معالم الإصلاح الحضاري في نظرية المنهاج النبوي

0 122

د. أنور جمعاوي

جامعة قفصة – تونس

مدخل

يُعدّ الإصلاح فكرة أساسيّة، وغرضا جوهريّا تأسّست عليه نظريّة المنهاج النّبوي عند الأستاذ عبد السّلام ياسين، فالإصلاح باعتباره فعلا تغييريّا، وعملا دينيّا، ومُنْجَزا دعويّا، هو أصل الفعل المعرفي عند الرّجل وغايته، فهو إذ يصنّف ما يصنّف من المؤلّفات، وإذ يبدي ما يبدي من المواعظ والإرشادات، يروم البيان عن وجهة إصلاحيّة مخصوصة، ويتقصّد بناء الشخصيّة الإسلاميّة المنشودة، وتشكيل معالم المشروع الحضاري والمجتمعي المسلم في ضوء تعاليم النصّ القرآني والسنّة النبويّة. والإصلاح عمل يستمدّ شرعيّته التاريخيّة من النموذج المحمّدي الذي حوّل العرب من واقع القبيلة إلى واقع الأمّة، ومن وضع الشّتات إلى وضع الوحدة، ومن دور المهمّش إلى دور الفاعل في المشهد الحضاري الكوني. ويستمدّ شرعيّته الوجوديّة من طبيعة الرّاهن الحضاري للمسلمين اليوم، فقد توزّعوا شيعا وأحزابا، وانقسموا دويلات وأقطارا، وتباينت المشاريع الإيديولوجيّة التي توجّههم والأنظمة السياسيّة التي تقودهم، وتراجع فعلهم في العالم، وانكفؤوا إلى الاستهلاك بدل الإنتاج وإلى الاتّباع بدل الإبداع، وهو ما أكّد الحاجة إلى الإصلاح بحثا عن أسباب الخلل وعن سبل النّهضة وآليات التّجديد.

والإصلاح إلى ذلك جميعا، مطلب يستمدّ شرعيّته الدينيّة من حثّ القرآن والسنّة على ضرورة استصلاح الشّأن البشري، وخلافة الله في الأرض بما تقتضيه من سعي إلى ضمان الصّالح العامّ وإسعاد النّاس وإرضاء الله.

والإصلاح عند الأستاذ عبد السّلام ياسين ليس مصطلحا شعاراتيا أو عبارة عابرة، بل هو مشروع يتأسّس على مفاهيم محدّدة، ويُنْجَز وفق منهجيّة معيّنة، ويشمل مجالات مختلفة، ويتحقّق وفق شروط وآليات معلومة، وينهض بإنجازه الفرد والجماعة. وسنحاول في هذا البحث التّركيز على استجلاء المهاد المفاهيمي لفعل الإصلاح عند زعيم جماعة العدل والإحسان، وذلك حتّى نتبيّن في مقام أوّل الأساس النّظري الذي يوجّه عمليّة التّجديد البنّاء عنده، وحتّى نقف في مقام ثان عند مقامات الإصلاح ومجالات التّغيير في نظره، فنكشف البعد التعدّدي للعمليّة الإصلاحيّة من جهة تعلّقها بإعادة بناء واقع الفرد والجماعة في مستويات شتّى لعلّ أهمّها: الإصلاح النّفسي التربوي والإصلاح الفكري والإصلاح السّياسي.

فتعلّق الإصلاح بالنّفس يروم صقل الرّوح، واتّصاله بالفكر يتغيى توجيه إمكانات العقل واستثمارها في خدمة الصّالح العامّ، وباستقامة الرّوح والعقل يتسنّى تكوين نواة الحراك الاجتماعي أعني الفرد والأسرة على السّواء، ومن ثمّة يتهيّأ الأمر لإصلاح الواقع السّياسي وتوجيهه نحو الأفضل.

وبناء عليه فإنّ الأسئلة التي ستوجّه نظرنا في هذا البحث هي التالية:

  • ما المقصود بنظريّة المنهاج النّبوي على جهة التّفصيل؟
  • ما مفهوم الإصلاح وما مقوّمات التّجديد عند الأستاذ عبد السّلام ياسين؟
  • ما هي المجالات التي يتقصّدها مشروع الإصلاح عند الرّجل؟ وما آليات تحقيق التّجديد المنشود فيها؟

ومن ثمّة فسنُعنى في هذه الورقة بجانبين أوّلهما نظري متعلّق بسؤال الماهية، والثاني إجرائي، دائر على كيفيّات الإصلاح ومستوياته.

وقد دفعنا إلى النّظر في المبحث عدّة دواع، لعلّ أهمّها:

  • ندرة البحوث المعنيّة بتقديم مقاربة وصفيّة تحليليّة للبعد الإصلاحي في نظريّة المنهاج النّبوي.
  • أهمّية تقويم نظريّة المنهاج والبحث في بعدها التّجديدي بعد أن استوت في شكل مدوّنة متعدّدة التصانيف، وبيّنة الأركان.
  • ضرورات استجلاء البعد الإصلاحي عند الأستاذ عبد السّلام ياسين، باعتبار ما قدّمه من أعمال يمكن أن يكون في جانب ما رافدا من روافد التّجديد في تاريخ الجماعات الإسلاميّة.
  • انتقال الإسلاميّين من المعارضة إلى الحكم في عدد من الدّول العربيّة، وهو ما يُحْوِج إلى تفعيل مطلب الإصلاح والتّراقي به من التّنظير إلى التّطبيق.
  • ميل أغلب الدّراسات المتعلّقة بنظريّة المنهاج إلى السّرد دون التّحليل، وإلى التّمجيد دون التّفكيك أو إلى التّحامل دون تقديم الحجّة، فرأينا مقاربة المسألة بموضوعيّة في منأى عن الأحكام المسبقة.
Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?
Reload Reload document
| Open Open in new tab

تحميل [269.51 KB]