مركزية القرآن في تفكيك بنية الاستبداد عند الأستاذ عبد السلام ياسين

0 354

د. فرهاد إبراهيم أكبر الشواني/جامعة صلاح الدين- العراق

Farhad976@yahoo.com

 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدِّين، أما بعد:

فإن الإسلام كمنهج إلهي مستمد تعاليمه من خالق ارتضى لعباده أن لا يتركهم بعد الخلقة في اضطراب من الأمر، وحيرة في المعيشة، وضياع للهدف الذي وجدوا من أجله وهو عمارة الأرض على الطاعة، والقيام بالمصالح الذاتية، فضلاً عن الحفاظ على حاجات المجتمع بصورة تناسب الإطار العام للوجود الإنساني الذي لا يستغني أفراده عن البعض في قالب التآلف، والتعاون على الخير، وما فيه صلاح للجميع، وهذه الحقيقة لا تتحقق بمجرد الاجتماع والتوحد على تلبية ما مضى من المتطلبات، بل هو في أشد احتياج لقيادة حكيمة، وإمامة رشيدة تترأس تلك الجماعة، فتمضي بها قدماً نحو الكمال الذي رسمته الشريعة، وأرادته لبني البشر، وأن الحفاظ على تلك الرئاسة يكون بوجوب السمع والطاعة لها وفق ما أمر به الباري جل وعلا بقوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا”(النساء: 59).

فإذا قام الإمام بمهمته، وأدى ما عليه من حقوق وواجبات تجاه رعيته بما يوافق الشرع، فقد وجب  له عليهم حقان: الطاعة، والنصرة ما لم يتغير حاله، فإن تخلف في واجبه، أو قصر في أداء حقوقهم تلبس في الظلم، فإن تمادى في ذلك، بأن صار سبباً لفتنتهم، وإشاعة الفاحشة بينهم، وجرِّهم إلى المعاصي، لم يبق ذلك الحق على الأمة، كما أخبر بذلك النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله: “السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَة”[1].

ومن يتتبع أحوال الشعوب ولاسيما المسلمة منها ليلتمس الواقع المؤلم، والحال المرير التي تمرُّ بها، فالبؤس داهمها، والجوع أفتك بها، والفرقة مزقتها، والضعف والهوان خيمّ عليها، وسبب ذلك فساد ولاة الأمور لما أقبلوا على الدنيا الفانية وحرصوا على التمسك بالسلطة، والتربع على العرش، واحتكار مقاليد الحكم للأهل والعشيرة، فحملوا لواء البلاد فوق جثث رعيتهم، وتغنوا بالمجد وهم في أحضان الخنا والموبقات مستندين على أكتاف اليهود والصليبيين يأتمرون بأمرهم، ويستنون بسنتهم، فضلوا وأضلوا.

ولمّا كانت الأنظمة الاستبدادية هذه لها الدور في إضلال الناس وجرِّهم إلى الفواحش والمنكرات ارتأيت أن أستعرض في هذا البحث منهج القرآن الكريم[2] في بيان دور تلك الأنظمة في إضلال الرعية والتقصير بحق شعوبها، ومحاولاً إبراز الأساليب التي ينتهجها الرؤساء في دفع الناس إلى هاوية الحضيض، ثم محاولة بيان مركزية القرآن في تفكيك بنية الاستبداد في ضوء ما ورد من أفكار استعرضها الشيخ عبد السلام ياسين في معالجة الأزمة الخطيرة التي تمر بها الأمة الإسلامية جرّاء السياسات الاستبدادية والقمعية التي يعتمدها الحكام في استضعاف الشعوب واستعباد أهلها والنهش من كرامتها، ولاسيّما أنني قد التمست عند النظر في مؤلفات الشيخ وتاريخ حياته أنه قد مرّ بمصاعب كثيرة، وتعرض لابتلاءات شديدة من سجن واضطهاد وجوع وقرح في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى وتحرير المسلمين من براثن الولاة والحكام الظالمين.

ومما يجدر الإشارة إليه في الحقيقة أنني قبل الإعلان عن انعقاد مثل هذا المؤتمر عن منهج هذا الشيخ الفاضل لم أكن مطلعاً على مؤلفاته لعدم تواجدها في كُردستان العراق، وبعد النظر في مكتبة سراج الإلكترونية أدهشتني الأفكار التي استعرضها هذا الشيخ الجليل في جميع الموضوعات التي كتب فيها، وأكثرُ من ذلك فإن أقواله تدلُّ على عمق إيمانه ويقينه بهذا الدين، وحرصه على دعوة الناس إليه وجعله منهاجاً للسلوك، ومعياراً للنهوض بالأمة الإسلامية نحو مواكبة الحضارات على أساس من الوحي قرآناً وسنة.

ولقد اقتضى مضمون البحث تقسيمه إلى مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة استعرضت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها.

أما المبحث الأول فقد خصصته لتعريف الاستبداد، وأما المبحث الثاني فقد أفردته للحديث عن الأساليب التي تعتمدها الأنظمة الاستبدادية في إضلال الرعية في القرآن الكريم من خلال فكر الشيخ عبد السلام ياسين، وأما المبحث الثالث فقد تحدثت عن مركزية القرآن في تفكيك بنية الاستبداد عند الأستاذ عبد السلام ياسين وختاماً أسأل الله تعالى أن يثيب القائمين على هذا المؤتمر سعادة الدارين، وأن يجزيهم خير الجزاء، وأن يجعلهم أئمة يضيئون للناس سبل الهداية، كما لا أنسى أن أرجو من المولى القدير أن يبارك في عُمرِ الشيخ عبد السلام ياسين وأن يحفظه من مكر المعتدين، وكيد المفسدين، آمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

المبحث الأول: تعريف الاستبداد

أولاً: تعريف الاستبداد في اللغة

الاستبداد لغة الإنفراد بالأمر من غير مشارك له فيه، وأصله مشتق من بَدَدَ، ومنه التبديدُ بمعنى التفريق، يقال: شَملٌ مُبَدَّد، وبَدَّد الشيءَ فتَبَدَّدَ فرّقه فتفرّق، وتبدّد القوم إِذا تفرّقوا وتبدّد الشيءُ تفرّق[3].

ثانياً: تعريف الاستبداد في الاصطلاح

الاستبداد وصف ينعت به كل من يستبدُّ بحكمه، ويستقلُّ برأيه منفرداً بالأمور من غير الرجوع إلى آراء الآخرين، وفي هذا النوع من التصرف الذي يعلوه الكبر والعجب بالنفس يؤدي إلى تبديد شمل الرعية وتفريق أمرهم وهذا مما لاشك فيه يجعل مناط الحكم قائماً على الظلم والجور.

وبهذه الصفة توصف الأنظمة الحاكمة الظالمة المتسلطة بقوة نفوذها وجبروتها في إدارة الناس والبلاد.

ولقد أشار الأستاذ عبد السلام ياسين إلى صفتين أساسيتين تميزت بها الأنظمة الاستبدادية وهي كالآتي:

1- إنها أنظمة متسلطة عضوضة، فيقول: “إن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) سمَّى النظام التسلطي غير الشوري ملكاً عاضاً، وبذلك جرَّحهُ بلغته العفيفة المُنيفة ليزيل عن أعيننا غشاوة التضليل والتزوير الذي سماه خلافة” [4]، ويقول أيضا: “إن فسادَ النظام من أساسه لا يمكن أن يغيب عن العاقل بظهور أفراد صالحين من الملوك والأُمراء، فتلك استثناآت من القاعدة، ويكفي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سماه ملكا عاضاً أو عضوضاً بصيغة المبالغة، وهل العض من صفات الحمد أو من صفات الحيوانية؟ “[5]، ويقول: “أصبحت الأمة سجينة نظام الملكية، وأصبح السجان سجينا، وذلك من طبـيعة العض كما جاء في لفظ النبوة، كان القهر والاستبداد قد أديا إلى موت كل شهامة وكل إرادة حرة في الأمة، فصارت “الرعية” مجموعةَ يتامى تحت وصاية حاشية البلاط وسيفها”[6].

2- إنها أنظمة همًُها الدنيا واقتناء ثرواتها والتربُّع على العرش أبدَ الدهر، يقول الأستاذ ياسين: “الدراهم الخسيسة، وشراء الضمائر، واستغلال النفوذ، من لوازم الأنظمة الفاسدة”[7]، ويقول: “ومازالت بدعة الوراثة تسير في طريقها الطبـيعي حتى تطورت إلى اللعب السافر بالأمة، تريد الأُسرة الحاكمة، العصبـية الجاثمة، والنظام المتسلط، أن تحافظ على مصلحتها وبقائها، فينصِب الحاكمُ ابنه، أو واحداً من قرابته، وليا لعهده، ويعطون لهذه الوِلاية الفاجرةِ صِبغةً شرعية عندما يُكرهون الناس على بـيعة الوارث، وهي في الحقيقة بَـيْعٌ للدين، لا بَـيْعة يُقرها الدين، نُصِبَ الصبـيانُ سادةً على رؤوس الأمة، بل بويع حتى لمن لم يولد، وهكذا فسدت أداةُ الحكم، وشُوِّهَتِ السلطة، وعُبِدت الأصنامُ الوراثية. وعَبث الغلمان، وعُبِث بهم. فذلك هلاك الأمة كما أخبر الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم)”[8].

 

 

المبحث الثاني:

أساليب الأنظمة الاستبدادية لإضلال الرعية

في المنظور القرآني من خلال فكر الأستاذ ياسين

إن المتدبر للقرآن الكريم يجد أن الله تعالى قد تحدث عن حال العصاة من الأمم والأقوام الغابرة التي انحرفت عن هدي الرسل، وأشار إلى جملة من الأسباب التي جعلتهم يتلقون الأنبياء بالإعراض والعصيان، ومن ضمنها اتّباع ما يمليه عليهم ملوكهم ورؤساؤهم وساداتهم وكبراؤهم، قال تعالى مخبراً عن حال أهل النار: “يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ” (الأحزاب: 66-67).

قال الشوكاني: ” والمراد بالسادة والكبراء، هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا ويقتدون بهم، وفي هذا زجر عن التقليد شديد، وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا، والتحذير منه، والتنفير عنه، ولكن لمن يفهم معنى كلام الله، ويقتدي به، وينصف من نفسه، لا لمن هو من جنس الأنعام في سوء الفهم، ومزيد البلادة، وشدة التعصب”[9].

وقد يعلم الإنسان أن صلاح معاشه، وسعادة معاده، يكون من خلال الامتثال لأمر الله تعالى، فيتطلع لأن يحقق هذا المقصود جهد إمكانه، ولكن سرعان ما يتعثر بعوائق تبطئه، أو تحجزه عن ذلك، ومن ضمنها قسوة ذوي السلطة والإمارة الذين لا يرقبون في المؤمنين إلاّ ولا ذمة، وإنما غايتهم بسط نفوذهم، ومدّ جذور الفساد في المجتمع، قال تعالى: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُون”(الأنعام: 123)، وخص الأكابر وهم الرؤساء؛ لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم[10]، ومثله قوله تعالى: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”(الإسراء: 16).

يقول الشيخ عبد السلام بصدد هذه الآية: “والترف مذموم في القرآن لأن الترف قرين الاستكبار والكفر والصد عن سبـيل الله…، نظام الملك هو البيئة التي يولد فيها الترف ويزدهر، وظهوره وازدهاره ثمرةُ تلاقُحٍ بين استغلال النفوذ، واحتجان الأموال بالباطل، الترف زهرة مزابل الفساد السياسي الاقتصادي، فهو تركيب نفسي مواكب لحركة الاقتصاد والسياسة والاجتماع”[11].

ويقول في موضع آخر: ” فسق المترفين استكبار في الأرض وصد عن سبيل الله، واحتواش لأموال المسلمين، وتحالف طبقي فظيع”[12].

والمترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال، ويجدون الخدم والراحة، فينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة، حتى تترهل نفوسهم وتأسن، وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات، وتلغ في الأعراض والحرمات، وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فساداً، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلاّ بها ولها، ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها، وأسباب بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها[13].

وقد أخبر الله تعالى عن مجموعة من الأساليب والطرق التي يسلكها الرؤساء وأئمة الظلم في إشاعة الفساد، ونشر الباطل، فباتت من أخبار الماضي الحاضر الذي يستخدمه الطغاة في كل عصر بغية إضلال العوام من الرعية تكاد تكون مألوفة، فضلاً عن ابتكار وسائل أخرى يبغون من خلالها استعباد الشعوب، وسلب كرامتها.

والأساليب التي ينتهجها الرؤساء وأئمة الظلم في جر الأمم إلى الفسق والمجون كثيرة ذكرها القرآن الكريم، وقد أشار إليها الشيخ عبد السلام ياسين في مصنفاته، وتتمثل فيما يأتي:

أولاً: إشاعة الفقر بين الناس، واستخدام سياسة التجويع، حتى يتسنى لهم السيطرة عليهم، وبالتالي إخضاعهم لرغباتهم وشهواتهم، فيملون على الأمة ما يقوي سلطتهم، ويجبرونها على الانصياع لكل ما يبغون.

ولخطورة الفقر على الإنسان نجد أن النبي(صلى الله عليه وسلم)كثيراً ما كان يدعو ربه ملتجأً: “اللهم إني أَعُوذُ بِكَ من الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ”[14].

يقول الشيخ عبد السلام: ” الفقر والكفر توأمان متلازمان، الرأسمالية العالمية تفقر بلاد المسلمين بنهب خيراتها، واستقطاب أموالها، تبيع السفهاء منا آلات اللهو، ووسائل المتعة، والمصانع التي يتطاول بها حكام الجبر من أجل الفخفخة، وتفقر أنظمة الجبر أدمغتنا بإعلامها الملون المبهرج، الساري المتحكم في كل مجالات حياتنا، فإذا أدمغتنا المغزوة، المفقرة لا تستطيع الكشف عن أسباب نشوء طبقية يتجاورُ فيها البذخ الفاجر مع البؤس الأسود، الخمور المعتقة معروضة على السفهاء، والقمح الأمريكي يمن به شيطان الجاهلية علينا معشر المحاويج في بلاد المسلمين الخصبة التي لا تطعم سكانها.لماذا لا تطعم سكانها ؟هناك فقر وهناك كفر، وابحث عن الكفر كلما رأيت فقرا، وانتظر الفقر كلما رأيت كفرا، ويفقر الاستكبار الرأسمالي، بعد الأرض والجيوب والأدمغة، الرجولة والشهامة، وإرادة التحرر ونية الجهاد، يميت هذه المعاني السامية حين يمسخ شخصيتنا، ويميع أخلاقنا، ويغرق أسواقنا البضائعية والفكرية بسلعه الاستهلاكية وقيمه البهائمية. تستكبر فينا طبقة حليفة للشيطان”[15].

وبعبارة أخرى وضّح فيها الشيخ عبد السلام بأن الفقر مقترن بالكفر، لكونه يدفع الإنسان إلى التهاون في اقتراف المحرمات، وارتكاب مجموعة من الأفعال القبيحة التي تؤول إلى فساد المجتمع في حال غياب الإيمان أو ضعفه، فالواقع المؤلم يحكي لنا قصصاً مؤسفة تدمع لها القلوب والأبصار وذلك عندما باتت المرأة العفيفة، والوالدة الشريفة في أحضان الخنا تبيع طهارتها من أجل كسب القوت للعيال بعدما هتك الفقر بأسرتها، وكم من شاب فقير لم يملك المال لأن يحصن نفسه بالزواج فوقع في الحرام.

يقول الشيخ: ” في المجتمعات المعكوسة المنكوسة يُسَهَّل الزنى ويشجع، وتُغَنِّى بِحُدائِهِ وسائلُ الإعلام الرسمي، ويُتغالى في المهور والتكاليف والشروط على الخاطب، فأي إفساد هذا! وليس هذا بأصغر العوامل في تفشي الزنى، ولعله بعد عامل الفقر والبؤس الذي يدفع بنات الناس للشارع يلتمسن لعائلتهن الرزق بكل وسيلة يجيء في مرتبة مع النماذج الانحلالية في وسائل الإعلام ” [16].

هذا وينتقد الشيخ عبد السلام تلك السياسات الاستبدادية التجويعية التي تدعي تأمين الرفاهية لرعيتها وما هي إلاّ أوهام وأهازيج ينقضها الواقع المتردي الذي وصل إليه المستضعفون، فيقول: “كاد الفقر أن يكون كفراً”[17] كما قال الإمام علي (كرم الله وجهه)، والفقر والظلم كفران، يكادان يعاني منهما المستضعفون في الأرض، وجمهورُهم من المسلمين، ويرزَحون تحت نيرِهما، ويحِنّون إلى التحرر منهما. هات لي حرية، أية حرية عملية، لا تطعمني آمالا ومبادئ مثالية! هات لي عدل الخبز اليومي، عدل العمل، عدل الأجر على العمل، وعدلا ينقذ طفلي المريض، وعدلا يعطيني سكنا أخرج من كوخ البؤس! هات لي حرية الكرامة وعدل الكفاية! ثم اسألني بعد ذلك ما شئت”[18].

والفقر يؤدي إلى الجزع على الدنيا، والخوف على فوات النصيب منها، مما يدفع إلى الصراع من أجلها، وسفك الدماء، وارتفاع معدلات الجريمة، فضلاً عن ذلك أن الفقر هو الذي يدفع بالإنسان لأن يقدم على قتل ولده، قال تعالى: “وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيرًا” (الإسراء: 31).

يقول الشيخ: ” كانت العرب في جاهليتها شديدة الغيرة على النساء، وكانت النساء عفيفـات يخشين ما يخدش شرفهن كما يخشين الموت، واشتط رجال بعض القبائل في الخوف من العار والفقر فوَأدوا المرأة رضيعة قبل أن يغير عليها مغير فتسبى فتذل، الموت ولا الذل”[19].

ويقول في موضع آخر: ” أما مذهب تحديد النسل فلا مكان لذكره، حتى التلفظ به. وحرمته واضحة قبل الشاهد كما يعبر الشاطبي، قال الله عز وجل: “ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا”، وإنما يدعو من يدعو لتحديد النسل مخافة أن يموت المخلوقات جوعا، وإنه لابتلاء من الله عز وجل لقدرتنا على الكسب، وعلى تطويع الاقتصاد لئلا ينتج مادة الترف بل مادة الحياة الأساسية، واسمعوا يا مؤمنين منادي القدرة الإلهية ينادي على رؤوسكم: “نحنُ نرزقهم وإياكم”، فاتخذوا الأسباب، أنتم مرزوقون مثلهم، فاجعلوا من رزقكم أن تكسبوا وتنتجوا، لا مجال في الإسلام أن يتخذ تحديد النسل مذهبا، والاجتهاد لكسب قوت العيال عبادة، والله عز وجل يرزقنا وإياهم، وهو الرزاق ذو القوة المتين”[20].

وما يؤيد أن الفقر هو سبب وراء أكل الحرام، والوقوع في المحظور، ما روي عن أبي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قال: “قال رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا في يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ على زَانِيَةٍ، قال: اللهم لك الْحَمْدُ على زَانِيَةٍ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا في يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ على غَنِيٍّ، قال: اللهم لك الْحَمْدُ على غَنِيٍّ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا في يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ على سَارِقٍ، فقال: اللهم لك الْحَمْدُ على زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ، فَأُتِيَ فَقِيلَ له: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بها عن زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ الله، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بها عن سَرِقَتِهِ”[21].

وعن عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها) قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “إِنَّ الرَّجُلَ إذا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ”[22].

ثانياً: الشروع إلى سَنِّ القوانين المخالفة لمنهج لله تعالى، وإلزام الناس بها مما يساهم في انتشار الفاحشة بينهم، ومن أمثلة ذلك:

1- إلغاء مسألة تعدد الزوجات، أو ضبطها بشروط وضوابط غير شرعية يتعسر معها على الرجل أن يتزوج.

يقول الشيخ عبد السلام: “يحاول الآن رجال الغرب أن يُصدروا إلينا بضاعة التملص من الدين مغلفة بغلاف براق اسمه الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبداخل الحزمة اللاييكية وطرد الدين من الساحة، وتحاول نسوة الغرب أن يصدرن إلى نسائنا بضاعة الانحلال والإباحية مغلقة في أستار المساواة في الأجور، والانعتاق من وصاية الذكور، ومنع تعدد الزوجات المُضر بوحدة الأسرة، وإنصاف المرأة في قسمة الميراث، اللاييكية المغلفة بغلاف الديمقراطية وحقوق الإنسان بضاعة غربية يُرَوّج لها بين ظَهرانَينا وكلاء الغرب وقد ارتفعوا من مستوى الناظر على الشغالين إلى مستوى رؤساء الدولة والحكومة، وتُروِّج بيننا البضاعة الإباحية المغلفة بأستار حقوق المرأة مناضلات وكيلات يعملن في مدارس الغرب، يتحدثن لغته، ويحملن دبلومات عليا، متشبعات بروح العِداء للدين، يكتبن ويخطبن ويضاهين النّموذج الأصلي في الصفاقة والجرأة على الدين، بل يتفوقن عليه.

هما إيديولوجيتان متعانقتان وبضاعتان متكاملتان: اللاييكية والإباحية، اللاييكية للجميع مغلفة بغلاف الديمقراطية وحقوق الإنسان للجميع، والإباحية للجميع ملتفة في غلالة شفافة يُجسدها ويمثلها على مسرح الواقع نساء في بعض شوارع الغرب ما يسترهن إلا كيس من البلاستيك الشفاف كما يستر الزجاج خلفه البضاعة على واجهة المتجر”[23].

2- الاعتماد على سياسة التعامل الربوي، وعدم الرأفة بالفقراء وأصحاب الدخول المحدودة عند الإقراض حتى يكونوا عبيداً لهم وتبعاً، يقول الشيخ: ” تفرض القوانين الدولية على الدولة المسلمة شروطاً منافية للشرع، مجافية جاهلة غير عابئة بحلال أو حرام. نأخذ الربا مثلا، وهو من أبغض الحرام إلى الله وأشده ظلما ونكرا، كيف تقيد المارد المالي العالمي الجشِع النَّهِم بقيود الحلال والحرام وهو لا يعرف الله ولا يقر له بوجود؟ كيف تكف الحكومة الإسلامية عن التعامل الربوي مع الأبناك، والصناديق، وكلوبات الأبناك المُقرضة، والشركات عابرة القارات، وكل ذلك رِبا في ربا، والتعامل مع كل أولئك ضرورة معاشية نتيجة لاشتباك معايش شعوب العالم؟

تختنق الحكومة الإسلامية وتفشل وتسقط وَشيكا إن هي قطعت، وأنّى لها أن تستطيع قطعا، حبالها مع السوق العالمية، ورامت إبطال هذا الباطل الربوي وطرده من حياتها. يسرع إليها الاختناق والفشل والسقوط خاصة إن كان القطر فقيرا لا يبيع نفطه للعالم بالثمن الزهيد ليستغني قوم مترفون ترف قارون ويموت البنجلادش والصومال جوعا”[24].

ثالثاً:استخدام مجموعة من السياسات الإعلامية، والتثقيفية الضالة بهدف إفساد المجتمع المسلم، ومن أبرز تلك الوسائل هي:

1- بثُّ الشبهات حول هذا الدين، والتشكيك بعقيدة المسلمين من خلال الاستفادة من المؤسسات التربوية والتعليمية في نشر الفساد بين أبناء المسلمين، وذلك عن طريق المناهج الدراسية التي لا تمد بصلة لهذا الدين ومحاولة بث الأفكار الهدامة لعرى الإسلام، وذلك عن طريق الكتب والمؤلفات، والوسائل المرئية والمسموعة.

إن وسيلة التشكيك في حملة الدين والدعاة ليس بالأمر الجديد، بل هو حال جميع المعرضين والعصاة من الأمم والأقوام، فهم جاهدوا في توجيه الاتهام إلى الأنبياء، ووصفهم بصفات تشكك في صدق دعوتهم كي يلبسوا الحق على المؤمنين، فقال تعالى مخبراً مقالة رؤسائهم وزعمائهم في كل عصر: “َذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون”(الذاريات: 52).

ولقد قصّ علينا القرآن الكريم حال أهل الكتاب وشبهاتهم وسؤالاتهم التي كانوا يوجهونها إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بهدف الطعن في صدق نبوته، كسؤالهم عن حقيقة الروح، وغير ذلك.

قال ابن إسحاق: “وكان أحبار اليهود هم الذين يسألون رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ويشقون عليه، ويأتونه باللبس، ليلبسوا الحق بالباطل، فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسألون عنه”[25].

يقول الشيخ عبد السلام: ” تقول الملاحظـة الميدانية: إن طلبة كليات العلـوم والطب والهندسة يستجيبون للدعوة الإسلامية ويُكوِّنون صفوة جندها، بينما الطلبة الذين مروا بالشعب الأدبية والفلسفية -لاسيما في المدارس المقتفية نظامَ التعليم الفرنسي ومناهجه- ينغلقون عن الدعوة، ذلك لأنهم اكتسبوا (مَنَعَة) ضد الإيمان بما أودعتهم المناهج الفلسفية التي تعرضوا (لإشعاعها) المميت وعدوانها من الشك والتشكيك ومركزية الإنسان في الوجود وعقيدة أن الله -تعالى الله- فكرة تتطور مع العصور، وأن الإنسان خلق فكرة الله -جل الله- لا العكس، فإنْ رَبَطَ أساتذة الفلسفة خريجو الطاحون الغربي منهجية الشك بنضاليةٍ لبراليةٍ تقدس الحرية، أو بنضالية تقدمية تنشدُ العدل، اجتمع على الطلبة عاملان يخربان أصول الفطرة، ويحفران ذورها، ويدوِّخان فروعها، ويطمسان رسومها: عامل فكري منهجي فلسفي، وعامل سياسي نضالي نفسي، فإن كان الطالب طلع إلى الثانوية والكلية وما معه من سلالة الفطرة وهداية الوحي ما يبصِّرهُ بضلال الأستاذ فقد تمددت الضحية أمام الجزار، إذا  طلع الطالب ولم يسبِقْ إلى سمعه الفطري خبرُ الآخرة، ولا ألقَتْ إليه الأم ولا ألقى إليه الأب في نعومة أظفاره، ولا علمه معلم الابتدائية أن الله تعالى هو الخالق العليم المحيي المميت باعث الرسل محيي العظام وهي رميم حسيب العباد ومجازيهم في الجنة أو النار فقد انفرد الأستاذ الفيلسوف بالمتلقي النموذجي، ويقرِن الفلاسفة الملاحدة المنتشرون في الكليات والثانويات المنَظَّمُونَ المُحزَّبون نقدَ الدين بنقد الرجعية السياسية المتلفعة بشعار الدين وشعار الدفاع عن العقيدة، وتعمل الكلمة المتوهجة بالغضب النضالي، المشفوعةُ بالحجة الفلسفية، المعززةُ بِسلطان الأستاذية، المتحببةُ بطول العِشرة، المُمنهجةُ بتقنيات الاستقطاب، عملها في النفوس الغضة العزلاء، يقدِّمُ الفلاسفة الملحدون الدين -كلَّ دين- على أنه كهانة سبقنا الغرب إلى حربها وتنحيتها من الساحة وطردِها من الوجود السياسي منذ قرون. يعرِضُ الأساتذة الفلاسفة الملحدون المناضلون على النفوس الغضة الضحية مآثر العقول الجبارة من سقراط إلى دِكارط، ومن لوك إلى كانط، ومن هيجل إلى ماركس، ومن سارتر إلى هيدجر، ويغرقون العقول الساذجة في لفظيات الفلسفة وجُمَلِيَّات الإيديولوجية فيتشربها العقل الناشئ على ظمأ إلى المعرفة، فإذا هو الغني الطارئ الغِنى يتبجح بمكاسبه الفكرية العالمية”[26].

2- محاربة اللغة العربية لكونها لغة القرآن الكريم، والاعتماد على دراسة الكتب التاريخية التي تتسم بالتعصب العرقي، واللجوء إلى سياسة الاختلاط بين الجنسين في المدارس والجامعات.

يقول الشيخ*: “من مكر اللغة الأجنبية الدخيلة فينا، القويَّة الغنيةِ الجميلة بجمال محمولِها العلومي التكنولوجي، أنّها تُفَسِّخُ اللغة العربية وتستعين على تفسيخها وتعجيزها وشلها بالضرائر المحلية، حتى إذا خُنِقت اللغة العربية، وأدت الخادمات الضراتُ وظيفتهن، وبان عجز العربية عن إقامة شؤون الدنيا وترسيخ قدم حضارة عربية مسلمة في الدنيا لجأ المسلمون عرباً وعجماً وتُركاً وفُرساً إلى اللغة السيدة لغة المستقبل، إنه غزوٌ منظّم يستهدف إقصاء العربية وشلها عن أداء وظيفتها الأخروية والدنيوية معا في رِكابٍ واحدٍ الإلحاد في الدين والقزامةُ في الدنيا”[27].

وفي موضع آخر يدعو الشيخ عبد السلام الأمة إلى ضرورة التمسك باللغة العربية التي طالما حاولت الأنظمة الظالمة الموالية لليهود والصليبيين القضاء عليها واستبدالها بلغات أخرى: “ها هم اليهود، وهم حَفنةٌ من الناس، اضطهدَتْ لغتَهم العبريَّةَ لغات الأمم قرونا طويلة، فلما بعثت فيهم العقيدة الصهيونية منذ قرن من الزمان الأمَلَ في حياة جديدة تلزمها لغةٌ قومية متجددة، خدم اليهود لغتهم، وطوروها، وألحقُوها باللغات الحية، آمنوا بمسْتقبل يهودي فآمنوا بمقومات حضور في العالم يهودي، وبمقوّم المقومات: اللغة، والعرب المسلمون -الأمناءُ مَعَ العجَم المسلمين على لغة القرآن- ما فتِئُوا منذ قرنين يُعالجونَ اللسانَ العربيّ ليُطاوِعَ التّعبيرَ العصريَّ عن الواقع العصريِّ، بلْ الذي عالج اللسان العربيَّ منذ قرنين النصارَى العربُ قبْلَ المسلمين من عرب وعجم، عالج الآباءُ اليسوعيون في لبنانَ، وَوَطنوا المطبعة والطباعة، وحَدَّثوا معجماتِ اللغة العربية، وأحدثوا معجماتٍ، وطبعوا كتب تُراثٍ، وتاريخَ عرب، وشعْرَ عربٍ، كل ذلك مجرَّداً عن دين الإسلام، مُتَلبِّساً بلغة الإسلام، منشغلا في الظاهر بخدمة لغة الإسلام، مستبْطِنا الولاَءَ لحركة التنصير اليسوعية وغير اليسوعية، مستظهرا بالدعم التنصيري اليسوعي وغير اليسوعي، وطوّرَ اليسوعيون العربُ لغة العرب فعلا، وتلقَّفَتْ مِشعَلَ التطوير طائفة من نصارى لبنانَ وفدوا على مصرَ، وأسسوا مطابع، وأسسوا جرائدَ ومجلاتٍ عربية كان لها منذ أزيد من قرن إشعاع على العالم العربي الإسلامي وعلى كل قارئ بالعربية من المسلمين، طوروا العربية فعلا، لكن بقصد إعلامي، لا بقصدٍ غَيورٍ على الكنْز المُودَعِ في اللغة -كتابِ الله وسنة رسوله- ولا بقصد تقوية العربية على حمل أسباب القوة من علوم كونية وتجارب بشرية نافعة، وما تبِع المجهودَ اليسوعيَّ النصرانيَّ في مجامِع اللغة العربية وأكاديميات اللغة العربية لَمْ يحد كثيرا ولا قليلا عن المقصد التنصيري، وها هي بين أيدينا لغةٌ عربيةٌ عصرية لاييكيةٌ في صحف الإعلام والمجلاتِ المصورة والإذاعات والتلفزيونات، لغةٌ ركيكةُ المباني، مترجَمَةُ المعاني، فاسِدَةُ النحو، قعيدةُ الصرف، ما بينها وبين لغة القرآن المُبينَةِ من قرابة إلاّ صِلَةُ اللفظ والحرف، لغة عصريةٌ، جِسْمٌ تَسكنهُ روحٌ دخيلةٌ تَتَململُ لاييكيتُها وتتَخبَّطُ المسكونَ، فلا تَسمعُ من هَمْسِ العربية إلاَّ أنينا وحنيناً إلى سالفِ عزها، يومَ كانت لُغةَ الدين والدنيـا، لا ينفصِلُ الدين والدنيا شِقَّيْن وتعبيرين، فإذا حاولَ مُعَرَّبٌ عَرَبيٍّ أو أعجَمِيٍّ بالعربية المهجنةِ المُدَجَّنة العصريّة أن يقرأ العربيَّةَ المشرَّفَة التي أنزل بها القرآن، خانَتْه لغتُه وفضَحهُ جهلُهُ… ، ويْحَ العرب المسلمين، ما فعلوا بلغتهم! وويحَ الأمازيغ المسلمينَ ما يساهمون في فعله بلغة القرآن! ويحنا! أنمضي في تعلُّم اللغات الأوربية -الضروريةِ ضرورةً قصوى- إلى غير أجل؟ أنعجزُ وتعْجزُ لغتنا إلى غير أجل واليهود حفنة في الدنيا أحيوا لغتهم بحياة العصر، والهولنديون حفنة، والسُّويديون، ومن لستُ أدري؟! أنمضي في تعلم الفرنسية والتديُّنِ بالعقيدة اللاييكية الفرنسية، وهي في الدنيا تلهث عاجزةً عن مواكبة المستقبل، المستقبل الإنجليزية اليومَ، اليابانيةَ الطلاسمية غدا، الصينيةَ اللُّغزية بعد غد؟…، إن لم نتُبْ إلى الله التوبَة الخالصة المخلصةَ فالاستعباد اللغوِيُّ، والاستعمارُ اللغويُّ قُيودٌ مُؤبَّدَة على أيدينا، وأغلال دائمة في أعناقنا. كل ما يخدُم الدين، والتوبة، والصلاة، والعبادة، والرجوع إلى الله، يخدُم اللسان العربي الذي به أنزلت رسالة الدين والتوبة والصلاة والعبادة والرجوع إلى الله. وكل ما يوهنه يوهنها. إيمانان متلازمان به وبها، أو كفْران متعانقان إلى خزي الدنيا والآخرة به وبها، نعوذ بالله من الكفر والكفْران، عقَّ ربَّهُ من عق لُغَة رسالةِ ربه، عصاه من عصاها، كفر به من كفر بها”[28].

3- الترخيص للمنظمات الصليبية واليهودية، في نشر الأفكار المضادة للإسلام، عن طريق فرق التبشير، والسماح للمنظمات الإباحية التي تهدف إلى نشر ثقافة توحيد الجنس والنوع بغية نشر الزنى، والشذوذ الجنسي تحت شعار الحرية والديموقراطية، فضلاً عن اتخاذ ما يلزم من تفكيك أواصر المحبة والتآلف بين المسلمين، وتمزيق شملهم، وتفريق وحدتهم، ولقد أشار القرآن الكريم إلى تلك العداوة المكنونة في قلوب بعض أهل الكتاب، حيث قال تعالى:  “لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ …” (المائدة: 82)، وقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِين” (آل عمران:100).

يقول الشيخ ياسين: “تدعو المارقات ويدعو المارقون إلى أن يكون للمرأة مثل ما للرجل من حق التعدد. مناضلات ومناضلون في حزب الإباحية لا ينتظرون تشريعا وإشارة مرور قانونية ليمارسوا رياضتهم المفضلة: الزنى بلا حدود، الزنى الحرية، الزنى الثورة”[29].

ويقول في موضع آخر: ” ما زالت وسائل الإعلام العملاقة، العالميةُ الوسائل، القزمةُ المضمون، أداة تخريب للأخلاق وإفساد للنشء، وأداة ترويج على نطاق عالمي لرذائِلَ وُلِدتْ هنا وهناك، وتجمعت في بؤْرَة دُمَّلِيَّةٍ رأسمالية تفَجِّر صديدها من خلال الشاشات وما وراءها من شبكات رأسمالية على وجه الإنسان لتزيدَهُ شعوراً بِخسته وقرديته، وما زالت الديمقراطية تُناغي حُلْما مستحيلا إذ تنادي (بتخليق) الديمقراطية، من يخلِّقُ الناس الفاعلين للديمقراطية حتى تتخلق الديمقراطية، والسيل الجارف من الرذائل الإباحية يميل إلى الخروج من مسرح الشاشة إلى مسرح الحياة، وشوارع المدن الكبرى، وأكواخ مدن القصدير، بسرعة اليومِ بعدَ اليوم، وبوتيرة نبض قلب حي بحياة شيطانية مريدة؟ لا يتخلق الناس بالخلُق الحسن والأفُق الأرضُ، والعُمْر فرصة شاردة لنهب اللذات، والبؤسُ قِسمةُ المُترفين يقتلهم المَلَلُ في قصورهم ومقاصفهم، وقسمة المَرضى الفقراء الجاهلين العاطلين عن العمل، العاطلين من كرامة الشغل، وكرامة الشعور بالفعل النافع في المجتمع مزيد من البؤس والفقر والجهل والعطالة”[30].

ويقول: ” هناك إفساد في الأرض أعتى وأشنع وأسرع تأْدية إلى الكفر، إفساد مباشر مكفِّر هو ذلك الإعلام الدوابّي العاهر السوقي الذي يتلصص من السطوح فينفذ إلى الأجهزة الملتقطة من خلال الهوائيات المقعرة الدائرية والممتدة، عصر الهوائيات هو عصر سيادة ثقافة الأقوياء الأعلى صوتا، الأشد تأثيرا في النفوس، آلة الالتقاط والهوائية المقعرة يصدرها إلينا المستكبرون في الأرض أربابُ العلوم والذكاء والعبقرية فيستنزفون ماليتنا العامة، وميزانية الأسرة، ويقضون على أمل ما يمكن أن يتطور عندنا أو ينشأ من صناعة إلكترونية بما يُغَذُّون به شبكات التهريب، وبالتخفيض تلو التخفيض لأثمانهم التنافسية الناتجة عن التكنولوجيا الرُّبُوطية وما تتيح من إنتاجية عالية”[31].

إن التاريخ خير شاهد على تلك المؤامرات التي شنها أعداء الإسلام على مر العصور بدأً من أول وهلة بزغ فيها ضياء الهدى والنور على أطلال المعمورة إلى يومنا هذا، فمكائدهم وأشكال مكرهم ثابتة لم تتغير، وإنَّ ما تغير هو ارتداء إزار جديد، ولكن خلف مسميات براقة فضفاضة يراد بها الباطل، والغاية الأساسية هي صدُّ المسلمين عن سبيل الله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون” (الأنفال: 36).

رابعاً: اللجوء إلى مبدأ القوة، واستخدام أسلوب البطش والإذلال في جبر الناس على معصية الله تعالى، وإكراههم على الفجور، وهذه تُعَد الوسيلة الأخيرة التي ينتهجها الملوك والرؤساء عند العجز في اكتساب الناس إلى معسكرهم، قال تعالى: “قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُون” ( النمل: 34).

فجملة “وَكَذَلِكَ يَفْعَلُون”، استدلال على المستقبل بحكم الماضي على طريقة الاستصحاب، فطبيعة أهل الظلم في كل زمان ومكان هي استعباد الأحرار، واسترقاقهم[32].

ولنا مثل سوء ضربه الله تعالى في محكم كتابه العزيز وجاء ذكره مراراً وتكراراً، كي يتعظ به الأئمة وذوو السلطة من عاقبة ما صار إليه ظلمه وعلوه وجبروته، ألا وهو فرعون عندما كان السبب وراء شقاء قومه وإضلالهم عن الحق، قال تعالى: “وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى”( طه: 79).

يقول الشيخ: ” يقص علينا القرآن الاستعلاء والاستكبار الفرعوني و الاستكبار النمرودي المهلك الذي واجهه رسل الله تعالى، ناصرين دين الرب القوي العزيز الذي يلهمهم يقينا مطلقا في حمايته تعالى لهم، إنه نفس المشهد الذي يتكرر على مر عصور التاريخ القديم والذي يقصه القرآن العظيم وبتفصيل دقيق حتى يعتبر به المؤمنون عبر العصور التي تأتي بعد زمن الأنبياء، فلتُعتصَر قلوب المرتابين الذين نهشهم الشك! ويبقى المؤمنون ثابتين أمام التهديد بينما ينفق (المرنون) كل ما ادخروا من لباقة أو يبالغون في الركوع”[33].

فلقد اغتر فرعون بماله وكثرة نفره، حتى صده ذلك عن السبيل، وانساق وراء عتوه وسطوته قومه فسقطوا في الحضيض، وذاقوا وبال أمرهم، قال تعالى: “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين* إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد”(هود: 96-97).

ويستشهد الشيخ عبد السلام بما جاء في القرآن الكريم ذكره عن مجمل الوسائل التي اتبعها فرعون في بسط نفوذه، وإلزام الناس بأوامره، وذلك باستخدام جميع الطرق التي ذكرناها سلفاً، كالتشكيك في صحة المرسل وتوجيه التهم المخلة به، والتفاخر بالمال، وفصاحة اللسان مقارنة بموسى (عليه السلام): ” والحاكم الغاصب والرعاع السائب مناخ ملائم للاستخفاف والتحريف والانحراف. قال الله عز وجل يقص علينا النموذج الأطغَى نموذَج فرعون وملإه ورعاعه: “وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُون* أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِين* فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِين* فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين” (الزُّخرُف: 51-54) ، الدعاية الرسمية، والقمع، وإبادة الصالحين، وثَلْبُ أعراض الدعاة العاملين”[34].

واستخفافه بقومه[35]من حيث اللجوءُ إلى سياسة القمع، والتخويف، والقهر، وغصب الأموال، وانتهاك الأعراض، وتمزيق الجمع، قال تعالى: “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين” (القصص: 4) .

يقول الشيخ: ” فما كان لفرعون أن يتبعه قومه، ويضلوا بتضليله، لولا خفة قومه واستعدادهم القطيعي لاتباع القوي الغني، كان نداء فرعون الذي استخف به قومه كما قصه الله علينا: (ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين لا يكاد يبين)، نادى فيهم حاسة الخضوع للقوة (ملك مصر)، ونادى حاسة إكبار الغني المستكبر(وهذه الأنهار، ونهر النيل هو ثروة مصر)، ونادى فيهم إجلال صاحب السلطان فصيح اللسان، بتحقير نبي الله، ووصفه بالمهانة في نسبه، والعي في لسانه (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين)، وقال الله تعالى لنبيه الكريم ولنا: “وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُون”(الأنعام: 116)، وهنا خفة الفكر، وتحوله، وسطحيته باتباع الظن والخرص، كان قوم فرعون قطيعا بشريا يسيره المستكبرون الأقوياء الأغنياء الفصحاء بالكذب والظن والدعاية الرسمية، وأكثر أهل الأرض كذلك ليست لهم عقيدة تشدهم إلى الحق، ولا علم يقيهم موارد الهلكة، ولا هدى ولا كتاب منير، والمسلمون اليوم في عامتهم تسودهم الذهنية الرعوية ذهنية القطيع، فمن يحاول تغيير المجتمعات المفتونة لا بد له أن يتقدم إلى الميدان وله من القدرة على مواجهة الواقع المكروه، ومن قوة ضبط النفس، وقوة الصبر والتحمل، وقوة الصمود والثبات على خط الجهاد مهما كانت القوى المعادية متألبة، إنما يستطيع أن يربي جيل الإنقاذ رجال لا تستخفهم نداءات الباطل، ولا يلعب بهم الهوى، ولا يتحركون على الظن والهواجس”[36].

فعندما عجز فرعون عن إبطال صدق دعوة موسى(عليه السلام)، ورأى السحرة ساجدين مذعنين لله تعالى، لجأ إلى التهديد والوعيد في إرغام الناس على الرجوع إلى تقديسه وتأليهه، قال تعالى على لسانه: “لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِين”( الأعراف: 124).

ويأتي بعد ذلك دور مستشاريه، وأصحاب النفوذ في البلاط من الذين ترعرعوا على النعم التي فاضها عليهم فرعون، فيشيرون عليه باستخدام العنف ضد المستضعفين من المؤمنين كما أخبر الله تعالى على لسانهم: “وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُون” (الأعراف: 127).

فمن خلال استعراض القرآن الكريم للظلم والاستبداد الذي أنزله فرعون وجنوده برعيته يستلهم الشيخ عبد السلام العلاقة والتشابه الملحوظ بين السياسات القمعية التي حصلت في القرون الماضية وما يحصل اليوم من العتو والفساد من قبل الأنظمة الحاكمة الفرعونية والنمرودية التي جعلت من المستضعفين عبيداً وخدماً.

يقول الشيخ: “أينما راقبتَ وجدت الفرعونية تصطاد الشعاراتِ المموِّهةَ لتقول بلسان الحال ما قال فرعون بلسان المقال يوم أعلن لقومه: “فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى” (النازعات:24) “مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي”( القصص:38)، واستقل وطن، وتقلد وطنيون مناصِب في الدولة، واستغنى وطنيون، وتموّلَ وطنيون من حلال أو حرام، ومن يسأل عن حلال، ويتورّع في لقمة حلال وقد اندرست معالم الحلال والحرام، أصبح بعض وطنيي أمس ممن كانتْ لهم أصول ثراءٍ نجوما في سماء الاقتصاد الوطني، وكدس بعض الوطنيين ممن لم تكن لهم أصول ثراء مكاسب ومعايب، واحتدم النزاع بين المخزن والوطنيين على كل المستويات، خصوصاً لاستقطاب الأدمغة المُكونة ذات الكفاءات اللازمة لتسيير دواليب الدولة، كان المرجِّحُ المُمِيلُ هو إغراءَ صاحب الدولة الناس بالمنْصب والمال والامتيازات، طاشت كِفَّةُ الوطنيين على الصعيد السياسي، لكنها لم تطشْ على الصعيد الاقتصادي المالي، وتوحدت بورجوازيةٌ مخزنيةٌ وطنيةٌ طائشةٌ أو مُستمالةٌ فأصبحت جسما واحدا -يكاد- بالمصاهرة، ونمَط العيش “[37].

ويقول أيضاً: ” المقصود أن نتأمل الأمثلة التي يرويها لنا القرآن، والتي يجب على الحداثة الاعتبار بها، لأنه إذا كان التاريخ يتغير فإن طبيعة الإنسان الذي  يصنع التاريخ تبقى خاضعة لنفس العوامل، الأزمنة تتغير على عكس نفسية الإنسان، درس جوهري يمكن الاعتبار به من رسالة إبراهيم (عليه السلام) الذي حطم الأصنام ولم يعتبر قومه بعجز الآلهة المنحوتة بيد الإنسان. نيران النمرود المسعرة المُعَدَّة لتحول إلى رماد نبيَّ الله المحمي بقدرة الله انكشف عجزها. إن النماردة المعاصرين المأجورين لا يشعلون الحطب لإحراق كل صادع بالحق، لكن ينصبون محارق على نطاق واسع ورهيب. إذا كانت المحارق الحديثة لا تنقص وحشيتها عن وحشية محاكم التفتيش في القرون الوسطى فإنها تباشر مشروعها حسب مراسم وبواسطة وسائل أخرى أكثر فعالية ونقاوة.تقلبات التاريخ رفعت إلى السلطة في هذا العراق، الذي نصبت فيه من قبلُ المحرقة لإبراهيم في زمن بابل القديمة في عهد النمرود الكبير، طاغيةً تحت تصرفه وسائل جهنمية يبدو أمامها اللهب القديم كأنه لعبة أطفال. صدام حسين، رمز كل الشبهات، البطل الممجد والطاغية الممقوت، يحرق في طرفة عين القرية الكردية حَلبجَة، ويبيد بنار القنابل الفوسفورية جيوشا كاملة تنتمي إلى إيران الإسلامية المسلط عليها العقاب الأمريكي” [38].

ومما تقدم يتضح لنا جلياً أن أنظمة الحكم الفاسدة في مختلف العصور تنتهج منهجاً موحداً في إيقاع العباد في هاوية الضلال، ودرك الشقاء، فالسياسات الاستبدادية التي يعتمدونها في تكبيل يد العباد، وإلزامهم بالسمع والطاعة لأوامرهم من دون الشعور بالمسؤولية تجاه الرعية هي أسباب رئيسة تؤدي بالإنسان أن يرتكب المعاصي، ومع ذلك يستلزم من العبد أن يكون على حيطة وحذر وأن يتجنب الركون إلى ما تمليه عليه تلك الأنظمة من أفكار، وأن يجعل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) وأقوال أهل العلم الفيصل للوصول إلى الحق.

ونختم المبحث بما قاله الشيخ عبد السلام: “شرذمة من الحكام الذين قال فيهم الشاعر:

أغاروا على الحكم في ليلـة      ففر الصبـاح ولم يرجـع

قوم تسلطوا على رقاب المسلمين بغير رضاهم ولا مشورة منهم، فساموهم الخسف ومنعوهم النصف، وقربوا المحاسيب والمتملقين، وأقصوا أهل العلم والمشورة والرأي، وبذروا ثروات المسلمين فيما لا طائل وراءه، وأعطوا ولاءهم للمستكبرين، وفتحوا الباب على مصراعيه للصوص الجشع الدولي مقابل منتجات التافه فيها والفاسد أكثر من الصالح المفيد، أو مشروعات الفاشل منها والمفلس أكثر من الناجح النافع، لا عجب أن يطول تخلفنا، ويزداد فقرنا وبؤسنا، ويكثر جوعانا ومرضانا، ويتنامى العاطلون فينا، وتسترخص هجرة الأوطان، وتتفشى السلبية والخمول، وتنشأ القابلية للرضوخ للطغيان، والقبول بالدون، والتأثر بالخرافات والدعايات السخيفة”[39].

                                         

 

المبحث الثالث:

مركزية القرآن في تفكيك بنية الاستبداد عند الأستاذ ياسين

لو تدبرنا آيات القرآن الكريم لألفينا أن الخالق جل جلاله قد شرَّع لنا وسائل كثيرة تعيننا على تفكيك بنية الاستبداد والقضاء على ظاهرة التسلط في الحكم، وقد استطاع الشيخ عبد السلام ياسين بما أنعم الله تعالى عليه من علم وفكر ثاقب، وآراء سديدة، أن يستنبط من كتاب الله مجموعة من الحلول المناسبة للنهوض بالمجتمع الإسلامي نحو التحرر من براثن الأنظمة الفاسدة التي لا ترقب في المؤمنين إلاّ ولا ذمة، ولقد كانت أفكاره بحقٍ ترمي إلى تحقيق العدالة وردِّ الاعتبار إلى الذات الإنسانية، وإنقاذ الناس من جهالة ذوي السلطة والإمارة التي طالما حاولت استجهال الناس بمختلف الوسائل.

وقبل الحديث عن السبل والوسائل التي استعرضها الشيخ الفاضل للنجاة من قيود الأنظمة الاستبدادية لابد أن نوضح وبشكل سريع الأسباب الرئيسة التي تقف وراء استبداد الحكام وظلمهم للرعية، فنستطيع بعدها أن نحصن أنفسنا والمجتمع من حولنا، فيسلم ديننا ويستقيم أمرنا على الهدي الجلي، والصراط السوي.

ويجمع لنا الشيخ عبد السلام هذه الأسباب في نقطتين أساسيتين استوحاها من هدي القرآن الكريم والسنة النبوية، وهما: إما أن يكون ذلك امتحاناً واختباراً، كما قال تعالى: “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين”(البقرة:155)، وإما أن يكون انتقاماً وعذاباً بسبب المعاصي المتفشية بينهم، كما قال تعالى: “وَمَا أَصَابَكُـم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيـكُمْ… “(الشورى:30).

يقول الشيخ عبد السلام: “ورتبت حكمته تعالى في عالم الأسباب عِلِّيَّةً مِعيارُها قيامُ العباد واجتهادهم وإعدادهم للقوة وكسبُهم ونشاطهم الاقتصادي وحِذْقُهُم،أو كسلهم وتهاونهم وتخلفهم وعجزهم. كما رتبت الحكم العَلِيَّة أسبابا أخرى خُلُقية باطنية غيبية تُؤَثر في الواقع الحسِّيِّ للمسلمين وتشكل سوط تأديب يهُشُّ به القَدَرُ العزيز عباد الله ليرجعوا إلى الله، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إذا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ:لم تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ حتى يُعْلِنُوا بها إلاّ فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ التي لم تَكُنْ مَضَتْ في أَسْلافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، ولم يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلاّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عليهم، ولم يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إلاّ مُنِعُوا الْقَطْرَ من السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لم يُمْطَرُوا، ولم يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إلاّ سَلَّطَ الله عليهم عَدُوًّا من غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ ما في أَيْدِيهِمْ، وما لم تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ الله إلا جَعَلَ الله بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ”[40]…، تؤول أسباب استضعاف المستكبرين لنا إلى سببيْن: أصْلي عام هو ابتلاء الله المسلمين بالنقص من الأموال والأنفس والثمرات، وفرعي هو العقوبة على ما كسبت أيدينا مما يفصله هذا الحديث العظيم الجدير بالتأمل، الحامل على التوبة والتضرع والإسراع لتغيير المنكر الذي تنصبُّ علينا تبِعاته على شكـل قحط واستعمار وبأسٍ شديد بيننا وفرقة وعداوة “([41].

ويقول الشيخ في موضع آخر: “وللسببية الخلقية الإيمانية سرٌّ قوي الفاعلية في حياة الحضارات والمجتمعات، نقرأه في القرآن في كل سورة كلما تعرض القرآن للأمم والقرى عامة أو لأقوام معينين، ونقرأ في الحديث الشريف قانونا ناموسياً يضع أمامنا صورة ناطقة بما ينخر فينا من ظواهر جنتها علينا الأمراض النفسية، أمراض (داء الأمم)، ناطقة بما تعانيه الحضارة المعاصرة وكل حضارة من جراء الظلم الواقع فيها والفاحشة ونقض العهود “[42].

وجاء عن قتادة في تفسيره لقوله تعالى: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”(الإسراء: 16)، قائلاً: “إذا أراد الله بقوم صلاحاً، بعث عليهم مصلحا، وإذا أراد بهم فساداً بعث عليهم مفسدا، وإذا أراد أن يهلكها أكثر مترفيها”[43].

ومما سلف يتبين لنا مكمن الداء الذي نزل بالأمة لما حادت عن طريق الفلاح، وزاغت عن المنهاج الرباني المرسوم لها فعاقبها الله تعالى بأئمة غلاظ شداد، لا يبالون بعافية ولا شافية، وإنما همهم تمكين سطوتهم، وتقوية عروشهم، وبسط نفوذهم.

ومن هنا كان من الجدير بنا أن نبيِّن أهم الأفكار التي عرضها الشيخ عبد السلام ياسين مستنداً على ما رسمه القرآن الكريم من خطة وطريق للنجاة من الواقع المؤلم الذي يمر به المسلمون، وإبراز أهم الحلول والأساليب والوسائل التي لابد أن تتخذ من أجل منع الحكام وولاة الأمور من الاستبداد بالحكم وتفكيك بنية الاستبداد والجور وتتمثل فيما يأتي:

أولاً: التوبة إلى الله تعالى، والإنابة إليه، يقول الشيخ عبد السلام: ” وقد رتب الله عز وجل إنعامه على العباد باستقامتهم له. فمن أهم ما نتخذ من أسباب للخروج من التخلف، واستدرار الرزق، أن نرجع إلى الله ربنا. قال نوح لقومه: “وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا”(نوح:10-12)، التوبة والإيمان والتقوى علاج تخلفنا وبؤسنا التاريخي، وشعب الإيمان بضع وسبعون، احسب منها إن شئت حسن تصريف الأموال، وجهاد العدو للتحرر من التبعية له، والحرص على الكسب الحلال، وإيتاء الزكاة بعد إقامة الصلاة، إلى غيرها من العلم والابتكار وإصلاح الزراعة وتوطين الصناعة، ومحاربة الاحتكار والتبذير الشيطاني”[44].

ثانياً: الخشية من الله وحده لا سواه، وتمكن هذه الملكة من القلب تجعل الإنسان متفانياً في طاعة الله ومحتكماً لشريعته في سره وعلنه، لا يخاف من لومة لائم، ولا من ظلم مستبد غاشم، قال تعالى: “الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا”(الأحزاب:39).

يقول الشيخ ياسين: “وخشية الله مقامُ الرسل ومقامُ أولي العلم”[45].

ويقـول أيضا: ” فهذه وظيفة رجال الدعوة العلماء بما أنزل الله على رسوله، الخاشعين لله، إليهم يتحاكم المسلمون، ولأمرهم يطيعون في محل النزاع إليهم لا إلى غيرهم، إليهم إن كانوا سائرين مع القرآن لا تابعين خانعين مستسلمين للسلطان، من هم علماء الدين وفقهاء الملة، ما سِمَتُهم؟ ما ضمان استقامتهم؟ علماء القصور وُعاظ السلاطين يُسخِّرون ذلاقة لسـانهم لدعم الكذب والبهتان، يخشون الناس ولا يخشون الله، يطلبون المنـزلة عندهم أوْ يُدارونَهم ابتداء حتى تنـزلق الأقدام وتألف الرقابُ أغلالها. أما الصادقون فهم الذين وصفهم رب العزة سبحانـه قائلا: “إنما يَخشى الله َمِن عِبادهِ العلماءُ”(فاطر:28)”[46].

ثالثاً: التحلي بالصبر، والاستعانة بالله وحده في مواجه الفتن، قال تعالى: “اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين” (الأعراف:128).

يقول الشيخ: ” ومن معنى الصبر نأخذ أنه امتلاك النفس، وامتلاك النفس وحملها على مكاره الشهوة والهوى، ومحاب الله ورسوله رأس الأخلاق، وكمال الأخلاق كمال في الدين”[47].

ويرشدنا الشيخ عبد السلام إلى ضرورة الصبر في مواجهة ظلم الحكام وتعسفهم، وعدم السمع لهم إذا ما أمروا بمعصية الله تعالى، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فيقول: “يحرم علينا السكوت والرضا وطاعة من يعصون الله. وإنه الثمن يؤدى. وإن لمن أداه رضوان الله عز وجل…، إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن كتاب الله والسلطان سيختلفان، فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لكم، إن أطعتموهم أضلوكم. وإن عصيتموهم قتلوكم، قالوا: وما نفعل يا رسول الله ؟ قال:كما فعل أصحاب موسى، حملوا على الخشب، ونشروا بالمناشير. فو الذي نفس محمد بيده، لموت في طاعة خير من حياة في معصية”[48]، خطنا السياسي الواضح هو أننا لا نعارض حكام الجبر معارضة الأحزاب على مستوى تدبير المعاش والاقتصاد بل نعصيهم لأنهم خرجوا عن دائرة الإسلام إلاّ أن يتوبوا توبة عمر بن عبد العزيز، وقد كتبنا في غير هذا المكان ماذا نعني بهذا، نعصيهم ونعارضهم لأنهم خرَّبوا الدين، واتخذوا من أمريكا وروسيا أولياء من دون المؤمنين “[49].

رابعاً:الوحدة والتضامن ونبذ الاختلاف والتفرق، قال تعالى: “وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ”(آل عمران:103).

يقول الشيخ: ” الجماعة من التفرق رحمة من الله عز وجل وقدَر مقدر، وهي في حقنا معشرَ المكلفين أمرٌ شرعيٌّ، إسلامُنا مَخرومٌ حتى يلتئم شملُنا ونكونَ أمة واحدة، الجماعة في حقنا مطلَبٌ شرعي ومكسَب يجب أن نشمر لتحقيقه ونجاهد ونخوض معارك مع القُوى المعاكسة المادية الخارجية والنفسيـة الذاتية والعدوة المعترضة “[50].

ويقول أيضاً: ” إن وحدة الأمة إنما تـتاح بالرجوع إلى أصولها الثابتة بالكف عن تغذية ذكريات المآسي وشرحها إلا بمقدار ما تحصل العبرة، وإن الإغضاء الكريم عن فروع الخلاف ضروري ليتسنى لنا الحفاظ على ما يجمعنا”[51].

ويبيـِّن لنا الأستاذ ياسين أن الوحدة والتضامن قائم على دعامتين أرشد القرآن الكريم إليهما ويتمثلان فيما يأتي:

1عدم الاستبداد بالرأي وبناء صرح قيادي رباني قائم على الانقياد لله ولرسوله، ومتمسكاً بمبدأ الشورى، ومؤكداً العزم والإخلاص، يقول الشيخ: “دعامتان عليهما تؤسس دولة القرآن: أولاهما: طاعة الله ورسوله، والثانية: الشورى، ودعامة ثالثة: بدونها لا يقوم بناء، وهي وجود إرادة قوية مصممة مخلصة لله تنفذ أمر الله وأمر رسوله وتنظم الشورى وتنفذ. وجود حزب الله حامل أمانة الله، المنظم، العارف بمهماته الجامع للكفاءات اللازمة. الدولة حكم الله تطبقه الشورى، والدعوة روح الدولة وأصْلُها وسندها ومعناها والغاية من وجودها”[52].

ويقول أيضاً: “لا يترك العمل الصالح للمبادرات الفردية دون نظام وترتيب، وإلا كانت فوضى، وهي ما يعبَّر عنه بالفتنة، الوَلايةُ التي أوجبها الله جلت عظمته بين المؤمنين، ويَنْعَم برحمتها وفي كنفها كل المسلمين وكلُّ الناس أجمعين، تقتضي نظاما لتكون نعمة حقا، الولاية أن تتآلف القلوب على حب الله ورسوله وعلى الإخاء بين المؤمنين، ثم أن يتآلف الرأي بالشورى، ثم يتآلف العمل بالطاعة لله ورسوله ولأولي الأمر. “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ”(الحجرات:10)، “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ”(الشورى:38)، “أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ”(النساء:59)، نصوص قطعية في الموضوع، الشورى تَهدِف إلى إجماع الرأي كما تهدِفُ المحبة والأخوة لجمع القلوب”[53].

ويقول: “أمر الأمة اليوم بين أيدي حكام الجير، وهؤلاء يحكمون استبدادا وتعسفاً وظلماً وأثرة. فلا يمكن أن يحل جند الله مشاكل الأمة في الحكم والاقتصاد وسائر الميادين بإحلال استبداد مكان استبداد وظلم مكان ظلم، فمن بدء تنظيم الدعوة، يجب أن يكون الأمر شورى بين المؤمنين، طاعة لله عز وجل، واستعدادا ليوم يتسلم فيه المؤمنون مقاليد الحكم “[54].

2الابتعاد عن التعصب القومي والمذهبي ، يقول الشيخ: “وأي شيطان ومسٍّ أكثر إفسادا للتنظيم من التعصب للرأي، والأشخاص والاتجاهات، وللأمة من العصبيات القومية، والمذهبية، والعرقية، والطبقية، لا بد لجند الله من تذويب الكيانات الشيطانية أول ما يفعلون بعد قيام الدولة الإسلامية، كيان الظلم الطبقي، وكيان الانتماء المفرق للمسلمين، وكيان الاقتصاد التابع للجاهليين واليهود، وسائر كيانات الجهل والفقر والمرض، الولاء لله ليس آية تتلى، وصلوات منعزلة في المساجد، ورسوماً على التلفزيون، بل اتجاه عملي لتكون آيات الله شرعا يحكم كل الحياة، والصلاة شعارا وحدة بين يدي الله، والمساجد بوتقة لصياغة حضارة الأخوة الإسلامية بين العباد “[55].

خامساً:الالتزام بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوسيلة هذه من ضروريات هذا الدين كما أمر الله تعالى: “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون”( آل عمران:104).

وكثيراً ما أكد على أهمية هذه الوسيلة الشيخ عبد السلام ياسين، ولاسيما وأن من يقرأ تاريخ حياته ليجد أن جُلّ اهتمامه كان بالدعوة إلى الله تعالى ، ناصحاً للناس، وناصحاً لولاة الأمور ومرشدهم إلى الخير وما فيه صلاح للأمة، وهذا يتضح من خلال رسالته الغراء (الإسلام أو الطوفان) والتي وجهها بكل رفقة ولين، وحكمة تسموها عزة اكتسبها من الإسلام، إلى ملك المغرب يدعوه إلى التوبة والعدل والقسط بين الرعية، وبناء مجتمع دعائمه الكتاب والسنة، ورجالاته أهل العلم والصلاح، وإقصاء بطانة السوء والجاهلين.

ومن أجمل ما قاله الشيخ في رسالته هذه: “فدعني أوجهك إلى الله جل شأنه خالقك ومتوفيك إلى أجلك، ودعني أقل لك ما لا تقوله بطانتك السوء، وما لا يقوله مستشاروك الأجانب، دعني أُعْلمك وأُعْلِم الناس أن الحسن الباني لا يبني سدوداً إلا ليأكل هو وحاشيته وحلفاؤه خيراتها، وأن وباء هذه الأمة وباء في الرأس لا تصلح معه الأمة إلاّ بصلاح الرأس وهو الملك.

جاءتك من الله آيتان حتى أيست من الحياة، فلما نجاك أعرضت وزدت طغياناً، فابتلاك الله بالرعب وشغلك بتدبير خلاصك عن الأمة وأمرها، فها أنت اليوم تعمد إلى ألاعيب في الداخل والخارج، وتتصدر المؤتمرات لتوهم نفسك والمغرورين من الناس أنك الملك القائم، وأنت والله المسكين المدبر أمره، وهذه آية من الله ثالثة تأتيك، وهي رسالتي، فإن يرد الله بك خيراً وضعتها موضع الحق وقمت وتبت، وإن يخذلك فمن ذا الذي ينصرك من بعده؟ “[56].

ويقول الشيخ في موضع آخر:” عن تميم الداري أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ، قال: لِلَّـهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، ولائمة الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ”[57]، ما تأخر المسلمون إلاّ لخمول ذمة المسلم وسكوته عن كلمة الحق أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر ونصحاً خاصاً وعاماً…، الدين النصيحة لله بقيام الجماعة والفرد على حدوده، حراسة يقظة متوثبة، الدين النصيحة لرسوله بالحرص الشديد على أتباعه في الكليات والجزئيات، كليات إقامة الحكم الإسلامي وإحياء الأمة بالإيمان، وجزئيات الفقه والعبادة، الدين النصيحة لأئمة المسلمين بدءا بإقامة أولي الأمر منا لا من غيرنا من المنافقين والملحدين، الدين النصيحة لعامة المسلمين بتحريضهم على الإيمان وإيقاظ الذهنية الرعوية لتصبح همة قادرة على قلع جذور الظلم وبناء مجتمع الأخوة والعدل “[58].

والجدير بالذكر أن الشيخ عبد السلام قد بيّن لنا وسيلة أخرى من باب تغيير المنكر هو الجهاد ومقارعة الأنظمة الاستبدادية ومقاومتها وذلك إذا لم ينفعها نصح ولا إرشاد وبات ظلمها مطبقاً على العباد، وكفرها بواحاً، فالسيف لا يقهر إلاّ بالسيف كما عبّر عن ذلك الشيخ مستنداً على ما صحَّ عن النبي (عليه الصلاة والسلام)،  فيقول الشيخ:” كلمة (السيف أحسَبُ)[59] التي نطق بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويؤكدها راوي الحديث كلمة مهمة نقف عندها للتأمل ولاستنباط فريضة مقاومة الاستبداد، هناك أحاديث نبوية أخرى تأمر بمحاربة دعاة الضلالة إن أظهروا كفرا بواحا، وكلمة “السيف أحسب” تعطينا علاج الخمول والانقياد للحاكم المستبد، فلا يقهر السيفَ إلا السيفُ متى فشلت الوسائل السليمة والقومات الجماهيرية وعجزت عن كف أغلال رِبقة الملك العاض والجبري، والحَسَبُ في لغة العرب الشرف، فلا عصمة من الشر إلا بمقاومته والتصدي له “[60].

 

الخاتمة

في ختام هذا البحث توصلت إلى جملة من النتائج أُبرِزُ منها ما يأتي:

1-تتميز الأنظمة الاستبدادية بمميزات كثيرة منها التسلط بالقهر في إدارة شؤون رعيتها وعدم المبالاة بآراء أهل العلم، فهو نظام تعسفي غير شوري، لا يفقه من العيش إلاّ الغلبة والسيطرة والبطش وإشاعة الفساد بين أطياف الأمة.

2-الترف في المعيشة، والرضوخ للباطل، والرضا بالفحش والفجور، وغض الطرف عن ظلم الولاة وعدم الإنكار عليهم، والتقاعس عن توجيه النصح إليهم، والتصفيق لهم في المحافل، والهتاف لهم بالمجد والديمومة هو الذي يولِّد الأنظمة المستبدة العضوضة للحكم.

3-كثيراً ما يقع الإنسان في المعاصي بسبب السياسات الاستبدادية التي تنتهجها أنظمة الحكم الفاسدة بهدف إلزام العباد على السمع والطاعة لها من دون شعور بالمسؤولية، فتعمد إلى اللجوء إلى سياسة تجويع الشعب، مما يدفع بأفرادها سلوك طرق الحرام لجمع لقمة العيش، أو تقوم تلك السياسات باستيراد الأفكار الهدامة لعرى الإسلام أو المذهبة للقيم والأخلاق الإسلامية الأصيلة، وتبريرها بما يسمى بحركة التطور ومواكبة الحضارات ونشر الديمقراطية.

4-كثيراً ما تستغل الأنظمة الاستبدادية المرأةَ لنشر الفساد والفاحشة بين الأمة والترويج للإباحية عن طريق وسائل الإعلام.

5-تعتمد الأنظمة المستبدة في تثبيت وطئتها، وتقوية عرشها على أعداء الإسلام من اليهود والصليبين وإن دفعتها ذلك إلى تسليم البلاد إليهم في طبق من ذهب، فتلك الأنظمة ما هي إلاّ خشب مسندة.

6-في ظل السياسات الاستبدادية تنعدم القيم الإنسانية، ويتلاشى الضمير شيئاً فشيئا حتى يصبح جوهر الفرد مغبراً بغبار الشره والحرص على اكتساب الشهوات.

7-الأخذ بالأسباب والتوكل على الله تعالى، والعزم والتصميم في مواجهة السياسات الاستبدادية هو الحل والمخرج للنهوض بالأمة للتحرر من براثن الظلم الذي يطبقه ولاة الأمور، ولكن بشرط السير على نهج مستقيم رسمه لنا الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) وبيَّنه لنا أهل العلم العاملين في حقل الدعوة أمثال الأستاذ عبد السلام ياسين الذي أمضى جُلَّ حياته في مصارعة الاستبداد، ومقارعة الطغاة، فعانى من الظلم والاضطهاد والسجن والتشريد الكثير، ومع كل ذلك فقد جمع خبرة النظر والعمل، فاستطاع أن ينادي في الناس معلماً لهم وسائل التحرر من قيود الاستعباد، وتتمثل فيما يأتي:

أ-التوبة إلى الله تعالى، والإنابة إليه.

ب-الخشية الخوف من الله وحده.

ت-التحلي بالصبر في مواجهة الظلم، والتيقُّن بأنه مناط النصر والتمكين.

ث- الحفاظ على وحدة الصف المسلم، وتحكيم كتاب الله تعالى وسنة رسوله للخروج من كل اختلاف مذهبي أو قومي، وتوثيق أواصر المحبة والتعاون بين الأفراد.

ج- الالتزام بمبدأ الشورى فهو الكفيل في صيانة وحدة كلمة الأمة، وهو الحل الأمثل للعصمة من الخطأ والاستبداد بالرأي الذي يفضي إلى الشقاق والخلاف.

ح-الالتزام بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوجيه النصح والإرشاد لكل مسلم، ولاسيما الصدع بالحق عند ولاة الأمور وتبصيرهم الحق من الباطل، وتذكيرهم عاقبة الظلم والطغيان، فإن أبوا وأصروا على التمادي في الباطل واستباحة حمى الله ومحارمه فعزلهم بالسيف واجب شرعاً.

 

المصادر والمراجع

 

– القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.

  1. ابن حنبل، الإمام أحمد، المسند، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ-2001م.
  2. ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد، التحرير والتنوير، تونس، الدار التونسية للنشر، 1984م.
  3. ابن منظور،جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار صادر.
  4. ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا، مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ط2، 1375هـ-1955م.
  5. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري(الجامع الصحيح المختصر)، تحقيق: مصطفى ديب البغا، بيروت، دار ابن كثير، دار اليمامة، ط3، 1407هـ-1987م.
  6. الحاكم، محمد بن عبد الله النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1411هـ-1990م.
  7. الشاربي، سيد قطب إبراهيم حسين، في ظلال القرآن، بيروت، دار الشروق، ط17، 1412هـ.
  8. الشوكاني، محمد بن علي،فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، بيروت، دار الفكر.
  9. الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب، المعجم الصغير، تحقيق: محمد شكور، بيروت، المكتب الإسلامي، وعمان، دار عمار، ط1، 1405هـ-1985.
  10. الطبري، محمد بن جرير،جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ-2000م.
  11. الفيومي، أحمد بن محمد المقري، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، بيروت، المكتبة العلمية.
  12. القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: هشام سمير البخاري، السعودية-الرياض، دار عالم الكتب، 1423هـ-2003م.
  13. القزويني، محمد بن يزيد بن ماجة، سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر.
  14. القضاعي، محمد بن سلامة بن جعفر، مسند الشهاب، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1407هـ-1986م.
  15. النسفي، عبد الله بن أحمد،مدارك التنـزيل وحقائق التأويل، تحقيق: مروان محمد الشعار، بيروت، دار النفائس، 2005م.
  16. النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
  17. ياسين، عبد السلام، الإحسان، ط1، مطبوعات الأفق، 1998م، البيضاء.
  18. ياسين، عبد السلام ، الإسلام أو الطوفان، الطبعة الأولى، 1998.
  19. ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، الطبعة الأولى 2000، مطبوعات الهلال، وجدة.
  20. ياسين عبدالسلام: إمامة الأمة ، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1430هـ
  21. ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ط1، 1996، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء.
  22. ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ط2، 2003م، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء.
  23. ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، الطبعة الأولى 2001، دار الآفاق.
  24. ياسين، عبد السلام، سنّة الله، ط1، 2005م، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء.
  25. ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، ط2، 2003م، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء.
  26. ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ط1، 2000م، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء.
  27. ياسين عبدالسلام: في الاقتصاد، الطبعة الأولى 1995، مطبوعات الأفق، البيضاء .
  28. ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً، ط4، 2001م، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، لبنان.

 

 

 

 

 

[1] أخرجه البخاري 6/2612، كتاب الأحكام- بَاب السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلإِمَامِ ما لم تَكُنْ مَعْصِيَةً- برقم 6725، ومسلم 3/1469، كتاب الإمارة- بَاب وُجُوبِ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَتَحْرِيمِهَا في الْمَعْصِيَةِ- برقم 1839، من حديث ابن عمر(رضي الله عنه)، واللفظ للبخاري.

[2]  اعتمدت على رواية حفص عن عاصم في الاستشهاد بالآيات القرآنية.

[3] ينظر: ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار صادر، 3/78، والفيومي، أحمد بن محمد المقري، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، بيروت، المكتبة العلمية 1/38.

[4] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ط1، 1996، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء، ص33.

[5]  ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، الطبعة الأولى 2001، دار الآفاق، ص81.

[6]  ياسين عبد السلام، المصدر نفسه ص60.

[7]  ياسين عبد السلام، المصدر نفسه ص82.

[8]  ياسين عبد السلام، المصدر نفسه ص70.

[9] الشوكاني، محمد بن علي، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، بيروت، دار الفكر، 4/306.

[10] ينظر: النسفي، عبد الله بن أحمد، مدارك التنـزيل وحقائق التأويل، تحقيق: مروان محمد الشعار، بيروت، دار النفائس، 2005م، 2/30.

[11]  ياسين عبد السلام، الخلافة والملك، ص83.

[12] ياسين، عبد السلام، سنة الله، ط1، 2005م، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء، ص276.

[13] ينظر: الشاربي، سيد قطب إبراهيم حسين، في ظلال القرآن، بيروت، دار الشروق، ط17، 1412هـ، 4/2217.

[14] أخرجه الحاكم في مستدركه 1/90، كتاب الإيمان-برقم 99، وقال:”هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه”، وصححه الذهبي على شرط مسلم، من حديث مسلم بن أبي بكرة(رضي الله عنه).

[15]  ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً، ط4، 2001م، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، لبنان، ص382.

[16]  ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ط1، 2000م، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ص271.

[17]  أخرجه الشهاب في مسنده مرفوعاً 1/342، برقم 586.

[18] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ط1، مطبوعات الأفق، 1998م، البيضاء ، ص473.

[19] ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص166.

[20] ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد، الطبعة الأولى 1995، مطبوعات الأفق، البيضاء، ص119.

[21] أخرجه البخاري 2/516، كتاب الزكاة -بَاب إذا تَصَدَّقَ على غَنِيٍّ وهو لا يَعْلَمُ- برقم 1355، ومسلم 2/709، كتاب الزكاة-بَاب ثُبُوتِ أَجْرِ الْمُتَصَدِّقِ وَإِنْ وَقَعَتْ الصَّدَقَةُ في يَدِ غَيْرِ أَهْلِهَا-برقم 1022، واللفظ له.

[22] أخرجه البخاري 2/844، كتاب الاستقراض وأداء الديون -باب من استعاذ من الدّين- برقم 2267، ومسلم 1/412، كتاب المساجد ومواضع الصلاة -باب ما يستعاذ منه في الصلاة- برقم 589، واللفظ للبخاري.

[23] ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص99-100.

[24]  ياسين عبد السلام، المصدر نفسه، ص329.

[25] ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا،مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ط2، 1375هـ-1955م، 1/513.

[26]  ياسين عبد السلام، العدل، ص449-450.

[27] ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ط2، 2003م، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ص84.

*يقول الشيخ عبد السلام ياسين معتزاً باللغة العربية في كتابه القيم( الإسلام والحداثة، الطبعة الأولى 2000، مطبوعات الهلال، وجدة،7): “اللغة العربية، لغة القرآن، تبقى وستبقى اللغة الوحيدة القادرة على حمل رسالة الله إلى الإنسان، وآمل ألا يكون للفراغ الروحي الذي تتخبط فيه اللغات الدنيوية تأثير على خطابي غير الحاذق نظراً لتغربه في اللغة المستعارة التي أراني مضطراً إلى استعمالها، عندما تتغير اللغة يتغير التنوير كما تتغير طريقة التصدي للمشاكل، السياسي منها والاجتماعي والاقتصادي، ويحتل الكلي الصدارة. أرجو أن لا يحجب التأكيد على حوادث هذا العالم همي الأول، ألا وهو إسماع الرسالة القرآنية، رسالة السلام لعالم عنيف، رسالة المعنى لعالم ضائع، رسالة الروح للإنسان المريض بحداثته”.

[28]  ياسين عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص86-89.

[29] ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص188.

[30] ياسين عبد السلام، الشورى والديموقراطية، ط2، 2003م، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ص91-92.

[31]  ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص134.

[32] ينظر: الطبري، محمد بن جرير،جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ-2000م،19/454، وابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد، التحرير والتنوير، تونس، الدار التونسية للنشر، 1984م، 19/266.

[33] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص28.

[34] ياسين عبد السلام، الإحسان، ص153-154.

[35] قال القرطبي:” استخف قومه وقهرهم حتى أتبعوه؛ يقال: استخفه خلاف استثقله، واستخف به أهانه”. القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: هشام سمير البخاري، السعودية-الرياض، دار عالم الكتب، 1423هـ-2003م، 16/101.

[36]  ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً، ص266-267.

[37] ياسين عبد السلام، الشورى والديمقراطية، ص233.

[38] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص16.

[39] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1430هـ ،ص6.

[40] أخرجه ابن ماجة 2/1332، كتاب الفتن -باب العقوبات- برقم4019، والحاكم في مستدركه 4/582، كتاب الفتن والملاحم-برقم 8623، وقال: “هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه”،  ووافقه الذهبي. من حديث عبد الله بن عمر (رضي الله عنه). واللفظ لابن ماجة.

[41]  ياسين عبد السلام، العدل ص394.

[42]  ياسين عبد السلام، سنة الله، ص278.

[43] الطبري، جامع البيان 17/405.

[44] ياسين عبد السلام، في الاقتصاد، ص133.

[45]  ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص334.

[46]  ياسين عبد السلام، العدل، ص573.

[47]  ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص54.

[48] أخرجه الطبراني في المعجم الصغير من حديث معاذ بن جبل (رضي الله عنه) برقم 749، 2/42.

[49] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما، ص31.

[50]  ياسين عبد السلام، العدل، ص218.

[51] ياسين عبد السلام، الخلافة والملك، ص52.

[52] ياسين عبد السلام، سنة الله، ص306.

[53] ياسين عبد السلام، الإحسان، ص161.

[54]  ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً، ص87.

[55] ياسين عبد السلام، المصدر نفسه، ص153.

[56] ياسين، عبد السلام، الإسلام أو الطوفان، الطبعة الأولى، 1998.

[57] أخرجه مسلم 1/74، كتاب الإيمان-بَاب بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ- برقم55.

[58]  ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً، ص92-93.

[59]  هو جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند حسن برقم 23425 من حديث حذيفة أنه قال: (كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْخَيْرِ وَأَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ مِنْهُ ؟ قَالَ: السَّيْفُ – أَحْسَبُ أَبُو التَّيَّاحِ يَقُولُ: السَّيْفُ، أَحْسَبُ -قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ تَكُونُ هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:” ثُمَّ تَكُونُ دُعَاةُ الضَّلالَةِ، فَإِنْ رَأَيْتَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةَ اللهِ فِي الأَرْضِ فَالْزَمْهُ، وَإِنْ نَهَكَ جِسْمَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ، فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَاهْرَبْ فِي الأَرْضِ، وَلَوْ أَنْ تَمُوتَ وَأَنْتَ عَاضٌّ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ “،…).

[60]  ياسين عبد السلام، الخلافة والملك، ص65.