مفهوم العلم ووظيفة العالم في نظرية المنهاج النبوي

0 454

الدكتور مصطفى ﺷﮕري/ أستاذ باحث في الفكر الإسلامي – المغرب

chagrimu@gmail.com

مقدمة

لا يتجادل اثنان في أهمية العلم و العلماء، فبالعلم ترتقى الدرجات السنية “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات” (المجادلة:11)، وبه تنال مراتب الخير العلية “من يرد الله به خيرا يفقه في الدين”[1]، وهو سبيل وراثة الأنبياء “العلماء ورثة الأنبياء”[2]، وطريق استحقاق استغفار المخلوقات “يستغفر للعالم من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء”.[3]

ولقد اقتضت حكمة الله عز وجل  أن يكون  أول ما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: “اقرأ” حيث جعل العلم مفتاحا للعطاء الإلهي والكرم الرباني فقال جل شأنه: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” (العلق:5)، وأمره جل شأنه بالاستزادة منه “وقل رب زدني علما” (طه:114)، وجعل التعليم إلى جانب وظائف التزكية والتربية والهداية العامة، هي وظيفة الرسول الأكرم سيد المعلمين وإمام المربين وقائد الحكماء محمد صلى الله عليه وسلم: “هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ” (الجمعة:2)، بل لقد أولى ربنا العليم الحكيم أهل العلم مرتبة الشهود على وحدانيته وتفرده وعزته وحكمته فقرنهم في ذلك بذاته جل شأنه وبملائكته فقال: “شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم“(آل عمران:18)، وجعل العالمين هم العقلاء الذين يعقلون الأمثال التي يضربها الله عز وجل لخلقه “وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون” (العنكبوت:43).

بيد أنه في زمن التخلف الحضاري العام الذي يحياه المسلمون، وفي زمن التدفق العلومي الممتد في الآفاق أرضا وسماء، يحار المؤمن فيما يدع أو يأتي، يحار في اندراس معنى العلم الحق قرين الخشية ورديف الحكمة، خاصة مع تشظي العقل المسلم، وتشتت العلوم الإسلامية، وتمزق الشخصية الإسلامية الوارثة، وما نجم عن ذلك من خلل معرفي وسلوكي، ثم يحار المؤمن أكثر  أمام هذا الفتح العلمي الكوني الذي فتح به المولى عز وجل  على الناس ابتلاء وتمحيصا، خاصة أمام تعدد العلوم وكثرتها واختلافها وتنوعها وتطورها وتحولها، وما ينجم عن ذلك كله من اللهاث الحامي لطمس الفطرة الإنسانية، وتغييب معنى الوجود الإنساني، والصمت الرهيب عن قضايا الموت وما بعد الموت من آخرة وحساب وجزاء تلكم الحقائق التي تزعج “العقل العلمي المعيشي” وترعبه فينساها أو يتناساها. وهو ما يفترض معه تجديد فهمنا لمعنى العلم الذي نحتاجه من خلال الكشف عن المعنى القرآني النبوي للعلم الموصل للوراثة الكاملة، المثمر للخشية، المنشئ للعمل المقبول عند الله. ولعل هذا ما ستنهض هذه الصفحات بالبحث وتقليب النظر فيه وبيان بعض من ملامحه بالاستناد إلى نظرية المنهاج النبوي التي أسس لها فكر الأستاذ عبد السلام ياسين[4].

لقد ارتأينا أن نستهل البحث بالتنقيب عن أثر الانكسار التاريخي في ضياع الشخصية العلمية الإسلامية الوارثة، ذلك أن انقضاض عروة الحكم حول سكة التاريخ الإسلامي من خلافة راشدة على منهاج العدل والإحسان والشورى إلى مسارات العض والجبر تفتت معها وحدة المسلمين، وتوزعت بها فهوم عقولهم، وانتكست معها إرادتهم، فوقع الفصام النكد في الشخصية الإسلامية، وانفرط عقدها، وتولد عن ذلك هذا التشتت العظيم في معنى العلم، ثم وقفنا  بعد ذلك عند  مفهوم نظرية المنهاج النبوي من حيث أسسها المرجعية ومفاهيمها المتنوعة التي ترفعها إلى مستوى أن تكون علما مؤصلا مجددا له موضوع محدد وغاية مرومة ووظائف مختلفة، وكان هذه الوقفة سبيلنا لبيان مفهوم العلم في نظرية المنهاج النبوي من حيث المعنى والأنواع والخصائص، وعلاقته بالتربية الإيمانية الإحسانية، لنجلي في عنصر آخر الرسالة العلمية للعالم في ما يرتبط بوظيفته الدعوية والآليات العلمية والمنهجية التي يجب أن يتسلح بها، وكان ذلك بوابتنا الأخيرة لاستجماع خلاصات تبرز المرجعية القرآنية النبوية التي تستند إليها نظرية المنهاج النبوي في فهمها لمعنى العلم ووظائفه، وكذا عرض توصيات تفتح آفاقا جديدة للبحث العلمي الرصين.

إن حرصنا  كان كبيرا في مقاربتنا لهذا الموضوع أن نترك النصوص تخبر عن مكنونات نفسها، وتجلي عن درر متونها، لنستخرج منها دلالاتها ونكشف عن مفاهيمها ليضع القارئ يده مباشرة على الفهم الذي تتقدم به لموضوع العلم القرآني النبوي الذي نعيد به صياغة الشخصية الإسلامية الوارثة على المنهاج النبوي القويم .

ولقد كان جماع هذا الذي تقدم كله أن جاء البحث بعد هذا التقديم متضمنا للمحاور التالية:

– الانكسار التاريخي وأثره في ضياع الشخصية العلمية الإسلامية الوارثة؛

– نظرية المنهاج النبوي: الموضوع والوظيفة؛

– مفهوم العلم في نظرية المنهاج النبوي؛

– الرسالة العلمية للعالم الداعية في المنهاج النبوي: الزاد العلمي والمقومات الدعوية؛

– خلاصات وتوصيات.

 

الانكسار التاريخي وأثره في ضياع الشخصية العلمية الإسلامية الوارثة

1- مزالق ثلاث ومبدآن اثنان:

إذا كان المنهاج النبوي يخبرنا عن الكيفيات العملية التغيرية المستقاة من معين الوحي الرباني، والتي تمكننا من إيجاد الجسر الرابط بين الحق الذي في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبين حياة المسلمين وواقعهم، فإنه يسمح لنا بالإدراك الجيد لمواطن الخلل التي اعترت تاريخ المسلمين لما حادوا عن ذلك المنهاج، وخالفوا معالمه السنية، ولا يتأتى هذا إلا بإنجاز قراءة لتاريخنا الإسلامي بمراحله وعهوده، تتجنب السقوط في مزالق ثلاثة، وتعتمد مبدأين اثنين.

قراءتنا للتاريخ من أعاليه، لا بد أن تتجنب السقوط في التمجيد والتقديس المفرطين للتاريخ بأخطائه البشرية، لأن ذلك يقعد بنا في رفاهية الأماني المعسولة التي ترفض الإشارة إلى علل الخراب ومكامن الداء تحت دعاوى تنزيه من سبقونا وحفظ ألسنتنا من ذكر ما وقعوا فيه. وكذا في الإلغاء التام للماضي من حضارتنا، واعتباره من قبيل التراث المتحفي الذي تجاوزته المعاصرة والحداثة، فلا حاجة إلى العيش على خطاب الأموات والالتفات الدائم إلى الوراء.كما عليها أن تتجنب الإسقاط الباحث في تاريخنا عن هواجسه المعاصرة. فيغدو هذا التاريخ هريجا مريجا من التصورات الآنية بفقدها هويته الحقيقية ومعناه وكينونته.

إننا نحتاج لفهم حاضرنا ومستقبلنا أن ندرك بشكل واع أحداث ماضينا وآثارها على مسارات تاريخنا، ونحتاج لأجل ذلك أن نتسلح بمبدأين: بالتحليل بالغيب الذي يقرأ أحداث الكون على ضوء كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قراءة ترد حركة الكون وأحداثه إلى قدر الله وتدبيره، دون السقوط في قدرية أو جبرية تلغيان السنن الموضوعية والنواميس الواقعية والإرادة الإنسانية. ثم بالتحليل النسقي الذي ينظر إلى الأحداث في آنيتها التاريخية مظروفة بأسبابها المباشرة وغير المباشرة، مرتبطة بذهنية الناس وفكرهم ومفاهيمهم ونوعية معاشهم وآليات منطقهم. بهذا الفهم، نستعير من الأستاذ عبد السلام ياسين، مفهوم “الانكسار التاريخي” لنقرأ به تأثيره في تمزق الشخصية الإسلامية الوارثة في جانبها العلمي أساسا[5].

2- الانكسار التاريخي وانفراط عقد الأمة:

حدثنا الصادق المصدوق محمد صلوات الله عليه وسلم عن الفتنة، وعن غربة المسلمين وتكالب الأمم عليهم وما يصيبهم في مستقبل أيامهم، وحدثنا، أيضا وأساسا، عن صدمة رئيسية سيكون لها أثرها البالغ في تحويل معالم حياة المسلمين وفقدان مقومات هويتهم وكينونتهم، الصدمة نفهمها من حديث الترمذي عن سفينة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك”[6]. إنها صدمة الانحراف التاريخي المعبرة عن هذا الانكسار الذي تحولت به الخلافة إلى ملك، والكاشفة عن هذا التفتت الكبير الذي انعكس سلبا على التاريخ الإسلامي وسيرورة الوحدة الإسلامية.

وإذا كانت نتائج هذا الانكسار/ الانحراف/ التفتت التاريخي ظاهرة على المستوى السياسي في:

  • كثرة الفتن والقلاقل بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • تمزق جماعة المسلمين وتشتتها فرقا ومذاهب.
  • ضياع معالم المنهاج النبوي بانقضاض عرى الحكم فذهبت الشورى وانهدم العدل وغيب الإحسان.

وهو ما يعني، انفراط عقد الأمة الإسلامية، فإن نتائج هذا الانكسار على المستوى العلمي في جانبه الخاص بالشخصية الإسلامية الوارثة، يقتضي منا الوقوف عند سر بناء هذه الشخصية وأسباب تمزقها.

3- الصحبة النبوية والشخصية الوارثة:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم رجل دعوة ودولة، نبيا رسولا مسددا بالوحي الرباني، الذاكر الفقيه، المحدث المفسر، العالم المفتي، المجاهد المحارب المقاتل، ولقد كانت معيته لصحابته وما سرى من قلبه الطاهر من مادة الإيمان إلى قلوبهم، علة تحقق رجولتهم وانبعاث الرحمة و المحبة في ذواتهم، وبوراثة هذه المعية/الصحبة ورثت معالم الشخصية الإسلامية الكاملة، فلم يكن الصحابة يجدون في أنفسهم هذا التجزء والتشتت اللذين سيظهران بعد ذلك.[7]

لقد كانت الخلافة الراشدة كما يقول المودودي “نيابة كاملة عن النبوة” أي أنها لم تكن ذات بعد سياسي فقط، وإنما حصل هذا التسييس لما تبدلت الخلافة الراشدة إلى ملك يعض على الأمة ببيعة الوراثة بقوة الإكراه و الإرهاب[8]، فنجم عن هذا أن اعتزل في زاويته من اعتزل، وحمل السيف إلى الجهاد من حمل، وأخذ كراسة للبحث عن الحديث وجمعه من أخذ، وفاء غير هؤلاء إلى ظل السلطان يبتغي الأمانة والسلامة في ماله وجسمه، فنشأ بهذا الصوفي الذاكر، والمجاهد المحارب، والمحدث الفقيه، وتمزق بذلك الإرث النبوي الذي رأيناه مجموعا مزقا مفتتة، وأشتاتا متناثرة.

وبتمزق هذا الإرث النبوي وتفتت عقد الشخصية الإسلامية الوارثة، ستحصل نتائج بعيدة الغور في جسم الأمة الإسلامية وفي عقلها وسلوكها، لعلنا نجملها في ما يأتي:

– تشتت الدين في أفهام الناس وتمزقه في عقولهم، فلم تعد هناك قدرة على استيعاب معالم الكمال الشمولي، ولا معاني الوحدة الإيمانية العلمية، فنشبت صراعات بين المحدثين والمتصوفة، وبين المتصوفة والمجاهدين، ونشأت نزعات بين أهل العقل وأهل النقل، وبين السنة والشيعة، وهكذا انتصر كل ذي رأي لرأيه، وشايعه في ذلك أشياع وأتباع، فتكونت إذاك الفروع المذهبية والفرق الدينية والتوجهات السياسية.

– استقالة العقل المسلم وانكفاؤه منزويا يتحرك في حدود ما يسمح به هوى الحاكم وترضاه له نزواته، وهو ما أدى إلى تضخيم جوانب علمية معينة “لها أهميتها طبعا”، كالفقه اليومي مقارنة مع جوانب علمية أخرى كالسياسة والحكم مثلا، والمتأمل في تاريخ العلوم الإسلامية يبرز له بشكل جلي هذا الحيز الكبير الذي تحتله مصنفات الأحكام الشرعية الفقهية، وهذا الغياب والصمت المطبقان تجاه قضايا الشؤون السياسية، لم يكن الأمر أمر عجز عقلي علمي إنما هو الاستبداد والظلم أينما حلا أوقفا عجلة التفكير السليم.

– ظهور انحراف في تطبيقات بعض العلوم، كعلم الكلام مثلا، الذي بدأ أول مابدأ جدالا عن الدين ومنافحة عن عقيدته ضد العقائد الكافرة والملحدة والضالة التي تسربت مع امتداد الدولة الإسلامية، وبدخول أقوام جدد إلى الإسلام، ثم ما لبث أن زاغ عن سكته وحاد عن مبتدأ انطلاقه ليحمل سلاح التفكير والتعسير والتبديع في وجه العامة والخاصة. ونرى ذلك واضحا في زعمهم أن من لا يعرف الكلام ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتها المحررة فهو كافر، وهو ما يعني التضييق على الناس والتفتيش في ضمائرهم. ثم في المحنة التي تعرض لها صالحو هذه الأمة والمتعلقة بخلق القرآن أيام المأمون العباسي، وهي المحنة التي تنبئ عن ما ينتج عن هذا الوصال النكد بين العلم والحكم، خاصة إن كان العلماء منافقين والحكام متسلطين[9].

إن هذا التشتت في الفهم، واستقالة العقل وانحراف التطبيق، عوائق حالت دون نهوض الأمة الإسلامية من كبوتها الحضارية التي أفرزها الانحراف عن منهاج النبوة، وإن تجاوزها رهين بإعادة بناء الشخصية الوارثة الكاملة العالمة العاملة، وهو أمر نعتقد أن سبيله ممكن إذا امتلكنا تصورا علميا مضبوط لأفق البناء العلمي في غد الخلافة الوارثة أساسه:

  • إعادة ربط العلاقة بين السلطة الأخلاقية الإيمانية المتمثلة في أمانة العلماء، وبين القوة المنفذة الوازعة الممثلة في عدل الأمراء، أي ربط الدعوة بالدولة، وجمع الحكمة بفصل الخطاب.
  • إعادة المياه إلى مجاريها من خلال الجمع الأفقي والعمودي بين السلفية والصوفية، والسنة والشيعة، ليلتقي العقل والنقل والقلب، فيجتمع أمر المؤمن فلا يكون فرطا، بل يكون عمقه الإيمان يكتسبه بصحبة ناصحة وذكر منير وصدق هو البرهان.

قال الغزالي: “ومن ظن أن مدْرَكَ الإيمان الكلامُ والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد، لا، بل الإيمان نور يقذفه الله في قلب عبده عطية وهدية من عنده، تارة بتبنيه من الباطن لا يمكن التعبير عنه، وتارة بسبب رؤيا منام، وتارة بمشاهد حال رجل متدين، وسِرايَة نوره إليه عند صحبته، وتارة بقرينة الحال.”[10]

لقد شكل الانكسار التاريخي وما نجم عنه من انتقاض عرى الحكم، صدمة قوية قي تاريخ المسلمين مازلنا نحيا تبعاتها إلى الآن، وإن فهم هذا الانكسار ونتائجه أمر ضروري لفهم حاضرنا والنهوض من كبوتنا السياسية و العلمية خاصة عندما نسعى إلى إعادة بناء الشخصية الإسلامية الوارثة قلبا وعقلا وإرادة عبر التربية المرقية في مدارج الإيمان، المهذبة للوجدان، المشاركة الناس في هموم معاشهم.

 

نظرية المنهاج النبوي: الموضوع والوظيفة:

من المقدمات البدهية الرئيسة في التصور المنهاجي أن العلم لا ينفك عن العمل، وعليه تظهر  الأهمية التي توليها النظرية المنهاجية لمسألة التأسيس لبناء نظري مرجعي متكامل قبل أي فعل حركي لأن ذلك من مقتضيات البناء على أساس متين ، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “لابد من العلم المسبق قبل الشروع في العمل. وعلى وضوح الرؤية وتكاملها يتوقف نجاح المشروع. سيما إن كان مشروع تغيير أمة من تخلف حضاري وفكري وخلقي وعسكري إلى قوة وتماسك.من تيه على رشاد”[11]، أسبقية العلم هنا على العمل أساس لتحقيق خاصيتي الوضوح والتكامل في بناء المشروع التغييري، وأولوية تناسب حجم المشروع خاصة إن رام النهوض بالأمة. لذا نلمس الإلحاح الدؤوب عند الأستاذ عبد السلام ياسين على أهمية وحدة التصور التي تمكن إلى جانب وحدة الإرادة ووحدة الجهاد من رص الصف وتوحيد الوجهة ونبذ الاختلاف يقول في هذا المعنى:

“وحدة جهاد، وحدة تصور، وحدة إرادة، بدون هذا تكون سفرتنا إلى غير رشاد… إذا شرعنا في عمل جماعي قبل أن نتفق على تصورنا للعمل من كل جوانبه فأدنى خلاف يوقفنا، وسنختلف على كل شيء، ومن ثم سنعجز عن الاستمرار”[12]، من هنا، تركيز نظرية المنهاج النبوي على ضرورة وأهمية اكتشاف المنهاج إذ “ليست العبرة أن نلتمس أقصر طريق للحكم الإسلامي، ولا أن نلتمس أضمن الوسائل رأي العين فكل طريق غير المنهاج النبوي، وهو السنة وكل وسيلة لا يقبلها الشرع أمور مرفوضة.”[13]

إن اكتشاف المنهاج يعني اكتشاف طريقة العمل التي تجيب عن أسئلة من قبيل: من أين نبدأ؟ وكيف؟ وكيف نطوع الوسائل لتحقيق الأهداف وبلوغ الغاية؟ وذلك عبر “تنسيق الإرادة والعقل على خطة عمل سائرة إلى موعود الله مستنيرة منضبطة على كتاب الله وسنة رسوله”[14] على أن يكون الحادي والمحفز لهذه الخطة العلمية العملية والرابط الناظم لها الاستعداد الدائم للقاء الله والتشوق لما عنده والاعتماد عليه والسعي لمعرفته والوصول إليه وإلا كانت الغفلة وحصل الانحراف وضاعت الوجهة.

ينطلق الأستاذ عبد السلام ياسين من قول الله عز وجل: “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً” (المائدة:48) ليحدد مقصوده بالمنهاج يقول: “فسر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الشرعة بأنها ما جاء به القرآن، والمنهاج ما جاءت به السنة. فعلى هذا تكون الشريعة أو الشِّرْعَةُ أمرَ الله المنزل الضابط للتكليف وشروطه وأحوال المكلفين، ويكون المنهاج هو التطبيقَ العملي للشريعة، وإنزالَها على أحداث التاريخ في الإطار الزماني والمكاني والاجتماعي الاقتصادي السياسي المتغير المتطور، الذي تمثل السيرة النبوية نموذجا فذا له، لكن نموذجا حيا قابلا للتجدد في روحه وإن تنوع الشكل. وبهذا الفهم الواسع المتحرك للسنة يمكننا أن نتجاوز ضيق من يفهم السنة تكرارا حرفيا تعبديا للشكل، تكرارا يضيع معه ومن جرائه روح السنة وأهدافها. فما كان من السنة تعبدا من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته ثوابت لايجوز عليها التحويل. وما كان منها سلوكا سياسيا ومعالجة لحياة الناس وسياسة للمال والجهاد دخل في حيز الصناعة التي تستقي الحكمة من معين الوحي والنبوة، والحكمة العملية من خبرة التاريخ. وهي صناعة يساعد على فهمها صيغة “مِفْعال” التي جاء عليها “منهاج” الدالة في لغة العرب على الآلة كمسمار، أو مجال الحركة كمضمار، أو أداة القسمة والعدل كميزان. سنة إذا هي المنهاج بشمولية قابلياتها في الفعل والحركة ووضع الأمور في مسارها الشرعي.”[15] ونستخلص نحن من هذا النص أن المنهاج مفتاح للعلم والعمل يحدد الطريق ويرسم معالم محجتها اللاحبة.

إننا نسمي “نظرية المنهاج النبوي”: هذا العلم العملي التجديدي الاجتهادي الذي يترجم عنه هذا البناء النظري العام الذي أسسه الأستاذ عبد السلام ياسين سواء في تصوراته التربوية والفكرية، أو مخططاته التنظيمية، أو ممارساته الحركية الزحفية، والتي تستند في بلورة معانيها ورسم معالمها على  الفهم عن الله في آيات كتابه والفهم عنه في آيات كونه من خلال الترجمة العملية الواضحة لكتاب الله المسطور والمنظور في برنامج عيني يطلب العدل هدفا والإحسان غاية ومقصدا، الهدف أرضي استخلافي يريد إعادة الخلافة على منهاج النبوة باستئناف الحياة الإسلامية وفق النموذج النبوي، ووضع إطار يحمي هذه الحياة والتي هي الدولة الإسلامية القطرية فالخلافة الوارثة، وهنا تخاطب الأمة بتاريخها ومجدها وواقعها وآنيتها وما هو منتظر منها، والغاية إحسانية تبغي إحياء الإيمان في القلوب، وتدل الإنسان على الله، وتخاطبه من حيث هو فرد عبد لله تذكره بحقيقية وجوده في الدنيا وبمصيره في الآخرة، وتدعوه إلى اقتحام عقبات النفس صعدا نحو أعالي الإحسان عبادة الله تذللا وخشوعا.

إن للمنهاج النبوي باعتباره “التطبيق العملي للقرآن” والتجسيد العملي الفعلي الإجرائي “لتعاليمه في حياة الفرد وتاريخ البشر”، الدال على طرائق التغيير السنية البانية للفرد المؤمن والجماعة المجاهدة على هدي من الله وإتباع واقتفاء للمصطفى، موضوعا يضبط حدوده، وغاية تبرز وجهته ووظائف تكشف إجرائيته وعمليته.[16]

أما موضوعه فهو الإنسان: حقيقة وجوده في الدنيا، غاية هذا الوجود، مصيره، حركته الدائبة الدائمة في الكون هذا المجال الحيوي الذي هو “مصدر معاشه وعماد بقائه وقوته”، اقتحامه المستمر للعقبات أمامه في عبوره الشاق من جسر الدنيا بفتنها إلى جسر الآخرة وما بعد الآخرة، فالمنهاج يقصد الإنسان ليدله على طريق السلوك إلى الله عز وجل ويحرك فيه بواعث مغالبة الفتنة ومدافعة الباطل معينه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومجال حركته واقع الناس بذهنياتهم ونفسياتهم ونواميس دنياهم[17].

أما غايته فاكتشاف منهاج الرسول النبي في التربية، تربية الصحابة والإنسان والأمة بذلك الشكل الذي أخرج أولئك الرجال العظام، ووضع اليد بالتالي على ذلكم السر الذي صنع أولئك الرجال، وبث فيهم تلك الروح فتحولوا بفعل الصحبة النبوية من أنانياتنهم واستعلائهم إلى نماذج عالية للإيثار والتواضع وسمو الأخلاق، وباكتشاف المناهج النبوي نحصل على الآلية العملية اليومية العينية  التي على الفرد والجماعة سلوكها في التحزب لله وتدبير الاقتصاد وسياسة الحكم ونشر العدل[18].

أما وظيفة المنهاج النبوي فتتجلى في كونه آلة للعلم ومرشدا للعمل، آلة تحدد التصور النظري للسلوك، ومرشدا يكشف عن طريقة السنة النبوية وسيرها العملي في أدوارها التغييرية، هاتان الوظيفتان إنما تتحققان لما يحصل هناك استعداد قلبي لتلقي أوامر الله عز وجل بنية التنفيذ والتطبيق لنكون حقا على الصراط المستقيم للمنهاج النبوي، ولا يكون ذلك إلا حينما يترابط العلم بالقرآن والسنة بالعمل بهما، ويتلازم النداء والاستجابة، وتتعاضد الرحمة القلبية والحكمة العقلية[19].

إن نظرية المنهاج النبوي بهذا المعنى ترتفع إلى أن تكون علما بما هو “تجديد كلي في عرض السيرة النبوية من حيث هي التجلي النموذجي الواقعي للوحي متحركا على أرض الواقع لمعالجة قضايا الإنسانية الفردية والجماعية” أو بما هو “عرض متجدد لأصول التجربة النبوية في بناء الفرد والجماعة والأمة وخدمة الإنسانية من خلال نظام الخلافة”.[20]

إن علم المنهاج النبوي هو:

علم “مخطط لهندسة التربية والتنظيم والزحف، فهمًا يؤُم العمل، وعلماً من العلم وفكرا من الفكر، واجتهادا من الاجتهاد. كان لا بد من فهم لمقتضيات مصانعة الواقع قبل ولوج سوقه وعلمٍ بما هو المعروف قبل التقحم في معاقل حِمَى المنكر واجتهادٍ لتأصيل الحركة على الأرض الشائكة البائكة تأصيلا يُمدها بهدى كتاب الله ونور سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم”.[21]

علم مؤسس “لمنهاج عمل ينطلق بنا مما نحن عليه من علل، ويجمع من أطراف الحكمة لوصف الكيف: كيف كان النموذج النبوي في التربية والجهاد والحكم فذّاً وبم كان؟ كيف تحول المجتمع الجاهلي مجتمعا إسلاميا؟ كيف تطور التاريخ بالأمة على عهد الخلفاء الراشدين انحدارا إلى زوابع الفتنة، ثم بعد ذلك إلى الملك العاض فالجبري؟ ثم كيف العمل اليوم وغدا لإتمام اليقظة الإسلامية المباركة، فانتزاع إمامة الأمة من يد ذرارينا المغربين، فقيادة الزحف الإسلامي إلى مسك زمام الحكم، فإقامة دولة القرآن بتربية الرجال، وتجنيد الشباب، واكتساب العلم، وتوجيه الجهاد، وبناء المؤسسات السياسية، وإحياء الاقتصاد، وتحرير الأمة من الاستعباد والتبعية حتى توحيد دار الإسلام، ونصب الخلافة على منهاج النبوة؟”[22].

ولا يتحصل هذا العلم وسمه وسمته ورسمه إن لم يكن الهم الله، والغاية الله، والوجهة الله، والنهج إتباع رسول الله: “واعلم أن المنهاج النبوي هو ذاك الصراط الذي تضع فيه قدميك على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم. …لا تحسب أن المنهاج النبوي الذي تحدث لك عنه كل هذه الصفحات الطوال يكون منهاجا نبويا إن لم يجمعك على الله تعالى، ولم يستحثك للإقبال عليه عز وجل، ولم يوقظ همتك إليه. لا تحسب أن مقاومة الظلم والكفر، وإقامة الدولة الإسلامية، تفيدك أنت شخصيا في الدار الآخرة وعند الله تعالى إن لم يكن حبه وطاعته وخدمة دعوته ونصرة قضيته هي فكرك ومعناك، هي غذاؤك وشرابك، هي جسمك وروحك، هي حياتك وموتك. …فاعرف لم تتحرك الجماعات وأين تتجه، وتأكد أن تحافظ أينما كنت لتكون الوجهة الله، والموعد الله، ولتبقى الوجهة الله، والموعد الله”[23].

بهذا المعاني كلها مجتمعة متكاملة يكون المنهاج النبوي علما بما هي:

  • معاني التربية التي على الفرد المؤمن والجماعة المجاهدة اعتمادها لبعث الإيمان في القلوب وبما تنور به العقول وتحرر الإرادات من خلال الكشف عن طرائق تجديد الإيمان تجديدا تستيقظ به حوافز الجهاد في النفس ويستنير به العقول بنور العلم وتحرر به الإرادة من شللها وخمولها.
  • الآليات التنظيمية التي تسلك صف المؤمنين في عقد الأخوة والولاية الإيمانية على نحو يدركون به جسامة المهمات التي تنتظرهم لبناء الإرادة الجهادية.
  • معالم الزحف التي يجب أن تضبط حركة الجماعة المؤمنة في المجتمع المفتون دعوة وانفتاحا وتواصلا وتفاعلا عمقها ولبها الرفق والرحمة بخلق الله عوض الانكفاء والانزواء في هوامش السرية ودهاليز الدروشة.

بقول جامع، علم المنهاج النبوي هو علم تجديد الدين بتجديد الإيمان في القلوب وتنوير الفهم في العقول وبعث الإرادة في السلوك. علم تغيير ما بالإنسان ليتغير ماحوله، وهو أيضا علم بكيفيات اكتشاف الوصفة الربانية النبوية التي استطاع بها الرسول الكريم تغيير أمة جاهلية لتصبح خير أمة أخرجت للناس، أي علم اكتشاف المنهاج النبوي الذي ربط بين الحق الذي في كتاب الله وسنة رسوله وبين عالم الناس بتقلباته وتحولاته.

إنه علم بكيفيات تربية جند الله ليترقوا في مدارج الإيمان من دون دروشة منزوية، ولا حركية جوفاء، ولا فكر مجادل عقيم، وبكيفيات تنظيم الصف وترتيب أولوياته، وبكيفيات زحف الجماعة المجاهدة في سعيها لتحكيم شرع الله ليعبد الله. والعلم بهذا الفهم علم منشئ للعمل، علم خطوة لا علم خطبة، علم يبرز من قلب خاشع ذاكر خاضع لجلال المولى العظيم مدرك لرسالته الوجودية الفردية والجماعية.

 

مفهوم العلم في نظرية المنهاج النبوي

        من معاني العلم في اللغة كما عند الراغب الأصفهاني: “إدراك ذات الشيء أو الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له أو نفي شيء هو منفي عنه، ومنه العلم النظري الذي إذا ما علم فقد كمل نحو العلم بموجودات العالم، والعملي ما لا يتم إلا بأن يعمل كالعلم بالعبادات ومنه التعليم الذي يرد في بعض التعريفات أنه: تنبيه النفس لتصور المعاني”[24]. ومنه نفهم أن العلم إدراك الشيء على ما هو عليه  ونقيضه الجهل ،وأن منه النظري والعملي.

في نظرية المنهاج النبوي يأخذ العلم دلالات متكاملة متناسقة نعرضها كالآتي:

1- علم وعلوم:

العلم الحق الذي لا مرية فيه  هو العلم بالله عز وجل: “فاعلم أنه لا إله إلا الله“(محمد:19)، العلم بوجوده و بوحدانيته وعزته وقوته وتصرفه في الخلق، فهذا هو العلم الجدير بحمل صفة العلم وسمة العلم بصيغة المفرد وبـ”أل” الدالة على التعريف والتخصيص، بينما تبقى ما أنتجته العقول البشرية “علوما” بصيغة الجمع لا المفرد.

يتم التمييز إذن في نظرية المنهاج النبوي بين العلم بصيغة المفرد والعلوم بصيغة الجمع، فالعلم بصيغة المفرد هو “ما جاءنا من الوحي في الكتاب والسنة”، إنه علم الوحي الذي في كتاب الله وسنة نبيه، وهو “العلم الحق النافع دنيا وأخرى”. ولا يكون كذلك إلا أن “تكون روحه وباعثه ودليله العبودية لله تعالى، ويكون مدده ومادته ما يستنبطه العقل المؤمن المتخصص من كتاب الله وسنة رسوله وناموسه في الكون”[25]. والعلم بهذا المعنى في نظرية المنهاج النبوي يقوم عنوانا على الإيمان والإسلام وبراءة من الجهل والكفر يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “والفيصل مابين العلم والجهل، والإيمان والكفر، والجاهلية والإسلام قبول الوحي المخبر عن وحدانية الله تعالى وعن الدار الآخرة ومصير الإنسان إلى ربه وبعثه وخلوده في دار النعيم أو في دار الشقاء جزاء أعماله في الدنيا”[26].

إن مضمون علم الوحي، العلم الحق، مبتدأ مؤداه: أن الله عز وجل موجود، وخبر معناه: أننا إليه راجعون وإليه عائدون، فجوهره إذن: العلم بكيفيات القدوم عليه والاستعداد للقائه والسلوك إليه، والعلم بمحبته ومحبة رسوله والاستجابة لندائه باقتحام العقبات إليه، والسعي الدؤوب للتقرب إليه بالفرض، ويرتب الأستاذ عبد السلام ياسين عن هذا المعنى أن أول العلم التوحيد تأتي بعده عبادة الله عز وجل، وينبني عن هذا في النظرية المنهاجية الارتباط بين وحدة العقيدة  ووحدة المعبود و ما يلزم عنهما من وحدة السلوك الإيماني ووحدة الولاية بين المؤمنين ووحدة الغاية والهدف[27].

بذا تنصرف دلالة العلم بصيغة المفرد، ليأخذ أبعادا تربوية إيمانية تفتل كلها في معاني الوحدة، التي تكتنف شخصية المؤمن، فينجمع أمره على الله، ليقتحم عقبات السلوك إلى الله، وما يتلو ذلك من رص صف الجماعة المؤمنة لتقوم شاهدة بالقسط مقتحمة عقبات جهاد التعبئة والبناء.

وتأتي بعد علم القرآن أو العلم الأسمى السنة المطهرة النبوية، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “والعلم حق العلم بعد كتاب الله هو السنة المطهرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود وبن ماجه عن عبد الله بن عمر: العلم ثلاثة: آية محكمة أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة”[28].

أما العلوم بصيغة الجمع فيدخل ضمنها مختلف العلوم التي أنتجتها الحكمة البشرية، والتي بها نكتشف نواميس الله في الكون، وهي في نظرية المنهاج النبوي تكون نافعة هي الأخرى إن استعملت لإبطال الباطل وإحقاق الحق. وكانت من القوة التي أمرنا بإعدادها، ولا بد لها أن تندمج في سلك الدلالة على الله لما يكون باعثها فهم نواميس الله في الكون وقوانينه الحكيمة في تدبير شؤون العالمين في دنياهم  يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا المعنى: “نواميس الله في الكون قدر على مقتضاه يسوس الله عز وجل مملكته، فبإتقان علوم تلك النواميس نكون قد أعددنا القوة التي أمرنا بإعدادها، فاستحققنا الخلافة في الأرض”[29]، و”العلوم التي يتعين على الأمة أن تطلبها، وتبذلها لأجيالها وتنشرها فيهم، هي تلك التي يحركها روح العلم بالله وبسنة رسوله. فالخير كله في الفقه في الدين، وما يأتي بعد الفقه في الدين فهو وسيلة لخدمة مقاصد الدين “[30].

إن اكتساب العلوم التخصصية النظرية منها والتطبيقية، وامتلاك المهارات العلمية التقنية، والتبحر في آليات التنظيم والتدبير العصرية، والتمكن من الكفايات اللغوية والتواصلية فرض ثابت وضرورة حياتية للأمة التي تريد تبليغ دعوة الله للعالمين وتتشوف لقيادة العالم تحت راية الرسالة الإسلامية الخالدة، إلا أنه دون تحقق هذه الغاية السامقة مهمات تقتضي بعد التمكن من هذه العلوم وإتقانها خاصة للمتخصصين الأكفاء أن “نجرد كل هذه العلوم مما علق بها من مباشرة الجاهليين لها. وما تنطوي عليه مما يسمونه بعلوم الإنسان والإيديولوجيات من فلسفة كافرة وتصور مادي نطلع عليهما لندحضهما في نقاشنا للمغرورين المضللين من أبنائنا. وفي مرحلة تابعة نطوع كل هذه العلوم ونحذقها، لتنهضم في جهازنا العلمي وتنصهر في بوتقتنا، وتخدم أهدافنا”[31].

لقد مضى ردح من الزمن سيطرت فيه العقلانية الفلسفية على الذات الإنسانية، وجعلت من العقل المرجع الأوحد للسلطة العلمية، وتهادت هذه العقلانية وتمطت وتكبرت فطمست جوهر الوجود الإنساني فأغفلت فطرته وجدعتها لتصبح خاوية الوفاض من معنى الحياة وحقيقة الإنسان. وإنه آن الأوان أن يسجد العقل الإنساني لله ليتلقى وحي الله يسمعه بأذن القلب غضا طريا نديا فتنجمع الشخصية المسلمة على الله، وتتوحد وجهتها لما تزاوج  في النظر بين عقل القلب المتلقي عن الله والعقل العلومي التجريبي الذي يعطي لطبيعة الأشياء كما هي في نواميس الكون مكانتها الاعتبارية، وبهذا يكون المنهاج النبوي هو الذي “يجمع لنا بين نور القلب الذي يصدق بالحق ويخضع له، وبين فهم العقل المنضبط بالعملية، والتجربة، والدقة في الحكم. بهذا العقل فقط يمكن أن نبني وبذلك القلب فقط يكون البناء إسلاميا على هدى من الله”[32].

2- العلم نور وخشية:

ليس العلم الحق بكثرة الرواية، ولا تكديس النقول، ولا حفظ المتون، ولا امتلاك النصوص وتجميعها، إنما العلم “العلم فهم العقل الخاضع لجلال الله، ونور في قلب من أيده بالإرادة الجهادية”[33]، وافهم رعاك الله لطيفة الجمع بين فهم العقل ونور القلب وإرادة الجهاد ليتبدى لك أي علم تروم نظرية المنهاج النبوي التأسيس له، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “ليس العلم النافع ما تكدست فيه النقول، وقل الفهم، وانتكست الإرادة. قال مالك رحمه الله: “ليس العلم بكثرة الرواية. إنما العلم نور يضعه الله في القلب”. نور! وروى الإمام أحمد عن أبي جحيفة قال: “سألنا عليا رضي الله عنه هل عندكم “يعني آل البيت” من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء بعد القرآن؟ قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إلا فهم يؤتيه الله عز وجل رجلا في القرآن!”[34] يورد هذا النص أهمية العقل والنقل والإرادة في بناء الشخصية العليمة المسلمة، ويحدد معنى العلم النافع بما حصل فيه التوازن بين تجميع النقل وفهم العقل وانبعاث الإرادة، بل إن هذا التوازن والتوازي أساس التجديد الإسلامي الذي تنبري له النظرية المنهاجية إذ “لابد للتجديد، كي يكون إسلاميا، من الاستنارة بالنقل الصحيح، بالعقل المستقل عن الهوى الخادم للقلب المستنير بنور الله”[35].

ثم إن العلم الحق بعد، خشية الله عز وجل: “إنما يخشى الله من عباده العلماء” (فاطر:28)، فليس بعالم من لم يخش الله ويتقه، وليس بفقيه من لم يقده فقهه إلى إنابة وتوبة واتقاء ورجاء وعكوف على باب المولى الجليل، والعلماء الحقيقيون هم الذين يخشون المولى جل وعلا. والخشية شعور دائم بمراقبة الله ومتابعته ومحاسبته، وعيش بين الرجاء والخوف، وعرض للذات وأعمالها على مراقبة من لا يغفل ولا ينام سبحانه وتعالى. وعليه يكون العلم بهذا المعنى نورا يقذفه ربنا الكريم في قلوب عباده الذين يخشونه ويتقونه، يكون العلم عطاءً لدُنيا أزليا فيه من روح الله وريحانه مايقرب من الله ويرفع الدرجات ويدني من حضرة القرب.

3- علم جامع منجمع متكامل:

ترى النظرية المنهاجية أننا في حاجة إلى علم يؤسس للتكامل والتوافق بين نور القلب، وحكمة العقل، وحركة الإرادة، فتنجمع الذات، وتستكمل قواها نحو المقصود الأعظم دون شعور بالتشتت والتمزق بين الجانب العقلي المفكر، وبين الجانب القلبي الإيماني، وبين المستوى الحركي الجسدي، فتتحقق لنا الشخصية الكاملة الوارثة التي لا تجد الحرج في الجمع بين رهبانية الليل وسبح النهار وتلقي العلم. بين علم الرحمة القلبية والحكمة العقلية والإرادة الجهادية متوازية متناسقة.

يقوم الفقه الجامع، أو العلم الجامع المتكامل على النظرة الشمولية المتوازنة بين الحق الذي في كتاب الله وسنة رسول الله وبين حركة الواقع ونواميس الله في الكون، إنه فقه كلي يجمع التعبد الفردي في نسق واحد مع المعاملات الجزئية لتؤدي الوظيفة الإحيائية للأمة، ويجمع مقتضيات الدولة والدعوة ويقدم “الإجابة العلمية الكلية لمعضلات الأمة الكبرى ضمن مشروع علمي متكامل لبناء الخلافة الثانية الموعودة”[36]، ولعل من الأولويات الأساسية في بناء  الفقه الجامع  وفق  كليات النظرة المقاصدية  كما تتصورها النظرية المنهاجية والمتمثلة في الشورى والعدل والإحسان تحقيق الجمع والانجماع بين التكليف الفردي والجماعي ،بين المعرفة العقلية والمعرفة الشرعية، بين العلم والإيمان، بين  العلم والعمل ، بين الاجتهاد الفردي والاجتهاد الجماعي، وذلك كله لتجاوز الفقه الانشطاري وتحقيق الإحسان والاستخلاف في الأرض[37].

إن “العلم الكلي النافع الذي نحتاج إليه هو ذاك الذي يخط لنا ويعلمنا كيف ننفذ حكم الله في إقامة الدولة وتسييرها، في تنظيم المجتمع وإقامة العدل فيه، في تربية وتنظيم جماعة المؤمنين، في إدارة شؤون المسلمين إنتاجا وتوزيعا ومعالجة للمعايش، في إدارة الاقتصاد ووظائفه، في جعل أمور الأمة شورى بين رجالها من أهل الحل والعقد، في تنظيم الاجتهاد لاستنباط أحكام الله من كتابه وسنة نبيه لهذا العصر ولهذه الشعوب الموزعة في الأرض، وبهذه الوسائل المتاحة، ولهذا الهدف الذي أصبح قبلة للإرادات الجهادية المتجددة”[38].

4- علم التربية الإيمانية:

إن موطن الصلاح والإصلاح في الجسد المضغة المسماة القلب، وعليه لكي تستقيم الأفهام، وتتحد السلوكات، وتنجمع الشخصية المسلمة لا بد من علم يهتم بما يجري في القلوب، فعلى هذا المستوى تتحدد المعركة الوجودية للإنسان ويتحدد مصيرها، وإن مجال التغيير الحقيقي هو الإنسان في خصيصة قلبه وسويداء فؤاده، وإن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإن الله لا يغير ما بأنفسهم حتى تتغير ما بقلوبهم.

إن العلم الذي لا يثمر إيمانا بالله وتقوى لله لا ينفع، من هنا الارتباط بين مفهوم العلم الحق ومفهوم فقه القلوب الذي يسمه الأستاذ عبد السلام ياسين بأنه الفقه الأعلى الذي تلخص دلالاته العظمى أوائل سورة البقرة: تقوى وإيمان بالغيب، تصديق للرسل وعمل صالح، وإيقان باليوم الآخر. عاقبة من اتصف بذلك وفعله الهدى من الله والفلاح. وكل من التقوى والإيمان والإيقان صفات قلبية. والأعمال لا تصلح الصلاح المنـزه عن الشوائب إلا بصلاح النية، والنية في القلب”[39].

والعلم بهذا المعنى تلق عن القلوب، ومن القلوب عبر الصحبة الجامعة الكاملة الوارثة الواصلة الموصلة، وسط الجماعة المجاهدة من خلال التربية الإيمانية الإحسانية، حيث إنه في المنهاج النبوي لا انفصال بين العلم والإيمان الذي موطنه القلب، بل إن الإيمان المدخل الأساسي له “واتقوا الله ويعلمكم الله” البقرة:282.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في نص نورده على طوله لأهميته في الدلالة على أهمية التربية القلبية في اكتساب المعنى الحق للعلم:

“جماع الداء فتنة القلوب ومرضها وصممها وانغلاقها وقسوتها. وجماع العلاج شرحها بالإسلام وإلانتُها بالإيمان واطمئنانها بذكر الله… وقصدنا من التعرض… لسنة الله في تاريخنا إنما هو إحاطة المنهاج التربوي بالظلال والألوان لتبرز أهمية التربية. فالتربية ثم التربية ثم التربية هي المطلب المحوري للأمة. من كان يوصي بمزيد من “الثقافة الإسلامية” ومزيد من المعاهد والكتب والعلم فنحن معه لا نعارض بل نحبذ ونشعر بالحاجة الملحة إلى تنوير العقل بالعلم. لكن الجهاز العلمي يتحول ركاما إن ابتعد في مفاهيمه ومقاصده، ويصُبّ في نهر داء الأمم تراكمه، إن حاد عن القرآن ومقعد القرآن وهدف القرآن، ألا وهو الإيمان والإحسان. في الفقه القرآني يستوطن الإيمان في القلوب فتَتَنَوَّرُ أو يدخلها ظلام الكفر والنفاق فتسود. والعقل بعد ذلك والعمل الفردي والاضطراب الجماعي في الأرض والتاريخ تَبَعٌ ونتيجة وجزاء. وعلى انشراح القلب أو انغلاقه، وكفره أو نفاقه، وإدراك العقل أو بلادته، وصواب العمل أو خطإه، ونية الجهاد أو غيابها يترتب الجزاء الأخروي. والآخرة للإخبار بها وبالخالق جاءت الرسل ونزلت الكتب. عن السعادة الأبدية أو الشقاوة والعياذ بالله تحدث القرآن أبلغ ما تحدث. ومَرَدّ السعادة والشقاء لفساد المعاني القلبية أو صلاحها كما يفسد الجسد أو يصلح تبعا لحالة المضغة القلبية التي تحرك الحياة، والمزيد من العلم و”الثقافة الإسلامية” دون تربية الإيمان المبنية على فقه القلوب قد يساعد على نوع من يقظة العقل ووعي العقل ونشاط العقل، ومتى لم يدخل الإيمان في القلوب فالأعرابية الفكرية لن تخدع الله سبحانه المطلع على القلوب المحاسب على نياتها السائق بسنته في التاريخ الناس جميعا إلى مصائرها.

عن فقه القلوب كان يبحث الصحابة رضي الله عنهم في مجالسهم، كانوا يعرفون أن بفسادها أو صلاحها تتم عليهم نعمة الاستقامة أو تحل بساحتهم الفتنة. كانوا يترقبون الأحداث على خشية من ظهور علامات الفساد في البر والبحر، في الوقت نفسه كانوا يتحسسون قلوبهم ويتعاهدون لعل حصل فيها من أعراض الداء ما به وعليه تنـزل العقوبة …ومعرفة داء الأمم والعطب الطارئ على القلوب من دخول الفتنة عليها مقدمة ضرورية للتطبيب الضروري والتربية الضرورية”[40].

النص واضح الدلالة في إبراز العلاقة الوطيدة بين العلم والإيمان، وفي بيان مركزية التربية في بناء الشخصية المسلمة وتحقيق توازنها الذي يجنبها السقوط في مزالق إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، أو إسلام الفكر، أو إسلام الحركة.

5- علم الاجتهاد الجماعي:

رأينا أن علم المنهاج النبوي علم اجتهاد يبني لفقه جامع يتجاوز التجزيء والتشظي وكافة مخلفات التفرقة القرونية الناجمة عن تفرق السلطان والقرآن، ونرى الآن أنه علم اجتهاد يتجاوز طوق التقليد المفكر بذهنية من يفكر لزمانه بغير زمانه، أو بذهنية نحلة الغالب المغلوب المفكر بشروط الفتنة الجاثمة على القلوب والعقول والسلوك،علم لا يرضى بغير الجلوس عند عتبة المنبع الثري الوحي: القرآن والسنة.

وإن بين يدي ما ورثه العقل المسلم من تاريخه المنحدر من أعالي الشورى والإحسان والعدل إلى دركات العض والجبر، ذهنيات تحول دون اقتحام عقبات التجديد والاجتهاد الذين يفرضهما الأفق السامق الموعودة به الأمة أفق الخلافة على منهاج النبوية، ومن تلك الذهنيات الذهنية الرعوية الخانعة الخاضعة للحاكم، والذهنية التبسيطية الراضية عن ذاتها  المنغلقة على نفسها الناسبة كل خطأ لغيرها ممن خالفها رأيها، والذهنية اللفظية المشقشقة بالألفاظ التي لا تصور واضح ناضج تحتها، والذهنية الذرية التي لا ترى الأمور في شموليتها ونسقيتها الناظمة.وهذه الذهنيات تحول دون تحرير العقل وتنوير القلب وانطلاق الإرادة ، كما تحول دون بناء تصور علمي عملي منظم موحد الوجهة يحدد الغاية ويرسم الأهداف ويخطط الحركة، ويرتب الأولويات ويراعي المرونة.[41]

إن تعدد مشاكل العصر وتشعب المهمات واختلاف العقول والإرادات، زد إلى ذلك مخلفات الاجتهاد الفروعي، والحاجة الملحة الآنية إلى توحيد التصور، وتوحيد الاجتهاد وتجاوز الجدل العقيم، كلها دواعي تفرض في النظرية المنهاجية ضرورة الاجتهاد الجماعي باستحضار مقتضيات الأصول الاجتهادية، ومقاصد الشريعة ومراعاة التدرج بشروطه المعتبرة، وإن مقتضيات التجديد كما تتصوره النظرية المنهاجية في اتجاهها نحو إعادة بناء حياة الأمة وفق شرع الله وسنة رسول الله الصالحين للإنسان في كل زمان ومكان، تفرض هذا الاجتهاد الجماعي الذي يستشرف اجتماع الأمة العقلي والعلمي والسلوكي.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين مذكرا بهذا المعنى: “لا بد أن ينبري للاجتهاد جماعة من المؤمنين، لا بد من اجتهاد جماعي. لا بد من مجلس للاجتهاد. والجماعة المجتهدة إذن هي التي تتفق على الأصول الاجتهادية وتعلم أن للشريعة مقاصد، وإن التحرك نحو هذه المقاصد والوصول إليها تعبدي وعلي في نفس الوقت. نجتهد لإحلال شرع الله محل الشرائع الوضعية لأن الله أمر. فتلك عبادة. ونقيس فيما ليس فيه نص ولا إجماع لضرورة إدخال ما جد من تصرفات الناس، ومعاملاتهم، وعلاقتهم، تحت حكم الله فتلك علية المصالح المرسلة، ثم نضع في حسابنا ضرورة التدرج في إحلال الحق محل الباطل”[42].

توصلنا الفقرات أعلاه إلى أن الفهم الذي يتقدم به العلم إلينا كما تتصوره النظرية المنهاجية لا معنى له إلا في ارتباطه بالعمل واقترانه به، إنه علم منشئ للعمل لا للجدل، ودون هذا الاقتران يقع التخبط ويحصل الغموض: “إنما العلم إمام العمل، والعلم النافع ما أخرجك من ظل الكسل، ونهض بك لتسلك إلى الله تحت ظل القنابل والأسل”[43] و”الخطأ في العلم خطير على العمل، والعلم بلا علم تخبط وجنون، والعمل في الغموض اضطراب لا يسير إلى غاية صالحة”[44].

 

الرسالة العلمية للعالم الداعية في المنهاج النبوي:

الزاد العلمي والمقومات الدعوية

* الزاد العلمي:

إذا كان مفهوم العلم يتحدد في النظرية المنهاجية بكونه العلم الدال على الله عز وجل، الدال على شرعه الحكيم، الهادي إلى تقوى الله الموصل إلى بابه، وينضبط بخاصية الفاعلية في الدنيا عبر الجهاد الدائم الدؤوب لرفع كلمة الله عز وجل عالية خفاقة، فإن الزاد العلمي الذي يلزم  العالم الداعية اكتسابه يجب أن يكون متكاملا متوازنا ينطلق من القرآن الكريم والسنة النبوية وما يلزم لفهمهما من آليات اجتهادية، ثم يتدرج لينفتح على العلوم الكونية العصرية ومفاهيم الثقافة الإنسانية وفلسفاتها المتعددة.

1- القرآن والسنة وآليات الاجتهاد:

إن على العالم الداعية أن يستقي من معاني الوحي الرباني ليكلم الناس بخطاب الذكر المخرج من الغفلة، المذكر بحقيقة الحياة، المبلغ النبأ العظيم، نبأ الموت وما بعد الموت، يعظ بكلام الله المعجز، ويخطب بحديث المصطفى البليغ صلى الله عليه وسلم، يوصي نفسه ويوصي غيره.بهما، بمعانيهما ومضامينهما وخطابهما لأنهما الحاملان لحقيقة العلم ولبه وجوهره، العلم الدال على الإيمان الداعي إلى معرفة الله عز وجل وإدراك اليوم الآخر وغيره من المغيبات التي لا يدركها العقل البشري[45].

ويلزم العالم الداعية للاجتهاد على أرضية البلاغ القرآني والبيان النبوي أن يلم بعلم أصول الفقه باعتباره آلة منهجية وأساسا عقليا عليه أن يعتمدها ويعمل على الاستفادة منها تكميلا وتأصيلا للمستحدث من الأمور والمستجد من القضايا. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا المعنى: “آلة علم أصول الفقه هي أساس عقلي بعد الأصلين الفعليين، لا نكون إلا مبذرين سفهاء إن لم نعتمد المتين منه، وإن لم نكمل ونؤصل للمستحدث من القضايا والظروف قياسا والتماسا واستئناسا”[46]. وعلم الأصول بهذا أداة تسهم في الاجتهاد، وتمكن الداعية من قياس النوازل وبناء الفتوى لحل مشاكل الناس في أزمتهم الحالية المتغيرة المتطورة.

ومع هذا العلم الأصيل لا بد أن يتمكن العالم الداعية من اللغة العربية حاملة المضمون القرآني ووعاء البلاغ النبوي الرحيم، لذا وجب عليه أن يستلهم أساليبها ويستفيد من بلاغتها وأدبها، تقويما للسان ومحاربة للحن في دنيا العجمة الفاسدة المفسدة الصامتة غير المفهمة.ثم لابد له من اكتساب آليات مخاطبة الناس من خلال المعرفة بفنون الخطابة، وكيف يمارس الإقناع والتأثير في الجماهير، وأيضا من خلال التمرس بتقنيات الكتابة والتأليف التي تتوسل بمختلف أدوات البلاغة والإبلاغ لتحقيق أغراضها وبلوغ مقاصدها، وما يكون هذا إن لم يعتن الداعية بالقراءة والمطالعة عوض الوقوع تحت سيطرة الجرائد والصحف وأسر الصور التلفزيونية التي لا تقدم سوى ضياع الوقت في العبث الفارغ.

2- العلوم الكونية العصرية ولغاتها الحية:

إن اكتساب العلوم الكونية وربطها بآيات الله عز وجل في الأنفس والآفاق يعمل على مواكبة تطورات الإنسانية في بحوثها المتتالية، وعلى إقناع الفكر وتحرير العقل من أوهامه وأحلامه التي تجعله غافلا عما وراء هذه المستجدات العلمية من قوة إلهية عظيمة وتدبير رباني حكيم، بذا، ينفتح العقل المسلم غير غافل عن واقعه بعد أن يكون قد سجد للبارئ المصور الخالق، جامعا بين الإيمان بالغيب والنظر العقلي العلمي السديدين إلى ما يكشفه الله عز وجل للإنسان من قوانينه الكونية.

من ضمن هذه العلوم التي يلزم العالم الداعية الإلمام بها، علوم الحاسوب والكيمياء والفيزياء، وعلوم الوراثة البيولوجية وغيرها من المستجدات العلمية في شتى مجالات الحياة، والغرض منها أن:

“نفتح الأعين جيدا على آيات الله عز وجل في الكون -ومنه عقل الإنسان وما تتفتق عنه حيلته وذكاؤه- لنخاطب الإنسان من جانب القرآن الحكيم، ومن جانب مشاركة عالمنا البيولوجي، وطبيبنا المبتكر، ومن جانب الخطاب الفاصل، بلغة التي هي أحسن، بلغة المتباري مع الأقوام في كل ميدان، المستمسك بإعانة الله واليوم الآخر، لا تزيده باهرات للاكتشافات العلومية إلا يقينا بقدرة القادر الخلاق العليم سبحانه، يسجد عقله للبارئ المصور الخلاق العليم عابدا ضارعا معتبرا”[47].

وأساسي هنا أن يكون الدخول على هذه العلوم من بوابتها الرئيسية التي هي اللغات الأجنبية خاصة الإنجليزية إذ هي العدة اللازمة لطرق باب العلوم الحديثة ومخاطبة أهلها بلسانهم مجادلة بالتي هي أحسن،ودعوة إلى التي هي أحسن، خاصة أمام تخلف اللغة العربية بسبب تخلف أهلها ونبذهم إياها.

3- مفاهيم الثقافة  الإنسانية وفلسفاتها:

إن التدافع مع الناس في دنيا الفتنة العارمة، يلزم فهم منطلقاتهم الفلسفية وضبط مفاهيمهم الثقافية، ولعل من أهم ما ينبغي للعالم الداعية معرفته في هذا الإطار، التصورات الثقافية في ميادين العلوم الإنسانية التي سعت إلى معرفة نفسية الإنسان، وتحليل بناه الاجتماعية، ومقاربة إنتاجاته المادية والمعنوية، وكذا مختلف المناهج التي توسلت بها هذه العلوم لمقاربة الظاهرة الإنسانية في أبعادها المتعددة والمتباينة.

يعرف العالم الداعية إلى الله هذه الأمور ليجادل أهلها على بينة دقيقة مضبوطة دون يأس أو تنازل عما هو جوهر الدين وعمق الإيمان، وإلا “يكون عين الدليل على ما يرمي به المغربون الدين إن (لم يفعل)، يكون حجة على أن الإسلام انغلاق في دائرة، ودوران في حوزة حائرة، كلا، فما نطلب التوسيع في علوم الناس إلا لنتزود بالمادة الفكرية نحمل عليها إلى الناس -وفي ضمنهم المثقفون المغربون- رُوحَ الإسلام وروْحه”[48].

من الضروري أن “أن يعرف العالم الفقيه المربي المجادل عن الدين ما يدور في خلد أعداء الدين، وما يروج في أوساطهم مما تنم عنه منشوراتهم، وما يرشح من أخبار مؤتمراتهم الغزوية على الدين مع نظرائهم من يهود البرية وصليبيهما، لا بد أن تعرف ما حشو الأدمغة لتستطيع الحكم بموضوعية على أسباب السلوك العدواني، وعلى أسباب العدوان والعداوة للإسلام، ولتستطيع النفوذ بحكمة وبصيرة فصل الخطاب إلى خبايا الطوايا لتستنقذ أجيال اليوم والغد من حبائل التغريب وشبكات التلييك”[49].

تتبع العالم الداعية الدقيق والآني لما تنشره مؤلفات المعادين للدين، ولما يدور في مؤتمراتهم العالمية المسماة “علمية”، كفيل ببناء تصورات موضوعية تمكنه من معرفة الآخر وضبط أسباب حمله على الدين ومعاداته له، والسبيل إلى ذلك هو ما تحمله لنا وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها، والداعية يكون أميا إن لم يحسن استعمالها في ما يعود عليه وعلى أمته بالنفع العميم.

بانفتاح العالم الداعية على الحكمة الإنسانية، يتقوي اطلاعه على مرجعيات المجادلين والمخالفين، ولعل تمكنه من علم الحجاج والجدال مهم لمواجهة ظواهر الإلحاد واللائكية، ومظاهر المادية الطاغية في عقائد المسلمين، وكذا لمحاججة أهل الفلسفات وأصحاب الثقافات المغربة، إلا أن هذا العلم سيف ذو حدين قد يتولد بسبب عدم فهمه ذهنيات سطحية بسيطة تجمع عناصر التشكيك والتعبير والتبديع والتكفير، فما يستفيد منه  العالم الداعية إلى الله إلا إذا صاحبته نية الهداية ومنهج الرفق الذي يكون سلما للمسلمين  وغيرهم لا نارا وحربا عليهم.

لا يؤدي هذا العلم دوره ووظيفته إلا حين يسلم قلب العالم الداعية ويتسع صدره لخلق الله ،عباد الله، وعلى العالم الداعية أن يجمع العقل والنقل ويربطهما ربطا وثيقا دائما بنية الهداية، وهي نية رحمة وحلم، غايتها الدعوة المسمعة للفطرة لاالخصام والتعجيز والمناجزات الكلامية التي لا طائل تحتها[50].

إن هذه العلوم شرعيها وعصريها، وما هو من قبيل الآلة فيها. لا بد أن تكون ذات خطاب إيماني إحساني مذكر بالله، مبلغ كلمة الحق المنبئة عن سر الكينونة وغاية الوجود، الصادحة بنبأ الغيب المفزع للبعض، المغيب عند البعض.

لا يخجل  العالم الداعية ولا يتوانى ولا يرتد ولا يستفزه القوم، فيخرس عن قول الحق الذي جاء بيانه في القرآن،يخاطب به فطرة الإنسان المثقف المغرب ليزيل عنه درن ثقافته المغربة وفلسفته الملحدة التي ما تريد الاعتراف، ما تريد البحث عن غاية الوجود وسر الحياة.

قول الحق وبيان القرآن وبلاغة الخطاب النبوي، هو ذكر الموت وانصرام الأجل وانحلال الجسد وذهاب العمر، هو ذكر الآخرة وأهوالها، ما ينبغي للداعية أن يصمت عن هذا أبدا، بل يجعله لب خطابه وأس كلامه والهادي الله والموفق الله.

* الزاد الدعوي:

إذا كان العلم بما هو نور يقذفه الله عز وجل في قلب من شاء من عباده، يباين شقشقات الألفاظ، وكثرة الرواية، وسرد الأدلة، وحشو الأدمغة، فإن أثره لا يثمر تربية وتكوينا وتعليما إلا إذا تعضد بعناصر تكون اللب العميق في التبليغ وإيصال المعنى إلى المخاطبين، ويكون الزاد الدعوي اللازم للحركة وسط الناس.

وقد أجملت النظرية المنهاجية من خلال كتاب “الرسالة العلمية” هذا الزاد الدعوي في الأمور الستة التالية:

1- صحبة الصالحين وإرادة الآخرة:

إن الصحبة في الله في مجالس الإيمان والذكر، هي الباب المحقق لمحبة الله ومحبة رسوله ومحبة المؤمنين ونيل الدرجات العليا في مراتب الدين. الصحبة هي الحاضنة المنشئة الحاملة المغذية الواصلة الموصلة إن وجد الشوق وتحقق الصدق. ومع الصحبة لا بد للعالم من ذكر الله واليوم الآخر وقطع قلبه عن الدنيا وطموحاتها.

2- الدعوة بالحال قبل المقال:

أنى لمن لم يصلح ذاته أن يصلح الآخرين، وهيهات هيهات لمن لم يغير ما بنفسه أن يغير ما بالناس، إذ الدعوة بالقدوة والممارسة الفعلية هي الأجدى والأنفع في قيادة الناس وإتباعهم لطريق الحق والهدى، يسأل العالم الداعية نفسه دائما “هل استقمت أنا حتى ألوم الناس على اعوجاج العقيدة؟ هل تغيرت أنا وتحولت حتى أدعو الناس إلى التغيير… التغيير والتحول والاستقامة كلمات ما أكبرها في لغة السياسة والدين لولا أن من الناس من نسوا الله فأنساهم أنفسهم، من نسوا أنفسهم فنسوا الله”[51].

3- غشيان المجالس:

اقتحام مجالس الناس، وغشيان منتدياتهم المختلفة، والإقبال عليهم ومخالطتهم والصبر على أذاهم، سبل قويمة مجدية لاستماع الناس لدعوة الله وكلمة الحق وحقيقة الدين، أما مخاطبتهم من علياء الأبراج ومرتفعات الكراسي فما يبلغ صوتا وما يجدي نفعا إلا قليلا، إذ المهمة  العلمية الدعوية تقتضي القرب من الناس لمعرفة أحوالهم والإلمام بظروفهم وإعطائهم نموذج القدوة الواضحة والمثال القريب الجلي.

ويلزم العالم الداعية لبلوغ هذا المأرب الصمود والصبر، والرفق والحلم والعلم والسمت الحسن، وبعث الأمل والتسلح باليقين في الله والثقة به:

“يلزمه أن يصمد في وجه التيارات المعاكسة، وأن يغشى مجالس الناس ومحافل السياسة، وأسواق الإعلام، ومناشط التعليم ومرافق الحياة الاجتماعية ومناطق نفوذ الفيلسوف الملحد، ومقاصف اللاهي الغافل.. يغشى ويصمد ويصبر”[52].

وهذا أدعى للعالم الداعية وأجدى من الإكثار من سب الناس وادعاء فساد الزمان وضياع الدين وصعوبة الإصلاح.

 

 4- عدم اليأس:

إن اليأس ونفض اليد من الناس دليلان عينيان على ما يرمي به المتعنتون الدين والمتدينين من انغلاقية وجمود وتحجر، لذا وجب على  العالم الداعية الواعظ المربي أن لا ييأس من أصناف الناس على اختلافهم، وتعدد شيعهم، وتباين طوائفهم، وتشتت أفكارهم، بل وجب أن يعي كل ذلك، ليحمل إلى خلق الله روح الإسلام جوهره، وروحه رحمته، بالحكمة والتؤدة المدعومتين بالدليل العقلي، والمسلمة الفطرية، والله وحده الهادي من يشاء إلى طريق مستقيم:

“لا نيأس من نجاة مغرق، ولا نضرب صفحا عن مفرق، ولا نطوي كشحا عن مكوي ومحرق، نبسط ما صح عندنا بالمسلمة الفطرية، والعقل العاقل عن الله، والقلب السليم، والمدخل التربوي، والكيف الإسلامي والمحضن الإيماني ويهدي الله سبحانه من يشاء”[53].

5- ترتيب الأوليات:

إن ترتيب الداعية لأولوياته الدعوية لما يقتضيه فقه الواقع وتتطلبه حكمة السير في الناس، يتحقق هذا بمعرفة حقيقة المجتمع المسلم المفتون، وفقه الفتنة وأسبابها، وعناصر الكبوة الحضارية التي تعرض لها المسلمون، وكذا بإدراك كيفيات التعامل مع أوضاع الأمة في واقعها هذا، تجنبا لزرع اليأس، وسب الناس والضجر من الأمة.

و”النظرية المنهاجية” تميز تميزا واضحا بين نموذجين من العقليات الدعوية، نموذج الفقيه الجامع للنصوص الحافظ للمتون البعيد عن إدراك “تضاريس الواقع ومهاويه”، ونموذج الداعية المربي العالم زارع الأمل وباذر الثقة، النموذج الأول ضجر متبرم ساخط يائس، والنموذج الثاني فرح متفائل واثق بموعود الله، ماش مع قدره،يصنع الحدث، ويبني الفعل بمخالطة الناس والحلم عليهم، والبسمة في وجوههم. اقتداء بنهج الأنبياء واقتفاء لأثرهم[54].

6- استعمال أساليب الإقناع:

من الزاد الدعوي المهم للداعية الواعظ المربي، انتهاج أساليب الإقناع من خلال مستويين اثنين:

* مستوى مخاطبة البديهة الفطرية الذاتية في الإنسان، من جهة أسئلة الوجود، وغاية الخلق،وهدف الحياة، يخبر الناس أنهم لم يخلقوا عبثا، وأن الموت ينتظرهم.

* مستوى الحجة العقلية التي تخاطب عقل الإنسان ببديهياته وقوانينه، وتحاجج بالبرهان والدليل العلمي لهدم الأسس التي تبني عليها بنية العقل الملحد.

يحقق تضافر هذين المستويين إقناعا فعليا لجمعه بين ما تطلبه فطرة الإنسان القلبية التي يكون قد ران عليها درن الفلسفات الملحدة، وبين ما يقتضيه مسلمات العقل التي تربط الأشياء بأسبابها والنتائج بعلاتها والحقائق بعواملها، كل هذا يجب أن يكون بحنو ورفق مناسبين لنوعية المخاطبين:

“نزيل بالإقناع الجدلي العقلي ما ثم من ترسبات لنفتح أمام الفطرة طريقا إلى النور، نخاطب وجدان عامة الناس بعد أن نبين تهافت خاصة أصحاب العقلانية الأمية، ونذكر بمناسبة حدث وحادثة في مأتم وحزن، أو ضربة قدر، ومناسبة ألم وضجر، ملتمسين اللحظة المناسبة، والحكمة في الخطاب، داعين إلى الله بحنو ورفق ورحمة، لابالتبكيت والغلظة، فإن في طبائع الناس النفور من الشرطي المزمجر المكفهر، وإن من لحظات العمر ساعات وفرصا تنفتح فيها أسماع الفطرة”[55].

من آليات الإقناع، انتهاز الفرص، والرحمة بالمخاطب، ومراعاة الطبائع، واعتماد الحكمة والتذكير الدائم المستمر الذي يفهم الفطرة ويقرع أسماعها حينا بعد حين.

* محاذير ومزالق:

إن أداء هذه الوظائف الدعوية التعليمية بعد توافر شروطها العلمية وطرائقها الدعوية، تحفه مزالق ينبغي الحذر منها، ولعل أهمها:

1- الانعزال:

إن نية الجهاد لا بد أن تقود عمل العالم الداعية المربي، يدعو إلى الله عز وجل، ويربي وسط الميدان وفي لجة الفتنة وفي غمرات الحياة دون تزهد أو هروب أو دروشة، وإذا كنا نخشى على العالم  الداعية من ضروب الإسلام الفكري الحركي الغائب عن لب وجوهر الإيمان، فإن القعود والاستقالة من الواقع والفرار من دنيا الناس لمما يتوخى تجنبه لتحقيق وسطية الإسلام التي تجعل المؤمن جامعا في سيره الدعوي بين هم آخرته وهم أمته:

“فرارا إلى الله ورسوله ونحن وسط الميدان لا خارجه، ونحن في لجة الفتنة تحملنا عناية الله والاعتصام بحبل الله على شبح أمواجها، فرارا إلى الله وعلى ألسنتنا كلمة الجهاد، وفي نيتنا اقتحام عقبات الجهاد، وفي تعليمنا ووعظنا وتجويدنا وترتيلنا وحفظنا واعتصامنا كل ما يحرض على الجهاد، ويرسم معالم السلوك إلى الله عبر محطات الجهاد”[56].

الجهاد إذن بمعناه الواسع والشامل هو المضمون والمعنى والفكرة التي يجب أن توجه النية وتقود السلوك بفعل مقتحم غير متزهد.

2- اتهام الناس:

إن تنصيب النفس وكيلة على عقائد الناس، والتفتيش في ضمائرهم ومكنونات قلوبهم، وتتبع عوراتهم، واتباع منطق القضاء معهم، لهو الغرور بعينه والردى برأسه، وإن ذلك لمن دلائل قسوة القلوب وتحجر الإيمان وتبلد الإحساس ورمة الدين، وموت الهمة، إذ العالم الداعية مدعو لحسن الظن وجميل الحلم والاهتداء بسيد المرسلين في الرفق والدعوة بالتي هي أحسن، كما هو مدعو للانشغال بعيوبه عن عيوب غيره، فلا يمسك راية التعالم والتفقه محاسبا معاتبا مجادلا، لا رأي إلا رأيه، ولا عقيدة سليمة إلا عقيدته وعقيدة من سلم له وأسلم له.

3- الجمود والتحجر:

إن الحكمة والتبصر يقتضيان فهم طبيعة المرحلة، ووعي ذهنيات الناس والعلم بأمراض العصر، عصر الفتنة، وإن تحقق هذا يرتبط بمدى قدرة  العالم الداعية الواعظ على الابتكار والاجتهاد، فيخرج من اجتهادات الذين مضوا فلا يعش عالة عليهم، هم الذين فكروا لزمانهم ومكانهم ومخاطبيهم، فوجب هنا ألا نعيش على موائدهم مكتفين بترديد كلامهم والاجتهاد بعقولهم. نستفيد منهم، ونستأنس بما أثلوه وألفوه، لكننا نتبين ما تمليه ظروفنا فنجتهد كما اجتهدوا. ونفكر كما فكروا، ونعمل كما عملوا.

ما ينبغي أن يفهم من هذا أن النظرية المنهاجية تنقص من قدر علمائنا السابقين، أو ترفض ما أنجبته عقولهم، وحفظته صدورهم من علم غزير في شتى ميادين المعرفة الشرعية والكونية، وما يجب أن يفهم من حديثها عن نبذ الجمود والتحجر التنكر لفضل المجتهدين الذين مضوا رحمهم الله، إنما المقصود التأكيد على ضرورة فهم العالم الداعية لظروف عصره، وأفكار أناسه، ومخترعات زمانه، وحاجات وقته، لينظر ويفكر ويجتهد.

4- الاستكبار:

التكبر على الله شيطنة وفرعنة، ومن تواضع لله رفع قدره، ومن التواضع الجد في تحصيل العلم في كل حين، ومن التواضع مجالسة المساكين وعدم التعالي عليهم، على العالم الداعية أن يكون: “عالم مسجد وواعظ حلقة وجليس عامة ومربي ناشئة” لا”عالم نخبة مسترسلا في كبرياء مكانته، نعوذ بالله من شيطنة الكبرياء”.[57]

5- تسعير الحروب الكلامية:

إن توزيع الاتهامات وتفريق الأمة وتمزيقها لمن الأعمال الهادمة المهدمة السهلة، بينما البناء شاق صعب إدراكه، ولعل من البلايا والرزايا التي ابتليت بها أمتنا تكفير الناس وتبديعهم وتفسيقهم. في حين أن الجدال بألفاظ متنطعة وكلمات متفيقهة متقعرة، لا يصنع دعوة ولا يبدع تربية، إنما الدعوة تكون بالوعظ الحكيم والقدوة المثال، بالتواضع الصادق يسقي الأمة زلال المحبة، أما الذي يطلق العنان للسانه بسب خلق الله فما يبين إلا عن فقر بضاعته الإيمانية وعجزه عن الصبر على مخالطة الناس وتلقي أذاهم.

إن هذه الأساليب التي سميناها زادا علميا ومقومات دعوية ليست هي عين الهداية ولب الإيمان، ولكنها وسائل وآليات شرعية، وسنن ربانية كونية، وحكم إنسانية يتوسل بها المتهمم بالدعوة ليدخل على الناس كل باب داعيا واعظا، تاليا مذكرا بعزم لا يعرف الكلل وحزم لا يعرفه الملل وإنما الهادي الله والموفق الله جل الله يفتح قلوب من يشاء لسماع دعوته والاستجابة إلى ما يحييه.

 

 

خاتمة

لقد رصدت الصفحات الآنفة المعالم الكبرى المؤسسة لمفهوم ومعنى العلم في بعده التجديدي كما أسست له نظرية المنهاج النبوي، كما رصدت تلكم الصفحات وظيفة العالم الداعية الواعظ المربي، وذلك من خلال إبرازها للزاد العلمي الذي يجب تحصيله، وبيانها للمقومات الدعوية الضروري نهجها، وكشفها عن المزالق التي يحذر منها لتحقيق المرغوب ونيل المطلوب.

ولعله بوسعنا بعد هذا الرصد أن نجمل مجموع الخلاصات التي اهتدينا إليها في بحثنا هذا كما يلي:

أهمية ومركزية مفهوم الانكسار التاريخي في معرفة مجموع التغيرات التي أثرت في بناء الشخصية العلمية الإسلامية وتحولها من كل منجمع إلى مزع ممزقة مشتتة؛

سعي النظرية المنهاجية إلى بناء تصور علمي عملي يروم إعادة بناء تلكم الشخصية الإسلامية العلمية الممزقة على نحو يتنور فيه القلب ويتحرر العقل وتنطلق الإرادة في وصلة شمولية متكاملة متناسقة؛

طموح التنظير التجديدي التربوي الفكري الحركي الذي أثله الأستاذ عبد السلام ياسين إلى أن يرتفع إلى مستوى التأسيس لعلم المنهاج النبوي يمتاح من النظرة القرآنية النبوية دون نسيان الحكمة البشرية الإنسانية؛ هذا العلم يكون فهما وعلما وطريقا، هو فهم عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، قراءة في كتاب الله المسطور المتمثل في الوحي وفي كتاب الله المنظور المتجلي في الكون الممتد يستقي من معين الوحي دون أن يغفل عن واقع الناس وهموم الناس ونواميس رب الناس. وهو علم يعرض التصور النظري المنظم لهذا الفهم عن الله وعن رسوله من خلال بيان مخطط التربية وآليات التنظيم وأشكال الحركة والزحف التي على الجماعة المؤمنة سلوكها. وهو طريق يترجم عمليا في برنامج عملي واضح سبيل السلوك للمؤمن إلى ذرى الإيمان وبالجماعة إلى المحجة اللاحبة لإقامة دولة الإسلام بالجهاد.

إنه لا معنى للعلم في النظرية المنهاجية بعيدا عن العلم الأسمى علم الوحي علم الحق الذي يذكر الإنسان بمعنى وجوده وغاية كينونته ويسلك به على معرفة ربه نشدانا للإحسان، يتلو ذلك العلم بنواميس الكون من خلال علوم الكون المختلفة التي لاغنى عنها لعمارة الأرض نشدانا للاستخلاف؛

إنه لابد في النظرية المنهاجية من فقه تجديدي يقوم على الاجتهاد الجماعي المنضبط لأصول الاجتهاد الكبرى ومقاصد الشريعة وسنن التدرج للتصدي لمشكلات العصر وتحديات العولمة؛

إن الذي يتحصل من كل هذا  هو أن النظرية المنهاجية في فهمها للعلم تجمع بين التأصيل والتجديد، بين علم الوحي وعلوم الكون، بين العلم والإيمان، بين العلم والتربية، بين العلم والعمل في بناء نسقي شمولي متكامل ينضبط بالنظرة القرآنية النبوية والحكمة البشرية الإنسانية.

وبهذا الفهم يكتسي العلم إذن، طابعه القرآني النبوي المؤصل المستند إلى الوحي الرباني الذي لا تستفزه لغة العصر الماكرة ولا هجمة المصطلحات اللائكية المغيبة للموت وللحديث عن المصير وعن الآخرة التي يخجل حتى بعض الإسلاميين من التصريح بها مخافة النعت بالخرافية واللاعقلانية.

من هذه الخلاصات يمكن أن تنبثق توصيات يفرضها الغنى الفكري والعلمي والمنهجي الذي تؤسسه مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين وتترجم عنه عمليا تجربته الدعوية الحركية، نرفعها إلى أهل الاختصاص من العلماء والمفكرين، نصوغ مجملها كالآتي:

  • إعادة طبع وترجمة مؤلفات ومحاضرات ومسموعات ومرئيات الأستاذ عبد السلام ياسين لينتفع بها المسلمون وغيرهم من العالمين؛
  • عقد مؤتمرات وندوات علمية للتعريف بفكر وأعمال الأستاذ عبد السلام ياسين، وجهده وجهاده الدعوي لتبليغ كلمة الله؛ وللتعريف بالفقه التجديدي لمدرسة المنهاج النبوي؛
  • تأسيس مركز دولي للدراسات والأبحاث في علم المنهاج النبوي يهتم بالتنظير لهذا العلم والتعريف به موضوعا ومنهجا؛
  • تأسيس منتديات للنقاش في الفكر المنهاجي على شبكة الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي؛
  • توجيه البحوث الجامعية لإنجاز بحوث علمية أكاديمية تعرض لمختلف الجوانب في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين؛
  • التعريف بالتجربة الدعوية الحركية للأستاذ عبد السلام ياسين.

إن الذي عن لي أخيرا أنه ما نزال نحتاج إلى دراسة وافية تستكنه درر الأفكار التي تضمها نظرية المنهاج النبوي خاصة تلك التي لها ارتباط بأفق البناء العلمي المستقبلي لغد الخلافة الثانية، أو لها علاقة بكيفيات الاجتهاد في زمن العولمة وغير هذا مما يحتاج معه إلى وقفات دراسية محللة ممحصة متفحصة ناقدة .

 

 

فهرس المصادر والمراجع

1- القرآن الكريم برواية ورش.

2- الأصفهاني، الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، دمشق، دار القلم، ج1.

3- أبو الأعلى المودودي، الخلافة والملك، تحقيق أحمد إدريس، دار القلم، ط1،  1978م.

4- ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، مطبوعات الهلال، وجدة، ط1، 2001م.

5- ياسين، عبد السلام، سنة الله، الدار البيضاء، النجاح الجديدة، ط1، 2005م.

6- ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 1989م

7- ياسين، عبد السلام، مقدمات لمستقبل الإسلام، تطوان، مطبعة الخليج العربي، ط1، 2005م

8- ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، الشركة العربية، ط3، 1994م.

9- مجلة الجماعة، العدد 5، السنة 1، 1400هـ، مطبعة الساحل، الرباط.

10- مجلة الجماعة، العدد 7، السنة 3، 1401هـ ،مطبعة الساحل، الرباط.

11- مجلة منار الهدى، العدد 3، السنة 2، ربيع 2003م، مطبعة فضالة.

12- مجلة منار الهدى، العدد 5/6 السنة 4، صيف 2005م، مطبعة الخليج العربي، تطوان.

13- مجلة منار الهدى، العدد 9، خريف 2007م، دار النشر المغربية.

14- موقع الأستاذ عبد السلام ياسين : http://www.yassine.net

15- موقع جماعة العدل والإحسان : http://www.aljamaa.net

 

 

 

 

[1] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، وكتاب فرض الخمس، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (71، 3116، 7312) ومسلم في صحيحه في كتاب الزكاة (1037) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

[2] رواه سفيان الثوري عن الأوزاعي عن كثير بن قيس عن يزيد بن سمرة عن أبي الدرداء، أخرج هذه الرواية البيهقي في الشعب (1572)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (53885)، (53886)، والخطيب البغدادي في تلخيص المتشابه (2/735) وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان  في صحيحه من حديث أبي الدرداء وصححه الألباني.

[3] أخرجه أبو داود في سننه ( (3642والترمذي ( (2682وابن ماجة ((239 وابن حبان في صحيحه من حديث أبي الدرداء وصححه الألباني.

[4] يمكن الرجوع هنا لمزيد فهم الأسئلة الكبرى التي يطرحها تجديد معنى “العلم”  لافتتاحية مجلة منار الهدى، العدد 3، السنة 2، ربيع 2003م، ملف: “العلم بين التأصيل والتجديد” ، ص:5-6-7-9.

[5] يراجع كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ” ياسين، عبد السلام، الطبعة الأولى 1989.

[6] الحديث عند الترمذي في السنن حديث رقم 2326: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك” وفي حديث عند الإمام أحمد: “الخلافة ثلاثون عاما بعد ذلك الملك”، ورواه أبو داود في السنن حديث رقم 4611 بلفظ: “خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء”.

[7] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، الشركة العربية، ط3، 1994م، ص:126.

[8] أبو الأعلى المودودي، الخلافة والملك، تحقيق أحمد إدريس، دار القلم، ط1،  1978م، ص:51.

 

[9] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، مطبوعات الهلال، وجدة، ط1، 2001م، ص: من15 إلى19.

[10] يراجع كتاب “صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام”، السيوطي ص:184-185، نقل ذلك  الأستاذ ياسين، عبد السلام في “الرسالة العلمية” ص:17-18.

[11] ياسين، عبد السلام، افتتاحية مجلة الجماعة، الرباط، مطبعة الساحل، السنة3، 1401هـ، العدد7 ص:10.

[12] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 217.

[13] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 1989م، ص:34.

[14] ياسين، عبد السلام، افتتاحية مجلة الجماعة، العدد 7، ص:11.

[15] ياسين، عبد السلام، مقدمات لمستقبل الإسلام، تطوان، مطبعة الخليج العربي، ط1، 2005م، ص:25-26.

[16] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، نفسه:25.

[17] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص:25.

[18] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص:35-34.

[19] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص:37.

[20] مبارك الموساوي، المنهاج النبوي ونظرية الثابت والمتغير، http://yassine.net/ar/document/3081.shtml تاريخ النشر 22/9/2011.

[21] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:5-6.

[22] ياسين، عبد السلام، مقدمات لمستقبل الإسلام، ص:9-10.

[23] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:409-410-411.

[24] الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، دمشق، دار القلم، ج1 مادة “علم”.

[25] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:200.

[26] ياسين، عبد السلام، سنة الله، الدار البيضاء، النجاح الجديدة، ط1، 2005م، ص:27.

[27] ياسين، عبد السلام، سنة الله، ص:204.

[28] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:213.

[29]ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:201.

[30] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:210.

[31] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:203-204.

[32] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:204.

[33] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:201.

[34] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:201.

[35] ياسين، عبد السلام، العقل والنقل والإرادة، مجلة الجماعة، العدد 5، السنة 1، 1400هـ ج2 ص:47.

[36] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:202، وينظر أيضا: محمد رفيع، مقالة: “المدخل المقاصدي في بناء العلم الجامع”، مجلة منار الهدى، خريف 2007م  العدد 9 ص:31.

[37] المقالة السابقة نفسها ، مجلة منار الهدى العدد 9.من ص:30 إلى ص:44.

[38] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:202-203.

[39] ياسين، عبد السلام، سنة الله، ص:55.

[40] ياسين، عبد السلام، سنة الله، ص:47-48-52-54.

[41] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:204-205-206.

[42] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:207-208.

[43] ياسين، عبد السلام، مقدمات لمستقبل الإسلام، ص:4.

[44] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:232.

[45] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:11-12.

[46] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:15.

[47] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:29.

[48] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:64.

[49] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:72.

[50] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:16.

[51] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:48-49-50.

[52] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:40.41.

[53] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:67.

[54] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:41.

[55] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:45.

[56] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:12.

[57] ياسين، عبد السلام، الرسالة العلمية، ص:85.