم المتعاهدة لجند الله، ثم بالتفرع والتعاطف والتآلف في ذمم المؤمنين والمسلمين، فيكون في كل بيت، وفي كل مرفِق من المرافق، وكل مؤسسة، بالتدرج والبناء الصابر، راعٍ يرعى، ومسئول عن رعيته يجنده لخدمة دين الله عز وجل باعثُ القرآن قبل أن يردعه وازع السلطان.  هكذا حتى يتكامل البناء يشدُّ بعضه بعضا، من الإمارة العليا إلى المرأة الراعية لحقوق أسرتها الحافظة لحدود الله في بيتها… إذا اختلت سلسلة الرعاية ومات ضمير المسئولية، وهما مختلان ومائتان أشدَّ الاختلال وأفجع الموت في مجتمعات الفتنة، فما يكون إعلان تطبيق الشريعة بين عشية وضحاها إلا مناورة سياسية ولافتة دعائية يرفعها غريق من الزعماء كما قال فرعون لما أدركه الغرق: “آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ”( يونس:90)»[73].

وقد نصت نظرية الأستاذ ياسين على أنها تريد عبادا لله، يربون تربية المؤمن المسئول أمام الله والناس، المشارك بصدق وإخلاص في بناء أمته، يرجو بلوغ قمة العقبة لينظر وجه الله[74]. ولذلك يشترط الإسلام في الشخص المسئول شروطا تبين الأهلية كشرط العقل والبلوغ والحرية في الإرادة والاختيار والقبول والرفض والقدرة على التحمل، يقول الأستاذ: « فإن جماعة المسلمين أهل المسجد ما هي حشد من المصلين الذين اعتادوا ارتياد بيوت الله لحضور صلاة وخطبة جمعة، ثم يتفرق الجمع، ويعود كل إلى الانسياق في الخضم الاجتماعي، والهم الفردي، والغيبوبة الدائمة عن مسئولية المسلم والمؤمن إن كان السعي على العيال، وضرورة الكسب، وبديهية احتياج المسلم والمسلمة لمعاشرة مجتمعه على أي حالة كان هذا المجتمع، فإن المسلم التائب والمؤمنة الواعية المتحملة لمسئوليات إيمانها ترعى من بين ما ترعى ضرورة السعي على العيال، تنصرف إليه بهمة وأمانة، لكن لا يصرفها السعي اليومي عن المسئوليات العامة، ولا يصرفها أداء حق رعيتها القريبة عن أداء حق الله وحق العباد على المسلمين والمؤمنين. يقظة قلب المؤمن والمؤمنة إلى ما عليهما من حقوق الله والعباد تحولهما من صفات الناصية الكاذبة الخاطئة الهائمة الأنانية غير المسئولة إلى صفات الراعي المسئول عن أمانته، فهما منذئذ الفاعل المغير وسط الراكدين»[75].

فالمجنون غير مطالب بالمسئوليات وكذلك الصغير والذي لا يملك إرادة نفسه أو لا يستطيع تنفيذ اختياراته، ولذلك أخرج الإسلام من دائرة المسئولية المجنون والنائم والناسي والمضطر« لأن المسئولية تقتضي حرية، ويسأل العقل في امتحانه وبلائه: إذا كان عملي مخلوقا من لدنه مقدرا فما مكان مسئوليتي؟»[76].

وبما أن أقل عدد يتكون منه الأسرة فردان هما الزوج والزوجة، فإن لكل واحد منهما مسئولياته وكذلك الأبناء والأقارب إن كانت الأسرة كبيرة، وقد وضع الإسلام المسئولية الكبرى، في الأسرة على عاتق الزوج باعتباره المتولي لزمام القيادة والنظام والتوجيه للأسرة والمسئولية عنها أمام الله والمجتمع، وعلى عظم المسئوليات والتكاليف تكون الامتيازات الممنوحة للرجل ومنها امتياز القوامة ومقابل هذا الامتياز الامتياز الذي مُنح للمرأة هو إطلاق صفة الصلاح عليها إن قامت بواجبها وأعانت زوجها على مسئولياته والله تعالى يقول: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ”(النساء:34).

وهذه القوامة قد حددها اللّه تعالى من خلال الوظائف والخصائص النفسية والعضوية والعقلية لكل من الرجل والمرأة وهما يمثلان نفسا واحدة واختصت كل واحد من شطري النفس بتكاليف وأعباء حسب استعداداته الفطرية وخصائصه العقلية والعاطفية؛ لأن الرجل والمرأة يكوّنان مؤسسة تسمى بالأسرة، وقد استفاضت نظرية الأستاذ ياسين فيما يخص هذا الصدد في أكثر من موضع من مؤلفاته، ونحن ننقل هنا نصا من كلامه يبين لنا ما نحن بصدده؛ إذ يقول عند تفسيره للدرجة التي فُضل بها الرجال على النساء: « إن الإيمان بدرجة الرجال على النساء إيمان بالقرآن، والكفر بها كفر بالقرآن، فهذا فيصل ما بيننا وبين أعداء الدين، الدرجة للرجال على النساء مزية ثابتة بالكتاب والسنة؛ قال الله تعالى: “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”(البقرة:228). جاءت الآية في سياق أحكام الطلاق، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول الفقهاء، فتثبت الدرجة للرجال في الشأن الخاص في الحياة الزوجية، وفي الشأن العام في الحياة السياسية الاجتماعية. لكن ما مضمون هذه الدرجة؟ أهي براءة تمنح للرجل وتفويض لكي يدوس المرأة تحت قدميه، أم هي مسئولية رعاية أمينة وقيادة رحيمة؟ القرآن حمّال أوجُهٍ كما قال الإمام علي، والسنة القولية والفعلية هي الضابط والتفسير والنموذج التطبيقي؛ السنة تقول: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»[77]… يفسر الفقيه الواقعي الذي ينزل الفتوى على ما هو كائن في عصره وما هو ممكن مفهوم الدرجة والرعاية والمسئولية تفسيرا واقعيا. فالدرجة في تفسير الحافظ ابن كثير هي درجة في الفضيلة والخَلْق والخُلُق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة. بعبارة موجزة فهي مواطنة من الدرجة الثانية في الدنيا والآخرة. وهذا ما يصادم صدر الآية الذي جعل لهن مثل الذي عليهن بالمعروف، ويصادم فيما يرجع لفضل الآخرة قوله تعالى مخبرا عن السعداء أولي الألباب: “فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى”(آل عمران: 195).

في بعض روايات حديث الرعية والمسئولية: «والرجل راع في أهل بيته» «في» بدل «على» والفرق شاسع بين«على» الاستعلائية التسلطية التي كان بها الحاكم العاض أميرا على المؤمنين، وبين«على»المسئولة القائمة بالقسط الفرق شاسع بين«على»التي يخضع بها الرجل رقبة المرأة ويغمطها حقها وبين«على»مسئولية القيادة الرفيقة. ورواية«في» تكسير من غلواء«على»التسلطية.

الرجل في أهل بيته نجد نموذجه في رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان في خدمة أهله إذا دخل البيت، وكن ينازعنه ويراجعنه في حلم ولا يغضب، ويتلطف ويداري… ومع هبوط الرعاية السياسية انعكس الانحطاط على ما كان ينبغي أن يكون رعاية مسئولة للرجال على النساء فإذا بالضعيفة المرأة في أسفل الاضطهاد. هبطت رعاية الرجال للنساء مع الهبوط العام فأصبحت الزوجة والأم والأخت عضوا منكمشا محبوسا لا يكاد يظهر له أثر في مجمل النظام الاجتماعي الاقتصادي.

وساد فقه السجن الذي يريد للمرأة ألا تخرج من البيت إلا مرتين: مرة من بيت أبيها إلى بيت زوجها، ومرة من بيت زوجها إلى القبر. كانت «على» الاستعلائية هي الأداة التي نقَّصَتِ المرأة في كل الميادين؛ لأن الفقيه الواقعي سحب على المرأة من حيث هي امرأة الحكم القرآني الجزئي، وعمم على كل أحوالها الدونية الموهومة في كون شهادة الرجل تساوي شهادة امرأتين، وكون نصيب الابنة بين إخوتها من الميراث نصف نصيب الذكر. وما الحكم القرآني يقضي بالدونية ولا بأن المرأة نصف إنسان»[78].

يقول الأستاذ ياسين: « ونتأمل مسئولية القوامة في دائرة الوصية النبوية النهائية في خطبة الوَداعِ، مرتفعين بتلك المسئولية من معنى تكفل الرجل بقوته وعضليته وماله ورئاسته إلى معاني طاعة الله وطاعة رسوله ورعاية وصيته… عن أمِّ سلَمة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثَلاثٌ، كان يتكلم بهن حتى تلجلج لسانُه وخفِي كلامه، جعل يقول: «..اللهَ اللهَ في النساء فإنهن عَوَانٍ عندكم»[79].

فالفرد الذي وعده الله بالثواب أو العقاب يأتي يوم القيامة وحده، فإذا وجد خيرا حسب ما قدم كان مصيره الجنة والنعيم المقيم، وإذا قدم شرا كان مصيره ما يستحقه من عقاب اللّه. يقول الأستاذ ياسين « نعم مسئولية الفرد في آخر المطاف هي المعتبرة؛ لأنه يأتي ربه يوم القيامة فردا، ويحاسب على أعماله هل طابقت مقاصد الشرع نية وتنفيذا؟ لا تزر وازرة وزر أخرى»[80].

والجزاء قد يكون في الدنيا أو الآخرة أو فيهما معا، كما أنه قد يكون قصاصا يقوم به ولي الأمر، وقد يكون مباشرة من اللّه في الدنيا بالهلاك كما حدث لعاد وثمود وغيرهم من الأمم التي قص القرآن أخبارها، لذا ينبغي أن ننظر بعين الاعتبار «التي تعطي للتاريخ وما يجري في الكون معنى، كما تعطي للإنسان وعقله ومسئوليته وحريته مكانها في الامتحان المستمر، هذه الحضارة الغربية في قاعة الامتحان كما كانت عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع»[81].

ولأهمية الجزاء في سلوك الإنسان فإن اللّه سبحانه وتعالى رغب في الخير وحث عليه وربط مصير الإنسان في حياته الدنيا والآخرة بمدى التزامه بالعمل والسلوك المرغوب فيه أو غير المرغوب فيه؛ إذ إن العقل البشري لا يتصور عدم الجزاء على ما يعم الحياة من خير ورحمة ومودة وإخاء أو ما يكدرها من ظلم وشر وفرقة واستعباد وبعد عن الله. يقول الأستاذ: « وعن مصير الإنسان الفرد المدعو إلى الله مصيران مشتبكان متعانقان، ونربط مصير المجاهد بمدى سعيه لتحقيق مصير العزة لأمته، فإن الله تعالى إنما وعد الشهيد بالحياة الخالدة في النعيم؛ لأنه يسعى بجهاده وبذل حياته في إحياء أمته»[82]. ويقول: « ونبني على أن صلاح دنيا الفرد مرتهن بصلاح دنيا المجتمع، ونبني على أن مرور الفرد من هذه الدنيا له مغزى ومعنى هو الابتلاء بالشر والخير، والعرض على مِحَكِّ “ليبلوَكم أيكم أحسنُ عملا”( الملك:2).

ودار الابتلاء هذه الدنيا قاعدتُها وشرطها التناقض والتدافع والسببية والمسئولية. ثم الانتقال بالموت، وبعد الموت الدار الآخرة دار الجزاء، إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض أو إلى نار وَقودُها الناس والحجارة أعِدَّت للكافرين»[83].

هكذا تضع هذه النظرية التربوية كل فرد من الأمة في موقع المسئولية التي يترتب عليها المحاسبة والجزاء يتناسب مع القوانين الطبيعية في الكون والنزعات الفطرية في الإنسان؛ إذ إن الإنسان يريد أن يرى نتيجة أعماله وثمار جهده؛ لأن العمل يكون على قدر الثواب في الدنيا، فكيف بالآخرة.

الخاتمة

من خلال معايشتي لهذا الموضوع أستطيع أن أقرر أننا لمسنا الوجهة التجديدية والنزعة الإصلاحية التي لا تركن إلى ما كتب السابقون فحسب، بل تنزله على الواقع بما لا يخالف المنهاج النبوي الشريف.

كما تظهر أهمية هذه الدراسة إذا علمنا أن بعض الدراسات التربوية الإسلامية كان رهينا للمناهج البحثية المستمدة من الدراسات الغربية فدار في فلكها مقارنة ومقاربة، مما جعلها مبثوثة الصلة عن المجتمع الإسلامي ومعالجة مشكلاته، فجاء تأثيرها وعطاؤها محدودا، في حين أننا نجد كتابات الأستاذ ياسين فيما يخص الجانب التربوي مستمدة من الواقع الإسلامي الذي جعله يقارن بين هذا الواقع والمنهج التربوي في المنهاج النبوي المستمد من القرآن والسنة، وإن أضافت كتاباته عنصر المقارنة بين واقع التربية في المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الغربية كما رأينا، لإبراز القيم الإسلامية وأهمية عطائها في مجال الدراسات التربوية؛ لقد حاول أن يستوعب الواقع بكل مكوناته، سواء في ذلك الداخل الإسلامي، أو على مستوى المحاولات الاستعمارية في طمس الهوية وممارسة عملية التذويب عن طريق الثقافة والسياسة والتربية والتعليم.

إن مما يبرز أهمية دراسة الفكر التربوي بصفة عامة عند الأستاذ ياسين هو أنه لم ينح منحى معظم الدراسات التي جاءت في إطار التشخيص وبيان الأمراض والامتداد أحيانا إلى دراسة الأسباب إلى جانب رصد الآثار، والقليل منها حاول وصف الدواء وبناء سبيل الخروج من الأزمة، وهذا أهم ما يميز الكتابات التربوية عند الأستاذ ياسين.

لقد جاءت مجالات التربية في نظرية الأستاذ ياسين متمثلة في أربع مجالات رئيسة استوعبت شئون الحياة والآخرة معا، هي: العقيدة والعبادة، والإنسان، والمجتمع والدولة كلها ممثلة في الأمة الإسلامية إلى القمة ممثلا في الحاكم أو الراعي.

كما جاءت أسس الفكر التربوي ودعائمه في نظرية المنهاج النبوي مستمدة وجهتها من القرآن الكريم وحياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة، ومن خلال هذه الدعائم القرآنية والتوجيه النبوي تتشكل هذه النظرية التربوية في بناء الإنسان.

التوصيات:

أما عن التوصيات التي يراها الباحث بعد مطالعة هذا الإنتاج الضخم من كتابات الأستاذ ياسين، فهي توجيه نظر طلاب البحث العلمي في الجامعات الإسلامية والعربية إلى دراسة هذا الإنتاج واستخلاص الآراء وتصنيف محتوياتها للإفادة منها في مختلف المجالات وشتى الميادين. كما يدعو الباحث أصحاب دور النشر والمؤسسات العلمية إلى توفير هذا الإنتاج من خلال نشرة علمية تضم الأعمال الكاملة من كتب ومقالات وتفريغ المسموعات في موسوعة واحدة.  

والله ولي التوفيق

مراجع البحث

أحمد بن حنبل (الإمام):المسند، تحقيق: شعيب الأرنوؤط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2،1420هـ/1999م.

البخاري (الإمام):الجامع الصحيح، طبعة الشعب، القاهرة،1378هـ

أبو داود (الإمام):السنن، دار الحديث، القاهرة.

سيد سجاد حسين، وسيد علي أشرف (الدكتور):أزمة التعليم الإسلامي، شركة مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع، 1983م.

ياسين، عبد السلام ،

  • الإحسان، مطبوعات الأفق، ط1،1998م.
  • الإسلام والحداثة، دار الآفاق، ط1،2000م.
  • الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، بدون ناشر.
  • إمامة الأمة، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1430هـ/2009م.
  • تنوير المؤمنات، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1،2003م.
  • حوار الماضي والمستقبل، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الثانية, 2003.
  • حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، دار البشير للثقافة، ط1,1998.
  • سنة الله، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1،1426هـ/2005م.
  • العدل الإسلاميون والحكم، دار الآفاق، ط1،2000م.
  • في الاقتصاد ‏البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الثانية،2003م.
  • القرآن والنبوة، ط1، 2010، دار لبنان للطباعة والنشر. .
  • محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، دار البشير، مصر، الطبعة الثانية.  
  • المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الشركة المتحدة للنشر والتوزيع, ط1،1994.
  • نظرات في الفقه والتاريخ، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، ط الثالثة، الأولى بمصر، طنطا، 1415هـ/1995م.

ابن كثير:تفسير القرآن العظيم، تحقيق عبد العظيم غنيم وآخرون، دار الشعب القاهرة، 1390هـ/1971م.

مسلم (الإمام):الصحيح، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، بمصر1955م.


[1] أي: إخمالها والوضع منها بالخذلان عن الهُدَى. ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم، تحقيق عبد العظيم غنيم وآخرين، دار الشعب القاهرة، 1390هـ/1971م، 4/208.

[2] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما  وزحفا ، الشركة المتحدة للنشر والتوزيع, الطبعة الأولى،1994، ص 12.

[3] ياسين، عبد السلام، الإحسان، مطبوعات الأفق، الطبعة الأولى، 1998م 1/4.

[4] ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 2, 2003 ص 121.

[5] ياسين، عبد السلام، سنة الله، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1426هـ/ 2005م، ص 47.

[6] ياسين، عبد السلام، الإحسان، 2/573.

[7] ياسين، عبد السلام، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، دون ناشر، ص 155.

[8] ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، ص 94.

[9] ياسين، عبد السلام، الإحسان 1/353

[10] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 68.

[11] ياسين، عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم ، دار الآفاق، الطبعة الأولى2000م، ص 163.

[12] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، دار البشير، مصر، الطبعة الثانية، ص 66.   

[13] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، ص 66.   

[14] ياسين، عبد السلام، الإحسان 1/296، 297.

[15] ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد ‏البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 2003م، ص 174.

[16] ياسين، عبد السلام، سنة الله، ص 267.

[17]  ياسين، عبد السلام ،العدل الإسلاميون والحكم، ص 425.

[18] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، ص 87.

[19] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 202.

[20] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، دار الآفاق، الطبعة الأولى،2000م، ص 208.

[21] السابق، ص 154.

[22] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، بيروت، دار لبنان، ط1، 2003م، ص 208.

[23] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص 208.

[24] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1430هـ/2009م، ص 132.

[25] أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الإيمان –  باب سؤال جبريل 1/19، 20، ومسلم في صحيحه – كتاب الإيمان – باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله – 1/ 39، رقم (9).

[26] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص 138.

[27] ياسين، عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص 324.

[28] ياسين ، عبد السلام ،المنهاج النبوي تربية وتنظيما  وزحفا، ص 12.

[29] السابق، ص 13.

[30] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 15.

[31] السابق، ص 15.

[32] ياسين، عبد السلام، الإحسان 2/572

[33] السابق 2/564.

[34] ياسين، عبد السلام، سنة الله، ص 264.

[35] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما، ص 25.

[36] ياسين، عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص 422. 

[37] السابق، ص 423. 

[38] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 26.  

[39] د. سيد سجاد حسين، ود. سيد علي أشرف: أزمة التعليم الإسلامي، شركة مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع، 1983م.ص 61.

[40] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 18. 

[41] السابق، ص 17. 

[42] السابق، ص 25.

[43] أخرحه أحمد في المسند 26/251(12718).

[44] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 24.  

[45] ياسين، عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص 184. 

[46] تقدم تخريجه.

[47] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 115.

[48] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما  وزحفا، ص 45.

[49] ياسين، عبد السلام، سنة الله، 264.

[50] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 244.

[51] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 102.

[52] أخرجه مسلم في صحيحه – كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها – باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار 4/ 2197 ، رقم (2865).

[53] أخرجه أبو داود في سننه – كتاب الأدب – باب من يؤمر أن يجالس 4/259، رقم 4833) ، والترمذي –كتاب الزهد – باب (45) (4/589، رقم 2378) وقال: حسن غريب.

[54] ياسين، عبد السلام، سنة الله، ص 270 – 272.

[55] ياسين، عبد السلام، الإحسان 1/373.

[56] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، الطبعة الأولى، 2010م، دار لبنان للطباعة والنشر، ص 58.

[57] ياسين، عبد السلام ،العدل الإسلاميون والحكم، ص 374. 

[58] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص 41.

[59] ياسين، عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص 257.

[60] أخرجه أحمد في المسند 4/228(18030).

[61] ياسين، عبد السلام، الإحسان 2/72.

[62] ياسين، عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص 23

[63] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، 198.

[64] أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الجنائز –  باب إذا أسلم الصبى فمات هل يصلى عليه 1/456 ، ومسلم – كتاب القدر – باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين 4/2047، رقم ( 2658)

[65] ياسين، عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم ، 402.

[66] ياسين، عبد السلام، الإحسان 1/91.

[67] ياسين، عبد السلام ، سنة الله ، ص 265.

[68] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، ص 33.

[69] أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجمعة – باب الجمعة فى القرى والمدن3/ 497 ، ومسلم في صحيحه – كتاب الإمارة – باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم 3/ 1459(1829).

[70] ياسين، عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، 116.  

[71] محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، ص 87.

[72] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص 294.

[73] ياسين، عبد السلام، الإحسان 1/264.

[74] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما  وزحفا، ص 28

[75] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، دار البشير للثقافة، الطبعة الأولى, 1998، ص 165.

[76] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص 103.

[77] تقدم تخريجه

[78] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 25.

[79] أخرجه أحمد (3/117 ، رقم12190).

[80] ياسين، عبد السلام ، نظرات في الفقه والتاريخ، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، ط الثالثة، الأولى بمصر، طنطا، 1415هـ/1995م. ، ص 81.

[81] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص 104.

[82] ياسين ، عبد السلام ، المنهاج النبوي تربية وتنظيما  وزحفا، ص 240.

[83] ياسين، عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، 219.