معالم التغيير من منظور “القومة الاقتصادية” في الفكر المنهاجي

0 436

الدكتور عبدالرزاق المزيان، أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس- الرباط (المغرب)

assabile@gmail.com

***

“القومة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من الجهاد الكلي، وركيزة من ركائزه. والحاجة إلى منهاج إسلامي للخروج من ربقة التخلف لا تنفصل عن الحاجة إلى تطبيق المنهاج الإسلامي للقومة في شموليته”.

(ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد، البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الدار البيضاء، الأفق، ط1، 1995م، 19 )

***

مقدمة :

انكشف اليوم بالملموس زيف ما تعد به الرأسمالية (بعد أن اندحرت غريمتها الاشتراكية) من آمال معسولة في نظام عالمي جديد، وعولمة وغيرها من المفاهيم العائمة التي لا تنطوي في ثناياها إلا على شراسة قانون الغاب. فقد أضحى اليوم يقينا أن الحروب المتفشية في العالم وبؤر التوتر المفتعلة هنا وهناك ، والتي تزهق فيها أرواح العباد ظلما وعدوانا، ليست في معظمها سوى حروب من أجل السيطرة على أسواق بعينها. ذلك لأن الوازع الخلقي غائب في النظم  لاقتصادية الوضعية، فلا عبرة إلا بالربح المادي مهما كان الثمن، والفالح من استطاع تكديس الثروات ولو على جماجم العباد!

كما أصبح معلوما أن الأزمات الاقتصادية الخانقة، والتي أصبحت رديفة للرأسمالية الجشعة، صارت فرصة للتحكم في مصائر الشعوب المستضعفة باسم “الفوضى الخلاقة”  للسيطرة على مقدرات الأمم بذريعة الديموقراطية وحقوق الإنسان والنظام العالمي الجديد وهلم جرا.

وسط هذه اللوحة القاتمة، تلوح بارقة أمل في اقتصاد رفيق بالإنسان،  يبشر به غد الإسلام المشرق، في أفق الخلافة على منهاج النبوة إن شاء الله، بعد أن أفلست كل الإيديولوجيات الرأسمالية منها والشيوعية، غرب المعمورة وشرقها. يقول الإمام المجدد في هذا الشأن : “حين يتحدث غيرنا عن أهداف الخطة الاقتصادية، ويلتمس وسيلة لسوق الفلاحين والعمال في مسيرة الإنتاج الاشتراكي الشيوعي المبنية على المكتبية و”الانضباط الثوري”  الذي يستعبد العامل والفلاح، نهب نحن إن شاء الله استجابة لداعي الله تعالى الذي استعمرنا في الأرض، واستخلفنا فيها ووعدنا بالجهاد للعمارة والخلافة جزاء الجنة ورضاه.  وعندما  يستفحل وباء الرأسمالية ويطوق عنق العامل والفلاح والشعوب المستضعفة بطوق هيمنته ليمص الدماء، نقوم نحن إن شاء الله القومة الكبرى، ومن ضمنها القومة الاقتصادية”[1]

وبما أن حال هذه الامة لايصلح إلا بما صلح به أولها فقد جعلت نظرية المنهاج النبوي من تزكية النفوس مبتدأ ومنتهى كل جهد تغييري يروم التمكين الاقتصادي للأمة عبر قومة اقتصادية مباركة، يقول الإمام المجدد، عبدالسلام ياسين، في شأنها : “تبدأ استراتيجية الاقتصاد الإسلامي التغييري من تغيير ما بالنفوس. وكل مكتسبات العقلانية التنظيمية الإدارية التكنولوجية التي طورتها الإنسانية يُذكر عليها اسم الله وتُستصلح بدون تردد ولا تعقد ولا تخوف من التعلم في مدرسة الحكمة البشرية.

تبدأ استراتيجية الاقتصاد الإسلامي من تربية البواعث الإيمانية وهي قضية أجيال. إن كانت التنمية المادية تقتضي العناية البالغة “بالموارد البشرية”  وتستثمر في التعليم حسابا لمردودية اقتصادية وتسوية اجتماعية فإن عنايتنا بهذا الجانب، وينبغي أن تكون من أسبقياتنا، لا تحجب عنا الهدف الاستراتيجي الجهادي، ألا وهو تربية أجيال مؤمنة بالله وباليوم الآخر تُصلح في الأرض ولا تفسد، تكون رحمة للخلق لا طاغوتا مخربا، تخدم المستضعفين وتطعم الجائعين وتَبَرُّ بالخلائق أجمعين”[2].

ويبرز الإمام المجدد أولوية هذا التغيير الاقتصادي لأحوال الأمة بعبارات حازمة :

“إنما يسمع الناس كلمة المنتج الصانع العالم الغني القوي، ولأم غيره الهبل!. بعبارة أوضح :  لن تكون للكلمات القرآنية، والمفاهيم الإسلامية، والمدلولات التي تشير إليها قيمة في معايير العصر المادية إن لم يكن الاقتصاد القوي، والصناعة ذات البأس، والوجود السياسي الموحد للأمة، من وراء الكلمات والمفاهيم والمدلولات. وبعبارة أوضح، يقول الصديق رضي الله عنه : “ما ترك قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل”. وإن مقومات الجهاد المادية، التي تدل كلمة “تخلف” عن غيابها، مطالب ملحة ضرورية واجبة وجوب الجهاد نفسه، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”[3].

ولتلازم الاقتصاد مع حتمية الأخذ بالأسباب المادية فإن النظرية  المنهاجية  جعلت من  الواقعية في التغيير الاقتصادي ضرورة ملحة، يقول الإمام المجدد : “لا تتنكب دولةُ القرآن ضرورات الابتكار، والتصنيع، والتنمية الاقتصادية، ومنافسة بضائع الآخرين، وأسلحتهم، وتنظيماتهم المالية، والإدارية، والعسكرية. ولا تتنكب مهمات تغيير البنىُ الفاسدة، وتركيب جهاز الدولة تركيبا يساعد على الفعالية والجدوى، ويساعد عل توحيد الأمة، وجمعِها، وتحصينها من القلق والاضطراب. بل تهدف دولة القرآن إلى كل ذلك التغيير، وتعتبره واجبا من آكد واجباتها”[4].

وتجنبا لمزالق الانغماس في المادية المفرطة تنبه النظرية المنهاجية لضرورة وضع قطار الاقتصاد على سكة الشريعة حتى لا تنحرف جهود المؤمنين  في سعيهم  لتغيير بنى الاقتصاد الفاسدة عن غايتها الإحسانية، وهي مراقبة الله عز وجل في دقائق أمورهم. يقول الإمام المجدد : “الحكم الإسلامي، وهو حقيقة الغد في حساب السياسة، ووعد الوحي، ومطمح الأمة، لابد أن يسهم المؤمنون في إنارة طريقه كيلا يحيد اقتصاد الدولة الإسلامية عن سكة الشريعة، أو تتبطنه الروح الخبيثة روح الاستكبار والإفساد في الأرض”[5].

وينبه الإمام المجدد إلى أن مطلب التغيير الإقتصادي تحول دون تحقيقه عقبات كؤود وجب التنبه لها واقتحامها بعزم وجلد، وفي هذا الشأن يتسائل رحمه الله:” هل يمكن التحول من الظلم ومخازيه إلى العدل ورخائه بدون حرب طبقية، وبدون كسر آلة الاقتصاد الموروثة، وبدون قطع الأعضاء المريضة من الأمة، وبدون التراجع عن هدف التغيير الجذري اكتفاء بالطلاء الإصلاحي؟” ليجيب بعد ذلك بأنه : “لا مندوحة عن اتخاذ الإجراءات لتحويل مجرى الأحداث من أول يوم. لكن بين هذا وبين كسر الآلة الاقتصادية فرق. لابد من البداية في إنصاف المحرومين من أول يوم، لكن وعد الناس بالرخاء العاجل تغرير. ولن يأتي الرخاء بدون ثمن، كما أن القومة نفسها لن تبرز من عالم الآمال لعالم الأحداث بدون ثمن. في ركب واحد، في موكب الفضل، يتحلى الشهداء بدمائهم والصابرون في البأساء والضراء وحين البأس بصدقهم. وإنها لمعركة شديدة نحو الرخاء لابد للأمة جميعا من خوضها.”[6]

في هذه الورقة البحثية سنحاول إن شاء الله تعالى،  تلمس معالم هذا  التغيير الاقتصادي من منظور المنهاج النبوي الذي يصطلح عليه الإمام المجدد بالقومة الاقتصادية، سالكين في ذلك منهجية تحليلية لأبرز مؤلفات الإمام المجدد التي تضمنت هذا المفهوم الأصيل، الذي يأسس لمدرسة فكرية متفردة سداها كتاب الله عز وجل ولحمتها السنة النبوية المطهرة. 

ولبلوغ هذه الغاية، قسمنا بحثنا إلى ثلاثة فصول، خصصنا أولها لمفهوم القومة الاقتصادية في الفكر المنهاجي، وتميزه عن مفهوم التغيير الثوري في الأدبيات السياسية، وخصصنا الفصل الثاني لمقومات القومة الإقتصادية  بينما أفردنا الفصل الثالث والأخير للعقبات المنتصبة إزاء القومة الاقتصادية وشروط اقتحام هذه العقبات.

وقد خلصنا في بحثنا هذا إلى مجموعة نتائج عملية من شأنها إلقاء الضوء على تفرد النظرية التغييرية المنهاجية للأستاذ عبدالسلام ياسين ومن ذلك :

  •   تميز النظرية التغييرية المنهاجية عن النظريات التغييرية في الأدبيات الثورية باشتمالها على بعدين  أساسيين : الباعث الإيماني والضابط الشرعي للعملية التغييرية.
  • أصالة النظرية التغييرية المنهاجية باعتمادها على الكتاب والسنة
  • تركيز النظرية التغييرية المنهاجية على الواقعية والتدرج والرفق وهو مايميزها عن نظريات التغيير المستندة على العنف الثوري
  • عدم إغفال النظرية التغييرية المنهاجية للعقبات التي تحول دون تحقق شروط القومة واقتراحها لحلول عملية تمكن من اقتحام تلك العقبات
  • استشراف النظرية التغييرية المنهاجية لآفاق التغيير في بعده التكاملي بين الأقطار الإسلامية المحررة في أفق الخلافة على منهاج النبوة إن شاء الله.

وبالله التوفيق وعليه التكلان.

الفصل الأول : مفهوم القومة في الفكر المنهاجي، وتميزه عن مفهوم التغيير الثوري في الأدبيات السياسية

عرفت دول العالم الإسلامي محاولات تغييرية دشنتها حركات التحرر الوطني عقب انفكاك هذه الدول من تبعات الاستعمار، غير أن هذه النماذج النضالية، التي تمت باسم الوحدة والاشتراكية والتقدم أحيانا وباسم اللبرة والانفتاح أحيانا أخرى، سرعان ما أبانت عن إفلاسها وضيق أفقها بعدما استحالت إلى ديكتاتوريات تأتمر بأوامر أحد المعسكرين الاشتراكي الشرقي أو الرأسمالي الغربي وتدور في فلكه حتى بعد أن أعلن المعسكران معا إفلاسهما.

ولم تفلح الحركات الإسلامية، بدورها، في تقديم مشاريع تغييرية بديلة، حتى عندما أتاح الربيع العربي لبعضها فرصة تاريخية مكنتها من تطبيق هذه المشاريع على أرض الواقع كما حدث في مصر وتونس، إذ سرعان ما تمخضت هذه الثورات، بسبب عدم النضج الكافي وانعدام الواقعية والتدرج، عن مآسي يكتوي بنارها أبناء أمتنا الإسلامية إلى اليوم.

في هذا الخضم المتسم بالإحباط تبرز الحاجة ملحة لمنهج تغييري قويم يتجاوز عثرات هذه الثورات بربطها بالمنهج التغييري النبوي الذي تجسده القومة في بعديها العدلي والإحسان. ذلك ما سنحاول التطرق إليه، إن شاء الله، بعدما نفرغ من إيضاح مفهوم الثورة ومحدوديته في قيادة التغيير المنشود.

أولا : مفهوم الثورة في الأدبيات السياسية

الثورة تعبير عن تغيير من وضع سائد لآخر مستحدث، وقد يشمل هذا التغيير الأوضاع السياسية و الاقتصادية والاجتماعية وكذا الثقافية لمجتمع ما. وتعرفها موسوعة علم الاجتماع بأنها:”التغييرات الجذرية في البنى المؤسسية للمجتمع ، تلك التغييرات التي تعمل على تبديل المجتمع ظاهريا وجوهريا من نمط سائد إلى نمط جديد يتوافق مع مبادئ وقيم وإيديولوجية وأهداف الثورة، وقد تكون الثورة عنيفة دموية، كما قد تكون سلمية، وتكون فجائية سريعة أو بطيئة تدريجية”[7].

ومن أهم سمات الثورة اعتمادها على الحلول الجذرية ورفضها القاطع لحلول الإصلاح، كما أنها تتسم، في أغلب الأحيان، بالدموية والاقتصاص من الذين انقلب عليهم الثوار. وتتباين الأسباب المؤدية للثورة، إلا أن “أغلبها ينتج عن انعدام المساواة وتنامي الفوارق الاجتماعية مما يخلق حالة من عدم الرضا عن الوضع القائم، وقد اعتبر أرسطو أن هذه هي العلة العامة التي تهيئ النفوس للثورة. وتعتبر العوامل الاقتصادية من أهم العوامل المسببة للثورات، وهكذا يرى سوروكين أن الثورة الاقتصادية تسعى إلى إجراء تغييرات عنيفة في النظام الاقتصادي، تؤدي إلى إعادة توزيع الثروة والملكيات بصورة جديدة بما تضمنه من تغيير للعلاقات والنظم المرتبطة بهذا البناء”[8].

ثانيا : مفهوم التغيير من منظور الفكر المنهاجي : القومة الاقتصادية نموذجا

  1. مفهوم القومة

القومة، لغة، اشتقاق من الفعل قام وتأتي بمعنى الوقوف فيقال قام الرجل، كما تأتي بمعنى لزوم الشيء كالإقامة بالمكان أو إقامة الصلاة. وهكذا تكون القومة قياما بالأمر على وجه اللزوم والدوام من غير انقطاع أو فتور. وتشير القومة، من الناحية الاصطلاحية، إلى القيام بأمر مكلف به الإنسان على وجه الوجوب والإلزام.

 وقد ورد المصطلح في القرآن الكريم والسنة النبوية بمعاني أجملها أحمد الفراك[9] في سبعة نطاقات كبرى:

– نطاق القيام بالدعوة إلى الله في قوله تعالى : “وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا” (الجن : 19).

-نطاق إقامة الصلاة، قال الله تعالى: ” الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ” (الحج : 41).

-نطاق الشهادة لله: قال الله تعالى: ”  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا”( النساء :135)

-نطاق الترقي الإيماني: قال الله تعالى : ” يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا” (المزمل : 1-2)

-نطاق الحدود: قال الله تعالى: ” التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ” (التوبة : 113)

-نطاق الدولة : قال عمير بن سعد- والي حمص في عهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه- : ” لا يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان، وليست شدة السلطان قتلا بالسيف أو ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذا بالعدل”[10].

-نطاق الوحدة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تزال طائفة من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لايضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك”  (رواه الشيخان عن معاوية بن أبي سفيان).

للقومة إذن أبعاد متعددة تقترن بالإستقامة والعمل والجهاد والمجاهدة والتحمل في أعلى مستوياته لتغيير ما بالنفس، نفس الفرد ونفس الجماعة، تغييرا شاملا ،على كل الجبهات التربوية منها والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية. وسيقتصر بحثنا على الشق الاقتصادي المتعلق بالقوام المادي لدولة الإسلام المنشودة، وذلك بعدما نفرغ من تأصيل مفهوم القومة وتميزه من منظور الفكر المنهاجي الذي أسس له الأستاذ عبدالسلام ياسين.

ثانيا : تميز القومة عن الثورة

يميز الأستاذ عبدالسلام ياسين بين مفهومي القومة والثورة ليس لمجرد الاصطلاح بل تعلقا بمنطلقات ومآلات كل منهما على حدا : “نفضل أن نتميز في التعبير، ونعيد لكلمة “قومة” مدلولها الإسلامي. ذلك أن”ثورة” تحتل اليوم على لسان كل متكلم، وفي خيال كل تواق لصرع الظالمين، مكانة محترمة. وتحمل في طيها معاني وأساليب وأهدافا ليست منا ولم تنبت في أرضنا. فنريد أن نعُبّر بقومة لأنها تعيد لأذهاننا تلك القداسة التي كان يتمتع بها “القائمون  “من آل البيت، الذين حاربوا الظلم والاستبداد، إمامهم في ذلك سِبْطُ الرسول الحسين عليه السلام.

ولسنا نتنقل بين الكلمات لمجرد التميز في اللفظ. فللكلمة والتعبير وأسلوب التخاطب انعكاس مباشر على العمل. ولئن لم نستغن عن العبارات التي نشأت في تاريخ غير تاريخنا، وأرض غير أرضنا، وصدرت عن ذهنية مخالفة لفكرنا، ووظفت في وظائف لا علاقة لها بأهدافنا، نوشك أن يجْرفنا التعبير المنحرف عن قصدنا، إلى انحراف في جهادنا”.[11]  

هذا التمييز نجده  حاضرا عند المسلمين في العهد الأول في تفرقتهم بين “القائم”  الذي يقوم بالحق في وجه حكام الجور و “الثائر” الذي يحمل السلاح في وجه السلطان ويخرج عليه، ورأوا أن الأول يحركه غضب سامي لانتهاك حرمات الله، بينما يحرك الثاني غضب على الحكام الظلمة ومن والاهم.

القومة والثورة إذن مفهومان مختلفان في المحرك والباعث وكذا في المآل، وبهذا “تكون الحركة ثورة طائشة تهدم لا قومة لله تبني إن غلب الغضب على الحكام الظلمة وأعوانهم الغضب الآخر السامي”[12]. وهكذا فالعنف رديف الثورات بينما يكون الرفق، من غير ضعف، هو السمة المميزة للقومة، يقوم الأستاذ ياسين في هذا الشأن : “إن الثورات تبني قوتها على الغضب الجماهيري على الأوضاع القائمة المكروهة وعلى الوعود بالبديل الأفضل. ثم لا شيء بعد نجاح الثورة واستقرار الانقلاب، إلا العنف الثوريُّ وتصفية الناس. في القومة الإسلامية نسأل أسئلة عمرو بن عبسة من نحن؟ ومن ابتعثنا؟ وبماذا ابتعثنا؟ ونستحضر أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعلن منذ البداية أن دينه صِلَةُ الرحم وحقن الدماء، لكنَّ دينه أيضا كسر الأوثان وتقويض بناء الشرك وإقامة دولة التوحيد والعدل والإحسان. وفي عمله الشريف صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة أمثلة فائقة للتؤدة والرفق والعفو والصفح الجميل”[13]. ويخلص الأستاذ ياسين إلى أن “الثورة تغيير بالعنف للبيئة الاجتماعية، والقومة تغيير دوافع الإنسان وشخصيته وأفكاره، تغيير نفسه وعقله وسلوكه، تغيير يسبق ويصاحب التغيير السياسي الاجتماعي”[14].

الفصل الثاني :  مقومات القومة الإقتصادية

 أولا : مفهوم القومة الاقتصادية

كما أصل الأستاذ ياسين لمفهوم القومة، أصل كذلك لمفهوم الاقتصاد وفي هذا الشأن يقول : “وردت كلمة “قصد”  و “اقتصاد”  في الكتاب والسنة بمعنى الاتجاه إلى الهدف المقصود، وبمعنى التوسط في الأمر، في مثل قول الله عز وجل : “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ” )لقمان:19  ( حكاية عن لقمان يوصي ابنه، وفي مثل قوله عز وجل:  “وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ) “فاطر: 32 ( وهو المتوسط. وجاء في الحديث الشريف لفظ القصد والاقتصاد بمعنى التوسط والمداومة والسير”[15].

وقد شدد الأستاذ ياسين على أن الاقتصاد هو قوام كل جهد يروم التغيير المنشود : ” لن تكون للكلمات القرآنية، والمفاهيم الإسلامية، والمدلولات التي تشير إليها قيمة في معايير العصر المادية إن لم يكن الاقتصاد القوي، والصناعة ذات البأس، والوجود السياسي الموحد للأمة، من وراء الكلمات والمفاهيم والمدلولات”[16].

وقد أكد الأستاذ ياسين على أولوية التأصيل لنظرية اقتصادية إسلامية توضح معالم التغيير وتأسس على أرض الواقع برامج ومشاريع تنموية قابلة للتطبيق كي لا تبقى القومة مجرد شعارات حماسية تدغدغ مشاعر المؤمنين، يقول الأستاذ ياسين : “تحتاج الدولة الإسلامية لنظرية اقتصادية إسلامية متكاملة واضحة المعالم تستند عليها في الاختيارات والقرارات. فإن السياسة هي اتخاذ القرار باختيار هذا الحل على ذلك نظرا للأهداف التي تفضلها على غيرها، ونظرا للوسائل التي معك، ونظرا لما تتوقعه من رضى الناس بقرارك لما يأتيهم به من خير. ولب الاختيارات والقرارات التي تتخذها الدولة الحديثة لها مساس مباشر وثيق بالاقتصاد، بل جلها اقتصادية، بل كلها. فيحق القول أن الاقتصاد هو زمام السياسة وجسمها، وحواسها”[17].

إلا أن سلطان الاقتصاد المحقق للعدل يستوجب لجمه بوازع الإحسان الذي يراقب الله عز وجل في السكنات والحركات، يقول الأستاذ ياسين في ذلك : “تخضع الشريعة سلوك الفرد والجماعة والدولة في ميدان المال والنشاط الاقتصادي لنفس الضوابط الأخلاقية التي تفرضها عليهم في سائر أوجه الحياة. ومحور هذه الضوابط الشرعية العدل، وامتداده وهو الإحسان”.

 ثانيا : مقومات القومة الاقتصادية

من خلال مجهوده التنظيري للقومة الإقتصادية يحاول الأستاذ ياسين إيجاد أجوبة أصيلة عن مختلف التحديات التي يطرحها النموذج الاقتصادي البديل، فيتسائل ابتداءا : ” على أي مستوى يتدافع المؤمنون في معمعة السياسة والاقتصاد مع قوى الاستكبار والإفساد في الأرض؟ ما هي رؤية الإسلاميين لحاضر متلبد الغيوم، ومستقبل يتوجس منه خيفة أعداء الإسلام وخصومه، ويستبشر به أهل الإيمان؟” لتأتي إجابته على شكل مشروع متكامل البنيان يجيب على مختلف هذه التحديات التي يطرحها النموذج الاقتصادي الذي يبشر به غد القومة الموعود من شكل الملكية وعلاقات الإنتاج، ونمط التوزيع إلى مالية الدولة الإسلامية والنموذج التنموي الذي تقترحه، وفي هذا الشأن يقول الأستاذ ياسين : “يبقى أن يتشخص النموذج الاقتصادي الإسلامي في واقع متحرك، يجمع تفاصيل الأحكام الشرعية في مذهبية، وتنظيم، وإدارة، وإنتاج، وتوزيع، منصبة على الإنسان، على شكل زاد لسفره إلى الله، وعلى شكل جهاز مادي لضيافته في الدنيا، وعلى شكل قوة للأمة، وبركة عليها وعلى المستضعفين، وهم أمة الدعوة”[18]

1-شكل الملكية ونطاق تدخل الدولة

شكل الملكية هو أول إشكال يطرح على المشروع التغييري الإسلامي، في شقه الإقتصادي، حيث “إن المذهب الاقتصادي الاجتماعي السياسي يتحدد بموقفه من التناقض بين المالك وغير المالك، بين الأجير وصاحب الشغل”[19].  فبينما يرتكز المذهب الرأسمالي على حرية التملك، ويرتكز المذهب الاشتراكي الشيوعي على الملكية الجماعية، يقترح المشروع التغييري الذي ترومه القومة الاقتصادية “استقامة الملكية على شرط المستخلِف ، في حدود أمره ونهيه، سبحانه لا إله إلا هو. هذه الحدود الإلهية لا تضع وسما على جبهة المال يميز الملكية الفردية عن الملكية الجماعية. بل تحبس المال في نطاق الانتفاع الذي تحصله الأمة منه. فهو مال الله أساسا، ومال الأمة استخلافا، ومال زيد أو عمرو انتفاعا مؤقتا مشروطا بألا يضر امتلاك الفرد بمنافع الأمة”[20].

هناك إذن حرية التملك بشرط تحقيق المنفعة للفرد وللأمة وإن تعارضت المنفعتان أوثرت منفعة الأمة، والدولة هي المخطط و المراقب لشروط هذا التحقق. “فتحصيل المنفعة، وأداء هذه الوظيفة الاجتماعية، شرط مشروط على المالك الفردي. والسعي لتعميم المنفعة والتعاون على أداء تلك الوظيفة شرط مشروط على الجماعة. ومراقبة العملية الاقتصادية للتعريف بما هو نافع، وتخطيط كيفية الانتفاع، والسهر على أن تؤدى وظيفة المال الاجتماعية، شرط مشروط على الدولة”[21].

وقد يتعدى تدخل الدولة هذا الدور الرقابي إذا احتاج المسلمون، عندها تتدخل الدولة وتشجع على بذل الفضول أو تجبر على ذلك إجبارا. و”لا يعد نزع الملكية في إطار بذل الفضول تعديا على الملكية الفردية، وإنما هو إرجاعها إلى شرط الاستخلاف، وإلى كون الأموال لنا معشر الأمة قبل أن تكون لفلان وفلان. فمن راعى شرط الاستخلاف وكانت أمواله قياما للأمة لا سندا لطغيانه، بأن ساهم في رعاية ثروة الأمة وحسن قسمتها حتى لا يكون محتاج ذو خصاصة يصرف بصره يمينا وشمالا في أصحاب الفضول والتخمة حوله، فلا سبيل عليه. بل تكرم دولة القرآن كل متمول مستثمر لماله وجهده وذكائه وحيلته وحوله لإنماء ثروة البلاد وتصنيعها وإغنائها”[22].

2-الإنتاج وقيمة العمل

استعمل الأستاذ ياسين مصطلح “جهاد البناء” في التعبير عن آلية الإنتاج في مجتمع القومة الاقتصادية، يقول الأستاذ ياسين بهذا الخصوص :” إن شياطين التبعية، والجوع، والهزيمة التاريخية، لا يفيد في طردها الاستعاذة. تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر، لكن المصلي يبقى عالة على غيره إن لم يشمر عن ساعد الجد ليكسب قوته، ولم يتحفز للنشاط الدائب وإعداد القوة ليدافع عن نفسه الشياطين الإنسية التي لا تردها الاستعاذة كما ترد شياطين الجن. إن الذي يفك رقابنا عمل منبعث من أعماق ديننا الحنيف الذي يأمر بالسعي في الأرض، والمشي في مناكبها، وعمارتها، والخلافة فيها… لا تحسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الميامين كانوا رجال غدوة إلى المسجد وأخرى لساحة القتال، والأيام بين ذلك فارغة، بل كان العمل الدائب، والسعي الكاسب نشاطهم العادي اليومي… “[23].

وعن تنظيم علاقة العمل، حث الأستاذ ياسين على ضرورة سن قوانين تحمي العمل من عسف المشغل وتضمن حقوقه كما حث على دور النقابات في تأطير العمل، وفي هذا يقول :” في معرض حديثنا عن جهاد البناء يجب أن لا نتصور هذا الجهاد على شكل تطوع شامل تهب الأمة بكاملها بمقتضاه لتنجز الأعمال الشاقة في جو المرح والنشاط والحماس. يلزم كثير من التطوع وكثير من الانبعاث الجماعي ويلزم أن تسود روح النشاط عبادة البناء بنية التقرب إلى الله عز وجل. لكن هذا الجو الإيماني ما هو إلا إطار نفسي حركي، وجسم العمل وماهيته بذل العامل جهده اليومي في حدود واجب هو مسؤول عنه، وحق هو مطالب به، حق يحميه القانون الشرعي” ويضيف : ” لا يقدر على استخلاص الحق إلا القوي. ولا يستطيع القانون وحده أن يعطي الحق، لاسيما إن كان صاحبه صامتا خائفا، أو كان طالب الحق غير بصير بدقائق النصوص، وأصول التعامل، التي يتقنها الغريم، فيحتال على القانون، أو يراوغه. لذلك لابد من دعم النقابة ومساندتها لتدافع عن الحقوق الفردية والجماعية وتنتزعها. لا فرق في ذلك بين أن يكون المشغل هو الدولة أو هو صاحب الاستثمار. يجب أن تقوم النقابة تحت ظل دولة القرآن بغير المهام التي تقوم بها  نقابات الشيوعيين من كونها أداة من أدوات الدولة. ويجب أن تسلك أسلوبا غير أسلوب الإضراب والعنف الذي تسلكه نقابات الرأسمالية. يجب أن يستبدل بالإضراب تنسيق ثلاثي بين ممثلي النقابة والدولة وأصحاب الشغل”[24].

3-الحرية الاقتصادية ونطاق تدخل الدولة

في أفق تحقق الموعود الإلهي بعودة الخلافة على منهاج النبوة، يطرح على الدولة الإسلامية أكثر من تحدي، ذلك أن دورها يجب أن يكون فعالا في توجيه دفة الاقتصاد نحو الفعالية والجدوى كما يتحتم عليها أن تتدخل لتصحيح الفوارق الاجتماعية عن طريق إعادة التوزيع بالزكاة . إن هذا التحدي يعني تدخلا سليما في الاقتصاد وتوجيهه بحكمة، غيرأن هذا التوجيه لا يعني بحال خنقا للمبادرة الحرة، هو يعني فقط ضبطا لآليات الاقتصاد حتى لا يقع التسيب والفوضى الاقتصادية ويتحقق السلم الاجتماعي ومجتمع العدل والمساواة.

ولتمييز مفهوم الحرية الاقتصادية في إطار القومة الإقتصادية الإسلامية عن المفهومين الرأسمالي والاشتراكي ينبه الأستاذ ياسين : “ليكن هذا واضحا في أذهاننا التي ألفت أن ترى في الرأسمالية نموذج النظام الحر، وفي الاشتراكية نقيضا له .الاقتصاد الإسلامي حر بمعاني الحرية الغائية المقيدة هنا في الدنيا بقيود الشرع. وبهذا يكون النظام الإسلامي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحضاري نقيضا للنظامين الجاهليين، لا من حيث التطبيقات العملية الجزئية فقط، بل من أساسه ومن غايته. الجاهلية ترى الإنسان دابة لا معنى لها، والإسلام يراه آدميا مكرما بآدميته، محشورا إلى ربه بعد الموت، سعيدا عنده، أو شقيا في دار الخلود”[25].

ولتوضيح  الهامش المتاح للمبادرة الحرة ودواعي تدخل الدولة عن طريق التخطيط المرن الذي لايشل هذه المبادرة يقول الأستاذ ياسين :”يدخل المسلم إلى السوق وعليه رقابتان: رقابة ذكر الله عز وجل تمنعه من معصية الله في الأخذ والعطاء، وحسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خارج. لكن هاتين الرقابتين لا تتدخلان في اختيار الناس ما يجب إنتاجه، وماله الأسبقية على غيره. فمجال الحلال واسع، الضروري منه والحاجي والتحسيني. بل حتى الكمالي منه يعتبره الواحد من المسلمين رزقا طيبا، ولا سبيل للرقابة العامة عليه مادام في حدود الحلية لا يتعداها. بعبارة أخرى يختار المسلم الفرد ما ينتج وما يستهلك غير واع بما ينبني على اختياره من انعكاسات على الحياة الاقتصادية للأمة”. فمتى انعكست هذه الاختيارات سلبا على الحياة الاقتصادية للأمةكأن يتمتع بالكماليات المتمول القاطن بين الفقراء، بينما الجار الجنب المسكين، لا يحصل على ما يسد الرمق استوجب هذا تدخل الدولة لتقويم هذا الاعوجاج بالتخطيط : “وهو سياسة شرعية لا تصطدم بمقاصد الشريعة، بل تساعد على تحقيقها. يلزم تخطيط ما ينبغي أن يعرض في السوق عرضا سخيا ليرخص ثمنه ويكون في متناول الفقير، وما ينبغي أن تضرب عليه الضرائب من الأشياء المتاخمة للترف، وما ينبغي أن يقل عرضه، فيرتفع ثمنه، فينصرف المنتجون والمستهلكون عنه إلى الضروري”[26].

4-موارد الدولة الإسلامية ومصارفها

تعد الزكاة أحد أهم موارد الدولة المالية، قال الله تعالى:  “وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ للسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم” )المعارج: 25-24) لكن “من أهداف الطموح الإسلامي التحرر من التبعية الاقتصادية للأجانب، والاستقلال المالي، والتقني، والعلمي، وبسط يد المعاونة لمستضعفي الأرض، وبناء اقتصاد الكفاية والقوة، والتوسعة على المسلمين في معاشهم وصحتهم وسكنهم. وكل ذلك يطلب أموالا قد لا تكفي فيها الزكاة، وقد تكون الدولة الإسلامية القطرية السابقة للتحرر لا تتوفر على موارد منجمية كالنفط أو زراعية، ولا مدخر لديها ولا رصيد. فلمواجهة الضرورات واقتناء وسائل الطموح المالية يضاف إلى الحق المعلوم وهو الزكاة، الحقوق الأخرى في المال، المتفرعة عن قاعدة بذل الفضول. وهي قاعدة صاغها فقهاؤنا في قولهم: إذا احتاج المسلمون فلا مال لأحد.  وهذه المصادر التمويلية الأخرى هي العشور، أي الجمارك، والمصادرات المشروعة مثل تضعيف مقدار الزكاة على مانعها تعزيرا له، وحمى الأرض الخاصة وضمها لمال الدولة، والتعزيرات المالية التي تبلغ أقصاها في حالة حجر السفيه بالمعنى الموسع لهذا الحجر، والركاز وهو خمس المعادن، وريع المؤسسات الحكومية من معامل ومصالح عامة كالماء والكهرباء. فإذا احتاج المسلمون بعد الزكاة وبعد هذه الموارد، فللإمام أن يفرض ضرائب على قدر الحاجة، ولو استغرق ذلك كل الفضول الخاصة”[27].

غير أن ذلك لا يعني تسلط الدولة إذ “لا مجال (…) لإرهاق الضعفاء بالضرائب والجبايات. وليس المكس والمال المنهوب من موارد الدولة الإسلامية، ولا تفقير الناس هدفا لها. وقصة عمر بن الخطاب مع اليهودي الذي افتقر بعد غنى دليل على رفق الإسلام بالرعية”[28].

5-مصارف  المال

تنقسم مصارف بيت المال بين مصارف تخضع لحاجة الدولة وأخرى محددة وهي التي عينها الله عز وجل في مصارف الزكاة في قوله الكريم ” :إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قلُوبهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )التوبة:60) .

 هكذا تصبح الزكاة “ضريبة اجتماعية لها أهداف محددة. وكلها أهداف تحقق حماية المجتمع، والدفاع عن الدولة، والتكافل بين المسلمين، وضمان حقوق الضعفاء في الرخاء والأمن الاجتماعيين. إنها نظام كامل للضمان الاجتماعي”[29]. كما أن لمصارف بيت المال أولويات  يحددها الأستاذ ياسين كما يلي :”هناك أولويات تعتبر في وضع الميزانية السنوية للدولة، تعطى بمقتضاها الأسبقية للنفقات الضرورية على الكمالية، وللتجهيز وتثبيت قواعد الاقتصاد على نفقات التسيير الزائدة على حد الضرورة. ويخرج من دائرة الأهم والمهم نفقات الفخفخة والسمعة، إلا ما لابد منه من رعاية كرامة الدولة في عالم تسوده المظاهر والدبلوماسية والصورة الإيجابية والسمعة”.[30]

6-مراقبة مالية الدولة

“لابد من مراقبة صارمة، ومحاسبة دقيقة على كل مستويات الإنفاق لكيلا ينال من أموال المسلمين إلا المستحقون، ولكيلا تصرف أموال المسلمين في وجوه لا تناسب الأهداف الإسلامية ولا تخدمها. يتولى المراقبة والمحاسبة أجهزة الدولة المختصة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشعبيان المنظمان على يد جماعة المسلمين”[31].

7-التنمية وإشكالية تمويلها

يستعيض الأستاذ ياسين عن مصطلح التنمية الغربي بالمصطلح الإسلامي “العمران” ويحذر أشد الحذر من اعتماد نموذج تنموي هجين من قبيل الاشتراكية الإسلامية أو الليبرالية الإسلامية وفي هذا الشأن يقول الأستاذ ياسين : ” عندما يزعم الغرب الجاهلي والشرق الجاهلي أن أسولبهما في التنمية هو الأسلوب الوحيد الممكن، أو هما الأسلوبان اللذان لا ثالث لهما، فإنما يستعمل سلاح الغزو الفكري ليوطد به ويديم استعماره الاقتصادي والحضاري. وإن الناطقين باسم “الاشتراكية القومية “، أو باسم “الطريق الثالثة” للتنمية، أو باسم “الاشتراكية الإسلامية”  والإسلام الاشتراكي، وما إلى هذا من الخزعبلات، ما يكثرون الاحتجاج والصياح بتلك الشعارات إلا تغطية لفقدهم أصلا منه يستمدون. فهم إلى أساليب الغرب يعودون، أو إلى أساليب الشرق الجاهليين. وكل نظام ملفق ما هو إلا هجين وابن غير شرعي مرفوض هنا وهناك. الهجناء من جانب الإسلام مرفوضون بتاتا”[32]. وبخصوص المصطلح القرآني البديل للتنمية يقول الأستاذ ياسين : ” إن أصلنا كتاب الله، وإن عمارة الأرض واجب فرضه الله على الأمة المستخلفة في الأرض. فالباعث الإسلامي على النشاط الاقتصادي باعث ديني، من صميم الدين. والقوانين التي توجه هذا النشاط شرع منزل. قال الله تعالى يحكي رسالة عبده ورسوله صالح عليه السلام إلى المسلمين: “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ)هود:61 (استعمركم في الأرض: طلب إليكم أن تقوموا بعمرانها، فإن أطعتم فهي عبادة. عبادة اقتصادية متفقة في اللفظ والمعنى وإن كانت مختلفة في الشكل والوسائل مع عمران آخر، هو عمارة المسجد. قال الله عز وجل:  “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ” )التوبة :18  (عمارتان أختان، كلاهما عبادة، ليرزق الجن والإنس والبهيمة، والوحش، والطير، وكل الخلق”[33].

وعند تفكيكه لآلية التخلف الكامنة في بلداننا الإسلامية يخلص الأستاذ ياسين إلى أن أسباب هذا التخلف ترجع لسببين أحدهما داخلي والآخر خارجي داعيا إلى تحصين الجبهة الداخلية في وجه الهيمنة الخارجية واستلهام نموذج تنموي يعتمد على الذات : “ينبغي أن تكون نظرة دولة الإسلام إلى التخلف والنمو وأسبابهما نظرة متكاملة، فلا تشغلنا مراقبة الهيمنة الاستكبارية الخارجية، وعدم تكافئنا معهم في ميادين المساومة، عن مراقبة آليات التخلف الداخلية في مجتمعنا، الكامنة في نفوسنا وعقولنا، الظاهرة في مواقفنا واختياراتنا.

لا يشغلنا عتو رأس المال العالمي، وعدوان الشركات المتعددة الجنسية، وإخسار سماسرة الرأسمالية ومفاوضو الدول “الصديقة  “الاشتراكية  لميزاننا عند البيع والشراء، والعقد السياسي والاقتصادي، و التعاون التقني والعسكري، عن استفحال الداء الباطني فإنا إن نشتغل بالصراخ على  اللص والشكوى منه لن تنتهي آلامنا. إنما تنتهي إن حصنا المكان وقمنا عليه حراسا أشداء”[34]. وبما أن تمويل التنمية هي إحدى أهم آليات الهيمنة الخارجية فقد حذر الأستاذ ياسين من مغبة الانصياع وراء أوهام المشاريع الممولة بالديون الخارجية المشروطة، ودعا مقابل ذلك إلى ضرورة الاعتماد على التمويل الداخلي وذلك بإنشاء مصارف إسلامية. وفي ذلك يقول الأستاذ ياسين : “مشكلة البرنامج التنموي في البلاد المتخلفة هي مشكلة التمويل، فتترك الدول الغنية المخططات التنموية تبرز حتى يظن أهلها أنهم قادرون عليها، ثم تنعطف عليهم بالقروض المشروطة، وترفض كل طلب، وكل مشروع، لا يتفق مع مصالحها. فتمول مثلا النشاط التجاري أكثر مما تمول المشاريع الصناعية التي قد تزاحمها في السوق. وتوضع في رقبة الدول الفقيرة ربقة “التقويم الهيكلي” كما توضع السلسلة في عنق السجين في بلاد الظلم وعصور الظلام. لهذا وجب على دولة الإسلام أن تعتمد على التمويل الداخلي، وأن تعمل على التحرر من التبعية المالية، بتأسيس نظام مصرفي إسلامي يكون مفتاح التنمية، وتساير أهدافه أهداف الدولة الإسلامية، وتربط النزاهة والأخلاقية فيه بمبدإ الإنتاجية والجدوى.[35]

كما حث الأستاذ ياسين على ضرورة إنشاء نظام نقدي إسلامي قوي : “ينبغي أن تكون إرادة الدولة الإسلامية هي التي تملي على النقد وظيفته لا مصالح الاستعمار التي جعلت من الدولار في زماننا سلاحا احتكاريا يتحكم في مصائر الدول والشعوب. عندما تتحرر دولتان إسلاميتان قطريتان يكون من أهم مظاهر ووسائل التعاون والتوحيد بينها إصدار عملة إسلامية”[36].

8-دعم الصناعة الصغيرة والمتوسطة والتقليدية والمشروعات الفلاحية المحلية المسؤولة

وبخصوص المشاريع التنموية الواجب الأخذ به في الدولة الإسلامية الناشئة حث الأستاذ ياسين على  تجنب نموذج الاستيراد الغير المسؤول الذي يكرس التبعية الاقتصادية للخارج وكذا نموذج تصدير المواد الأولية التي يعاد استيرادها مصنعة بكلفة أعلى مما يثقل الميزان التجاري ويفاقم عجزه البنيوي، وحث في المقابل على ضرورة دعم الصناعة الصغيرة والمتوسطة والتقليدية والمشروعات الفلاحية المحلية المسؤولة وكذا توطين التكنولوجيا وإعداد الكوادر البشرية المؤهلة.

يقول الأستاذ ياسين : “إن اهتمام الدولة الإسلامية يجب أن ينصرف عن أسلوب استخراج المعادن لتصديرها، وعن أسلوب المصانع المستوردة، لينصب على دعم الصناعة الصغيرة والمتوسطة والتقليدية. لابد لنا من صناعة ثقيلة أيضا. ولابد قبل توطينها من الاستعانة بما تتيحه السوق العالمية. لكن الاكتفاء الذاتي، وهو هدف تحرري له الأسبقية، لا يسمح بحال أن يكون كل اقتصادنا تابعا تحكمه إرادة غيرنا. ونرجع بعد حين إن شاء الله للصناعة والتصنيع. إن اهتمام الدولة الإسلامية يجب أن ينصرف عن المشروعات الزراعية الواسعة، المخططة المؤممة، الموجهة للتصدير، إلى المشروعات الفلاحية المحلية المسؤولة، الموجهة إلى الإنتاج الغذائي”[37].

وبخصوص توطين التكنولوجيا وإعداد الكوادر والمهارات حذر الأستاذ ياسين من مصيدة استيراد التكنولوجيا وحث في المقابل على ضرورة توطينها وذلك بتشجيع البحث العلمي التطبيقي، يقول الأستاذ ياسين في هذا الشأن : “هناك فخ منصوب لاصطياد أموالنا ومصادرة مستقلبنا يسمى “استيراد التكنولوجيا”. صفقات تدفع فيها الدول المتخلفة عصارة جهدها وثروة أرضها ليحصل لها شرف استقبال الخبراء الأجانب ببالغ الحفاوة، والتفرج عليهم وهم يبنون في عقر ديارنا معاقل ترسخ أقدام صناعتهم وشركاتهم بين ظهرانينا. ثم لا تخدم تلك “التكنولوجيا”  إلا أهدافهم، ولا تنطق إلا بلغتهم، ولا تأنس وتطرب إلا بذكر حضارتهم. إن أهدافنا مخالفة لأهداف المركب الصناعي الحربي لكِلا طرفي الجاهلية. وكما يجب أن نحارب تلك الأهداف الاستكبارية يجب أن نمتحن “التكنولوجيا” ونطوعها لأهدافنا حتى تستحق منا الثقة. ولا يكون ذلك إلا بتقديم رجالنا الفضلاء المهرة في البحث العلمي والابتكار في العناية والاعتبار، وتشجيع البحث العلمي المخترع الصانع لا البحث العلمي الأكاديمي الذي نجاري به فلسفتهم وخرافاتهم، ونصرف عليه أموالنا على شكل ترجمات أدبية  لإفرازاتهم، وعلى شكل قراءات لا تنتهي للتراث القديم، غثه قبل سمينه”.[38]

الفصل الثالث : العقبات المنتصبة إزاء القومة الاقتصادية وشروط اقتحامها

أولا : العقبات المنتصبة إزاء القومة الاقتصادية

تقف إزاء القومة عقبات كؤود دونها خرط القتاد حتى وإن خلصت النيات، فالنية الحسنة لوحدها لا تكفي في بحر مائج بالتحديات، من هذه العقبات ما يعوق تحقق القومة حتى قبل حدوثها ومنها ما يحول دون اشتداد عودها بل منها ما قد يحول مسارها . يقول الأستاذ ياسين : “لا نتصور الدولة الإسلامية إلا ومقود سفينتها في الأيدي المتوضئة. لكن البحارة من عامة المتحركين على ظهرها، والمشتغلين بالآلات المحركة في بطنها، لكن الأمواج من حواليها، والعواصف في أجوائها، قد تؤثر الأثر السلبي على عملية الإقلاع والملاحة في المياه العميقة، وقد تحرف الاتجاه لا قدر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.[39]

1-تحديات ما قبل القومة

الانتظارية العاجزة والعجلة المتهورة تحديان يقفان في وجه القومة الاقتصادية وهما عنوان لفشل أكيد، يقول الأستاذ ياسين : “استرخى أو يكاد ذلك الذي أرسل القومة الإسلامية إلى أجل غير مسمّىً ريثما تتربى أجيال على الإيمان وتتألف القاعدة الواسعة. وعرض نفسه للخيبة العاجلة من تعجل فحسِب أنه بديل للعُقاب آكلِ الجِيَف بينما هو لا يزال فرخاً لم يُزْغِبْ. ربما يكون فرخ نسر قناص غلاب، لكنه فرخ في العش لا يزال”[40].

2-تحديات ما بعد القومة

2-1تغيير جذري أم إصلاح ترقيعي؟ 

ينبه الإمام المجدد إلى أن مطلب التغيير الإقتصادي لما بعد القومة تحول دون تحقيقه عقبة كؤود وجب التنبه لها واقتحامها بعزم وجلد عنوانها البارز حجم التغيير ومداه، وفي هذا الشأن يتسائل رحمه الله:” هل يمكن التحول من الظلم ومخازيه إلى العدل ورخائه بدون حرب طبقية، وبدون كسر آلة الاقتصاد الموروثة، وبدون قطع الأعضاء المريضة من الأمة، وبدون التراجع عن هدف التغيير الجذري اكتفاء بالطلاء الإصلاحي؟” ليجيب بعد ذلك بأنه : “لا مندوحة عن اتخاذ الإجراءات لتحويل مجرى الأحداث من أول يوم. لكن بين هذا وبين كسر الآلة الاقتصادية فرق. لابد من البداية في إنصاف المحرومين من أول يوم، لكن وعد الناس بالرخاء العاجل تغرير. ولن يأتي الرخاء بدون ثمن، كما أن القومة نفسها لن تبرز من عالم الآمال لعالم الأحداث بدون ثمن. في ركب واحد، في موكب الفضل، يتحلى الشهداء بدمائهم والصابرون في البأساء والضراء وحين البأس بصدقهم. وإنها لمعركة شديدة نحو الرخاء لابد للأمة جميعا من خوضها.”[41]

2-2المنزلق الثوري الحماسي  أو تمرد الدولة على الدعوة

قد تحيد القومة عن هدفها العدلي الإحساني فتستحيل ثورة محركها الأساس الغضب وحب التسلط إن لم تلجم الدعوة جماح الدولة المتوثبة، وفي هذا يقول الأستاذ ياسين : “الحكم الإسلامي، وهو حقيقة الغد في حساب السياسة، ووعد الوحي، ومطمح الأمة، لابد أن يسهم المؤمنون في إنارة طريقه كيلا يحيد اقتصاد الدولة الإسلامية عن سكة الشريعة، أو تتبطنه الروح الخبيثة روح الاستكبار والإفساد في الأرض”[42]

ثانيا : شروط اقتحام العقبات المنتصبة إزاء القومة الإقتصادية

1-التربية ثم التربية

 من آكد شروط اقتحامالعقبات المنتصبة إزاء القومة الإقتصادية جعل الدعوة مهيمنة على الدولة وقائدة لها وهذا لا يتأتى إلا بالحرص على جعل تزكية النفوس مبتدأ ومنتهى كل جهد تغييري يروم التمكين الاقتصادي للأمة يقول الإمام المجدد في شأن ذلك : “تبدأ استراتيجية الاقتصاد الإسلامي التغييري من تغيير ما بالنفوس. وكل مكتسبات العقلانية التنظيمية الإدارية التكنولوجية التي طورتها الإنسانية يُذكر عليها اسم الله وتُستصلح بدون تردد ولا تعقد ولا تخوف من التعلم في مدرسة الحكمة البشرية.

تبدأ استراتيجية الاقتصاد الإسلامي من تربية البواعث الإيمانية وهي قضية أجيال. إن كانت التنمية المادية تقتضي العناية البالغة “بالموارد البشرية”  وتستثمر في التعليم حسابا لمردودية اقتصادية وتسوية اجتماعية فإن عنايتنا بهذا الجانب، وينبغي أن تكون من أسبقياتنا، لا تحجب عنا الهدف الاستراتيجي الجهادي، ألا وهو تربية أجيال مؤمنة بالله وباليوم الآخر تُصلح في الأرض ولا تفسد، تكون رحمة للخلق لا طاغوتا مخربا، تخدم المستضعفين وتطعم الجائعين وتَبَرُّ بالخلائق أجمعين”[43].

2-الرفق والتدرج

الرفق والتدرج شرطان أساسيان من شروط اقتحام عقبات القومة المباركة وفي ذلك يقول الأستاذ ياسين :”إن الرفق أصل عظيم من أصول العمل الإسلامي.وأعطيت للدعاة حرية اختيار أسلوب القومة في حدود مرسومة، حد مبدئي هو وجوب عصيان من لا يطيع الله من الحكام، وحد عملي تطبيقي يقول لك: إلى هنا يمكن أن تتصرف. ويحدد الحد العملي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية. ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبته ويقاتل لعصبته فقتل فقتلته جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى لمؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني ولست منه.”[44] (رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة).

أما سنة التدرج، التي لاتعني بحال التواكل ولا الانتظارية العاجزة، فيعتبرها الأستاذ ياسين أمرا ملحا في درب القومة المباركة ريثما يشتد عودها، وفي ذلك يقول الأستاذ ياسين : “التدرج في مراحل القومة “لأمر جامع” يجمع جهود حزب الله المتعدد في واجهة الدولة، الواجهة الأفاقية، ريثما تتقارب الأنفس وتتبنى منهاجا واحدا للدعوة، ونظاما واحدا، وقيادة موحدة أمر ضروري. ولا عجلة فالتدرج صبر ومصابرة. أتى أمرالله فلا تستعجلوه”[45].

3-الواقعية والأخذ بالأسباب المادية

نظرا لتلازم الاقتصاد مع حتمية الأخذ بالأسباب المادية فإن النظرية  المنهاجية  جعلت من  الواقعية في التغيير الاقتصادي ضرورة ملحة، يقول الإمام المجدد : “لا تتنكب دولةُ القرآن ضرورات الابتكار، والتصنيع، والتنمية الاقتصادية، ومنافسة بضائع الآخرين، وأسلحتهم، وتنظيماتهم المالية، والإدارية، والعسكرية. ولا تتنكب مهمات تغيير البنىُ الفاسدة، وتركيب جهاز الدولة تركيبا يساعد على الفعالية والجدوى، ويساعد عل توحيد الأمة، وجمعِها، وتحصينها من القلق والاضطراب. بل تهدف دولة القرآن إلى كل ذلك التغيير، وتعتبره واجبا من آكد واجباتها”[46]. ويضيف الأستاذ ياسين موضحا : “إنما يسمع الناس كلمة المنتج الصانع العالم الغني القوي، ولأم غيره الهبل!. بعبارة أوضح :  لن تكون للكلمات القرآنية، والمفاهيم الإسلامية، والمدلولات التي تشير إليها قيمة في معايير العصر المادية إن لم يكن الاقتصاد القوي، والصناعة ذات البأس، والوجود السياسي الموحد للأمة، من وراء الكلمات والمفاهيم والمدلولات. وبعبارة أوضح، يقول الصديق رضي الله عنه : “ما ترك قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل”. وإن مقومات الجهاد المادية، التي تدل كلمة “تخلف” عن غيابها، مطالب ملحة ضرورية واجبة وجوب الجهاد نفسه، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”[47].

4-عضل القومة بالسند الشعبي والجرعات الإيمانية

مهما بلغت جاهزية جند الله فهم بحاجة، بعد استمطار عون الله سبحانه، لسواعد وعقول الأمة الخاملة لكن يتوجب مع ذلك وخلال ذلك التحرز من الانسياق وراء الحوافز الدنيا، سلاح جند الله في ذلك جرعات إيمانية تحقن في شرايين الأمة لتقيها أمراض الغثائية، يقول الأستاذ ياسين :  “ينبغي أن لا نكون من البلادة بحيث ننتظر قومة مجردة للحافز السامي وحده، ولا أن نكون من السطحية بحيث نترك الحوافز الدنيا تقود المعركة. المحسنون المتجردون لله قلة عددا، والعضل اللازم للقومة غذاؤه الغضب الطبعي. فليكن جهاد المحسنين، وطليعة المؤمنين، أن يحقنوا العضل الشعبي بجرعات إيمانية. وبلقاء الحافزين، وبقيادة الاعتبار الإحساني، وهيمنته، وجدارته وقدرته على ضرب المثال، نرتقي بالحركة عن مستوى الغضب الجماهيري إلى مستوى القومة لله”[48].

خاتمة

تشكل القومة الاقتصادية حجر الزاوية في مشروع التغيير الإسلامي، إلا أن نجاحها رهن باقتحامها للتحديات التي تقف إزائها إذ أنالناس، بفطرتهم، ينحازون للدين ودعاته، لكنهم يحتاجون الخبز والماء أيضا وهم سيحاسبون، بكل تأكيد، حملة مشروع القومة على نجاعة برامجهم الاقتصادية وهذا بالضبط ما حدث لحملة المشروع الإسلامي بمصر، رغم صدق النيات وصفائها، وعلى النقيض من ذلك، وفي محيط أشد علمانية، فقد نجح شباب الحركة الإسلامية في تركيا، بقيادة أردوكان، في إقناع الشارع التركي بنجاعة مشاريعهم الاقتصادية التي جعلت من تركيا سادس قوة اقتصادية في أوربا. يقول الأستاذ راشد الغنوشي عن ذلك : ” إن أداء الإسلاميين في الحكم لم يكن سلبياً، كما وأنّ إدارتهم للمدن التركية الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وأرض روم كانت ممتازة، وهو الأداء الذي جعل من أردوغان نجماً ساطعاً في سماء إسطنبول…كما فرض التسليم بحقيقة أخرى أن رصيد الإسلاميين في الحكم، وحل مشاكل الناس، ليس مجرد شعارات تدغدغ المؤمنين، وتعدهم بالجنة، وتخوّفهم بالنار، على أهمية أثر ذلك لو حصل، وإنما برامج عملية لحل مشكلات معيشية، فشلت أحزاب العلمنة في حلها، بسبب انفصالها عن ضمير الشعب، وما تلوثت به من مفاسد”[49].

مقومات القومة الاقتصادية وشروط نجاحها هو ما اجتهدنا في إبرازه من منظور المشروع التغييري المنهاجي الذي يتبناه الأستاذ عبدالسلام ياسين والذي حاولنا تلمس معالمه في مختلف مؤلفات الأستاذ المرشد.

وقد خلصنا في بحثنا إلى مجموعة نتائج عملية من شأنها إلقاء الضوء على تفرد مقاربة الأستاذ عبدالسلام ياسين ومن ذلك :

  • أصالة النظرية التغييرية المنهاجية باعتمادها على الكتاب والسنة
  •   تميز النظرية التغييرية المنهاجية عن النظريات التغييرية في الأدبيات الثورية باشتمالها على بعدين  أساسيين : الباعث الإيماني والضابط الشرعي للعملية التغييرية
  • تركيز النظرية التغييرية المنهاجية على الواقعية والتدرج والرفق وهو مايميزها عن نظريات التغيير المستندة على العنف الثوري
  • عدم إغفال النظرية التغييرية المنهاجية للعقبات التي تحول دون تحقق شروط القومة واقتراحها لحلول عملية تمكن من اقتحام تلك العقبات
  • استشراف النظرية التغييرية المنهاجية لآفاق التغيير في بعده التكاملي بين الأقطار الإسلامية المحررة في أفق الخلافة على منهاج النبوة إن شاء الله.

كما خلصت الدراسة إلى مجموعة مقترحات يطرحها الباحث ومن جملتها :

  • التعريف بالنظرية التغييرية المنهاجية في بعدها الاقتصادي بعقد ندوات ومؤتمرات علمية تتدارس على وجه الخصوص مؤلف الأستاذ ياسين “في الاقتصاد، البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية” الذي يلقي إضاءات غير مسبوقة على علم الاقتصاد
  • تشجيع الباحثين على إجراء بحوث تقارب أسباب فشل الحركات الإسلامية في كل من مصر وتونس بعرض تجربتيهما على النظرية التغييرية المنهاجية للوقوف على أوجه القصور فيهما والإفادة منهما
  • تشجيع الباحثين على إجراء بحوث تقارب أسباب النجاح النسبي للحركة الإسلامية ببعض الدول كماليزيا في عهد محمد مهاتير أو  إيران  أو تركيا وعرض هذه التجارب على النظرية التغييرية المنهاجية لاختبار أسباب هذا النجاح مع ما تقترحه النظرية.
  • اقتراح مدارسة أسس النظرية التغييرية المنهاجية في برامج العلوم السياسية بالجامعات.

والحمد لله الذي به تتم الصالحات.

المراجع

  • القرآن الكريم
  • الغنوشي راشد، ، قراءة خاصة في حزب العدالة والتنمية التركي، مجلة الوحدة الإسلامية الصادرة عن تجمع علماء لبنان، عدد 18، مايو  2003 م
  • الفراك أحمد ، خصائص القومة الإسلامية، بحث منشور بموقع جماعة العدل والإحسان المغربية (www.aljamaa.net) بتاريخ الجمعة 3 فبراير/شباط 2006م
  • شعبان الطاهر الأسود ، علم الاجتماع السياسي قضايا العنف السياسي والثورة ،2001 القاهرة : الدار المصرية اللبنانية .
  • ياسين عبدالسلام، الإحسان،ط1، 2000م
  • ياسين عبدالسلام، سنة الله، النجاح الجديدة، الدارالبيضاء، 2005.
  • ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، الشركة العربية للنشر والتوزيع، ط2، 1989م
  • ياسين عبدالسلام، العدل، الإسلاميون والحكم، الدار البيضاء،الأفق، ط1، 2000م .
  •  
  • ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد، البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الدار البيضاء،الأفق،ط2، 1995 م
  • ياسين عبدالسلام، رجال القومة والإصلاح، دار النشر الصفاء ،  2001 م.

وبالله التوفيق وعليه التكلان.


[1]  ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، الشركة العربية للنشر والتوزيع، ط2، 1989م، 408.

[2]  ياسين عبدالسلام، العدل، الإسلاميون والحكم، الدار البيضاء،الأفق، ط1، 2000م،  487.

[3]  ياسين عبدالسلام، العدل، الإسلاميون والحكم، 14.

[4]  ياسين عبدالسلام، العدل، الإسلاميون والحكم، 89.

[5]  ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد، البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الدار البيضاء،الأفق،ط2، 1995 ، 206.

[6]  ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد، البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية،  206.

[7]  شعبان الطاهر الأسود ، علم الاجتماع السياسي : قضايا العنف السياسي والثورة، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية ،2003، 47.

[8]  المصدر السابق، 52-55

  [9]  أحمد الفراك، خصائص القومة الإسلامية، بحث منشور بموقع جماعة العدل والإحسان المغربية (www.aljamaa.net) بتاريخ الجمعة 3 فبراير/شباط 2006.

[10]  ابن حجر العسقلاني، الإصابة في معرفة الصحابة، ج 3/ 181

[11]  ياسين عبدالسلام، رجال القومة والإصلاح، دار النشر الصفاء ، 2001، 8.

[12]  ياسين عبدالسلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، 372

[13]  ياسين عبدالسلام، الإحسان، ج2، 315

[14]  ياسين عبدالسلام، رجال القومة والإصلاح، 7

[15]  ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد، 74

[16] ياسين عبدالسلام، العدل، الإسلاميون والحكم، 14

[17]  ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد، 73

[18]  ياسين عبدالسلام في الاقتصاد، 77

[19]  المصدر نفسه، 43

[20]  ياسين عبدالسلام في الاقتصاد، -44-43

[21]  المصدر نفسه، 44

[22]  المصدر نفسه، 48

[23]  ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد، 177- 178

[24]  ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد، 178، 185.

[25]  ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد ، 76

[26]  ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد ، 123-124

[27]   ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد، 48-49

[28]  المصدر نفسه، 56

[29]  ياسين عبدالسلام، في الاقتصاد ، 56

[30]  المرجع السابق، 56

[31]  المرجع السابق، 57

[32]  المرجع السابق، 83

[33][33]  المرجع السابق، 83

[34]  المرجع السابق، 17

[35]  المرجع السابق، 68

[36]  المرجع السابق، 69

[37]  المرجع السابق، 80

[38]  المرجع السابق، 173

[39]  المرجع السابق، 28

[40]  المرجع السابق، 19

[41]  المرجع السابق، 205-206

[42]  المرجع السابق، 4

[43]  ياسين عبدالسلام، العدل، الإسلاميون والحكم، 487

[44]  المرجع السابق، 296

[45] ياسين عبدالسلام، سنة الله، النجاح الجديدة، الدارالبيضاء، 2005، 300

[46]  المرجع السابق، 89

[47]  ياسين عبدالسلام، العدل، الإسلاميون والحكم، 14

[48] نفس المرجع السابق، 263.

[49]   الغنوشي راشد، ، قراءة خاصة في حزب العدالة والتنمية التركي، مجلة الوحدة الإسلامية الصادرة عن تجمع علماء لبنان، عدد 18، مايو 2003