استكتاب ندوة الدولة في فكر الإمام عبد السلام ياسين

0 608

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

توطئة:

حظيت مسألة الدولة بحضور وازن في الفكر السياسي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، فقد تميزت مقاربته لمسألة الدولة بتركيزه الكبير على وظيفتها الكبرى في خدمة الإنسان والدعوة ورسالة القرآن، مع طرحه للأسئلة العميقة حول ماهيتها ووظائفها سواء في التجربة التاريخية الإسلامية أو في مسار تشكل الدولة الأوربية الحديثة منذ “معاهدة ويستفاليا” بألمانيا عام 1648 ثم تطورها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

والمقصود بالدولة في هذه الأرضية مفهومها السياسي الواسع، بوصفها ظاهرة تاريخية وسياسية ومجالا لتدبير الحكم وممارسة السياسة وإرادة الإصلاح، كما تتأسس ضمنيا على المفهوم الدستوري بكونها الكيان الترابي –الجغرافي والسياسي المتضمن لعناصر: الأرض والشعب والسلطة السياسية وكذا الاعتراف الدولي في الفقه الدستوري الحديث.

المطلع على مكتوبات الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يجد بأن الفكر السياسي يندرج ضمن مشمولات مشروعه التربوي الدعوي التغييري، كما يستمد أصوله ومفاهيمه من معين القرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة، مع اطلاع واسع على التجربة السياسية الإنسانية، ممّا مكنه من اجتراح أفكار ورؤى في مقاربة ظاهرة الدولة وفق ثلاثية ناظمة: طرح الأسئلة التأسيسية حول الماهية والسياق والوظيفة، ونقد المفاهيم السائدة في فقه الأحكام السلطانية وفي الفكر السياسي الحداثي، وصوغ مفاهيم منهاجية جديدة بنفَس اجتهادي واستشرافي.

ففي الأولى من كتبه “إمامة الأمة” المستلّ من السّفر الضخم غير المنشور الموسوم بـ”دولة القرآن” التي تندرج معظم مفاهيمه وأطارحه ضمن البعد الاستراتيجي للفكر الإسلامي المنهاجي، أي ضمن الفلسفة السياسية المنظرة للدولة المثال: دولة القرآن، دعا الإمام ياسين للاجتهاد في تقعيد وتنظيم أسس الدولة الإسلامية “على منهاج النبوة ومحجتها البيضاء نحتاج لاجتهاد يؤطر ويسيرّ نظام الدولة الإسلامية في اختيار الإمام وبيعته، وعزله، وفي نصب الحكومة وصلاحيتها، وفي خطط الدولة من قضاء، وفُتيا، ومظالم، وحسبة، وفي ترتيب الشورى ومجلسها واختيار أهلها، وفي تنشيط الإدارة الفعالة الخادمة لمصالح الأمة، وفي وضع وتطبيق دستور إسلاميّ يضبط كل تلك المهمات وهذا النظام”[1].

تحضر الدولة في فكر الإمام باعتبارها العنوان المؤسساتي لوازع السلطان الخادمة للدعوة بما هي التعبير المجتمعي لهدي الدين ووازع القرآن، وفق الثنائية التكاملية المنسجمة للدعوة والدولة لغاية إقامة الدين، اهتداءً بقوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)[2]. وفي هذا السياق كتب الإمام ياسين رحمه الله “يدان متكاملتان، ليمناهما، يدِ الدعوة، حقّ الإشـارة والهداية والتوجيه وواجبها أمينة على دين الله، أميرة على يد الدولة يدِ الحكم والحكمة والتدبير. كلاهما يقيم الدين من جانب تخصصه ودرايته وكفايته”[3].

تتقاطع النظرية المنهاجية مع غيرها من الرؤى الفكرية المنافحة عن ضرورة وجود الدولة وأهميتها في عملية الإصلاح والتغيير، بكونها الكيان المعبّر عن الإرادة المجتمعية في العيش المشترك والاجتماع السياسي، والمؤسسة الضامنة لاستقرار الحياة الاجتماعية والمعاش والعمران بتعبير ابن خلدون  في مقدمته إذ “الدولة والملك للعمران بمثابة الصورة للمادة، وهو الشكل الحافظ بنوعه لوجودها، وقد تقرَّر في علوم الحكمة أنه لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر فالدولة دون العمران لا تُتَصَوَّر، والعمران دون الدولة والملك متعذر؛ لما في طباع البشر من العدوان الداعي إلى الوازع”[4]، إذ لا بديل عن غياب مؤسسة الدولة إلا الفوضى ولجوء الناس إلى الانتماءات العصبية والقبلية  طلبا للأمن واتقاءً للصراعات الوجودية حول الأرزاق.

وبالرغم من وجود الاقتناع الشرطي في مكتوبات الإمام ياسين بحتمية وجود كيان الدولة لخدمة المصالح الدنيوية للأمة والمجتمع، وتيسير سبل التعبد وإقامة الدين وتحصيل المصالح الأخروية، إلا أن القارئ لفكره وفلسفته السياسية يلحظ تحفظا كبيرا عن منزع تغول الدولة وهيمنتها على الفعل المجتمعي للأمة، في تعارض جوهريّ مع تصور توماس هوبس للدولة “التنين” والممارسة الاشتراكية للدولة الشمولية والنمط اليعقوبي الفرنسي للدولة الوطنية المركزية.

هذا التحفظ المبدئي للإمام ياسين على النزعة الشمولية للدولة الحديثة وهيمنتها الرقابية على المبادرات المجتمعية  في التربية والدعوة والفكر والتعليم والفن والعمل الخيري وغيره من مجالات الفعل العفوي للأمة، جعله يتبنى رؤية إصلاحية تركز على فاعلية الإنسان والأمة وفي قلبها الدعوة في قيادة العملية الإصلاحية بالمجتمع، ضمن “حالة يتحقق فيها تقلص ظل الدولة”[5] كما دعته هذه الرؤية إلى انتقاد تيار الإسلام السياسي الذي بالغ في تضخيم جانب الدولة في تصوره وخطابه،” فكانت النتيجة أن غُيّب  أساس الدين، وهو الدعوة إلى الله تعالى وأشاد الناس بالقوة الحامية والدِّرْع الواقية والهيكل الخارجي: الدولة”[6].

ويمكن تحديد السياقات المعرفية لمقاربة الإمام لمسألة الدولة ومفاهيمها ومستلزماتها في الفكر الإسلامي المنهاجي في أربعة مباحث، تضمنت رؤيته التاريخية والواقعية والاستشرافية لقضية الدولة وهي:

  1. دولة التغلب والاستيلاء أو الدولة السلطانية
  2. الدولة الوطنية الحديثة
  3. الدولة الإسلامية القطرية
  4. الخلافة على منهاج النبوة

ويجدر بنا في هذا المضمار أن نطرح الأسئلة الآتية: كيف استحضر الإمام ياسين الأزمة الدستورية المبكرة في تاريخ المسلمين بانقلاب الخلافة إلى الملك ونشأة الدولة السلطانية؟ وما العوامل التربوية والاجتماعية والمؤسساتية لنهاية دولة الخلافة؟  وما الآثار الوخيمة لهذا الانقلاب على الفقه السياسي والدستوري الإسلامي؟ وماهي رؤية الإمام لمقومات العيش المشترك في الدولة الوطنية الحديثة؟ وما طبيعة حضور مفاهيمهما من قبيل المواطنة والتعددية الحزبية والدستور والانتخابات في الفكر السياسي للإمام؟ كيف نظّر الإمام في مختلف كتبه للدولة الإسلامية القطرية ضمن فلسفته السياسية لدولة القرآن؟ وما أهم الخصائص الدستورية والإدارية للخلافة على منهاج النبوة؟

كلّ هذه الأسئلة وغيرها من القضايا المتعلقة بفقه الدولة في فكر الإمام رحمه الله، نأمل محاولة مقاربتها برصد طبيعة حضورها عبر مسار فكر الإمام وتطوره، ومقارنة إسهامه بإسهامات غيره من المفكرين الإسلاميين والغربيين في الدراسة والتحليل، مع استحضار الأدبيات السياسية لجماعة العدل والإحسان في تناولها التفصيلي والراهن لإشكالية الدولة المدنية وتدبير المرحلة الانتقالية، وفكرة الميثاق السياسي وموقع الدين في الدولة والفضاء العام.

لكل ذلك بادرت مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للدراسات والأبحاث إلى الإعلان عن تنظيم هذه   الندوة في سياق سعيها الدؤوب إلى تطوير البحث الأكاديمي حول قضايا الفكر المنهاجي للإمام رحمه الله.

المحاور المقترحة:

نقترح على سبيل التوجيه لأشغال الندوة الفكرية المحاور الآتية:

المحور الأول: أصول وخصائص الفكر السياسي عند الإمام عبد السلام ياسين

المحور الثاني: الانقلاب الأموي على الخلافة ونشأة الدولة السلطانية (تفاعل الإمام مع تحول مفاهيم: البيعة – أهل الحلّ والعقد – دار الحرب ودار الإسلام – الدروس السياسية والدستورية المستخلصة من الانكسار التاريخي).

المحور الثالث: الدولة الوطنية الحديثة في فكر الإمام: مع تحليل رؤية الإمام للدولة القومية أو الدولة – الأمة في سياقها الدستوري الغربي – المواطنة – الدستور – الانتخابات – الديمقراطية – المشاركة السياسية للمرأة – المرحلة الانتقالية والميثاق – مع الإشارة إلى مواقفه من بعض الأنظمة السياسية مثل النموذج الأمريكي والإيطالي…

المحور الرابع: الدولة الإسلامية القطرية في الفكر السياسي للإمام: رؤيته لثنائية الدعوة والدولة – مسألة تطبيق الشريعة – التعبئة المجتمعية للبذل ضمن فاعلية المجتمع – حق المعارضة – طبيعة التنظيم الإداري للدولة هل هي مركزية أم لا مركزية؟ – إشارات في محددات العلاقات الدولية – محاذير ذوبان الدعوة في الدولة.

المحور الخامس: الخلافة على منهاج النبوة في الفلسفة السياسية عند الإمام: معالم الخلافة الراشدة – خصائص الخلافة الثانية التنظيم الدستوري والأسس المعيارية.

   ضوابط المشاركة:

  • إرسال ملخص المشاركة في مركزة (400 كلمة) يوضح إشكالية البحث وقيمته العلمية وخطته المنهجية قبل 16 يونيو 2025
  • يرفق الملخص بنبذة مختصرة للسيرة العلمية للكاتب.
  • إرسال المقال كاملا (بين 3000 و5000 كلمة) قبل 13 شتنبر 2025.
  • تخضع جميع البحوث للتحكيم من طرف لجنة علمية تحددها المؤسسة
  • تجرى التعديلات المطلوبة على البحث بعد قبوله.
  • الرد على طلبات المشاركة المقبولة فقط قبل 25 يونيو 2025
  •  يلتزم الباحث بضوابط البحث العلمي والأمانة العلمية.
  • ترقن المقالات بالعربية بخط Traditional Arabic، في المتن (16)، وفي الهوامش (14)، وباللغات الأخرى بخط Times New Roman، في المتن (14)، وفي الهوامش (12)
  • تاريخ انعقاد الندوة هو: 19 أكتوبر 2025
  • تصدر الأبحاث المشاركة في الندوة في كتاب جماعي ضمن منشورات المؤسسة.
  • توثق المصادر والمراجع على الشكل الآتي:
    • الكتب: يُثبت اسم الكاتب (الشخصي ثم العائلي أو الشهرة)، المترجم أو المحقق إن وجد، الكتاب، دار الطبع، الدولة، الطبعة، السنة، الجزء والصفحة. مثال: عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، دار الآفاق، الدار البيضاء، ط1، 1421هـ/2000م، ص 21.
    • الدوريات: يُثبت اسم الكاتب (الشخصي ثم العائلي)، عنوان المقال بين مزدوجتين، اسم المجلة، المجلد و (أو) رقم العدد، سنة النشر، المدينة أو الدولة، الجزء والصفحة.
  • البريد الإلكتروني للمراسلة  contact@yassine.org

[1] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص 230.

[2] سورة الحج، الآية 41.

[3] عبد السلام ياسين، العدل، الإسلاميون والحكم ص 574.

[4] ابن خلدون، المقدمة، ص 376.

[5] عبد السلام ياسين، الإحسان ج 2 ص 128.

[6] عبد السلام ياسين، العدل الإسلاميون والحكم ص 67.