معالم التجديد في القضية الفلسطينية عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

0 165

محمد الخواتري / باحث في الفكر الإسلامي – جامعة السلطان مولاي السليمان

مدخل تاريخي

فلسطين ذاك الجرحُ الغائر في جسد الأمة الواهن، ووصمةُ العار على واقع المسلمين المعاصر، وفاضحة تخاذل حكام العض والجبر أمام قوى الاستكبار العالمي. تخاذلٌ تجاوز كل الحدود ليصبح تآمرا على الأرض، ومقامرة بمقدسات الأمة ومقدراتها.

لقد استيقظ الغرب بعد الحرب العالمية الثانية على مشاعر الندم والحسرة، جراء ما صُدموا به من اتهامات الحركة الصهيونية لأوروبا بدعم حملات التطهير العرقي في حق العرق اليهودي. وتحت تأثير دهاء اللوبي الصهيوني تلازم الساسة والنخب الغربية على حد سواء، بالإضافة لعقدة الشعور بالذنب عند الأوربيين اتجاه العرق اليهودي، إلى جانب حركات التمرد اليهودي في أوروبا الأثر البالغ في التعجيل بإيجاد وطن قومي بديل لليهود، ولم يكن ذلك الوطن سوى قلب الأمة الإسلامية فلسطين. وقد كان المسلسل الاستعماري يعمل على أشده في جسد الأمة المنهك المجزأ إلى دويلات وضع لها مخطط سايسبيكو حدودها الوهمية، وكان للأنظمة الاستبدادية القائمة الأثر الكبير في التمهيد للاستيطان اليهودي في أرض فلسطين.

إن اختيار اليهود لأرض فلسطين لتكون وطنا قوميا لهم، لم يكن في واقع الأمر وليد ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما أفرزته من اضطهاد للعنصر اليهودي وقمعه وتشريده، ولم يكن اختيار فلسطين بدافع جغرافي أو سياسي أو اقتصادي، وإن كان حضور هذه الدوافع موجودا لكون فلسطين -ومنذ القدم- كانت محط أطماع خارجية كثيرة نظرا للموقع الجيو-استراتيجي الذي تتميز به منطقة الهلال الخصيب عموما من إمكانات فلاحية وثروات بحرية ومعدنية كبيرة، وتعد فلسطين جزءا من هذه الرقعة الجغرافية الزاخرة بالثروات، لذلك كانت محط أطماع  اليهود المتطلعين لدولة إسرائيل التاريخية من النيل إلى الفرات. ولكن، يبقى البعد العقدي هو المحرك الأساس للحركة الصهيونية منذ مؤتمر بازل سنة 1897، فكان من أهم توصيات هذا المؤتمر استعادة مملكة إسرائيل في أرض الميعاد «فلسطين». وتوطين اليهود في أرضهم القديمة وإعادة بناء الهيكل المزعوم.

ومع صدر وعد بلفور المشؤوم سنة 1917، وقبيل شهر من احتلال الجيش البريطاني لأرض فلسطين، وخلاله تعهد آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا آنذاك بجعل فلسطين وطنا قوميا لليهود وبتأييد الحكومة البريطانية ومعها حكومات الغرب مجتمعة إعلان قيام دولة إسرائيل اليهودية، وبدء حملات الهجرة إلى أرض الميعاد أو الوطن القومي حسب العقيدة اليهودية لتكون سنة 1948 عام النكبة الكبرى لفلسطين وأهلها وللأمة  كافة بإعلان «دولة الكيان الصهيوني»، وتبدأ معها معاناة شعب بأكمله تحت نير الظلم والعدوان الصهيوني المتغطرس بدعم من الاستكبار العالمي وصمت وتخاذل.. بل وتآمر من حكام العرب والمسلمين.

لقد شغلت القضية الفلسطينية حيزا واسعا من اهتمام المسلمين وانشغالاتهم، بالرغم من كل الأزمات التي تعيشها الأمة. وبالرغم كذلك من المحاولات الرامية إلى طمس القضية من وجدان الأجيال المتلاحقة، فقد كان للحركة الإسلامية بعلمائها ومفكريها على امتداد الوطن العربي والإسلامي، الأثر الملموس في إبقاء وهج القضية في عقول المسلمين وقلوبهم باعتبارها القضية المركز والعنوان الأبرز في واقع الأمة المعاصر. وقد كان الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله من العلماء العاملين الذين تهمموا بجرح فلسطين ونكبتها الكبرى، تجلى ذلك في كتابات الرجل حول الموضوع وتبوئها المكانة البارزة في مشروعه الفكري، ولعل ما يميز تناول الإمام للقضية الفلسطينية كونه وضعها ضمن النسق التجديدي في مشروعه التغييري رحمه الله.

بعد هذا المدخل التاريخي المختصر الذي حاولنا من خلاله النظر في أهم الإرهاصات التي مهدت لظهور كيان الاحتلال الصهيوني، وسطوه على الحق التاريخي للشعب الفلسطيني الأعزل في أرضه ومقدساته، ننطلق فيما يأتي من صفحات لبسط معالم الرؤية التجديدية واستجلاء ملامحها عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. ومن خلال هذا البسط نروم الوقوف عند النظر الكلي الشمولي للقضية الفلسطينية في تماهٍ مع سنة الله في الآفاق والأنفس عبر التاريخ، مع واجب الإعداد لموعود الله عز وجل للأمة بالنصر والتمكين.

وعلى هذا الصعيد ننظر مستبصرين بمنظار الوحي، معتدين بعُدَد المنهاج النبوي. ننظر في هذه الأحداث التاريخية المشكلة لجذور للقضية الفلسطينية، ونطالع ميراث الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، وكيف نظر إلى نشوء الصراع وتطوره حول فلسطين الجريحة، وكيف يقرأ الإمام رحمه الله تعالى القضية والتفاصيل المؤثرة في الأحداث، مسترشدا بسنة الله تعالى في الأمم والشعوب. نتابع -إذن- الملامح والمحددات الكبرى للرؤية المنهاجية في قراءة القضية الفلسطينية وتحليلها، كما نظّر لها الإمام عبد السلام ياسين في كتاباته ومؤلفاته.

المحور الأول: المرجعية القرآنية مؤطرا للقضية الفلسطينية  

إذا كانت القضية الفلسطينية وما واكبها من صراعات، قد شغلت حيزا مهما من انشغالات المفكرين الإسلاميين على مدى عقود الصراع الطويلة، فأفردوا لها كتابات حاولت تحديد جذورها دينيا وسياسيا وعسكريا وفكريا، انطلاقا من محددات منهجية ومعرفية يحكمها نسق موجه لتصورات كل مفكر على حدة، فإن الملمح التجديدي الذي ميز تناول الإمام عبد السلام ياسين لنكبة فلسطين، أعاد تحديد طبيعة هذا الصراع وتوصيفه وتأطيره ووضعه في سياقه المناسب، ضمن سنة الله الماضية وقدره النافذ ووعده الناجز.

ينتقد الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله العديد ممن كتبوا وناقشوا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على اختلاف مشاربهم واهتماماتهم الفكرية.  ولعل سبب هذا الانتقاد يعود لـ «التعويم في الكلام» حسب تعبير الأستاذ ياسين لكون أغلبِ هؤلاء حصروا الصراع في جغرافيا تتطاحن فيها قوتان أو قوميتان على رقعة سينتهي بالغلبة للأكثر عدة وقوة وعتادا وحلفاء.

يقول الإمام رحمه الله: “يُعوِّم المتكلمون العرب المسألة تبعا للمتكلمين من أطراف الجاهلية وتقليدا غائبا عن الحق ناسيا لله، ويدخنونها بلغتهم المفتونة، فإذا هي «قضية الشرق الأوسط»، صراع جغرافي مصلحي بين شعبين وقوميتين كلتاهما تبحث عن سياسة تؤمن لها الإمداد السلاحي والدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي من الدول القوية.”[1]

يضع الإمام رحمه الله القضية الفلسطينية موضعها الأساسي تحت منظار القرآن الكريم، وسنن الله عز وجل في التاريخ العام وتاريخ الأمم وتداول الأيام بين الناس، مقدمة لفهم الأحداث الجارية حولنا، ووضع ما نحن فيه من ضعف وما هم فيه من قوة، موضعه المناسب في ميزان شرع الله وسنته الماضية التي لا تتبدل، لكيلا تلهينا الأحداث عن الله عز وجل، وليكون لنا الصبر والإعداد والاستعداد والأخذ بالأسباب، لنكون أهلا لوعد الآخرة المتنزل على عباده المنسوبين لحضرته سبحانه.

يقول رحمه الله: “لن يكون لنا النفس الطويل، ولا الثقة بنصر الله، ولا القدرة على إعداد العدة في الأمد البعيد، إن لم نجعل جوهر القضية في وعينا وحركتنا مطابقا لتعليم القرآن في المسألة، مستنيرا بهديه، مسايرا له في تفسيره إلى أعماق النفس اليهودية الخبيثة، والقلب اليهودي الأشد قسوة من كل القلوب، وكفر يهود ونفاقهم ومكرهم وصدهم عن سبيل الله”.[2]

من خلال المرجعية القرآنية تناول الإمام رحمه الله الأحداث الجارية في أرض الإسراء والمعراج، بإزاء مرجعية القرآن وعلى منظاره ليكشف عن خبث النفسية اليهودية ودهائها والقلب اليهودي الأشد قسوة، ليس غرضه من ذلك إيغار القلوب حقدا على العرق اليهودي وإذكاء حفيظة الباحث، وإنما الغرض الأساس كما يقول رحمه الله: “التذكير بالله عز وجل وبالحق المنـزل الخالد في الحكم على بني إسرائيل، ليكون حكم الله فيهم وغضبه عليهم ولعنته إياهم دستورنا في التعامل معهم. نغضب عليهم لغضب الله عليهم ثم لعدوانهم علينا”.[3]

القضية الفلسطينية -إذن- تتجاوز الأبعاد الجغرافية والتاريخية النسبية، لتكون بحق المعركة الدائرة بين المسلمين والعدو الصهيوني، “هي بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. مع الجاهلية تنَبؤٌ يهودي بمملكة صهيون الألفية. ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين، وبالخلافة على منهاج النبوة، وبظهور هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون.”[4]

إن ما يميز استناد الإمام المجدد على المرجعية القرآنية في تناوله للجرح الفلسطيني، هو تَيْنِكَ المواءمة والملاءمة بين النصوص القرآنية والوقائع التاريخية المتجددة. وهو بذلك يتجاوز التحجير والجمود الذي طبع تناول المفسرين للعديد من الآيات القرآنية التي لا يمكن تأويلها بمعزل عن السياق التاريخي للأمة، وسنن الله المتحكمة في حركة الكون. ومن هذه النصوص الآيات الأولى من سورة الإسراء من قوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) ﴾  [5]

يناقش الأستاذ ياسين رحمه الله آراء المفسرين وأقوالهم في هذه الآيات، ويعذر تفسيراتهم (لها)، لغياب الأحداث التاريخية المتلاحقة عنهم. وعذرهم حسب تعبير الإمام أنهم لم يكن أمام أعينهم ما نشاهده من باهر الحقائق التاريخية والأحداث الواقعة التي تكون لنا هداية، لنعرف كيف علا بنو إسرائيل ومكنوا وتمكنوا بعد أن كانوا شتاتا مستضعفين، ولنسلك التي هي أقوم في إعداد المسلمين للتمكين والظهور بعد الهزيمة، “نقرأ نحن رحمنا الله كما رحمهم هذه الصفحة من كتاب الله العزيز قراءة حية تنبض بالتوتر مع الأحداث الهائلة التي رفعت بني إسرائيل إلى عُلُو كبير. مكنهم ولا يزال يمكنهم من الإفساد في الأرض. علو وفساد ما كان لأسلافنا أن يتصوروه”.[6]

نقرأ في خلال رؤية القرآن الجامعة تفاعل الأحداث وتصارعها، وتداول سنة الله بين الأمم ومنها أمة اليهود وعلوها في هذا الزمان أمام ضعف شوكة المسلمين المهزومين داخليا وخارجيا، بإزاء القرآن وتحت منظاره: “نشرف على التاريخ وعيا، وبتطبيق القرآن عقيدة وعبادة وسلوكا وعملا على المقاصد وطلبا لها نستعيد أنفسنا من قبضة الفتنة التي أردانا فيها نسيان الله، وقساوة القلوب من عدم ذكر الله.”[7]

ويذكر الإمام رحمه الله ويحث دائما على النظر في الذكر الحكيم، لنعرف حقيقة النفس الإسرائيلية العاقة الساقطة في سلم التاريخ والمندحرة في درك الشقاء والخسران دنيا وآخرة. يقول رحمه الله: “لنقرأ القرآن حتى ندرك أبعاد سنة «تداول الأيام»، ولنتوقف عند قصة العاقين من بني إسرائيل، متمردي العصور الحديثة على الله، الغارقين في لُجج الأوهام. لنقرأ القرآن حتى نطَّلِعَ على شهادة الخالق على مخلوقاته اليهودية، لينكشف لنا طرف من الحجب التي تلف القدر الإلهي”.[8]

هذه قراءة قرآنية فاحصة منطلقة من الأساس المعرفي القرآني، وما فيه من قصص منبئ عن خبث اليهود ومكرهم وقتلهم أنبياء الله بغير حق وتبديلهم الكلم عن مواضعه وإفسادهم في الأرض المتجدد في كل زمان ومكان. مرجعية القرآن الواضحة تفتح لنا فهم القضية الفلسطينية في عمقها التاريخي، المتجاوز لكبوات الحاضر وهزائمه لاستلهام دروس الماضي وعبره استشرافا لوعد الله: وعد الآخرة.

المحور الثاني: النظر التاريخي ووظيفته في فهم الصراع

دروس التاريخ وعبره السننية ضرورة من أجل فهم الواقع وتجاوزه، تعيننا قراءة التاريخ بمنظار قرآني في وضع الأحداث في مكانها الطبيعي من سنة الله عز وجل دون تضخيم أو تحقير أو عزل، فإن مما أضر بالقضية الفلسطينية والعاملين لها أنهم وقفوا مع الأحداث المتسارعة والمآسي المتعاقبة، فكانت ردة الفعل بمثابة غضبة آنية تغلب عليها العاطفة، والنفس الممتلئة حقدا وغضبا على الجرائم الصهيونية النكراء. لكننا إذا عزلنا هذه الجرائم، وهذا التحدي الصهيوني الذي ادَّخَرَه الله ابتلاء للأمة و”ضخمناها متأثرين بهمومنا وآلامنا، أصبح عائقا يصعب تجاوزه، أما إذا وضعناه في السياق التاريخي الإسلامي وقسناه بمقياس التاريخ الإسلامي فإنه يصبح مجرد هبة ريح عابرة”.[9]

قراءتنا الفاحصة لتاريخنا تجعلنا ننظر كيف كان اليهود مضطهدين منبوذين مشتتين في الأرض، بعد أن سامهم الله سوء العذاب على يد البابليين والآشورين والرومان. ثم جاء الإسلام فاحتضن الأقلية اليهودية وكفل لها الحقوق في جميع مراحل حكم الإسلام إلى حدود سقوط الأندلس في يد الأوربيين، حيث لقي اليهود ما لقوا من تقتيل جماعي في محاكم التفتيش، مما اضطرهم للهجرة صوب المغرب والمشرق الإسلاميين، هناك أمكنهم أن يعيشوا في سلم تام وتعايش أهلهم ليكونوا مهرة متفوقين في التجارة وعالم المال.

وكان مطلع القرن العشرين -كما ذكرنا- بداية انعطاف تاريخ اليهود؛ إذْ لم يكن نزوحهم من كل بقاع العالم إلى أرض فلسطين مجرد حدث عادٍ أو مجرد اختيار لأرض من أجل الاستيطان فيها والاستفادة من خيراتها، بل كان بداية المعركة الحاسمة بين الحق والباطل، بين نبوءات اليهود مجسدة في وعد مملكة صهيون الألفية من النيل إلى الفرات، ومع المسلمين المؤمنين وعد الله الناجز بالتمكين لعباده المؤمنين، حتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو ذل ذليل. فهي بداية “مواجهة كونية هائلة بين حق الوحي و«ظن الجاهلية»، بين أخلاق الإسلام و«تبرج الجاهلية»، بين أخوة الناس جميعا والتسامح والرحمة، وبين «حمية الجاهلية»، بين عدل الإسلام وشورى الإسلام وبين «حكم الجاهلية»”.[10]

وعد الآخرة بين أيدينا بشرى نطالعها في كتاب الله عز وجل، يخاطب فيها بني إسرائيل مؤذنا لهم بأن بعد الإفساد الأول والثاني في الأرض يبتعث الله عز وجل عبادا له أولي بأس شديد، يدخلون المسجد الأقصى كما دخلوه أول مرة ويسومون اليهود سوء العذاب بما أفسدوا وعلوا وتجبروا في الأرض. قال عز وجل: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) ﴾.[11]

كنا قد تحدثنا عن رؤية الإمام التجديدية للآيات الأولى من سورة الإسراء، وكيف تجاوز في خلالها نظر المفسرين المحدود بأحداث زمانهم. وفي أثناء حديثه عن وعد الآخرة يؤكد رحمه على أن هذا الوعد ليس معركة جانبية على هامش، وإنما هو فيصل بين الحق والباطل. وعد الآخرة “ليس موقعة جزئية، كما يحسب العرب المكبوتون المغلوبون في فلسطين.  قضية الإسلام واحدة، واجهتها الصدام المحتوم مع الجاهلية. وما فلسطين وأفغانستان إلا مقدمتان لوعد الآخرة. واليهود فص الجاهلية وروحها.”[12]

القراءة التاريخية للأحداث وفق منظار سنة الله عز وجل وقدره الماضي في الخلق، يرفع نظرنا عن الانشغال بالأحداث في جزئياتها اليومية إلى النظر في أصل البلاء، كيف انحدرنا الانحدار المريع بانتقاض عروة الحكم فينا، كيف صار لليهود -وهم قلة قليلة لا تتعدى بضع ملايين- كل هذا التمكن والظهور والغلبة على أمة غثاء ورثت غثائياتها من قرون الملك العض والجبر المتعاقبة.

قراءتنا لتاريخنا الإسلامي يرفعنا من حال اليأس والقنوط ومن حالنا البائس وانهزاميتنا، لنتطلع إلى بشارة الله عز وجل وبشارة نبيه صلى الله عليه وسلم بخلافة ثانية على منهاج النبوة، بعد قرون الظلم والجور، وبين يدي بشارة الاستخلاف معركة الفرقان بين الحق والباطل، إيذانا بنصر الله المبين لعباده المؤمنين. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ”. [13]

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “على مِحك العرض نستطيع أن نمحص تاريخنا ونفسيتنا الغثائية، لنستبصر بالمقابلة والتضاد الخصال الإيمانية الإحسانية التي فقدناها. ولن نكون أهلا أن تخفق على رؤوسنا رايات النصر في الدنيا ولافتات السعادة في درجات الآخرة إن لم نستعدها. كمالات العلم، وحيوية العمل، وصدق الإرادة، والصبر على الشدائد في نصر الله. كل هذه أخلاق عليها يعطينا الله النصر، وعلى الأخلاق الغثائية من وَهن وخوف لا يتنـزل علينا القدر إلا بما نكره.”[14]

المحور الثالث: الطريق نحو التحرير

ليس قصدي في هذا المقال الإحاطة بجوانب تصور الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله كلها حول قضية فلسطين؛ فهذا يحتاج وقفات أوسع وأعمق مع كل جزئية من الجزئيات التي أثارها الإمام في هذا الموضوع، وإنما قصدي أن ألامس بعض القضايا والملامح التي شكلت وجه التمييز والتجديد الذي طبع كتابات الأستاذ ياسين رحمه الله في الموضوع، وجعلها تتميز عن باقي الرؤى المتداولة على الساحة الفكرية العربية. فالحديث عن حل القضية الفلسطينية، وتحرير المقدسات الإسلامية من دنس الاحتلال الصهيوني، هو حديث يتجاوز في فكر الأستاذ ياسين المرحلة التاريخية التي تعيشها الأمة اليوم، لينصهر وينسجم مع المشروع التغيري الشمولي للإمام الموسوم بالمنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا.

يقول الإمام رحمه الله جوابا على سؤال حول ماذا يمكن تقديمه للقضية الفلسطينية في الوقت الراهن؟ فــــــ”على المدى القريب نعمل ما نستطيع، لكن هذا لا يكفي. ينبغي للأمة أن تنظر إلى أصل البلاء عندما ظهر المنافقون، ومن أين أتى هؤلاء المنافقون، أتوا ليحكموا علينا وليحكموا في صالح الآخرين الأعداء، هؤلاء ليسوا منا، بل هم مدسوسون في الأمة، من أين أتانا هذا الدس؟ هو من سكوتنا على فساد الحكم، الحكم العاض والجبري الذي حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءنا فخلط الأوراق وجعل الأمة غثاء تسير مع كل ناعق، إذن ينبغي أن نصحح على المدى البعيد المبادئ التي نبدأ بها وهو أن يكون حكمنا شورى بيننا، وألا نترك للمنافقين مجالا يعيثون فيه فسادا ويتحالفون فيه مع الأعداء”.[15]

وفي سياق آخر متصل بهذا السؤال، وفي معرض حديثه عن الطريق لتحرير القدس والأمة من ربقة الاستعمار وترميم التفتت الحاصل في صرح الأمة، يقول الإمام رحمه الله: “لا يكفي لمواجهة التحديات المعاصرة والمستقبلية إلا إعادة بناء الأمة ابتداء من تربية الفرد المؤمن الذي نذر صلاته ونسكه ومحياه ومماته للّه رب العالمين لا شريك له. ابتداء من التربية يجب أن ننطلق، ثم نعيد التفكير في كل جزئية في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، نعرضها على المنهاج النبوي، ونصانع الواقع، ونصبر على طول الإعداد، حتى تتوج جهودنا إن شاء اللّه بتوحيد الأمة.”[16] 

وقد أسهمت نظرية المنهاج النبوي بوصفها المؤسِّسَة للمشروع الفكري التغييري عند الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، والآلة المنهاجية الناقدة لتاريخ الأمة ماضيا وحاضرا ومستقبلا، أسهمت في بناء موقف الإمام ونظرته لمستقبل قضيةٍ هي جزء من مستقبل الأمة  كله؛ فمن خلال النصيين السابقين نقف عند تحديين وعقبتين في وجه تحرير فلسطين من الاحتلال الغاصب للأرض والمقدسات: يتمثل الأول في رأب صدع الانكسار التاريخي الذي حول النظام السياسي في الأمة من خلافة راشدة على منهاج النبوة أساسها عدل الإسلام، وشورى الإسلام ورحمة الإسلام، إلى ملك عضوض ثم ملك جبري رزح -ويرزح- المسلمون تحت سلطته وجبروته وسيفه المصلت على الرقاب حسيا ومعنويا على مدى أربعة عشر قرنا مضت، حكم جبري ظهرت عورته وتكشفت مثالبه حين وضع الحاكمون أيديهم في يد أعداء الأمة، وسلموا فلسطين هدية للصهاينة، وطبّعوا مع العدو، وطعنوا المقاومة من الخلف، وفاوضوا على الأرض والعرض والمقدس مقابل الكراسي والمناصب والمكتسبات.

حين الرؤية المنهاجية تطرح القضية الفلسطينية، فإنها تلامس جوهر البلاء الذي نزل بالمسلمين وأصله وهو الحكم؛ فحين استولت فئة مستبدة ممالئة للعدو الصهيوني مطبّعة معه على زمام الأمر في بلاد المسلمين استفحل الداء واستبيحت الأراضي المقدسة، ولا سبيل للانعتاق من ربقة هذا البلاء دون إرجاع الأمر إلى أصله، بإرجاع الحكم إلى الشورى والعدل حتى يكون حكامنا منا، يهمهم ما أهمنا ويتحزبون لله ولرسوله وللمؤمنين.

العقبة الثانية في طريق التحرير ترتبط بالعقبة الأولى وجودا وعدما، بل هي نتاجها؛ فالحكم العاض والجبري الذي تناوب على المسلمين طوال قرون مضت فتت الأمة، وشتت جهودها وبدد طاقاتها في صراعات طائفية ومذهبية، أفشلت جسد الأمة الواهن وأذهبت ريحه.

وصل الانحدار التاريخي بالأمة إلى الحضيض فغدت تابعة بعد أن كانت سائدة، مستهلكة بعد أن كانت منتجة، مغلوبة على أمرها بعد أن كانت غالبة مع الجاهلية اليوم. يقول الإمام ياسين: “التفوق العددي والتكنولوجي والمالي والعسكري، معها الخبرة والصناعة والتنظيم، معها السبق الزمني في كل الميادين، تطرق الآن وتلج عصر ما بعد الصناعة، عصر المعلوماتية والفضاء والإنتاج الأوتوماتكي والتحكم في الخلايا الوراثية للنبات والحيوان. ووراء الركب الجاهلي تتعثر خطانا، مسبوقين متخلفين، ممزقة أوصالنا، مبذرة أموالنا، مقَطعة أرضنا، محتلة عقولنا، واهنة عزائمنا.”[17]

تربية الفرد المسلم والترقي به في مدارج السلوك إلى الله وطلب وجهه، ودوام الذكر وبذل النفس جهادا للأعداء في مواطن الجهاد، والدفع شرط لازم من شروط تنزل نصر الله الموعود على هذه الأمة المرحومة. ومن الجهاد -بل من أعظم الجهاد- إعداد القوة بكل معانيها. يقول الإمام المجدد رحمه الله: “ستظل إسرائيل الابتلاء مؤقتا، ريثما يدرك المليار ونصف المليار مسلم المتشرذمون هويتهم الحقيقية، لأن الابتلاء مفهوم مركزي في الإسلام يميز الله به الذين آمنوا من الكافرين. وعد الله جلي في كتاب الله، لكن تحقيقه رهين ببضعة شروط؛ بالإيمان، بالمؤهلات السياسية والاجتماعية، بالمقاومة والاستشهاد، وبالإعداد الطويل المتأنِي إلى أن يحل يوم “التداول”، فالنصر رهين بالاستحقاق”.[18]

خاتمة

كان همُّ الأمة وتحدياتُها الكبرى حاضرين في فكر الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، وكان لفلسطين ولجرحها النازف المكانة البارزة في مواقفـــــــه وكتاباته. وقد انسحبت الرؤية التجديدية التي ميزت مشروع الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله على كل القضايا المصيرية التي شغلت وتشغل الأمة، ومن بينها وأهمها قضية فلسطين السليبة، التي لم يخل كتاب من مؤلفات الرجل إلا وفيه إشارة لقضية الأمة المركزية وأفق تحررها المنشود.

  وقد حاولت باقتضاب الوقوف عند بعض ملامح الرؤية التجديدية في القضية الفلسطينية عند الإمام عبد السلام ياسين وأهم تجلياتها، والحق أن الموضوع يحتاج لوقفات متأنية من أجل إجالة النظر في تكاملية تصور الإمام المجدد لجذور القضية وأبعادها التاريخية وأفقها المستقبلي، كل ذلك انطلاقا من مرجعية قرآنية محددة شارحة للأحداث موضحة للأفق الجهادي التحرري.

يرتفع النظر المنهاجي بجند الله وبالعاملين لمستقبل الإسلام، يرتفع بهم من التأثر بالأحداث والانفعال بها، ومن ردود الأفعال المتسرعة إلى النظر من أعالي التاريخ بمنظار القرآن الكريم والسنة المباركة، على أن النظر في أصل البلاء وجرثومته لا يشغلنا عن سعينا الحثيث لتلقي موعود الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بخلافة ثانية على منهاج النبوة، يرضى عنها أهل الأهل والسماء ويكون استحقاقنا لهذا الوعد حقا. ولهذا إن نحن هيأنا لها في أنفسنا وقلوبنا يقينا وتصديقا، وفي ميدان التدافع عملا وأخذا بالأسباب، وإعدادا للقوة حتى نكون بحق أهلا للتمكين في الأرض وأهلا لتنزل رحمة الله للعالمين على أيدينا.

ومن “سنة الله أن ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة. إن آمنوا وعملوا الصالحات، لا إن أخلوا بالشرط الجهادي حالمين بالمدد الإلهي الخارق للعادة، وهو مدد لا يتنـزل على القاعدين بل يخص به الله من قام وشمر وتعب في بذل الجهد، وأعطى الأسباب حقها، وأعد القوة وبذل المال والنفس، وحزب جند الله وجيشهم وسلحهم وتربص بالعدو وخادعه وماكره وغالبه.”[19]


1. ياسين، عبد السلام. سنة الله، مطبعة الخليج العربي، تطوان، ط2، 2007، ص. 67.

2. المرجع نفسه، ص.65.

3. المرجع نفسه والصفحة

4. المرجع نفسه والصفحة، ص. 126.

5. سورة الإسراء، الآيات: 4-7.

6. ياسين، عبد السلام. سنة الله، ص. 69. 

7. المرجع نفسه، ص.68.

8. ياسين، عبد السلام. الإسلام والحداثة، مطبوعات الهلال، وجدة، ط1، 2000، ص. 137.

9. المرجع السابق، ص. 136.  

10. ياسين، عبد السلام. سنة الله، ص. 119.

11. سورة الإسراء، الآية 7. 

12. ياسين، عبد السلام. سنة الله، ص. 155

13. رواه مسلم، الحديث: 2922.

14. ياسين، عبد السلام. سنة الله، ص. 76.    

15. مقتطف من مداخلة للإمام عبد السلام ياسين على قناة الحوار الفضائية، بتاريخ 25 يناير 2009.

16. ياسين، عبد السلام. الإسلام والقومية العلمانية، دار البشير للثقافة والعلوم، طنطا، مصر، ط2، 1995، ص. 96.

17. ياسين، عبد السلام. سنة الله، ص. 119.

18. ياسين، عبد السلام. الإسلام والحداثة، ص. 132.

19 ياسين، عبد السلام. سنة الله، ص.9.