مفهوم الفقه في فكر الأستاذ ياسين

0 510

مفهوم الفقه في فكر الأستاذ ياسين

د.جمعة محمود الزريقي، مستشار بالمحكمة العليا /طرابلس/ليبيا

goumazrigi@yahoo.com

 

مقدمة

يحاول هذا البحث استخلاص نظرية الفقه في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين من خلال بعض مؤلفاته، ويبدو للوهلة الأولى أنه يحدد المراحل التي مر بها الفقه الإسلامي في عدة عهود، الأول الفقه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار، ثم عهد الخلفاء الراشدين، يليه العهد الذي تحولت فيه الخلافة إلى ملك عضوض ثم العهد الذي استبعد فيه الفقه الجامع واقتصر على تشريعات الأحوال الشخصية وسطوة القوانين الوضعية المستوردة من البيئات الأخرى نتيجة سيطرة الدولة الحاكمة وجبروتها، ثم يحاول طرح نظريته في فكرة الفقه الجامع وما يجب أن يكون عليه في مستقبل المسلمين المعاصرين.

يعتمد الأستاذ عبد السلام ياسين على المنهاج النبوي في طرح نظريته الكاملة في تكوين المجتمع المسلم والنهوض به، وتأسيس الدولة الإسلامية الحديثة، وله رؤية خاصة للفقه الجامع ترتكز على عدة أسس من أهمها :النظرة الشاملة للفقه الإسلامي في كافة العهود ومختلف المدارس وكيفية الاستفادة منه حاليا، وضوابط الاجتهاد الذي يجب إتباعها في دراسته ونقده واستخلاص الأسلوب الأمثل في معالجة القضايا المستجدة ،وذلك يستلزم نبذ التقليد المذموم، وعدم التعصب لمذهب معين، والأخذ بالاجتهاد الجماعي في الفقه الإسلامي تجديدا في طريقة الفتوى، ويندرج هذا المفهوم ضمن نظرية إصلاحية شاملة تهدف إلى توحيد المسلمين ورفعة شأنهم، وقد يكون بناء الدولة الإسلامية المعاصرة، والأخذ بنظام الخلافة هو السبيل إلى ذلك.

ولاستخلاص نظرية الفقه يقتضي الأمر الإشارة باختصار إلى التطور التاريخي للفقه الإسلامي عبر العصور حيث بدأ بنزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فببعثه بدأت مسيرة هذا الفقه، وبنزول القرآن الكريم بدأ تاريخ التشريع الإسلامي الذي يعتمد على نصوص الآيات المنزلة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ما روي عنه من أحاديث وأفعال وتقريرات يضاف إلى ذلك الاجتهاد الذي أسفر عن إضافة الإجماع والقياس، وهذه مصادر التشريع الأصلية، واستنادا إليها اجتهد العلماء في مختلف العصور، ونتج عن ذلك ثروة فقهية امتاز بها التراث الإسلامي عن غيره.

إن ما طرحه الشيخ عبد السلام ياسين يحمل نظرة حديثة للفقه الإسلامي تختلف عما يراه بعض العلماء في مختلف البلدان الإسلامية؛ ذلك أن اجتهاداتهم في الغالب تنصب على المذهب السائد في الدولة ولا تشمل المدارس الإسلامية الأخرى، ومن ناحية أخرى قد يقتصر الاجتهاد على الدراسات الفقهية الحديثة فقط، ولكن الشيخ ياسين ينظر إلى الفقه الإسلامي في مجموعه الكامل منذ بداية الدعوة وتكوين الدولة الإسلامية إلى الوقت الحاضر، ويعتمد على المنهاج النبوي في طرح نظريته الكاملة في تكوين المجتمع المسلم والنهوض به.

وللشيخ ياسين رؤية خاصة للفقه الجامع ترتكز على عدة أسس من أهمها النظرة الشاملة للفقه الإسلامي في كافة العهود ومختلف المدارس، وكيفية الاستفادة منه، وضوابط الاجتهاد الذي يجب إتباعها في دراسته ونقده واستخلاص الأسلوب الأمثل في معالجة القضايا المستجدة وذلك يستلزم نبذ التقليد المذموم، وعدم التعصب لمذهب معين، والأخذ بالاجتهاد الجماعي في الفقه الإسلامي تجديدا في طريقة الفتوى.

فما هي تجليات هذه الرؤية؟ وما الجديد الذي به الأستاذ ياسين هنا؟ وما هي الخطوات العملية التي تفضي إلى هذا الفقه؟

عن هذه الأسئلة يروم الإجابة هذا البحث، وذلك من خلال بعض مؤلفات الشيخ التي وقفت عليها متبعا في ذلك المنهج التحليلي المقارن للوصول إلى مفهوم الفقه والاجتهاد لديه.

بعد هذه المقدمة المبينة لقيمة الموضوع وأهدافه ومنهجه قد قسمت الدراسة، إلى المبحثين التاليين:

المبحث الأول: مسيرة الفقه الإسلامي وفق رؤية الأستاذ ياسين.

المبحث الثاني: نظرية الفقه والاجتهاد في فكر الأستاذ ياسين.

بالإضافة إلى خاتمة تتضمن أهم النتائج والتوصيات.

المبحث الأول:

مسيرة الفقه الإسلامي وفق رؤية الأستاذ ياسين

قسم الشيخ عبد السلام ياسين تطور الفقه الإسلامي إلى مراحل على النحو التالي[1]:

– المرحلة الأولى: الفقه في عهد نشوء الدعوة والدولة، وهي المرحلة التي تألفت فيها الجماعة من المهاجرين والأنصار.

– المرحلة الثانية: عهد الخلافة الرشيدة، وفي هذه المرحلة تطورت فيها العلاقة بين الجماعة المؤسسة تطورا توسعيا.

– المرحلة الثالثة: عهد الفساد والكساد عندما استبدلت الخلافة بالملك العاض فالجبري.

– المرحلة الحالية: وهي التي أصبح للعلمانية والنوايا العدوانية على الدين الصدارة في تفكير الحكام وممارستهم، وغطت الدولة على الدعوة تماما.

وفيما يلي بيان هذه المراحل:

المطلب الأول: الفقه في عهد نشوء الدعوة والدولة

يبدأ هذا العهد بنزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدور الأمر الإلهي في قوله تعالى: “فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ‌” الحجر:94، فانطلقت الدعوة إلى دين الله في مكة المكرمة، وصاحب ذلك دخول العديد من عرب مكة وغيرهم في دين الإسلام إلى أن حان موعد الهجرة بأمر الله تعالى إلى يثرب  عندها بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في إنشاء الدولة الأولى في الإسلام.

يقوم الفقه في هذا العهد على دعامتين، وهما: القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فأساس التشريع يعتمد عليهما، فقد كانت الأحكام الشرعية تأتي في سور القرآن الذي ينزل منجما مع الحوادث التي تقع، إلى جانب الأحكام التي جاءت بها السنة النبوية، والمتمثلة في أقوال الرسول وأفعاله صلى الله عليه وسلم، وقد حصل اجتهاد من كبار الصحابة وأقره عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك مما يدخل في السنة التقريرية، كاجتهاد معاذ بن جبل رضي الله عندما أرسله الرسول عليه السلام قاضيا إلى اليمن، وكان الصحابة رضوان الله عليهم هم سادة أهل الفتوى، فكان من المفتين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وقد انتشر الدين والفقه والعلم في الأمة عن طريق أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب عبد الله بن عباس وغيرهم رضوان الله عليهم[2]. والأمثلة على ذلك كثيرة.

يرى الشيخ ياسين أنه عندما يتم الرجوع إلى الجماعة التي تنظمها الشريعة الإسلامية كما عاشها الرسول وأصحابه  فتصبح جماعة الرحمة والألفة، ما بين أفرادها روابط وليست علاقات، لأنهم مرتبطون بالمودة والمحبة التي تضمن لهم رضا الله، وهي بناء عضوي كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم، كالجسد الواحد، فإذا شذ واحد منهم يتم ردعه بالحدود الشرعية الإسلامية، ثم يشير إلى حاجة المسلمين لها فيقول: “الدعوة الإسلامية أخذت تشق طريقها في ضمائر المسلمين، ملوا الشعارات والمذاهب.. ويتشوفون لعدل إسلامي، لنور إسلامي يفتح آفاق المصير القوي العزيز”[3].

إن تاريخ الإسلام -كما يراه الشيخ ياسين- كان نموذجا رائعا في اتجاهه وإنجازاته على عهد النبوة والخلافة الراشدة؛ ففي هذا العهد تكونت أغلب أجهزة الدولة عند التأسيس، وكان تكاثف الصحابة من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم ، والتفافهم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإتباعهم لأحكام الشريعة والأوامر والنواهي الأثر الكبير في تكوينها وانتشار الإسلام في المناطق المحيطة بالمدينة المنورة، وبذلك نشأت الدولة الإسلامية وأخذ يشتد عودها شيئا فشيئا. وعلى هذا الأساس اجتمعت الدعوة في بدايتها مع تكوين الدولة، فمع كتابة الوحي تم إنشاء المساجد التي أصبحت مراكز للعلم واجتماع المسلمين للنظر في شؤونهم، ثم بداية إنشاء الدواوين لبيت المال والجند وإرسال الأمراء إلى المناطق وتكليف بعض الصحابة بالقضاء والتدريس فيها، وإرسال وفود الدعوة ، وتنظيم جباية الزكاة والخراج، وصناعة الأسلحة، وكل هذه التنظيمات تمت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطورت بشكل كبير في عهد الخلفاء الراشدين فمن جاء بعدهم.

المطلب الثاني: الفقه في عهد الخلافة الرشيدة

لم يكن الفقه الإسلامي الذي تكون في عهد الرسول عليه السلام يغطي ما جد من حوادث نتيجة اتساع الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، لذلك جدت قضايا لم تكن النصوص الشرعية لتغطيها، فكان الاجتهاد هو الوسيلة إلى معالجتها، والاجتهاد لم يكن مبتدعا بل أقرهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنص صريح في حديث معاذ بن جبل، وبالتالي قاموا بتطبيقه في المسائل التي لا نص فيها، والمثال على ذلك جمع القرآن الكريم في عهد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقد تردد في البداية ولكنه ما لبث أن أخذ برأي سيدنا عمر بن الخطاب، وتم تكليف أسامة بن زيد رضي الله عنه بجمع القرآن الكريم ووافقه على ذلك صحابة رسول الله صلى الله عليهم وسلم، وبذلك تم حفظ القرآن الكريم.

لم يبين القرآن الكريم للمسلمين نظام الحكم الذي يجب عليهم إتباعه، ولكنه نص على الأحكام العامة التي يجب عليهم تطبيقها في هذه النظام، كالشورى والإصلاح والأمر بالمعروف والني عن المنكر والرحمة بالإنسان.. إلخ، “كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يستخلف عند وفاته، وكأنه ترك الناس لينظروا فيما يصلح أمورهم ويجتهدوا ، وما كان للمعصوم أن يترك ثغرة مثل هذه لو لم يكن لحكمة عظيمة”[4]. ولهذا اجتهد الصحابة رضوان الله عليه في وضع نظام الخلافة التي يجب أن ينضم تحت لوائها كافة المسلمين، وإمام يرأس دولتهم ويقوم بتسييرها وفقا لشريعة الله، والخلافة واجبة بالشرع. قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّ‌سُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ‌ مِنكُمْ ۖ” النساء:59، “فالإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسية الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع، ولهذا تناولها الفقهاء وبينوا أحكامها وشروطها ، وبينوا أركان الدولة التي تعين الإمام أو الخليفة في إدارة دفة الدولة والقيام بشؤونها من وزراء وكتاب وقضاة وولاة على الأقاليم، وقادة جيوش، كل ذلك تجده مبسوطا في كتب الأحكام السلطانية[5].

تميز هذا العهد أيضا باتساع الفتوحات وتمصير العواصم الكبيرة التي نشأت فيها النهضة العلمية بانتقال بعض الصحابة إليها، وقيامهم بتدريس الفقه وتكوين التلاميذ، فكانوا يحكمون ويقضون ويفتون على وفق ما يفهمون من كتاب الله وسنة رسوله، فإن لم يجدوا أعملوا رأيهم واجتهدوا وكانت اجتهاداتهم في الأمور التي لم يرد فيها نص لها مكانة في الفقه الإسلامي، وهي محل احترام من الفقهاء، وأصبح للفقه الإسلامي عواصم يشد إليها الرحال، كالبصرة والكوفة والفسطاط ودمشق وفاس وقرطبة والقيروان وغيرها، فتكون بذلك الزخم الكبير من الثروة الفقهية القريبة العهد من عصر النبوة الذي تأسست عليه الدولة الإسلامية[6].

يرى الشيخ ياسين أن “اجتماع الدعوة والدولة، اجتماع الحكم الدنيوي والهداية النورانية في يد واحدة، معجزة للرسول الكريم وكرامة لصاحبيه أبي بكر وعمر”[7]. ولكن المصاعب التي واجهت الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم هي التي جعلت ظهور الدرة في يد عمر، وهي التي كانت وراء قول عثمان “إن الله يزع بالسلطان ما يزع بالقرآن” وما قاله علي في خطبه المتأوهة، “يلوح تارة بالقرآن وتارة بالسلطان لاينسى مكان الخليفة ممثلا للنبوة الهادية، ومكانه قائدا للجماعة واقفا على مصالحها”[8].

ومقتضى كلامه يفيد أن هذا العهد أنتج لنا نوعا من القيادات لها اجتهادات ساعدت على تكوين الدولة إلى جانب الدعوة، فهي إمامة وقيادة جهادية قدوة تحتذي قبل كل شيء ، تختلف في ذلك عن رئاسة الدولة الحالية التي تملي الإرادة من أعلى عبر الهرم القيادي ، وهي مفصولة عن الأمة بوسائط لها مصالحها ، وهذا المناخ هو الذي شجع على انتشار العلم والفقه في الأمصار التي وصل إليها الإسلام.

المطلب الثالث: الفقه في عهد الملك العضوض

يطلق الشيخ عبد السلام ياسين على بداية هذا العهد تسمية “الانحراف الخطير” ويقول عنه: “الانحراف التاريخي الذي حول مجرى حياتنا ففقدنا بالتدريج مقوماتنا، ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان، جاء الاستبداد مع بني أمية، ومع القرون استفحل واحتل الأرض، واحتل العقول، واعتاد الناس أن يسمعوا عن الخلافة الأموية والعباسية وهلم جرا وعاشوا على سراب من الأسماء دون فحص ناقد للمسميات، سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ملكا عاضا وملكا جبريا وسماهما المؤرخون الرسميون خلافة، فانطلت الكذبة على الأجيال، وتسلينا ولا نزال بأمجاد هذه “الخلافة””[9].

وفق هذه الرؤية تكون بداية تولي بني أمية شؤون الدولة الإسلامية هي بداية الانحراف الذي غير مجرى التاريخ الإسلامي، فبعد أن كانت خلافة يتم فيها الاختيار عن طريق أهل الحل والعقد، وتقع فيها الشورى والبيعة لولي الأمر، يسير وفقا للشريعة الإسلامية في نظامه ومعاملاته وعلاقات سكانه مع غيرهم من الأمم المجاورة، انقلبت إلى ملك عضوض، فأصبحت تتوارث بين أفراد الأسرة الواحدة سواء كان المتولي أهلا لذلك أم لا، ولهذا اعتبرها الشيخ ياسين مرحلة الملك العضوض التي وردت في الحديث الشريف[10]، أي العهد الذي يتم فيه أخذ البيعة لولي العهد جبرا وقسرا في صورة شكلية لا تمت إلى ما كان عليه عهد الخلافة الراشدة ، وينتقد الشيخ ياسين المؤرخين الذين يذكرون حكم بني أمية وحكم العباسيين ومن يليهم ويصفونهم بأنهم من الخلفاء وخاصة بعد تفرق المسلمين إلى دويلات كل حاكم فيها يوصف نفسه بالخليفة، قال الإمام السيوطي: “ومن انفراط الأمر أنه كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها ستة أنفس  كلهم يتسمى بالخلافة ومعهم صاحب مصر العبيدي والعباسي ببغداد خارجا عمن كان يدعي الخلافة”[11].

ولا ينكر الشيخ ياسين ما كان لهذه الخلافة الصورية من دور، وأنها ساهمت إلى حد ما في الحفاظ على دولة الإسلام، ولكنها كانت بداية التضعضع، وربما ابتعدت عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول الشيخ عبد السلام ياسين: “كانت بالفعل شوكة الإسلام وحاميه من العدوان الخارجي، لكن في ظلها زحف العدوان الداخلي لما أسكتت الأصوات الناهية عن المنكر، واغتيل الرأي الحر، وسد باب الاجتهاد، في ظلها وفي خفاء الصراعات تكونت المذاهب الدساسة، وتمزقت الأمة سنة وشيعة، وتشتت العلم مزعا متخصصة عاجز فيها أصحاب التخصص عن النظرة الشاملة لا يجسر أحد على بسط منهاج السنة والقرآن مخافة السلطان، كان القتال في ظلها قد انتهى إلى تركين القرآن وأهله في زوايا الإهمال أو الفتك بهم في قومات مثل قومة الحسين بن علي رضي الله عنهما الدموية، وفي ظلها تسلط السيف تسلطا عاتيا، وتقدم أصحاب العصبيات العرقية فحكم بنو بويه، والسلاجقة، والعبيديون، وهلم جرا، حكم كل أولئك تحت ظلها، يفتي تحت ظلها المفتون بشرعية حكم المستولي بالسيف، وسلام على الشورى والعدل والإحسان”[12].

المطلب الرابع: الفقه في المرحلة الحالية (العلمانية)

يصنف الشيخ عبد السلام ياسين هذه المرحلة بالقهر الجبري، لذلك يرى بأن “الملك العاض الذي يعض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه مضى وولى، والمسلمون اليوم تحت القهر الجبري أي الدكتاتوري بلسان العصر، وهو أفظع من العاض، لأن الجبر إن كان يلوح بشعارات الدين كما كان يفعل الملك العاض، فقد أفرغ أجهزة الحكم والإعلام والتعليم، وأفرغ قوانين الحكم من كل معاني الإسلام”[13]. وهذا بدوره أضعف الفقه في هذه المرحلة فلم يعد للعلماء اجتهادات في مجال القانون العام الذي يتعلق بأمور الحكم أو سياسة الدولة وشؤونها الإدارية أو الأموال العامة، واقتصرت دراساتهم وبحوثهم على القانون الخاص والأحوال الشخصية.

يقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري مصداقا لذلك: إن القانون العام في الفقه الإسلامي أقل تطورا من القانون الخاص، فهو لا يزال في مراحله الأولى لم يقطع شوطا كافيا في ميدان التقدم، ثم يضيف: ويبدو أن السبب في وقوف القانون العام عن التطور يرجع إلى قيام حكومات مستبدة متعاقبة في الإسلام كانت مهمتها إخماد أي حركة فقهية تقيم أصول الحكم على أسس الحرية السياسية والحقوق العامة الديمقراطية، أما القانون الخاص في الفقه الإسلامي فقد تقدم تقدما كبيرا لأن الحكومة المستبدة لم يكن يضيرها تقدمه[14].

لم يكن الفقه في هذه المرحلة مكتفيا بدور التقليد، بل الابتعاد عن القرآن الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بهيمنة المادية الجاهلية وثقافتها في العالم، وفرقة المسلمين وتمزقهم، وقوة الخمول الفكري ووهن النفوس المتقلصة إلى حجر التبعية، فظهر فينا من يقول بهجر القرآن أو تأويله وتصنيفه من الكتب التاريخية، وما ذلك إلا إتباعا لمفكري الغرب من المستشرقين وغيرهم، أما السنة النبوية، فالمؤلفات فيها متداولة، ولكن كما قال الشيخ عبد السلام ياسين: “سُنة يعرضونها على العصر ولايعرضون العصر عليها”[15]، أي نقوم باستعراضها ولكن دون تطبيق أحكامها على الواقع.

 

 

 

المبحث الثاني:

نظرية الفقه في فكر الأستاذ ياسين

في مختلف العهود التي مرت على الإسلام هناك فقه واجتهاد، يقل ويكثر حسب كل مرحلة، ولكنه سيعود إلى ما كان عليه في عهد بداية تكوين الدولة الإسلامية، أي عهد النبوة والصحابة رضوان الله عليهم. ومن خلال كتابات الأستاذ ياسين تقوم نظرية الفقه على عدة أسس هي: تجديد النظرة إلى الفقه في التراث الإسلامي  وكيفية  الاستفادة منه، وتجديد الاجتهاد في القضايا الفقهية التي تشغل بال المسلمين كل ذلك يأتي في مقدمة تأسيس الدعوة والدولة لتعود إلى ما كانت عليه خلافة على منهاج النبوة.

المطلب الأول: تجديد النظرة إلى الفقه في التراث الإسلامي

يرى الشيخ عبد السلام ياسين تجاوز الخلافات الفقهية والصراعات المذهبية التي ظهرت بين الفقهاء خلال العهود السابقة، وينظر إلى الفقه في مجمله نظرة جديدة حيث يقول: “ثروتنا الفقهية الموروثة صلة غالية انحدرت إلينا من تلك الأجيال، تصلنا بهم، وتحمل معها في صياغتها وتجزئتها وصراعاتها المذهبية، أثار تاريخ حافل بالضغوط المتبادلة، كان لعلمائنا العاملين أحسن الله إلينا وإليهم فضل الصمود أثناءها”[16]؛ فهو بذلك لا يتقيد بالمدارس الإسلامية المختلفة، بل ينظر إلى الفقه الإسلامي في مجمله ويعتبره مكسبا ثمينا للأمة الإسلامية عليها أن تستفيد منه بعد أن تعرف كيفية التعامل معه فيجب الاستفادة من كافة الاجتهادات الفقهية دون التقيد بمدرسة معينة، وهي نظرة فيها احترام للفقه.

ولا يجب التركيز على الخلافات التي ترد في الفقه، “ففي مسيرة جند الله فقه وفير نزل إلينا من تاريخنا العلمي الحافل، يجب ألا يكون الخلاف على اجتهاد سلفنا شغلنا، لكن الاستفادة من مناهجهم في الاجتهاد، نتمرس بها لنتجاوزها ونستقي من المعين الذي استقوا منه”[17]، ذلك ما تتطلبه النظرة الجديدة للفقه الإسلامي، فلا يجب الإصرار على الخلاف بين الفقهاء والعمل على تعميقه والتحيز لبعضه دون بعض، وإنما التركيز على مناهجهم في الاجتهاد ونقوم بدراستها وتحليلها وبيان الأصول التي تعتمد عليها وطرقها في استنباط الأحكام الشرعية والمصادر التي ترتكز عليها تلك الاجتهادات حتى يمكن الاستفادة منها، “لأن الذي نحن بحاجة إليه هو الفقه الكلي الذي يشمل كل العبادات الفردية والمعاملات الجزئية، في نسق واحد يؤدي وظيفة إحياء الأمة وإعادتها إلى حضن الشريعة وصراط الله”[18]. وهذه نظرة جديدة للفقه بعيدة عن التعصب لمذهب أو منهج معين.

يتفق الشيخ عبد السلام ياسين في نظرته إلى الفقه الإسلامي مع غيره من المصلحين؛ ذلك أنه يعترف بفضل الأولين السابقين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعشيرته وأهل بيته رضي الله عنهم، ومرورا بالتابعين الذين أخذوا العلم عنهم، وانتهاء بالأئمة العلماء من المفسرين والمحدثين والمتكلمين والفقهاء والأصوليين، فلهؤلاء فضل على الأمة فيما قدموه من زاد وخير وعلم غزير وإن كان علينا أن نعرف ما قرره السابقون من علماء المسلمين في كل مسالة، فإنه لا ينبغي أن نتوقف عنده ولا نعطل بسببه ما أمرنا به من الاجتهاد، وإلا كنا عالة عليهم مخالفين لمذهبهم السوي من احترام العقل ومواصلة البحث والاجتهاد[19]. وهذا ما يطالب به الشيخ عبد السلام ياسين في نظرته الجديدة للفقه الإسلامي. نظرة شاملة للفقه الإسلامي القديم والحديث، عدم التركيز على الاختلافات الفقهية التركيز على مناهج العلماء السابقين، استخلاص ما يفيد من أحكام وقواعد تتفق مع كتاب الله وسنة رسوله الكريم، لكي تعم الفائدة ما يخصنا في واقعنا المعاصر من عبادات ومعاملات، تؤدي في مسارها إلى هدف إحياء الأمة وجعلها في حصن الشريعة الإسلامية وعلى صراط الله المستقيم.

المطلب الثاني: كيفية الاستفادة من الفقه الإسلامي

يرى العلامة السنهوري أن عدم الاهتمام بالفقه الإسلامي أدى ببعض الدول إلى هجره والاتجاه إلى التقنين الغربي حتى تستقي منه قوانينها وتشريعاتها، ويقترح لعلاج هذه الظاهرة العودة إلى الفقه الإسلامي ودراسته بالمقارنة مع الفقه القانوني الغربي، وإنشاء معاهد خاصة لتكوين الباحثين في الفقه الإسلامي على الأسلوب العلمي الحديث[20]. بينما يرى الشيخ عبد السلام ياسين العودة إلى الفقه الإسلامي واستعمال مناهجه والغوص فيه وتجديده وفقا للمنهج الذي يقترحه لذلك، فهو يدعو إلى نبذ التقليد والتحرر منه، والتخلص مما تلبسه أنظمة الجبر المعاصرة من ثياب النفاق وجلابيب التمويه والأدهى في القضية أن عقولا سخيفة نسج عليها عنكبوت التقليد والذلة بين يدي السلطان، هذه الذهنية المريضة لا تزال تسقط على عامة الأمة ظلا قاتما لا يملك معه الدعاة أن يكشفوا عن المؤامرة بين الحكام المستبدين وسدنة المعابد الطاغوتية من فقهاء القصور.

ويوضح المقصود بذلك بقوله: “لست أعني بالتحرر من التقليد طرح الاجتهادات في فروع الفقه مما خلفه لنا رجال الإسلام العلماء العاملون، لكن أقصد أول شيء نبذ هذه الذهنية الكريهة التي تنظر في القرآن وفي السيرة العطرة، بمنظار الطاعم الكاسي في البلاد لا ينظر إلى البلاط وواقع المسلمين بمنظار القرآن وعوينات السنة الشاهدة، لينتقد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويغضب على الباطل وأهله”[21]. والشيخ ياسين يفرق بين اجتهادات كبار فقهاء الإسلام في فروع الفقه فهذه لا يجب طرحها بحجة نبذ التقليد، وإنما عدم إتباع  الاجتهادات التي تحيد عن الكتاب والسنة وتلبي رغبات أصحاب السلطة فهذه يجب طرحها، وهي التي تصدر عن مفتي السلطان كما يطلق عليهم في العادة ، والذي ألمح إليهم بذكر البلاط الذي يرمز إلى الحكام، وقد وصفهم أيضا “بفقهاء القصور”، ومن ثم يكون المفتي المبتعد عن كتاب الله وسنة رسوله موافقا في اجتهاداته لرغبة الحاكم، وهذا الرأي يتفق مع قول الله تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَإِلَى الرَّ‌سُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَاوَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا  أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ” المائدة:104.

أما عن كيفية الاستفادة من الفقه الإسلامي فيرى الشيخ ياسين أن الفقه الإسلامي مجزأ حاليا مثل التجزئة السياسية، وهذا يمثل التحدي الكبير لمن يريد الإصلاح، فالواجب أن نجمع شتات العلم “متخطين كل التجزئات وكل الأفكار والاجتهادات والمواقف النسبية المظروفة بظروفها التاريخية، ونعيد كل اجتهاد إلى نصابه، نعرضه في حدود نسبيته على النموذج النبوي الكامل الذي طبق كلمة الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها”[22]. وهذا المنهج يطابق ما رآه بعض العلماء من قبل حين وقع البحث في كيفية الأخذ بخبر الآحاد في الحديث الشريف، جاء في الأثر عن أبي جعفر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دعا اليهود فحدثوه حتى كذبوا على عيسى، فصعد النبي صلى الله عليه المنبر فخطب الناس فقال: “إن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس مني”[23]. وعلى ذلك فإن أبا حنيفة وأصحابه يردون خبر الآحاد إذا لم يوافق القرآن الكريم[24]، فالشيخ ياسين يرى تطبيق هذا المنهج على التراث الفقهي الإسلامي ولكن بعرضه على السنة النبوية بأقسامها الأقوال والأفعال والتقريرات، فما وافق منها السنة فهو مقبول وما خالفها فهو مستغنى عنه.

إن عرض الاجتهادات الفقهية السابقة على السنة النبوية منهج علمي سليم ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني…”[25] فهو عليه السلام مأمور بتعليم المسلمين في حياته، ومن خلال أحاديثه الصحيحة بعد وفاته، وبالتالي فإن كمية الفقه التي يمتاز بها التراث الإسلامي يجب عرضها على السنة النبوية، فما وافقها نصا وروحا يجب العمل بها، وما خالفها يجب طرحه، وهي نظرة جديدة منبثقة عن الفقه الجامع الذي يقول به الشيخ.

المطلب الثالث: تجديد الاجتهاد في القضايا الفقهية

يرى الأستاذ ياسين أن هذا الاجتهاد يعتمد على العلم النافع، “وليس العلم النافع ما تكدست فيه النقول، وقل الفهم، وانتكست الإرادة. قال مالك رحمه الله: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يضعه الله في القلب”[26]. ولكي نحقق العلم النافع يمكن لنا الاعتماد على دعامتين، أولاهما: النظر إلى الفقه الإسلامي في مجمله وكافة اجتهاداته على مختلف العصور، وثانيهما: يجب ألا يشغلنا الخلاف الفقهي عن ضرورة الاجتهاد، ولكن ينبغي علينا الاستفادة من مناهج اجتهاداتهم لنتجاوزها ونستقي من المعين الذي استقوا منه، فهذه الخطوة الأولى للعلم الذي نحتاج إليه في تنظيم المجتمع وإقامة العدل وتربية وتنظيم جماعة المؤمنين وإدارة شؤونهم[27]. ويجب علينا عدم التشرنق في مدرسة فقهية خاصة، أو التعصب لمذهب معين فقد انتقد الشيخ ياسين هذا المسلك ورآه ضارا بالإسلام والمسلمين  فقال: “بعض الناظرين في كتب السلف الصالح يتخذون إماما أو فقيها أو فارسا خاض معارك حامية في نصرة الدين معيارا مطلقا، يضيفون عليه من خيالهم القاصر كل صفات الكمال، ويساورون علومه بتلمذة جادة مخلصة كما يساور المسافر قمم الجبال الشماء، ثم يتخذون من فهمهم لفهم ذلك الفاهم سلاحا إرهابيا يقمعون به كل من رفع رأسه ليتلقى عن الله ورسوله الأمر الأول الذي جاء بلسان مبين”[28].

أما عن المنهج الذي يجب إتباعه للاستفادة من التراث الفقهي، فلا يتم قبول التراث الفقهي على علاته، ولكن ذلك يتطلب دراسته وبحثه بعرض مسائله ونقده حتى يمكن الاستفادة منه، يقول الشيخ ياسين: “نكون منهاجيين إن نحن جعلنا تحت أيدينا الفقه الموروث المجزأ نخاطبه ونحاوره ونسائله وننتقده ونستفيد منه حسب مانجد عنده أو لا نجد من خبر أو دراية أو رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد الموفق المعصوم، كيف بلغ، وحين ألف الجماعة بتأليف الله…”[29] وبهذا المنهج نصل إلى تأسيس الدولة التي بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم، “فمن خلال ذلك ندرك كيف قام بدعوته وألف جماعته، ومؤاخاته بين سكان المدينة، وحين جاهد وأسس دولته حتى ترك لنا أمة واحدة أمرها بينها شورى، حين أوصى ونصح بما سيؤول إليه الأمر من ترد إلى اغتصاب الحكم وإلى العض والجبر، وحين بشر بالخلافة الثانية على منهاج النبوة”[30].

يجب كذلك توسيع دائرة الاجتهاد في الفقه الإسلامي ذلك أن “الشريعة الإسلامية تقلصت تحت الحكم العاض والجبري حتى أصبح اليوم مجالها لا يتعدى ماسموه بالأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث، أو ما بقي في المسجد من وعظ وتذكير، وفي ذمم الأفراد من صلاة وزكاة وحج”[31]. فهذه نظرة نقدية واعية لانغلاق مجال الاجتهاد والبحوث عن دراسة القضايا المهمة في حياة المسلمين السياسية والإدارية ونظام الحكم والجهاد وكافة الأمور العامة التي تهم أمر المسلمين كالخلافة والإمامة وغيرها، وقد لاحظ ذلك فقهاء القانون كالسنهوري وغيره.

يقول أحد رجال القانون: “وثمة بعض آخر من الفقهاء، آثروا الابتعاد عن السلطة والانكفاء على حياتهم وعلومهم، والناي عن الخوض في أي شيء يمس السلطان من قريب أو بعيد، وبهذا أعرضوا عن فقه القانون العام، وأسرفوا في توافه المسائل وقشور المباحث مثل موضوعات الحيض والنفاس ونواقض الوضوء ورمي الجمرات وما شابه ذلك…”[32] والشيخ عبد السلام ياسين لا يقلل من أهمية الفقه في هذه المجالات ولكنه يوعز ذلك إلى قيام حكام الجبر وحجرهم على الفقهاء الخوض في المسائل العامة التي تهم أمر المسلمين ومن بينها الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله الكريم واستخلاص النظام الإسلامي الأمثل لحياتهم السياسية والاقتصادية.

يرى الشيخ ياسين أن توحيد المسلمين على خط واحد واجتهاد واحد لما يطرأ عليهم من نوازل وشورى لها حد تنتهي إليه حتى لا تؤول إلى الجدال، ولا يتم إلا إذا انبرى للاجتهاد جماعة من المؤمنين فمشاكل العصر ومخلفات النقل، واختلاف الإرادة والعقل، فلا ينهض لها مجتهد واحد ولا أفراد مجتهدون، لا بد من اجتهاد جماعي، أي مجلس للاجتهاد، ويكون الرأي الأخير لولي الأمر إذا وقع خلاف بينهم، وقد أسس رأيه على ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث كان يقضي بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد “خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء، فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاءا، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به”[33].

نستخلص من هذه الرواية أن منهج التفكير الجماعي والتشاور بين أهل الاختصاص مع ولي الأمر في المسائل المطروحة إنما هو منهج مقرر من قبل الصحابة رضوان الله عليهم ، فقد أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية، “وهو أول من أعلن دولة ذات نظام وسيادة وقانون تحتكم إليه بعد أن كان العربي لايخضع لدولة إنما كانت الوحدة السياسية والاجتماعية هي القبيلة”[34].

لذلك يضع الشيخ ياسين شروطا للاجتهاد الجماعي، فهو يقول: “لا يصلح للاجتهاد الجماعي من يرون أن كل شيء في الشريعة تعبدي غير معلول”[35] وذلك يعني الأخذ بمصادر التشريع المنبثقة عن الكتاب والسنة، وهي الإجماع والقياس، وكذلك المصادر الفرعية كالمصالح المرسلة ومقاصد الشريعة، فإن لم يؤخذ بها فإننا “نكفر بشرع الله الصالح إلى يوم الدين. الجماعة المجتهدة إذن هي التي تتفق على الأصول الاجتهادية وتعلم أن للشريعة مقاصد، وأن التحرك نحو هذه المقاصد والوصول إليها تعبدي وعليّ في نفس الوقت”[36].

إلى جانب ذلك يرى التدرج في إحلال الحق محل الباطل، “فما كلف الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطبق كل الشريعة دفعة واحدة وهو المؤيد المعصوم… فمتى اجتمعت عصبة من العلماء على اجتهاد كان أقرب أن يكون اجتهادهم شرع الله بسلطانين: أنهم حكام اجتهدوا وكون اجتهادهم جماعيا”[37]. ويقترح لتطبيق ذلك أن يجتمع أفذاذ علماء الأمة من كل الأقطار لهذا الاجتهاد، ولكنه يبين الصعاب التي لاتمكنهم من ذلك ، وأهمها الحكام لأن الاجتهاد الجماعي يصادم مشروعهم التسلطي، لهذا يعطي الحق لكل مصر في الاجتهاد القطري إلى حين توحيد دولة الإسلام.

الخاتمة

 في ختام هذه الدراسة لمفهوم الفقه الجامع في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين، نصل إلى النتائج التالية:

1- يعتبر الشيخ عبد السلام ياسين من المصلحين في العصر الحالي وأنه يملك رؤية إصلاحية للمجتمع الإسلامي ترى العودة إلى الأصول الأولى للإسلام، وإقامة الخلافة على النحو الذي ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع بيان كيفية تطبيقها في العصر الحاضر .

2- تقوم نظرية الفقه الجامع لدى الشيخ ياسين على كافة الاجتهادات التي قال بها الفقهاء منذ عصر النبوة وإلى الوقت الحاضر دون الاعتماد على مدرسة إسلامية معينة، فهو تراث إسلامي ينبغي دراسته ومراجعته وتحليله ونقده واستخلاص الآراء المفيدة منه، ولا يجب إهماله أو تجاوزه إلى غيره من مدارس التقليد غير المفيد التي يجب نبذها.

3- تعتمد نظرية الفقه الجامع على عدة أسس هي: تجديد النظرة إلى الفقه في التراث الإسلامي ثم كيفية الاستفادة منه بعدة وسائل، و تجديد الاجتهاد  في القضايا الفقهية  التي تشغل بال المسلمين وأن يكون الاجتهاد جماعيا، كل ذلك يأتي في مقدمة تأسيس الدعوة والدولة لتعود إلى ما كانت عليه خلافة على منهاج النبوة.

4- يرى الشيخ ياسين ضرورة إتباع المنهاج النبوي في قيام الدولة الإسلامية الحديثة بما في ذلك إحياء الفقه الجامع بعرضه على ذلك المنهاج من خلال السنة النبوية الشريفة، فما وافقها من اجتهادات فقيهة يمكن الأخذ به، دون تعصب أو احتقار لأي اجتهاد في أي مدرسة إسلامية.

والحمد لله رب العالمين

 

 

لائحة المصادر والمراجع

1- ابن عبد البر القرطبي، أبو عمر يوسف، تحقيق محمد الفلاح، ط2، 1402هـ 1982م.

2- ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، إعلام الموقعين عن رب العالمين، حققه محمد محيي الدين عبد الحميد،  د.ت.

3- الخضري بك، الشيخ محمد، تاريخ التشريع الإسلامي، دار الفكر، مصر ط8، 1387-1967.

4- الدارمي، عبد الله بن بهرام، سنن الدارمي، دار الفكر، بيروت، 1414هـ/ 1994م.

5- محمد السيد الدسوقي، تجديد فهم الدين، نقلا عن الدكتور أحمد كمال أبو المجد، رابطة الجامعات الإسلامية، سلسلة فكر المواجهة (19) القاهرة 2007م.

6- السنهوري، عبد الرزاق، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، 1967، 1/47.

7- الحافظ جلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء، تقديم عبد الله مسعود، منشورات دار القلم العربي بحلب 1423هـ / 1993م،  ط–غ.

8- العشماوي، محمد سعيد، الإسلام السياسي، سينا للنشر، ط2، القاهرة، 1989.

9- كتبي، أحمد بن إسماعيل المنهج التربوي النبوي في معالجة مواقف من أخطاء أفراد في المجتمع المدني، سلسلة دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، العدد 222، 1428هـ / 2007م.

10- الماوردي، أبو الحسين علي بن محمد البصري البغدادي، الأحكام السلطانية، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت لبنان، 1422هـ / 2002م.

11- مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الجنة، حققه محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة.

12- ياسين، عبد السلام ، الإسلام بين الدعوة والدولة، المنهاج النبوي لتغيير الإنسان، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ط1، 1392.

13- ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ط2، 1410-1989.

14- ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، الشركة اللبنانية الأوربية للنشر، بيروت، لبنان، 1990.

 

 

[1] ينظر: ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، الشركة اللبنانية الأوربية للنشر، بيروت، لبنان، 1990، ص:17.

[2] ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، إعلام الموقعين عن رب العالمين، حققه محمد محيي الدين عبد الحميد، د.ت، 1/20-21، بتصرف.

[3] ياسين، عبد السلام، الإسلام بين الدعوة والدولة، المنهاج النبوي لتغيير الإنسان، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ط1، 1392، ص:470.

[4] ياسين، عبد السلام، الإسلام بين الدعوة والدولة، ص:31.

[5] ينظر الماوردي، أبو الحسين علي بن محمد البصري البغدادي، الأحكام السلطانية، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 1422هـ / 2002م، ص:5–7.

[6] ينظر الخضري بك، الشيخ محمد، تاريخ التشريع الإسلامي، دار الفكر، مصر ط 8، 1387-1967. ص:129-130.

[7] ياسين، عبد السلام، الإسلام بين الدعوة والدولة ص:113.

[8] نفسه ص:113-114.

[9] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ ص:2.

[10] ما رواه ابن عبد البر في التمهيد، “الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون أمرة وملكا وجبروتا”، ابن عبد البر القرطبي، أبو عمر يوسف، تحقيق محمد الفلاح، ط2، 1402هـ 1982م 8/67، أما رواية أبي داود عن سفينة فهي: قال رسول الله صلى الله وسلم: “خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتى الله الملك من يشاء، أو ملكه من يشاء” السجستاني، أبو داود،  حديث رقم 4647، 4/210.

[11] السيوطي، الحافظ جلال الدين، تاريخ الخلفاء، تقديم عبد الله مسعود، منشورات دار القلم العربي بحلب 1423هـ/1993م،  ط-غ، ص:39–40.

[12] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ص:2.

[13] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ط2، 1410-1989. ص:5.

[14] السنهوري، عبد الرزاق، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، 1967، 1/47، (هامش (2)).

[15] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ص:6.

[16] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ص:4.

[17] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:213.

[18] نفسه ص:214.

[19] ينظر الدسوقي، محمد السيد، تجديد فهم الدين، نقلا عن الدكتور أحمد كمال أبو المجد، رابطة الجامعات الإسلامية، سلسلة فكر المواجهة (19) القاهرة 2007م ص:238.

[20] نفسه ص:231.

[21] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ ص:3-4.

[22] نفسه ص:4.

[23] أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار، باب الحجة في تثبيت خبر الواحد، (1/9).

[24] ينظر الخضري بك، الشيخ محمد، تاريخ التشريع الإسلامي ص:139.

[25] مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الجنة، حققه محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة، حديث رقم 2865، 4/2197.

[26] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:213.

[27] ينظر المرجع السابق ص:214.

[28] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ص:4.

[29] نفسه.

[30] نفسه.

[31] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:214.

[32] العشماوي، محمد سعيد، الإسلام السياسي، سينا للنشر، ط2، القاهرة، 1989، ص:11.

[33] الدارمي، عبد الله بن بهرام، سنن الدارمي، دار الفكر، بيروت، 1414هـ / 1994م، حديث رقم 163،1/45.

[34] كتبي، أحمد بن إسماعيل المنهج التربوي النبوي في معالجة مواقف من أخطاء أفراد في المجتمع المدني، سلسلة دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، العدد 222، 1428هـ/ 2007م، ص:86.

[35] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:220.

[36] نفسه.

[37] نفسه ص:221.