معالم الإصلاح الحضاريّ في نظريّة المنهاج النّبوي

0 378

د.أنور الجمعاوي/ جامعة قفصة – تونس

مدخل

يُعدّ الإصلاح فكرة أساسيّة، وغرضا جوهريّا تأسّست عليه نظريّة المنهاج النّبوي عند الأستاذ عبد السّلام ياسين، فالإصلاح باعتباره فعلا تغييريّا، وعملا دينيّا، ومُنْجَزا دعويّا، هو أصل الفعل المعرفي عند الرّجل وغايته، فهو إذ يصنّف ما يصنّف من المؤلّفات، وإذ يبدي ما يبدي من المواعظ والإرشادات، يروم البيان عن وجهة إصلاحيّة مخصوصة، ويتقصّد بناء الشخصيّة الإسلاميّة المنشودة، وتشكيل معالم المشروع الحضاري والمجتمعي المسلم في ضوء تعاليم النصّ القرآني والسنّة النبويّة. والإصلاح عمل يستمدّ شرعيّته التاريخيّة من النموذج المحمّدي الذي حوّل العرب من واقع القبيلة إلى واقع الأمّة، ومن وضع الشّتات إلى وضع الوحدة، ومن دور المهمّش إلى دور الفاعل في المشهد الحضاري الكوني. ويستمدّ شرعيّته الوجوديّة من طبيعة الرّاهن الحضاري للمسلمين اليوم، فقد توزّعوا شيعا وأحزابا، وانقسموا دويلات وأقطارا، وتباينت المشاريع الإيديولوجيّة التي توجّههم والأنظمة السياسيّة التي تقودهم، وتراجع فعلهم في العالم، وانكفؤوا إلى الاستهلاك بدل الإنتاج وإلى الاتّباع بدل الإبداع، وهو ما أكّد الحاجة إلى الإصلاح بحثا عن أسباب الخلل وعن سبل النّهضة وآليات التّجديد.

والإصلاح إلى ذلك جميعا، مطلب يستمدّ شرعيّته الدينيّة من حثّ القرآن والسنّة على ضرورة استصلاح الشّأن البشري، وخلافة الله في الأرض بما تقتضيه من سعي إلى ضمان الصّالح العامّ وإسعاد النّاس وإرضاء الله.

والإصلاح عند الأستاذ عبد السّلام ياسين ليس مصطلحا شعاراتيا أو عبارة عابرة، بل هو مشروع يتأسّس على مفاهيم محدّدة، ويُنْجَز وفق منهجيّة معيّنة، ويشمل مجالات مختلفة، ويتحقّق وفق شروط وآليات معلومة، وينهض بإنجازه الفرد والجماعة. وسنحاول في هذا البحث التّركيز على استجلاء المهاد المفاهيمي لفعل الإصلاح عند زعيم جماعة العدل والإحسان، وذلك حتّى نتبيّن في مقام  أوّل الأساس النّظري الذي يوجّه عمليّة التّجديد البنّاء عنده، وحتّى نقف في مقام ثان عند مقامات الإصلاح ومجالات التّغيير في نظره، فنكشف البعد التعدّدي للعمليّة الإصلاحيّة من جهة تعلّقها بإعادة بناء واقع الفرد والجماعة في مستويات شتّى لعلّ أهمّها: الإصلاح النّفسي التربوي والإصلاح الفكري والإصلاح السّياسي.

فتعلّق الإصلاح بالنّفس يروم صقل الرّوح، واتّصاله بالفكر يتغيى توجيه إمكانات العقل واستثمارها في خدمة الصّالح العامّ، وباستقامة الرّوح والعقل يتسنّى تكوين نواة الحراك الاجتماعي أعني الفرد والأسرة على السّواء، ومن ثمّة يتهيّأ الأمر لإصلاح الواقع السّياسي وتوجيهه نحو الأفضل.

وبناء عليه فإنّ الأسئلة التي ستوجّه نظرنا في هذا البحث هي التالية:

  • ما المقصود بنظريّة المنهاج النّبوي على جهة التّفصيل؟
  • ما مفهوم الإصلاح وما مقوّمات التّجديد عند الأستاذ عبد السّلام ياسين؟
  • ما هي المجالات التي يتقصّدها مشروع الإصلاح عند الرّجل؟ وما آليات تحقيق التّجديد المنشود فيها؟

ومن ثمّة فسنُعنى في هذه الورقة بجانبين أوّلهما نظري متعلّق بسؤال  الماهية، والثاني إجرائي، دائر على كيفيّات الإصلاح ومستوياته.

وقد دفعنا إلى النّظر في المبحث عدّة دواع، لعلّ أهمّها:

  • ندرة البحوث المعنيّة بتقديم مقاربة وصفيّة تحليليّة للبعد الإصلاحي في نظريّة المنهاج النّبوي.
  • أهمّية تقويم نظريّة المنهاج والبحث في بعدها التّجديدي بعد أن استوت في شكل مدوّنة متعدّدة التصانيف، وبيّنة الأركان.
  • ضرورات استجلاء البعد الإصلاحي عند الأستاذ عبد السّلام ياسين، باعتبار ما قدّمه من أعمال يمكن أن يكون في جانب ما رافدا من روافد التّجديد في تاريخ الجماعات الإسلاميّة.
  • انتقال الإسلاميّين من المعارضة إلى الحكم في عدد من الدّول العربيّة، وهو ما يُحْوِج إلى تفعيل مطلب الإصلاح والتّراقي به من التّنظير إلى التّطبيق.
  • ميل أغلب الدّراسات المتعلّقة بنظريّة المنهاج إلى السّرد دون التّحليل، وإلى التّمجيد دون التّفكيك أو إلى التّحامل دون تقديم الحجّة، فرأينا مقاربة المسألة بموضوعيّة في منأى عن الأحكام المسبقة.

1.    القسم النّظري: المنهاج النّبوي: سؤال الماهية

§               في مفهوم المنهاج النّبوي:

تُعدّ مَفْهّمَةُ المنهاج مطلبا ضروريّا على درب تمثّل المشروع الإصلاحي عند الأستاذ عبد السّلام ياسين، فنظريّة الرّجل في تجديد الفكر الدّيني والتّأسيس لدولة الخلافة الثانية تنبني أساسا على فكرة المنهاج النّبوي باعتباره طريقا إلى إعادة المسلم إلى دورة الفعل الحضاري.

وقد جاء في اللّسان “أنّ النّهج طريق بيّن واضح (…) والمنهاج كالمنهج وفي التّنزيل “لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا” (المائدة: 48) والمنهج الطريق الواضح. واستنهج الطّريقُ صار نهجا. وفي حديث ابن عبّاس: لم يمت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى ترككم على طريق ناهجة أي واضحة بيّنة. ونهجت الطّريق: أبنته وأوضحته، يقال اعمل على ما نهجته لك. ونهجت الطّريق: سلكته. وفلان يستنهج على ما نهجته لك. ونهجت الطّريق: سلكته. وفلان يستنهج سبيل فلان أي يسلك مسلكه، والنهج: الطّريق المستقيم”[1].

وبناء عليه فإنّ الحدّ اللّغوي لعبارة المنهج في مصنّفات القدامى تتأسّس على اعتباره دالاّ يحيل إلى الطّريق المستقيم على نحو يجعل الدّرب بيّنا للسّالك، كما يتّصل بضبط خطّة ينتهجها الإنسان أثناء القيام بعمل ما. وفي الحالين جميعا، فإنّ المراد هو البيان والإيضاح، وتوجيه النّاس نحو السّبيل المناسبة لبلوغ غرض ما.

يتأسّس المنهاج النّبوي في مدوّنة الأستاذ عبد السّلام ياسين على استحضار الفضاء الرّسالي عموما والفضاء المحمّدي خصوصا، فهو استجلاء لسيرة النبيّ، ووعي بكيفيّات تمثّله للنّصوص وطرائق إدارته للواقع بتعقيداته المختلفة. وفي هذا الخصوص يقول الأستاذ عبد السّلام ياسين: “الدّين شرعة ومنهاج، الشّرعة ما جاء به القرآن والمنهاج ما جاءت به السنّة كما قال حبر الأمّة سيّدنا عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما، الشّرعة خاطبت الإنسان. والمنهاج حقّق النموذج الإنساني، والمنهاج هو اللّفظة القرآنيّة لا المنهج، المنهاج التّطبيقي العملي المفصّل المنظّم المتدرّج”[2].

ومن ثمّة، فالمنهاج النّبوي ينتسب بامتياز إلى اللّحظة التأسيسيّة في تاريخ الاجتماع الإسلامي، وهو مكوّن أساسيّ من مكوّنات دولة الخلافة الأولى باعتباره مكمّلا للقرآن، مساهما في تفصيل تعاليمه وتوضيح مجمله، وتخصيص عامّه، وبيان مدلوله. فالنبوّة ليست مبلّغة للوحي فحسب، بل هي ناشرة للوحي، شارحة له، مفصّلة لمحامله ومبرزة لآليّات تمثّله وكيفيّات إجرائه. من هنا كان المنهاج النّبوي ذا بعد ثنائيّ، فهو بياني/ إجرائي في الوقت نفسه، لأنّه يتعلّق بفهم القرآن واستيعاب سنّة النبيّ من ناحية، ويتّصل بتبيّن كيفيّات سلوك الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وآليّات إجرائه لكلام الله في الواقع. ومن ثمّة، ففي تمثّل الإرث النّبوي محاولة لفهم القرآن، وفهم الرّاهن الحضاري للمسلمين ماضيا وحاضرا، وسعي إلى الاحتذاء بنهج النبيّ محمّد في بناء الفرد وتكوين الجماعة.

وقد بيّن الأستاذ ياسين، في أكثر من موضع من كتاباته، مصدر المنهاج النّبوي على جهة التّحديد قائلا: “لا مصدر لنا ولا مدرسة نتعلّم منها إلاّ أمر الله في قرآنه كما طبّقه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصحبه”[3].

من هنا، فإنّ الأساس المرجعي لنظريّة المنهاج النّبوي هو أساس مرجعي ديني إسلامي، يصل المسلم بعصر الجماعة الإسلاميّة الأولى، ويستلهم مقاربة النبيّ وصحبه للخطاب القرآني، على نحو تصبح فيه العلاقة مباشرة بين المسلم اليوم وبين مجتمع الوحي عصر النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فتمّحي الحدود بين المسلمين وكتاب الله، ويُجلي المنهاجُ النّبوي للنّاس منطوق الآيات والأحاديث وآليات انتظام أحوال النّاس وفق الشّرع، ويمهّد السّلوك إلى الله والطّريق إلى بلورة معالم الخلافة المنهاجيّة على الطّريقة الإسلاميّة.

والسّؤال هنا أنْ ما موضوع المنهاج النّبوي على جهة التّحديد؟

معلوم أنّ لكلّ طرح فكري موضوع هو نواته الرّئيسيّة ومجال انشغاله الأساسي، والنّاظر في المنهاج النبويّ يتبيّن أنّ موضوعه المركزيّ هو الإنسان على جهة الإطلاق، الإنسان باعتباره كائنا مدنيّا، اجتماعيّا، وفاعلا حضاريّا كونيّا، ينتمي إلى بيئات طبيعيّة وثقافيّة واجتماعيّة مختلفة، الإنسان في أبعاده المتعدّدة الرّوحيّة والذهنيّة والبدنيّة، الإنسان باعتباره كائنا عابرا للزّمان والمكان، حاضرا في التّاريخ والجغرافيا الآن وهنا وبالأمس وغدا، فالمنهاج يقدّم مقاربة شموليّة للشّأن الإنساني، ويروم إعادة بناء الإنسان وفق تعاليم الإسلام وتوجيهات النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم. وفي ذلك يقول الأستاذ عبد السّلام ياسين: “المنهاج موضوعه الإنسان، ومصير الإنسان في الدّنيا والآخرة، والكون وأسراره ونواميسه تابع للإنسان، لا يستغني الإنسان عنه لأنّه مجاله الحيويّ ومصدر معاشه، وعماد بقائه وقوّته”[4].

وفي هذا التّحديد لموضوع نظريّة المنهاج النبويّ تبيان لعدّة أمور: أوّلها أنّ الإنسان هو المشغل المركزي في المنهاج، وثانيها أنّ الإنسان في المنهاج النّبوي لا يُدرَس، ولا يُتمثَّل ولا يُوجَّه باعتباره كائنا فرديّا يُفْهَم آنيا، بل يُستحضَر باعتباره كائنا ينتمي إلى الفضاء الدّنيوي، ويتهيّأ للفضاء الأخروي، فالدّنيا دار عبور إلى حياة أبديّة، وبذلك فالمنهاج يروم تشكيل شخصيّة الإنسان المسلم في الآن والهنا، وترشيده نحو السّبيل لمصير أفضل في الحياة الآخرة. وهو ما يستدعي بناء الإنسان روحيّا وفكريّا وأخلاقيّا وعمرانيّا ودينيّا، واستصلاح شأنه في جميع المجالات.

وثالثها: أنّ الإنسان لا يحيا في برج عاجي، بل ينتمي إلى فضاء كوني فسيح يتعيّن امتلاكه واستصلاحه وفق ما تقتضيه خلافة الإنسان لله في الأرض، وما تستوجبه من استثمار لثروات الطّبيعة ومن محافظة على البيئة وإحاطة بالكائنات الحيّة، وتوظيف للعقل في استكشاف الكون والإفادة من خيراته وكنوزه في خدمة الصّالح العامّ.

وبذلك يتجلّى لنا البعد الشّمولي والاقتحامي للمنهاج النّبوي في آن، فهو بياني/ عملي، وهو تعليمي/ إجرائي، ولخّص ذلك الأستاذ عبد السّلام ياسين بقوله: “المنهاج قول وتعليم وفعل”، فهو قول من جهة أنّه فعل بيانيّ اجتهاديّ، وهو تعليم لأنّه فهم وإفهام للآخر، وهو فعل لأنّه يهدي الإنسان “لاقتحام العقبة” وللاضطلاع بمسؤوليّته في خلافة الله في الأرض. لكن ما هي الوسائل التي يتوسّل بها المسلم لإجراء المنهاج النّبوي وتمثّله ونشره؟

معلوم أنّ إجراء المنهاج النّبوي يقتضي العلم بكتاب الله وسنّة رسوله، واستحضار تجربة الصّحابة في إدارة الشّأن العامّ. والعلم يستوجب العمل، وحسبنا قول الرّسول صلّى الله عليه وسلّم” “قل ربّي الله ثمّ استقم”[5]. وقوله تعالى: ” وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ”(التّوبة: 105). وتفعيل كلام الله والمنهاج النّبوي يستلزمان التحلّي بعدد من الخصال الأخلاقيّة، والامتلاء بعدد من القيم الإيمانيّة التي تحفّز الإنسان إلى الفعل في التّاريخ وإلى تأسيس “الخلافة المنهاجيّة” على حدّ تعبير الأستاذ عبد السّلام ياسين، وتأمين الدّور الإصلاحي للإنسان في العالم، وقد أُثر عنه صلّى الله عليه وسلّم قوله: “الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستّون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلاّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق والحياء شعبة من الإيمان”[6]. وفي نظريّة المنهاج النّبوي استجماع لأقطار الإحسان، وبيان لعشر خصال في مدارج المنهاج التي يتعيّن على السّالك صعودها ليضمن النّجاة في الدّنيا وحسن العاقبة في الآخرة وليكون مقتديا بالنبيّ، مجسّدا للنّموذج السّلوكي القرآني. وتلك الخصال العشر هي: (1) الصّحبة والجماعة، (2) الذّكر، (3) الصدق، (4) البذل، (5) العلم، (6) العمل، (7) السّمت الحسن، (8) التؤدة، (9) الاقتصاد، (10) الجهاد.

ففي الصّحبة والجماعة تأكيد على البعد الاجتماعي للإنسان، وأنّ الفرد كائن تفاعليّ داخل المجموعة وأحرى به أن يساهم في نهضتها. والذِّكْرُ فعل وجدانيّ روحاني، يصل العبد بربّه، ويجدّد إيمانه ” الَّذِينَ آمَنُوا وَتطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ” (الرّعد: 28)، فهو باعث طمأنينة ومصدر ارتياح نفسيّ. والصّدق أساس التّعامل مع الله ومع الخلق، فيفترض أن يكون الإنسان صادقا حتّى يُكتب عند الله صدّيقا وحتّى يكتب عند النّاس ذا مصداقيّة. والبذل فيه إيثار وتضحية من أجل الآخر، فيكفّ الإنسان عن كونه كائنا أنانيّا ليصبح كائنا بذولا، ويخرج من إسار الفردانيّة إلى عالم حياة الإلف والتّضامن الجماعيّة ” يُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ” (الحشر: 9)، و”العلم نور” يهتدي به الإنسان، فيعرف الخبيث من الطيّب، ويتمثّل تعاليم كلام الله وسنّة رسوله. والعمل إخبار بالقدرة على الفعل وعلى استخلاف الله الإنسانَ في الأرض ولا فائدة لعلم دون عمل، فالعلاقة بين الخصلتين علاقة منطقيّة ضروريّة في آن. وفي السّمت الحسن طلب للسّيرة الحسنة، واحتذاء بالنّموذج الأفضل. وفي التّؤدة لزوم للأناة، وتأكيد على ضرورة التفكّر والتدبّر قبل استعجال القول أو العمل. وفي الاقتصاد حسن تصرّف ووعي بحدود الحاجة، وتحكّم في الثّروة وتوجيه للجهد الوجهة المناسبة: “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إَنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ” (الأعراف: 31). أمّا الجهاد فمكابدة النّفس، وبذل الجهد في طلب العمل والقيام بالواجب ونشر الدّين.

نتبيّن في الخصال العشر استحضار المنهاج النّبوي للأبواب الرّئيسيّة للفعل الصّالح، واتّصال تلك الخصال بعضها ببعض حتّى أنّ العلاقة بينها تبدو علاقة اقتضائيّة لا اعتباطيّة، فالعلم يقتضي العمل والعكس صحيح، والجهد يقتضي التّؤدة، والفعل في النّاس يقتضي الصّدق والبذل والجهاد، وتدريب النّفس على كلّ ذلك يستوجب دوام الذّكر وحسن الصّحبة. فالمنهاج بذلك هو خريطة طريق على درب حياة كريمة، هادئة مستقرّة، منسجمة مع تعاليم الله وسنّة رسوله، تهيّئ لهداية المسلم إلى السّبيل الصّواب، وتتغيّى إحياء دور المسلمين في التّاريخ الكوني.

يمكن أن نخلص من خلال ما سبق إلى إثبات ثلاث نتائج في مستوى محاولتنا استجلاء مفهوم المنهاج النّبوي عند الأستاذ عبد السّلام ياسين:

النّتيجة الأولى: أنّ المنهاج النّبوي مشروع إصلاحي ذو صبغة بيانيّة تعليميّة تستهدف استحضار النّموذج المحمّدي في فهم القرآن، وفي تنظيم حياة النّاس في الدّنيا وإرشادهم إلى سبل الآخرة.

النّتيجة الثانية: أنّ المنهاج النّبوي نظريّة موسومة بالوضوح والشّمول تجعل الإنسان على جهة الإطلاق موضوعها، وتوجيه فعله في الكون الوجهة الإسلاميّة غايتها.

النّتيجة الثالثة: المنهاج النّبوي مقاربة دينيّة عمليّة للرّاهن الإنساني، تقتضي التحلّي بجملة من القيم الأخلاقيّة والخصال الإيمانيّة التي بتمامها يتيسّر إنجاز عمليّة الإصلاح، وتركيز دعائم الخلافة المنهاجيّة، وإحياء الدّور الرّيادي للمسلمين في العالم.

2.    القسم الإجرائي: المنهاج النّبوي مشروع إصلاح حضاري

أ‌-             الإصلاح التّربوي والنّفسي في المنهاج النّبوي:

يُعدّ الإصلاح التّربوي مدخلا أساسيّا لإصلاح الأمّة، وإعادة بنائها على نحو يجعلها مؤهّلة للفعل في التاريخ، وقادرة على الإبداع، والمساهمة في صياغة المشهد الحضاري الكوني، فالمدقّق في تواريخ الأمم يجد أنّ نهضتها كانت يوم اغتنائها بالتّربية الملائمة لزمنها وبيئتها.

وبدا الأستاذ عبد السّلام ياسين في عدد مهمّ من مصنّفاته مركّزا على الدّور الجوهري للتّربية في مشروعه الإصلاحي، مبيّنا أنّها أساس النّهضة وقوام الصّحوة الحضاريّة المنشودة، فالتّربية السّليمة فنّ يتغيّى تنمية القوى الجسميّة والخلقيّة والرّوحيّة والعقليّة والذوقيّة للإنسان، وهي جهد تعليميّ، تثقيفيّ، يؤهّل الفرد للانخراط في المجموعة، ويمكّنه من آليّات التّفاعل مع الواقع والتّأثير فيه والتأثّر به، فيصبح الفرد رافدا من روافد النّشاط الاجتماعي الخلاّق، وعنصرا يساهم فعليّا في الصّالح العامّ.

والتّربية في مدوّنة الأستاذ عبد السّلام ياسين تجسيد للتّربية المنهاجيّة على الطّريقة الإسلاميّة، وتستمدّ أصولها من النصّ القرآني ومن السّلوك المحمّدي، والمنهاج التّربوي النّبوي منهاج فطرة لا منهاج إيديولوجيّة، وهو منهاج عمل لا منهاج جدل[7]، على حدّ تعبير زعيم حركة العدل والإحسان، فالإسلام يخاطب الإنسان على جهة الإطلاق، وينأى عن التّمترس خلف قوالب إيديولوجيّة ضيّقة، فالقرآن يصقل في الإنسان الفطرة، والخيرة، والرّوح التوّاقة إلى خدمة النّاس. ويؤطّر الإسلام الإنسان قيميّا، فيزرع فيه حبّ الخير، والسّلم، وحبّ العلم، وقيم التّآخي، والتضامن، والتعارف، والتّسامح، وقيم العدالة، والكرامة، ورفض العبوديّة لغير الله. و”لم يقتصر محمّد النبيّ الرّسول على حمل الرّسالة وتبليغها شفويّا (…) يتحمّل الرّسول مهمّات عديدة[8] أهمّها ما نقرأه في قوله تعالى “هُوّ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ” الجمعة: 2.

وفي ذلك إخبار بأنّ الرّسول قد اضطلع بدور المبلّغ والمربّي في نفس الوقت، فقد كان ينطق بالآي القرآني، ويحاور جموع المسلمين، ويتفاعل مع همومهم، وكان يتفهّم حيرتهم، ويجيب على أسئلتهم، ويشاركهم أمور دنياهم، فلم يكن الرّسول شخصا متعاليا على النّاس أو منكفئا على نفسه في برج عاجيّ، بل كان رجلا ينتمي بامتياز إلى عصره، ويعيش واقع المسلمين، ويفعل فيه وينفعل به. فكان جامعا بين خصلة الواقعيّة، وصفة التّواضع وبين العلم والعمل. واضطلع بوظيفة النبيّ المعلّم الذي يرشد المريدين إلى تعاليم الدّين الإسلامي، ويفصّل لهم منطوق كلام الله.

“وتشير الآية المذكورة سلفا (الجمعة: 2) إلى أربع وظائف أساسيّة هي أنّه يتلو عليهم آيات ربّهم، ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، وتلاوة الآيات تبليغ مادّي آلته اللّسان، وتبليغ بالإقناع لصدق المبلّغ ينضح بصدقه نبرة صوته، وخشوعه وبيانه الغامض منه على أفهام السّامعين، وتفصيله للمجمل وتخصيصه للعامّ، والتّزكية هي التّطهير والنماء (…) ثمّ التّعليم العلمي المعرفي التطبيقي يعلّمهم الكتاب، يعني أنّه يعلّمهم الأحكام الشرعيّة، ويعلّمهم الحكمة يعني الكيفيّات العلميّة التطبيقيّة التفصيليّة”[9].

ومن ثمّة فالمنهاج التّربوي المحمّدي جامع بين التّبليغ والتّعليم، وبين التّفسير والتّدريب، وشامل لمطلب صقل الرّوح (التّزكية) ومطلب إذكاء العقل وقدح القريحة والذهن نحو الإبداع والفعل في التاريخ، فالرّسول لا يقدّم خطابا صوفيّا، ولا تنظيرا فلسفيّا، ولا مُنْجَزا لغويّا ملغزا، بل ينقل الوحي إلى النّاس، ويشرح للمسلمين تعاليم دينهم، ويرشدهم إلى أسباب التمكّن من أقطار الحكمة، ويدلّهم إلى كيفيّات التّكليف، وآليات إدارة الواقع. فالتّربية المحمّديّة تربية متعدّدة الأبعاد كما جلاّها الأستاذ عبد السّلام ياسين لتعلّقها بالرّوح والعقل والجسد على السّواء، ففي العبادة تزكية للنّفس، وفي الذّكر تجديد للوصل بالله، وفي الطّهارة والوضوء احتفال بالجسد ورفع للدّرن، وبحث عن النّقاء وحسن الهيئة، وفي التفكّر والتدبّر تمكين للعقل، وتحفيز للإنسان على استثمار طاقاته الذهنيّة والمعرفيّة في فهم الكون وسبر أغواره، وتسخيره لخدمة الإنسان على جهة الإطلاق ففي “الحكمة معرفة الموجودات وفعل الخيرات وإصابة الحقّ بالعلم والعقل”[10]، فالحقّ غاية تُدرَك بالمجاهدة والمكابدة وكدّ الذهن وإجهاد القريحة وتوجيه النّفس نحو السّعي والعلم والبذل من أجل الأنا والآخر.

والرّسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم، يؤسّس لتربية منهاجيّة شاملة، تنهل من تعاليم القرآن والسنّة، وتنفتح على أسباب الحكمة، وتروم صياغة معالم شخصيّة إسلاميّة مسالمة، واعية، مؤمنة، منسجمة مع نفسها ومع تعاليم الشارع، وقادرة على تقديم الإضافة للعالم، والرّسول في كلّ ذلك مضطلع بدور النبيّ المربّي والأب المعلّم، به على النّاس عطف ورأفة هي كـ “حنوّ الوالد وحبّه وحرصه على النّفع وكوفائه وأمانته وتفانيه، وله مع ذلك الكفاءة والقدرة والعلم الواسع والصّبر على المتعلّمين والتنزّل لهم حتّى كان يعلّمهم أخصّ خصوصيّات الإنسان مثل طهارة الخبث”[11].

وبذلك فنحن إزاء معلّم لا يتعالى على طلبته، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا يصادر أفواه تلاميذه ولا يتجاهل أسئلتهم على اختلافها، بل هو محاور للجميع، حريص على تأمين الفهم والإفهام وعلى تحقيق مطلب التّبليغ، فسعة علمه لا تمنعه من التواضع، وجليل دوره باعتباره نبيّا مبلّغا لا يمنعه من الاتّصاف بصفات الرّأفة والعطف على الآخرين، فمحمّد تولّى قيادة أمّة، لم يضع بينه وبين أفرادها الحواجز أو الأسوار العالية والحصون المنيعة، بل كان رجلا يعيش بين النّاس ويتجوّل في الأسواق، ويتفاعل مع إحداثات الظّرف الحضاري والإطار التاريخي لجموع المسلمين في عصر النبوّة. فالعلاقة بين قائد الدّولة الإسلاميّة النّاشئة وبين المحكومين، لم تكن علاقة قهريّة أو هرميّة، بل كانت علاقة أفقيّة تفاعليّة. والعلاقة بين النبيّ/ المعلّم ومريديه لم تكن علاقة سلطويّة عموديّة، بل كانت علاقة تواصليّة تفهّمية. وهو ما شرّع للحديث عن منهاج نبويّ تربويّ عابر للزّمن يستمدّ قيمته من تركيز النبيّ على ضرورة التحلّي بالتّواضع والسّعي في طلب الحكمة، والعمل على الأخذ بيد السّائل وإرشاد السّالك إلى الحقيقة في غير كبْرٍ وفي غير اعتداد بالنّفس وادّعاء لاحتكار العلم.

وبذلك يمكن أن نخلص إلى أنّ المنهاج التّربوي هو ركيزة من ركائز الإصلاح باعتباره يساهم في تشكيل الشخصيّة السويّة للإنسان المسلم، وتوجيهه نحو المساهمة الفاعلة في بناء صرح الخلافة المنهاجيّة، وفي صياغة المشروع الحضاري الإسلامي.

وأهمّ ما يمكن أن نثبته في خصوص دعائم المنهاج التّربوي النّبوي كما جلاّها الأستاذ عبد السّلام ياسين في مصنّفاته ما يلي:

  1. المدرسة المحمّديّة والتعاليم القرآنيّة هي مصدر التّربية السويّة المنشودة في المجتمع المسلم.
  2. التربية في المنهاج النّبوي مشروع بيداغوجي، وعمل تأطيري يهدف إلى صقل الرّوح وشحذ الذّهن وتعهّد الجهد بالرّعاية. وبذلك فنحن إزاء منهاج تربويّ شامل يُعنى ببناء شخصيّة الإنسان في جميع جوانبها فيزيولوجيّا، ونفسيّا، وذهنيّا.
  3. التّعليم في المنهاج النبويّ فنّ يقتضي تحلّي المعلّم بالتّواضع والتمكّن من أسباب العلم، ويستوجب القدرة على التبليغ وعلى التّواصل مع جمهور المتعلّمين.
  4. المنهاج التّربوي النّبوي منهاج تفاعليّ ينبني على التّواصل وتأمين الفهم والإفهام، وعلى استحضار النصّ القرآني والحديث النّبوي وأسباب الحكمة وأقطار العلوم تحقيقا للفائدة ودرءا للغموض.
  5. التّربية القرآنيّة/ المحمّديّة تتقصّد تكوين مسلم رساليّ يؤمن بضرورة نشر تعاليم الله وسنّة رسوله، وإرساخ الدّور القيمي البنائي للإنسان في الكون.
  6. المنهاج النّبوي تأهيل للمسلم ليكون منسجما مع نفسه ومع دينه، قادرا على النهوض بمشروع الإصلاح الذاتي والموضوعي.

ب‌-        الإصلاح الفكري في نظريّة المنهاج النّبوي:

معلوم أنّ الفكر حركة ذهنيّة متعدّدة الأبعاد والأشكال، وتتأسّس على توظيف إمكانات الإنسان العقليّة لفهم الظواهر وتدبّر الوقائع. والثّابت أنّ نَمْذَجَة التّفكير وتحديده وضبطه وتحنيطه أمر محال، ولا يلين لأيّ إنسان باعتبار تعدّد التجارب الفكريّة البشريّة، وتنوّع الجهد الابتكاري للإنسان ولا محدوديّته، باعتباره جهدا يتعدّد، ويتطوّر عبر العصور وعبر الجغرافيا.

لكنّ تمعين النّظر في أدوات التّفكير والبحث في آليّات الأداء الذهني للإنسان أمر ممكن، فالمعلوم الآن أنّ الكائن البشريّ يوظّف عقله ليدرك ماهية الأشياء وليحلّل الرّسائل اللغويّة والظواهر الطبيعيّة والوقائع الاجتماعيّة والتاريخيّة والوجوديّة الحافّة به. لكنّ العقل لا يتحرّك في معزل عن جوارح الإنسان وغرائزه وعن عواطف قلبه واهتزازات وجدانه. لذلك يحتكم بعضهم إلى ترجيح دور العقل على جهة الإطلاق في تنظيم أحوال النّاس الذاتيّة والموضوعيّة،  ويحتكـم آخرون إلى الوجدان أو إلى خطاب الرّوح في فهم الأنا والآخر.

وقد بدا الأستاذ عبد السّلام ياسين على وعي أكيد بما آل إليه توظيف العقل عبر تاريخ الإنسانيّة وفي العصر الرّاهن، فمايز بين “عقل معاشيّ دنيويّ مادّي”[12] قاصر على فهم الوقائع المعيشة للإنسان وعلى إدراك الظواهر المحسوسة والماديّة، وبين عقل إيمانيّ يستحضر البعد الرّوحي للإنسان ويستشرف مصيره بعد الموت وفي الحياة الآخرة.

ونبّه الأستاذ عبد السّلام ياسين إلى أنّ “العقل ملكة ذهنيّة مشتركة بين البشر”[13]، مبرزا الأهمّية التي أولاها القرآن للتدبّر وإعمال العقل، فقد تكررت مادّة (عقل) في كتاب الله أكثر من 50 مرّة، ومادّة (فقه) عشرين مرّة، ومادّة (فكر) ثماني عشرة مرّة. وفي ذلك إخبار بدعوة الشّارع إلى توظيف العقل في تمثّل الكون، واستثمار ثرواته، وإدارة مكوّناته، وفي تصريف شؤون النّاس، وتنظيم عمرانهم في الحياة الدّنيا.

لكنّ مفهوم العقل في القرآن في تصوّر عبد السّلام ياسين هو فعل “حاسّة باطنة في الإنسان تُسمّى القلب، والعقل تَلَقٍّ لحقائق الوحي بواسطة القلب”[14]. وبذلك فالرّجل يصل بين العقل وبين القلب، ويعتبر الجانب الوجداني الجُوّاني أصل المعرفة، وأنّ العقل الذّهني المجرّد لا يحيط بحقائق الأشياء والظواهر ولا ماهية الخلق والخالق ما لا يتمثّل وعي الرّوح وحركة العقل، فالتفكّر عند الرّجل حركة قلبيّة تتدبّر الكون استدلالا على الله[15]. وبذلك فإنّ الميسم الذّهني المجرّد للعقل غير كاف لتأمين فعل إصلاحي رشيد للإنسان في الكون من وجهة نظر الأستاذ عبد السّلام ياسين لأنّ “عقل النظر القائم بذاته المستقلّ المتألّه، عقل المعاش المدبّر لشؤون الحياة الدّنيا، محجوب عن حقائق الغيب ما دام لا يسمع من الوحي ولا يبصر نور الوحي”[16].

ويرى زعيم جماعة العدل والإحسان في هذا الإطار ضرورة إعادة الاعتبار إلى “العقل المؤمن الآخذ عن الله”[17] لأنّه تحريري، متعدّد الأبعاد يراعي في الإنسان مطلب الرّوح ونداء الفكر، وهو عقل ينهل من “دين كسر الأصنام الحسّية والمعنويّة خطوة خطوة، ونقل العقل الإنساني من الولاء إلى الأوثان إلى الولاء لله الواحد القهّار”[18].

لكنّ العقل المؤمن لا يجب أن ينحسر في الميتافيزيقا، وينأى عن واقع النّاس وتدبّر الكون، بل هو مطالب بالتجدّد والتفكّر وتمثّل الكون واستيعاب طاقاته، وتوظيفها في خدمة النّاس كافّة، وفي تأمين مطلب خلافة الإنسان لله في الأرض. وكلّ تقصير في هذا المستوى فيه إخلال بدور العقل المؤمن وإهدار لقدراته الابتكاريّة، وفي ذلك يقول الأستاذ عبد السّلام ياسين: “يحدث للعقل المؤمن، المصدّق بالوحي عور إذا أغمض عن المدارك المشتركة، وعجز عن التعلّم من الكون، وترك آلته للإهمال والصّدإ، فيفوته ركب الحياة الدّنيا، ويقعد مع القاعدين العاجزين، وذلك نقص في حقّه، وقصور عن فهم رسالة الوحي الذي أنبأ بأنّ الله سخّر لنا الكون وأمرنا أن نسير في الأرض ونستعمرها وندافع ونجاهد، وكلّ ذلك ممتنع إذا لم نسخّر بإرادتنا واجتهادنا وتعلّمنا هذه الآلة العجيبة المسمّاة عقلا”[19].

فالعقل المؤمن مؤسّس على استحضار الله، وعلى الفعل في كون الله، واستخدام الطّاقة الذهنيّة والعقليّة في فهم العالم وإدارة دواليبه والتحكّم في مقدّراته. أمّا التعلّق بسجف الغيب دون الفعل في الواقع، فهو أمر مردود شأنه شأن ردّ نهج اتّباع العقل المعاشي الذين يتجاهلون “البصر بالله وبأمر الله وبالدّار الآخرة، ما يُسعد الإنسان هنا وهناك”[20].

وبناء عليه، فإنّ مقاربة عبد السّلام ياسين للعقل هي مقاربة طريفة تنبني على رفض العقل المعاشي المحض لأنّه يجرّد الإنسان من بعده الرّوحي، ويتجاهل مصيره الأخروي، كما لا يقدّم إجابات واضحة حول الخلق والخالق، وتصوّر الإنسان لماهية الكون ومستقبل الإنسان بعد الموت. فمع تشريع الأستاذ عبد السّلام ياسين للعقل المؤمن وتسليمه بضرورة تفعيل دوره في الكون فإنّه لا يسلّم بعقل ميتافيزيقي محض يجافي الواقع، وينصرف إلى النّظر في الأمور الغيبيّة فحسب، بل يرى لزوم اضطلاع العقل بوظيفته البرهانيّة، الابتكاريّة حتّى ييسّر للإنسان سبل إدارة العالم والتمكّن من ثرواته.

وينتهي الأستاذ عبد السّلام ياسين إلى إقرار عقل إيماني/ قلبي، يتأسّس على التّكامل بين ممكنات الذّهن ومقدراته، وبين نداء القلب وتمثّلاته على نحو يجعل القلب رقيبا على العقل، والعقل ضابطا لهواجس النّفس وتشوّه الرّوح ونوازع الوجدان، فلا العقل ينسى الرّوح ولا الرّوح تحيا في غير عقل. وفي ذلك يقول الشّيخ: “كمال العقل أن يخدم القلب وتطلّعاته خدمة متزامنة متساوقة مترابطة هنا وهناك. هنا في الكون حيث يشترك مع كافّة البشر في طرق تحصيل علوم الكون، وهناك وراء سجف الغيب من حيث لا تتأتّى معرفة إلاّ باستماعه للوحي”[21].

وبذلك فالتّكامل مأتاه انفتاح العقل على القلب، وانفتاح الاثنين معا على أسئلة الدّنيا وشواغل الآخرة، فيستحيل العقل آلة إدراكيّة تتمحّض لاستبيان البعد الدّنيوي والأخروي للكائن البشري، من غير اقتصار على استيعاب الجانب المعاشي دون غيره من جوانب الكينونة الوجوديّة للإنسان في بعده الأنطولوجي والميتافيزيقي. ذلك أنّ “العقل الآلة يأخذ علومه عن الكون بواسطة المنطق الناشئ لديه من استقراء الثابتات والمترابطات والمستلزمات. ويأخذ العقل الكامل عن الوحي ما هو من عالم الغيب وعن المدارك المشتركة ما هو من عالم الشهادة”[22].

ومن ثمّة فإنّ كمال العقل وأداءه النّموذجي في نظر الأستاذ عبد السّلام ياسين كامن في استحضاره معطيات عالم الغيب وعالم الشّهادة على السّواء، واعتباره بالدّنيوي والأخروي في رِبْقة واحدة على نحو ينسجم مع كلام الشّارع، وُيسهم في تيسير درب السّالك إلى الله، ويُراعي في الإنسان متعة الفكر ونشوة الرّوح على السّواء.

نخلص من خلال النّظر في معالم الإصلاح الفكري عند الشّيخ عبد السّلام ياسين إلى أنّنا إزاء تصوّر جديد لماهية العقل يتأسّس على “وَجْدَنَةِ” العقل و”أَخْلَقَتِه” حتّى يكون عقلا قيميّا يتمثّل وجدان الإنسان وروحه، كما يوظّف إمكاناته الذهنيّة وطاقاته الابتكارية في أداء مهمّة الاستخلاف المنهاجي.

ولعلّ أهمّ ما يمكن أن نثبته من نتائج في هذا المستوى من تحليل للمنظومة التجديديّة الإصلاحيّة لدى الأستاذ عبد السّلام ياسين يتمثّل في ما يلي:

  1. نقدُ الأستاذ عبد السّلام ياسين للعقل المعاشي/ الدّنيوي مؤسّس على اقتصار المدى التفكّري لهذا العقل على شؤون الدّنيا، وعلى دراسة الظواهر المحسوسة وعدم احتفاله بالبعد الغيبي/ الأخروي للكينونة البشريّة.
  2. إحياء دور العقل المؤمن ينبني على تفعيل إسهامه في تقديم تمثّل شامل واضح للكون في عالم الغيب والشّهادة، ويتأسّس على إقرار المسلّمات الدينيّة، وتأييد البحث العلمي والجهد الابتكاري للإنسان الرّامي إلى امتلاك العالم.
  3. ضرورة إعادة بناء العقل بالتحوّل من عقل معاشيّ محض أو عقل مزمن محض إلى عقل دنيوي/ إيماني، يهجس بسلطة العقل ونداء القلب، ويُوَظَّفُ لامتلاك الكون، والاستدلال على وجود الخالق.

ت‌-        الإصلاح السّياسي في نظريّة المنهاج  النّبوي:

السّياسة باعتبارها إدارة شؤون النّاس وتدبير أحوالهم اجتماعيّا واقتصاديّا ومدنيّا وفق خيارات إيديولوجيّة وبرامجيّة مخصوصة هي ركن مهمّ من أركان قيام الدّولة، فبحسب نمط الحكم وسياسة الحاكم يتحدّد إلى درجة كبيرة واقع المحكومين وانتظام معاشهم. والشّيخ عبد السّلام ياسين على دراية بأنّ المسلم الرّسالي هو مسلم فاعل في الشّأن السّياسي بالضّرورة. لذلك كان الشّيخ معنيّا بدراسة اتّجاهات تجربة الحكم في الواقع المجتمعي الإسلامي من اللّحظة المحمّديّة إلى حدّ السّاعة.

وتأسّست مقاربته للتّاريخ السّياسي الإسلامي على نظرة نقديّة موضوعيّة لممارسات السّياسة عند السّلف. وقد ميّز الرّجل في مؤلّفاته بين حقبتين الأولى تتمثّل في العصر النّبوي/ الرّاشدي الذي عرف قيام دولة الخلافة المنهاجيّة المؤسّسة على العدل والشّورى، واعتبار المسؤوليّة تكليفا لا تشريعا، والعمل بتعاليم كتاب الله وسنّة رسوله في إدارة الشّأن العامّ. والثّانية حقبة المُلك العضوض التي استمرّت من عهد بني أميّة إلى عصرنا الرّاهن، وغلب عليها الاستبداد والانفراد بالحكم، وإقصاء المخالفين، ومصادرة دولة الشّورى والعدل، وتركيز الدّولة الشموليّة، التي يحكمها الفرد، أو المـلك، أو الأسرة بحدّ السّيف أو على سبيل الوراثة بقوّة العصبيّة. وهي دولة ألغت حقوق النّاس، ووظّفت الدّين لاستتباع الرعيّة والتحكّم في راهنها ومستقبلها وفي طاقاتها ومقدّراتها وثرواتها، حتّى أصبح المجتمع ملحقا بالسّلطان وحاشيته وتُبّعه، خادما لمصلحتهم ومركّزا لنفوذهم وهيمنتهم، ممّا زاد في اتّساع الهوّة بين الحاكم والمحكوم، وضياع الحقوق واستشراء الفساد بمختلف أشكاله في مفاصل الدّولة، حتّى غدا المسلمون على هامش الحضارة الكونيّة، وأصبح الحاكم المستبدّ وآلته القمعيّة حاجزا دون انطلاق الأمّة وقيام صحوتها.

والملاحظ أنّ الأستاذ عبد السّلام ياسين لا يراجع تاريخ الأمّة من منظور التّمجيد أو من منطلق التّحامل، بل يتعاطى مع وقائع التاريخ على اختلافها من موقع الواصف المحلّل الذي يحاول الفهم، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، فهو لا يرى حرجا في نقد أخطاء السّلف قصد الوقوف عندها، والاعتبار منها، ولا يرى مندوحة من الإفادة من لحظات الازدهار السياسي للمسلمين في العصر النّبوي وفي الزّمن الرّاشدي إذ “كان خلفاء النبوّة عُدولاً  في الأموال (…) فقد أحيوا الدّين روحا وجسما، عدلا واقتصادا، دعوة وجهادا (…) وكان الخلفاء الرّاشدون رضي الله عنهم يتدافعون الخلافة ويحزنون خوف المسؤوليّة عند الله العزيز العليم. ولا جُرم أن تنبثق عن هذا التسامي الإيماني دولة قرآنيّة هي الامتداد الطّبيعي لحكم النبوّة، ونظام النبوّة، وجهاد النبوّة وأخلاق النبوّة”[23]، فالمرحلة التأسيسيّة للدّولة الإسلاميّة النّاشئة كانت مرتكزة على التّوجيه النّبوي، ومفيدة من تعاليم الدّين الإسلامي في لزوم العدل والتحلّي بالصّدق، والإحساس بالمسؤوليّة، ولم يكن تولّي الحكم وقتها طلبا لبهرج الكرسيّ، ولا رغبة في التسلّط والاستئثار بالثّروة، بل كان فعلا سياسيّا جللا، ومنجزا حضاريّا مسؤولا. لكنّ استمرار الحال من المحال، فتجربة الخلافة الرّاشدة واجهت عدّة تحدّيات في مقدّمتها اندلاع الفتنة الكبرى التي كادت تؤدّي إلى انخرام الاجتماع الإسلامي، وتشتّت الدّولة الوليدة فـ “لمّا قُتل عثمان وافترق الصّحابة بين قاعد عن عليّ كرّم الله وجهه وبين مناصر له ومظاهر له، وقع الصّدع الأخير في الأمّة، وساعدت ظروف الفتنة والحروب بين المسلمين على احتداد الخلاف واستفحاله”[24]، فعادت الخلافة مًلكا عاضّا و”أصبح النّظام بمثابة ربقة حول عنق الأمّة، لا هي استطاعت تحت قهر السّيف أن تتخلّص من الاستبداد، ولا استطاع أن يخلّصها منه أفاضل الملوك الذين يعبرون المجال، ويبقى النّظام بعدهم مستمرّا لا فكاك منه. وما حدث من ثورات، فإنّما استبدل أسرة بأسرة، وسلالة بسلالة، وعصبيّة بعصبيّة”[25].

وبناء عليه فإنّ الشّيخ عبد السّلام ياسين يعيد قراءة التاريخ السياسي الإسلامي من منطلق تحليليّ، يكشف بمقتضاه انتقال الحكم في بلاد المسلمين من خلافة عادلة إلى ملك عضوض، فبعد أن كان الحكم سبب انتظام الأمّة ولمّ شملها أصبح بعد المرحلة الراشدة مناط الخلاف ومدار التقاتل، فافترق المسلون شِيَعًا وأحزابا يكفّر بعضهم بعضا، وتدّعي كلّ فرقة أنّها الفرقة النّاجية، وأنّ غيرها على باطل، وترى نفسها الأجدر بالحكم. وتَجْلِيَةُ الستار عن تلك الحقبة المظلمة من تاريخ المسلمين السياسي أمر ضروريّ في تقدير الشّيخ لأنّ ذلك يسمح لنا بقراءة الماضي، والإفادة من زلاّت السّابقين وعثراتهم، وإعادة كتابة التّاريخ وفهم الواقع على نحو يمكّننا من التّجاوز الواعي للسّلف، والتّأسيس لغد أفضل “فلئن كان نبش الماضي للوقوف عنده، والتعرّض للصّحابة الكرام بالنّقد، وقد قُضي الأمر، ممّا لا يعني الشحيح بدينه، فإنّ رفع جانب من الستار بقدر ما لنتبيّن الأسباب التاريخيّة للانكسار المريع واجب، ولنتفهم منهاج إعادة الخلافة إن بقينا نُغطّي وجوهنا كلّما ذُكرت تلك الفترة العنيفة والدة كلّ ويلاتنا”[26].

ومن ثمّة فالشّيخ ليس من أنصار تقديس الماضي، أو القبول به جملة وتفصيلا، بل هو من دعاة إعادة قراءته وتمثّله من منظور نقديّ موضوعيّ، فمعرفة الذّات ونقد الأنا الحضاريّ مطلب ضروريّ يُراد بتحقيقه إمعان النّظر في المنجز السّياسي والعلمي للسّلف، والبحث في مدى مشروعيّة صراعهم على الحكم وحدود الإفادة منهم، والردّ عليهم. فالتّأسيس لمنهاج الخلافة النبويّة يقتضي في مقام أوّل مواجهة الماضي السّياسي للمسلمين بعين ثاقبة وبروح جريئة، تروم النّقد من أجل البناء، والفهم من أجل التّمكين للذّات في المشهد الحضاري الكوني اليوم وغدا. فمن المهمّ بمكان اليوم تجاوز العقل الأحادي الإقصائي الذي حكم المسلمين على مدى قرون، ومن المهمّ تحويل الاختلاف إلى تعدّد في الآراء يُخصب التّجربة المجتمعيّة والسياسيّة، ولا يؤدّي إلى التنابذ، والتنابز، والتّقاتل، فمن المفيد التّشريع لثقافة سياسيّة تعدّديّة تفهمّية، تستلهم من الإسلام روح الانفتاح، والإخاء، والتّسامح، تقرّ بأخطاء السّابقين، وتُنسّب أفعالهم، ولا ترقى بهم إلى درجة الملائكة، كما لا تنزل بهم إلى مستوى الكيانات المشيطنة باعتبار أنّ أفعالهم كانت نتاج ظروف تاريخيّة مخصوصة وثقافة سياسيّة مغلقة في بعض الأحيان أدّت إلى ترسيخ ملك عضوض بديلا عن خلافة تشاوريّة، يُفترض إحياؤها الآن وتفعيلها، بعد أن تمّ الانصراف بـ “الحكم الإسلامي من خلافة راشدة هادية مهديّة إلى مُلك عاضّ فملك جبري”[27].

ورفع القداسة عن الماضي في فكر الشّيخ عبد السّلام ياسين يشمل رفع القداسة عن الأشخاص والزّعامات والملوك الذين نصّبوا أنفسهم حماة للدّين والدّنيا، وادّعوا أنّهم ظلّ الله في الأرض، وصادروا حقوق النّاس، واستأثروا بالحكم في غير مشورة من العلماء أو تفويض من الأمّة. والحال أنّ “تاريخ المسلمين ما صنعه أشخاص منفردون مهما علت مرتبتهم كما يتصوّر القارئ العامّي للتّاريخ، إنّما صنعه ما هنالك من مصلحة أخرويّة جمعت الأمّة، فهي ترعى تلك المصلحة فيستقيم لها الأمر، ويكون وليّ أمرها الذي نصّبته واختارته مرآة تجلو وجه الأمّة، أو تهيمن المصالح الدّنيويّة، والغرض والشّهوة ويستكين العباد للظّلم، فيحكم السّيف (…)، وتوطأ كرامة الإنسان”[28].

وفي ذلك تشخيص من الأستاذ ياسين لواقع التّجربة السياسيّة في الاجتماع الإسلامي قديما وحديثا، فالرّجل أثبت أنّ الحكم عند العرب في صيرورة من الدّولة العادلة إلى الدّولة الجائرة، ومن الحكم التعدّدي إلى الحكم الأحادي، ومن الوحدة واتّحاد الصفّ إلى الفرقة المشهودة في عالم المسلمين اليوم. ويُحسب للشّيخ أنّه من أعلام المعارضين للاستبداد السّياسي والانفراد بالسّلطة، ومن عتاة المكابدين في سبيل إرساء دولة إسلاميّة خادمة للمواطن، رقيبة على السّلطان، نصيرة للمظلوم، مقيمة للعدل، حاكمة بالقسطاس.

وقد كان الشّيخ صريحا في نقد أشكال الاستيلاء على السّلطة بدافـع العصبيّة أو الـوراثـة أو الانقلاب العسكري وبحجّة البيعة الإكراهيّة، في ذلك يقول: “مازالت بدعة الوراثة تسير في طريقها الطبيعي حتّى تطوّرت إلى اللّعب السّافر بالأمّة، تريد الأسرة الحاكمة، والعصبيّة الجاثمة، والنّظام المتسلّط أن تُحافظ على مصلحتها وبقائها، فينصّب الحاكم ابنه أو واحدا من قرابته وليّا لعهده، ويعطون لهذه الولاية الفاجرة صفة شرعيّة، عندما يكرهون النّاس على بيعة الوارث… وهي في الحقيقة بيع للدّين، لا بيعة يقرّها الدّين. نُصّب الصّبيان سادة على رؤوس الأمّة. بل بويع حتّى لمن لم يولد. وهكذا فسدت أداة الحكم، وشوّهت السّلطة، وعُبدت الأصنام الوراثيّة، وعبث الغلمان وعُبث بهم فذلك هلاك الأمّة”[29]. وفي هذا الخطاب سخرية فاضحة، تعتريها مرارة معبّرة مردّها ما آل إليه واقع العلاقة بين الحاكم والمحكوم في العالم الإسلامي، فقد غدا استمرار الاستبداد، وانفراد الفرد أو الأسرة بالحكم عادة في السّلوك السياسي للمسلمين ترسّخت على مدى قرون. وبلغ الأمر بالملوك درجة التصرّف في الأمصار على أنّها مزارعهم الخاصّة، ودرجة التحكّم في رقاب النّاس وفي مصيرهم، وكبت أفواههم، وإجبارهم على إعلان الولاء، وإشهاد العالم على النّفس للزوم الطّاعة، وإلاّ كانت نهاية كلّ معارض للصنميّة الملكيّة أو السلطانيّة أو الرّئاسيّة أو العسكريّة المعاصرة الموت أو النّفي أو السّجن أو التّشريد، أو المتابعة والمراقبة، والمحاصرة وقطع أسباب الرّزق والعيش الكريم.

لقد فضح الأستاذ عبد السلام ياسين الصنميّة الزّعاميّة لدى حكّام العرب والمسلمين، وبيّن تهافت عروش الدّيكتاتوريّة، وكان من أعلام الدّاعين إلى تحرير الإنسان العربي والمسلم  ليملك قراره السياسي، ويرسم مصيره الحضاري في غير وصاية أو رقابة أو إكراه.

وكان الرّجل واعيا بأنّ أسباب الانحطاط السياسي المشهود في بلاد المسلمين تتمثّل أساسا في:

  • الانحراف عن المنهاج النّبوي في الحكم، والقائم أساسا على الشّورى والعدالة والصّدق، واعتبار المسؤوليّة تكليفا لا تشريعا.
  • توظيف الدّين لخدمة المصلحة السياسيّة للحاكم، وإضفاء الشرعيّة عليه، وذلك عبر إلزام النّاس بالبيعة الإكراهيّة للسّلطان.
  • “فصل الدّين عن السياسة [الذي] كان [يراد] به في الحقيقة إخضاع الدّين للسّياسة واستغلال تقوى المتّقين لتطويقهم ببيعة الإكراه. ولمّا كانت الفتن المذهبيّة داء مقيما في تاريخنا، وكان الخوف من ضياع الدّين وسط تلك الصّراعات يسيطر على العقول، فقد أصبح قبول ربقة البيعة الإكراهيّة أصلا يوصي به المشايخ تلامذتهم”[30].
  • الطّاعة للسّلطان الجائر والسّكوت على ظلمه فقد “سادت بعد طول العسف والقهر روحُ الطّاعة الخانعة للسّيف”[31].
  • التحوّل من البيعة الاختياريّة التعاقديّة المشروطة للحاكم إلى البيعة الإكراهيّة الملزمة للمحكوم، والمتغاضية عن واجبات السّلطان وحدود صلاحياته، فـ “بعد أن كانت البيعة في عهد الخلافة الرّاشدة عقدا اختياريّا (…) يُعطي الإمام حقّ السّمع والطّاعة بشروط، أصبحت البيعة اسما للانقياد بلا قيد أو شرط، وألحقت أحكام المبايعة وشؤون الإمامة بكتب الفقه كأنّها فروع لا خطر لها، بينما هيمن على تاريخ الأمّة “دين الانقياد”[32].
  • استقرار الخوف في نفوس النّاس، وخوفهم من مواجهة الآلة القامعة للزّمرة الحاكمة.
  • تفرّق المسلمين شيعا وأحزابا ممّا أسهم في تشتيت جهودهم، وتعطيل وحدتهم في مواجهة السّلطان الجائر.
  • حقب الاستعمار الإفرنجي والغزو الصّليبي التي ساهمت في تركيز المسلمين على مواجهة الخطر الخارجي بدل الالتفات للإطاحة بالحكّام المفسدين في الدّاخل.
  • عدم نقد السّيرة السياسيّة للسّلف، والاستمرار في الدّفاع عن مسلّمات مذهبيّة ضيّقة، والتّمترس خلف أحكام تمجيديّة وأخرى تهجينيّة من ماضي المسلمين في غير تمحيص علمي أو تدقيق منهجي.

وبذلك فقد قدّم الشّيخ عبد السّلام ياسين تشخيصا موضوعيّا، يكاد يكون شاملا لكلّ جوانب الأزمة السياسيّة داخل الاجتماع الإسلامي، فقد فكّك شخصيّة الحاكم المستبدّ، وبيّن تهافت حجّته وفساد سلطته وعدم شرعيّته. وبيّن أسباب استمراره وبقائه جاثما على صدور المسلمين، ممسكا بأزمّة واقعهم ومنافذ مصيرهم، مبرزا خطورة الانحراف التّاريخي الذي عرفه مفهوم الخلافة عند المسلمين وصيرورته إلى ملك عضوض قوامه البيعة الإكراهيّة والحكم بحدّ السّيف، مبيّنا في الوقت نفسه نسبيّة المنجز السّياسي وضرورة مراجعته، وإعادة قراءته تأسيسا لعصر حكمي جديد أهمّ معالمه ما يلي:

  • إعادة الاعتبار لدولة الخلافة على النّموذج النّبوي/ الرّاشدي.
  • تأسيس دولة إسلاميّة عادلة.
  • التّمكين للمسلمين في المجال السّياسي بمنحهم الحقّ في اختيار من يتولّى أمور حكمهم عملا بمبدأ الشّورى الذي نصّ عليه القرآن، وعمل به النبيّ والخلفاء الرّاشدون من بعده.
  • اعتبار الحكم مسؤوليّة قوامها التّكليف لا التّشريف، وأساسها الاستحقاق لا التفضّل.
  • اعتماد الصّيغة التعاقديّة الاختياريّة للحاكم لا البيعة الإكراهيّة.
  • إلزام الحاكم بعدد من الواجبات وتحديد صلاحياته ومجالات نشاطه، وشروط استمراره في الحكم من عدمه.

وهذه المعطيات جميعا تروم تحرير الإرادة السياسيّة للإنسان مطلقا والمسلم خاصّة، والتّمكين له في المشهد المجتمعي المدني داخل الأمّة الإسلاميّة باعتبارها فاعلا حضاريّا يساهم في تشكيل واقعه السّياسي المعيش، ويرسم معالم مستقبله وأفراد أمّته في القادم من السّنين. وهذا الفعل التّحريري لا يكون إلاّ بامتلاك القدرة على اتّخاذ القرار وعلى التخلّص من هيمنة السّلطان المستبدّ، وهو مطلب عزيز أكّد الشّيخ ياسين على ضرورته في الآن والهنا، فكان سبّاقا في دعوة العرب والمسلمين إلى الثورة على حكّامهم المستبدّين الطّغاة، وتمّت ترجمة ذلك في ثورات الرّبيع العربي فـ “لا عصمة من الشرّ إلاّ بمقاومته (…) ولا يقهر السّيف إلاّ السّيف متى فشلت الوسائل السّلميّة والقوْمات الجماهيريّة”[33] على حدّ قول الأستاذ عبد السّلام ياسين. وبذلك فالرّجل ينظّر للإطاحة بالسّلطان الظالم لإقامة الحكم العادل، ويؤسّس للتّغير الجذري تحقيقا لمطلب الخلافة المنهاجيّة على الطّريقة النبويّة، إذ ما الفائدة من إصلاح يُديره المفسدون، ويشرف عليه عتاة المحتالين، فـ “إذا كانت مفاسد القهر، والظّلم والاستبداد والانحلال الخلقي ناشئة عن الملك لازمة لهن فكيف ننتظر أن يصبح الفساد صلاحا؟”[34].

بناء على ما تقدّم يمكن أن نخلص إلى أنّ زعيم جماعة العدل والإحسان قد أسّس لمقاربة أخلاقيّة للشّأن السّياسي في البلاد الإسلاميّة أهمّ ملامحها:

  • إعادة قراءة التاريخ الإسلامي، وتبيّن مواضع الانكسار، وأسباب الانحطاط وسبل الصّحوة.
  • رفع القداسة عن الأشخاص، وتنسيب أفعالهم، واعتبار مجد الأمّة محقّقا بانتهاجها النّهج النّبوي، والتوجيه القرآني في إدارة شؤون الحكم.
  • التّأسيس لدولة إسلاميّة تشاوريّة تعاقديّة عادلة تحدّد واجب الحاكم وصلاحيّاته،
  • إشراك المسلمين في رسم معالم دولتهم واختيار من يحكمهم.
  • ضرورة تنحّي الحكّام الطّغاة أو عزلهم ومقاومتهم بشتّى السّبل الممكنة حتّى يُرفع عن ديار المسلمين شبح الاستبداد وداء الدّيكتاتوريّة البغيضة.
  • فرض رقابة على الحاكم وتكليفه بمسؤوليّة القيادة وفق شروط معلومة، ومتّفق عليها بين جموع المسلمين.
  • تحرير الفعل السّياسي داخل الاجتماع الإسلامي، والتّشريع للتعدّدية بدل الأحادية.

 

استنتاجات عامّة

يمكن أن نخلص من خلال نظرنا في ملامح الإصلاح التّربوي والفكري والسّياسي في نظريّة المنهاج النّبوي إلى إثبات النّتائج التّالية:

  • تستمدّ نظريّة المنهاج النّبوي أصولها من القرآن والسنّة باعتبارهما مرجعا تأسيسيّا للإبيستيميّة الإسلاميّة وللاجتماع الإسلامي.
  • تعيد نظريّة المنهاج النّبوي العلاقة المباشرة بين المسلم والفضاء المحمّدي، وبينه وبين النصّ القرآني بطريقة يكون معها النصّ التّأسيسي قرآنا وسنّة نصّا عابرا للزّمان، فاعلا في الآن والهنا، ويكون معها المسلم قادرا على فهم منطوق كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم في غير وصاية من  السّلف أو رقابة من أعلام التّقليد.
  • جدّ الشّيخ عبد السّلام ياسين في بيان إجرائيّة المنهاج النّبوي في تشكيل شخصيّة المسلم وتربيته على نحو يهيّئه للإبداع الفكري والفعل السّياسي.
  • بدا إصلاح الإنسان وبناء المجتمع المسلم، وتشييد معالم الخلافة المنهاجيّة الإسلاميّة غاية نظريّة المنهاج النّبوي وحافزها الأساسي.
  • جمعت نظريّة المنهاج النّبوي بين الواقعيّة والشموليّة من جهة قيامها على قراءة تشخيصيّة/ تفكيكيّة للواقع والعمل على مقاربته من كلّ جوانبه نقدا للموجود، وتأسيسا للمنشود تربويّا، وفكريّا وسياسيّا.
  • قام المنهاج على أصالة المرجع، وجدّية التوجّه وجدّة المسار الإصلاحي، فالأصول نبويّة قرآنيّة، والمنهج جادّ في تشخيص الواقع والحرص على تغييره، أمّا الإصلاح ففعل تجديديّ متّصل ومؤكّد، وهو غاية التّصنيف ومطلبه الأبرز في فكر الشّيخ عبد السّلام ياسين باعتبار أنّ المراد إصلاح شأن الأمّة، وتحقيق الصّحوة الحضاريّة المنشودة.

 

توصيات إلى المؤتمر

أقترح على اللّجنة العلميّة واللّجنة التنظيميّة ما يلي:

  1. نشر أعمال المؤتمر في كتاب وعلى موقع ويب بالشبكة.
  2. عقد المؤتمر القادم تحت عنوان: الفكر الإصلاحي لدى عبد السّلام ياسين.
  3. تشكيل هيئة علميّة وتنظيميّة منبثقة من هذا المؤتمر، وتتكوّن من باحثين وعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وتتولّى الإعداد للمؤتمر القادم.
  4. بعث مركز للدّراسات والتّجديد الدّيني يحمل اسم الأستاذ عبد السّلام ياسين، وتكون له فروع في بلدان عربيّة وإسلاميّة مختلفة.
  5. عقد ملتقى يجمع بين الباحثين وزعماء الحركات الإسلامية في العالم العربي وفي مقدّمتهم الأستاذ عبد السّلام ياسين.
  6. تكوين لجنة تُعنى بمراقبة تنفيذ توصيات هذا المؤتمر وذلك حتّى لا تظلّ مجرّد حبر على ورق كما هو شأن أغلب المؤتمرات الثقافيّة والسياسيّة العربيّة.

 

قائمة المصادر

  • القرآن الكريم، رواية حفص بالرّسم العثماني، بيروت، دار الجيل، ط 2، د.ت.
  • ابن منظور (جمال الدّين)، لسان العرب، تحقيق يوسف البقاعي – إبراهيم شمس الدّين- نضال علي، بيروت، مؤسّسة الأعلمي للطباعة والنّشر، ط 1، 2005- 1426 هـ.
  • بن الحجاج (مسلم)، صحيح مسلم، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، ط 1، دار إحياء الكتب العربيّة، عيسى البابي الحلبي وشركاه.
  • الترمذي: صحيح سنن الترمذي، إشراف محمّد ناصر الدّين الألباني، تحقيق زهير الشاويش، ط 1، مكتب التربية العربي لدول الخليج العربي، 1408 هـ.
  • ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلاميّة، ط 2، 1997.
  • ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، دار الآفاق. ط 1، 2001.

 

 

 

 

 

 

 

[1] – ابن منظور (جمال الدّين)، لسان العرب، مادّة (نهج)، تحقيق يوسف البقاعي – إبراهيم شمس الدّين- نضال علي، بيروت، مؤسّسة الأعلمي للطباعة والنّشر، ط 1، 2005- 1426 هـ.

[2] – ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلاميّة، ط 2، 1997، ص 35.

[3] – ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم…، ص 20.

[4] ياسين، عبد السلام ” مقدمات في المنهاج” ص 25

[5] – ورد في صحيح الترمذي: “قلت يا رسول الله حدّثني بأمر أعتصم به. قال قل ربّي الله ثمّ استقم”. الرّاوي: سفيان بن عبد الله الثّقفي- صحيح سنن التّرمذي، إشراف محمّد ناصر الدّين الألباني، تحقيق زهير الشاويش، ط 1، مكتب التربية العربي لدول الخليج العربي، 1408 هـ، رقم 2410.

[6] – رواه أبو هريرة- مسلم بنم الحجاج القشيري النيسابوري. صحيح مسلم، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، ط 1، دار إحياء الكتب العربيّة، عيسى البابي الحلبي وشركاه، ص 35.

[7] – ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص 52.

[8] – نفسه، ص 32.

[9] – ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص 33.

[10] – نفسه.

[11] – نفسه، ص 34.

[12] – ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص 6.

[13] – نفسه ص 9.

[14] – نفسه.

[15] – نفسه، ص ص 10- 11.

[16] – ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص 6.

[17] – نفسه.

[18] – نفسه، ص 19.

[19] – نفسه، ص 10- 11.

[20] – نفسه، ص 10.

[21] – ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص 10.

[22] – نفسه.

[23] – ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، ص 11.

[24] –  نفسه، ص 46.

[25] – نفسه، ص 59.

[26] – نفسه، ص 10.

[27] – نفسه، ص 5.

[28] – نفسه. ص 18-19.

[29] – ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، ص 71.

[30] -نفسه،  ص 61.

[31] – ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، ص62.

[32] – ص 63.

[33] – ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، ص 66.

[34] – ص 81.