محورية النص القرآني في الاستدلال على مسائل العلم في المنهاج

0 403

د.عبد الرزاق لكريط / أستاذ باحث بجامعة سيدي محمد بن عبد الله- المغرب

مقدمة

بدأ الوعي عند المسلمين مع نزول الوحي، لأن الوحي وحده كان مصدر المعرفة الجديدة التي أخذها المسلمون كمعطى مسبق. وقد أعطت العقيدة الإسلامية تصورا تاريخيا للكون منذ الخلق حتى يوم القيامة، فكان لا بد إذن من العظة والتأمل والتدبر في الخلق وفي عظمة الخالق، لذلك شكل القرآن الكريم وسنن الرسول الأعظم شِرْعة ومنهاجا للإنسانية أجمع.

هذا التكامل بين الشرعة والمنهاج هو ما تناوله الأستاذ عبد السلام ياسين في معظم مؤلفاته التي تعد مشروعا فكريا دعويا بالعالم الإسلامي، تؤطر للمنهاج النبوي وتتبنى السيرة النبوية شرعة ومنهاجا، وذلك لما تنطوي عليه هذه المؤلفات من تحليل ملموس لواقع وتاريخ الأمة الإسلامية، بحكم استمداد مادتها العلمية من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من جهة، وبوصفها إطارا مرجعيا في معرفة الوجود والحياة والقيم والمعاني وإعداد الفكر للتحرر من الجاهلية وفلسفتها ونظرياتها الإيديولوجية من جهة أخرى.

فكل العلوم الكونية مستنيرة بنور القرآن الكريم وخادمة لأهدافه، كما أن القرآن شريعة تضبط علائق التنظيم، وهو دستور للحكم والعلم، وهو أيضا حديث الفكر المادي ونظرياته الفلسفية.  وهو ما رامت إليه سلسلة من كتب الأستاذ عبد السلام ياسين التي أصلت للمنهاج النبوي تقعيدا ومنهجا ككتاب: كيف نجدد إيماننا، كيف ننصح لله ورسوله[1]، وكتاب: الفطرة وعلاج القلوب[2]، وكتاب: سلامة القلوب[3]، وكتاب اقتحام العقبة[4]، وكتاب الثمن[5]، فضلا عن كتابي المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا[6]، ومحنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى[7].

تروم المساهمة الوقوف على أهم القضايا المرتبطة بمحورية النص القرآني في الاستدلال على مسائل العلم، وغيرها من القضايا المرتبطة بالقضايا العلمية والتعليمية التي يحملها المنهاج النبوي الأستاذ عبد السلام ياسين والتي تحمل مشروعا فكريا من منظور إسلامي، “يكون روحه وباعثه ودليله العبودية لله، ويكون مدده ومادته ما يستنبطه العقل المؤمن من كتاب الله وسنة رسوله وناموسه في الكون”.

وللموضوع أهمية علمية، تتجلى في طرح الأبعاد العميقة للمشروع الفكري الإسلامي للأستاذ عبد السلام ياسين، الكفيل بإخراج الأمة الإسلامية من هذيان الجاهلية ونظرياتها الإيديولوجية، لأن انطلاق التفكير العلمي من إطار المفهوم الإيماني يجعل الطريق مفتوحا دائما أمام تجدد المناهج العلمية وتطورها، كما أنه يضفي على النفس الاطمئنان والثقة اللازمين لمواصلة البحث والتأمل وينقذ العلماء من التخبط في التيه بلا دليل ولا برهان. كما أن للموضوع أهمية فكرية تحمل قيمة مضافة للتراث الإسلامي، من خلال نظرية فكرية إيمانية تقدم أجوبة دقيقة عن إشكالات الأمة الإسلامية في العصر الراهن.

وفكر الأستاذ عبد السلام ياسين، يعد من جانب آخر، مطلبا أساسيا “لقيام الدولة الإسلامية التي يكون فيها القرآن الكريم وعلومه وما تفرع عنه من حكمة مادة الثقافة والتعليم والإعلام، حتى يصطبغ المجتمع كله بصبغة القرآن؛ صبغة الله” حسب تعبير المؤلف.

فإلى أي حد استطاع الأستاذ عبد السلام ياسين طرح الأبعاد العميقة للمشروع الفكري الإسلامي الكفيل بإخراج الأمة الإسلامية من هذيان الجاهلية ونظرياتها الإيديولوجية؟ وكيف جعل من التفكير العلمي إطارا مبنيا على المفهوم الإيماني الذي يفتح الطريق أمام تجدد المناهج العلمية وتطورها، بشكل يكسب الاطمئنان والثقة اللازمين لمواصلة البحث والتأمل، بعيدا عن التخبط في التيه بلا دليل ولا برهان؟

وللإجابة على هذه التساؤلات نقترح المحاور التالية، باعتماد أسلوب علمي ضمن إطار فكري يوظف خطوات تطبيقية وعملية تتخذ ترتيبا وتنظيما متكاملا يوجه هذه الخطوات التطبيقية، ويعالج الإشكالية بأسلوب علمي مقارن بين التوجهات الفكرية  للأستاذ عبد السلام ياسين وبعض العلماء المسلمين.

  • المشروع الفكري للأستاذ عبد السلام ياسين.
  • التدبر العلمي استنادا على مفهوم الإيمان.
  • المنهاج النبوي حسب الكتاب والسنة.
  • محورية النص القرآني للاستدلال على مسائل العلم في المنهاج النبوي.
Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?
Reload Reload document
| Open Open in new tab

لتحميل البحث كاملا [503.82 KB]

المشروع الفكري للأستاذ عبد السلام ياسين

يجد المهتم بالتراث الإسلامي ضالته في ما تحمله الكتب المعالجة لهذا الموضوع من معلومات وإشارات بالغة الأهمية قمينة بالإجابة الشافية عن إشكالات الأمة الإسلامية سواء في العصور الماضية أم في العصر الراهن من خلال نظريات فكرية إيمانية تحمل  قيمة مضافة للمصادر الأولى للتراث الإسلامي.

وكتب المنهاج النبوي واحدة من كتب التراث الإسلامي التي تحمل مشروعا فكريا حضاريا لما تضمنه من أفكار وقضايا تنير العقل الإنساني، وتفتح خياله على معارج الكتاب والسنة لتكون كلمة الله وإرادته هي العليا في الأرض، مستندا على  قول الله تعالى مخاطبا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم : “وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ اَلْكِتَابَ بِاَلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اَللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ اَلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً” (المائدة: 50).

جاءت دعوة عبد السلام ياسين للمسلمين بغية “اكتشاف المنهاج النبوي لسلوك طريق الإيمان والجهاد إلى الغاية الإحسانية التي تعني مصيرهم الفردي عند الله في دار الآخرة، وإلى الغاية الاستخلافية التي ندبوا إليها ووعدوا بها متى سلكوا على المنهاج واستكملوا الشروط. إنه طريق واحد يسمو به العبد إلى الوقوف، بل السجود، بين يدي ربه متذللا مطيعا باذلا ماله ونفسه في الله، وتسمو به الأمة من كبوتها، واستعباد الأعداء لها في الأرض، وذلتها في نفسها، وتخلفها الحضاري والاقتصادي والعسكري، إلى حيث تنال شرف وراثة من خاطبه الله في هذه الآية من سورة المائدة بأن يحقق هيمنة القرآن على كل فكر، وأمر الله على كل أمر، وحاكمية الله على كل حاكمية… لكي لا يبقى التعبد القابع في مساجد الركوع منفصلا عن الحياة العامة للأمة، ولكي يكون الإقبال على الله عز وجل هو نفس الجهاد ولب الجهاد”[8].

يسائل المؤلف الأمة المخاطَبة في القرآن عن كيفية ترجمة الكتاب والسنة إلى “برنامج عملي يحيي العبد بالإيمان ويحيي الأمة بـ”ياأيها الذين آمنوا” حتى تلبي هذا الخطاب، وتُنفذ ما يأتي بعده في آيات الله من أوامر إلهية تريد منا الطاعة لله والاتباع لرسوله لا الانهزام أمام الطاغوت، تعدنا إن أطعنا الله واتبعنا رسوله أن نكون أئمة الأرض”[9].  وقد فضل الأستاذ عبد السلام ياسين استعمال كلمة “منهاج” القرآنية النبوية بدل كلمة منهج، وقصده في ذلك المنهج العلمي المبني على قواعد مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل الذي وجد لخدمة السنة المطهرة التي لا بد أن تكون السيرة النبوية العامة قاعدة لها،[10] ليدل بها ليس على وساطة المنهاج من حيث كونه جسرا علميا بين الحق في كتاب الله وسنة رسوله وبين حياة المسلمين فحسب، بل ليربط بها معاني التمسك الصارم بأمر الله في كتابه، ومعاني الاتباع لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في السلوك الفردي والجماعي، الخاص والعام، النفسي والخلقي واليومي، العبادي والاجتماعي، السياسي والاقتصادي، الرباني في كلمة واحدة. ومن تم كانت دعوته إلى تهييء جيل لاينظر إلى ماضي الأمة الإسلامية المجيد تحت راية محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه المهديين الراشدين، وإنما “جيل وأجيال من بعده صالحة لخلافة الله ورسوله في الأرض على نسق التربية والجهاد النبويين، لهدف إعادة الخلافة على منهاج النبوة بعد الحكم العاض والجبري اللذين داما قرونا طويلة. وهذا هو المنهاج النبوي؛ منهاج تربية وتنظيم جهادي، تعرضا واستعدادا لإقامة الخلافة الإسلامية التي يرضى الله عز وجل عن كل منا إن بذل قصارى جهده لإقامتها على المنهاج الواضح والنموذج المنير، منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيما رواه الإمام أحمد عنه بسند صحيح: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”[11]، وهي الخلافة “الموعود بها عموما في آيات استخلاف المؤمنين المستضعفين في القرآن، المنصوص عليها في سياق تاريخي في هذا الحديث النبوي المشرق الذي نضعه بين أعيننا رجاء يقينيا، ونورا هاديا، ونداء غيبيا وتاريخيا، قد أخذت الأمة تسمع له، وتنتفض تلبية له بما يؤيد الله به عباده من نصر أخذت تباشيره تجلو عنا غسق الفتنة وظلام الجاهلية المحيط”[12].

“فالعالَم كل ما سوى الله. وعالم اليوم تسيطر عليه الجاهلية، وقيمها، وثقافتها، ووسائل إعلامها، فلا تكاد تسمع ذكر الله، والناس من حولك غافلون، لا هون، مشتغلون بسفاسف الأمور، هم منغمرون في الحياة الدنيا، لهوا ولعبا، وشكا وإلحادا، وغفلة عن الله”[13].

يضع المؤلف كتاب الله بمثابة الحبل المتين الذي ترتكز عليه تربية جند الله للوصول إلى النجاة، “ثم بعد النجاة من هذيان العالم يتبطن في القلب حب الله حتى يصير القرآن خلقا ورائدا. فتنظيم جند الله يجعل القرآن محور العلم، ويجعل ما إلى ذكر الله من تدارس للقرآن، وفهم له، وإعداد الفكر الإسلامي الذي يحررنا من هذيان الجاهلية وفلسفتها ونظرياتها الإيديولوجية، مطلبا أساسيا. وبعد قيام الدولة الإسلامية يصبح القرآن، وعلومه، وما تفرغ عنه من حكمة مادة الثقافة والتعليم والإعلام، ليصطبغ المجتمع كله بصبغة القرآن، صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة ؟ وتكون العلوم الكونية التي يبزنا فيها اليوم الجاهليون مستنيرة بنور القرآن خادمة لأهدافه. لأن القرآن يربي الإرادة، ويضبط علائق التنظيم، وهو دستور للحكم والعلم وتغيير العالم من هذيان ما قبل الإسلام، وهو حديث الفكر المادي الجاهلي وفلسفاته ونظرياته الإيديولوجية، إلى لغة القرآن، أعني لغة اللسان والقلب والإيمان”[14].

شكل القرآن الكريم وسنن الرسول الأعظم تصورا تاريخيا للكون منذ الخلق حتى يوم القيامة، ومن ثمة بدأ الوعي عند المسلمين، لأن الوحي وحده كان مصدر العلم النافع الحق والمعرفة الجديدة التي أخذها المسلمون كمعطى مسبق، فأصبحت من بعد شِرْعة ومنهاجا للإنسانية أجمع[15].

وقد توقف الأستاذ عبد السلام ياسين على مدلول العلم الحق النافع في الدنيا والآخرة، المستمد من الوحي في الكتاب والسنة. فكل العلوم الكونية الأرضية حسب الكاتب “إنما تنفع إن استعملت لإبطال الباطل وإحقاق الحق. كما أن علم الحق يبقى في عين غيرنا نظريات وأساطير إن لم نتسلح بالعلوم الأرضية وحكمة الأمم كي نجسد ما نؤمن به من الحق على أرض الواقع. علم الفقيه منا ينفع إن برز من قلب خاشع، وتمثل وعظا صادقا تتفتح له قلوب المؤمنين، أو تمثل فتوى على بينة، التزم بها هذا أو ذاك ممن يراقب الله من المسلمين ويرجو اليوم الآخر.وإنما ينفع علم الفقيه الأمة يوم يتكامل نظرة شاملة عن الكون وخالقه، والإنسان ومصيره، والتاريخ وسنة الله فيه، والإسلام وحركته في الزمان والمكان، وواقع المسلمين وأسباب تخلفهم، وضرورة تجديد دين الأمة ومنهاجه، والعقبات الخارجية والداخلية، النفسية والاقتصادية والاجتماعية أمام هذا التجديد، والزحف الذي يوصل جند الله إلى الغلبة والنصرة وتنظيم الدولة الإسلامية وتوحيد المسلمين، وتأهيل الأمة لقيادة العالم وحمل الرسالة”[16]. وهو في نظره يمثل تصورا إسلاميا تكون روحه وباعثه ودليله العبودية لله تعالى، ويكون مدده ومادته ما يستنبطه العقل المؤمن المتخصص من كتاب الله وسنة رسوله وناموسه في الكون “لتحقيق مقاصده قدر على مقتضاه يسوس الله عز وجل مملكته، فبإتقان علوم تلك النواميس يوصل إلى إعداد القوة التي أمرنا بإعدادها، فاستحققنا الخلافة في الأرض”[17].

وفي معرض حديث المؤلف عن العمل الإسلامي ومنهاجه، يتوقف عند هذه العبارة الصارمة: كتاب الله وسنة رسوله، ويتساءل بأي عقل وبأية إرادة نحن مقبلون على تطبيقهما؟ مجيبا أن “العلم هو بالجهل أشبه إن عمدنا إلى الكتاب والسنة نستنطقهما بذهنية لم تستكمل وسائل العلم، فهي تنظر إلى ذلك الماضي النير بحنين ومحبة، حتى إذا دعيت لمواجهة الحاضر وتخطيط مستقبل الإسلام، انكفأت عن كآبة الحاضر وشره، وانغلق فهم التاريخ عليها، فلعنت، واستعاذت بالله، وبررت بلعناتها الانزواء. وعلم هو الشر حين تكون النصوص سلاحا لتكفير المسلمين وتضليلهم. وعلم هو عين الانسلاخ من آيات الله حين يرضي عالم السوء الناس بما يسخط الله، يريد ما عند الناس فتزل به القدم، فلا ينتبه إلا وقد أصبح لعبة للشيطان”[18]. مشددا على “أن العلم النافع ليس ما تكدست فيه النقول، وقل الفهم، وانتكست الإرادة”. مستدلا ما جاء به مالك رحمه الله: “ليس العلم بكثرة الرواية. إنما العلم نور يضعه الله في القلب نورا![19] فالعلم بهذا المعنى فهم العقل الخاضع لجلال الله، ونور في قلب من أيده بالإرادة الجهادية”[20].

يقدم الأستاذ عبد السلام ياسين خصالا عشرا في شعب الإيمان يستهلها بالحديث عن تاريخنا العلمي الحافل الذي “لا يجب أن يكون الخلاف على اجتهاد سلفنا شغلنا، لكن الاستفادة من مناهجهم في الاجتهاد قصد التمرس لتجاوزها والأخذ من المعين الذي استقوا منه. متوقفا عند كلام الإمام البنا في أصوله: وكل واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم. وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع…وكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماما من أئمة الدين. ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلة إمامه، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صدق من أرشده وكفاءته، وأن يستكمل نقصه العلمي، إن كان من أهل العلم، حتى يبلغ درجة النظر. فمما لا يخفى أن آيات الأحكام قليلة بالنظر إلى تفاصيل الأبواب الفقهية التي بينتها السنة، ثم تكاملت بالقياس الذي هو المصدر الرئيس في درك الأحكام التي سكت عنها الكتاب والسنة، وإن دلا عليها بالمعاني المستفادة بمسالك التعليل وطرائق الاستنباط. وذلك أن القرآن الكريم قصد إلى بيان كليات الشريعة ومقاصدها العامة، وأحال في التفاصيل على السنة بقوله تعالى: “وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ” النحل: 44 فأوكل البيان إلى نبيه، وأحالت السنة فيما سكتت عنه على اجتهاد المجتهدين، في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه على جوابه: “اجتهد رأيي”[21].

وقد طالب الشيخ ياسين في الوقت ذاته بالحاجة إلى فقه كلي يشمل كل العبادات الفردية والمعاملات الجزئية، في نسق واحد يؤدي وظيفة إحياء الأمة وإعادتها إلى حضن الشريعة وصراط الله، بعدما تقلصت الشريعة تحت الحكم العاض والجبري حتى أصبح اليوم مجالها لا يتعدى الفقه العبادي الفردي والمعاملات الاجتماعية، أو ما بقي في المسجد من وعظ وتذكير، وفي ذمم الأفراد من صلاة وزكاة وحج. فالعلم الكلي النافع الذي نحتاج إليه هو ذاك الذي يخط لنا ويعلمنا كيف ننفذ حكم الله في إقامة الدولة وتسييرها، في تنظيم المجتمع وإقامة العدل فيه، في تربية وتنظيم جماعة المؤمنين، في إدارة شؤون المسلمين إنتاجا وتوزيعا ومعالجة للمعايش، في إدارة الاقتصاد ووظائفه، في جعل أمور الأمة شورى بين رجالها من أهل الحل والعقد، في تنظيم الاجتهاد لاستنباط أحكام الله من كتابه وسنة نبيه لهذا العصر ولهذه الشعوب الموزعة في الأرض، وبهذه الوسائل المتاحة، ولهذا الهدف الذي أصبح قبلة للإرادات الجهادية المتجددة[22].

التدبر العلمي استنادا على مفهوم الإيمان

يعتمد الأسلوب العلمي على الإطار الفكري الذي يعمل بداخله عقل الباحث والخطوات التطبيقية لهذا الإطار، ففي أي دراسة علمية تتخذ العمليات العقلية في الباحث ترتيبا وتنظيما متكاملا يوجه خطواته التطبيقية، ويعالج المشكلة بأسلوب علمي وفق خطوات فكرية معينة يطلق العلماء عليها: خطوات التفكير العلمي[23].

وقد تشرب علماء الحضارة الإسلامية تعاليم دينهم الحنيف واصطنعوا لنفسهم منهجا علميا إسلاميا تجاوزوا به حدود الآراء الفلسفية التي تميزت بها علوم الإغريق، وانتقلوا إلى مقومات البحث المدقق بشروط وعناصر نظرية وعلمية وإيمانية، إذ تكشف القراءة المتأنية لعلوم التراث الإسلامي عن سبق علماء المسلمين إلى تحديد عناصر المنهج العلمي بما يتفق مع كثير من المسميات والمصطلحات التي يتداولها اليوم علماء المنهج العلمي.

فقد “انطلق فقهاء الإسلام من الاستعمالات القرآنية ليحددوا العقل التشريعي؛ أي العقل التكليفي عند المسلمين المراعين لله، فاختلفت مضامين مفهوم العقل في الثقافة الإسلامية باختلاف المنطلقات والشواغل”[24] ، وتساءل الحارث بن أسد المحاسبي متى يسمى الرجل عاقلا عن الله ؟ وكان جوابه، “إذا كان مؤمنا خائفا من الله عز وجل، والدليل على ذلك أن يكون قائما بأمر الله الذي أوجب عليه القيام به مجتنبا لما نهاه عنه، فإذا كان كذلك استحق أن يسمى عاقلا عن الله، بل لأنه لا يسمى عاقلا عن الله من يعزم على القيام بشخصه فأقام على ذلك مصرا غير نائب”[25].

وقد نحا الأستاذ عبد السلام ياسين الاتجاه ذاته إذ ربط بين العلم ومفهوم الإيمان، معتبرا أن العلم المطلوب هو ما ينفع لأداء الفروض والسنن، والتوسع في فقه الشريعة ما أمكن، وهذا فرض عين يكون الحد الأدنى المشترك بين جند الله. وبالتدريج، يتعين على ذوي الكفاءات والاستعداد التفرغ لكسب العلوم التخصصية، والقيام بها في حق الكفء فرض ثابت. فهذه العلوم التخصصية، ما كان منها تعمقا في علم الحق، وما كان منها مهارة وخبرة عمليين في شؤون الصناعة والتكنولوجيا، أو نظريا من علوم العصر، هي ضرورية لحياة الأمة، مفروض عليها أن تتخذها.

وتنسجم هذه الدعوة مع الدعوات التي كان يوجهها علماء المغرب في القرن التاسع عشر بعدما أدركوا فارق الهوة بينهم وبين الأوربيين، جعلتهم يقرون أن التأخر راجع  “أولا إلى تقصيرنا في كثير من العلوم كالتفسير الذي هو شرح كلام الله الذي هو الأصل الأصيل لديننا الحنيف، والحديث الذي هو كلام خير خلق الله[26].

وثانيا، إلى إهمالنا لكثير منها كالطب الذي هو علم الأبدان المحتاج إليه في كل الأزمان، وبقية العلوم الطبيعية والرياضية إلا النادر، مع أنها جميعها قد اعتنى بها علماء الإسلام وألفوا فيها التآليف البديعة في نفسها وباعتبار وقتها(…) لأن بعض العلوم السابقة كالطبيعية والرياضية والاستعمارية قد مهر فيه الأورباويون مهارة عجيبة وتفننوا في تحقيقه وتنقيحه تفننا صير ما تقدم فيه لأسلافنا السابقين في طي الإهمال، وإنما اللوم كل اللوم علينا معشر خلفهم الذين لم نبال بمبالاتهم، فَلْنُقْبِل معشر المغاربة على تعلم سائر العلوم، وليكن لنا في كل واحد منا مقام معلوم. ولنتبع علومنا الشرعية بتلك العلوم الأخرى المرعية، ولنكفر سيئة تقصيرنا السابق في حقها(…) ولا التفات إلى طعن بعض الطاعنين في بعضها[27].

وهي دعوة صريحة إلى الأخذ بأسباب التقدم والرقي التي مكنت الأوربيين من التطور اللافت، والإقدام على مختلف العلوم مع الحرص على عدم التفريط في العلوم الشرعية، معتبرا: “إن العلوم من حيث هي علوم لا يمكن أن ينالها الذم بحال”[28].

وهو الموقف نفسه الذي عبر عنه أبو بكر زنيبر في كتابه “جهود الإسلام في تمدين البشر…”[29] الذي خصه للتذكير بدعوة الإسلام للعلم ونشره والترغيب فيه، باعتباره:”أحد أساسي الإصلاح والعميد الأول لأصول مبناه، وهو المرقاة الأولى لسلم رقي الأمم وأول معراج تعرج عليه لأفق السعادة والحياة الكاملة”([30]).

فمن “العلوم العينية كتاب الله عز وجل تلاوة حفظا وفهما، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دراسة واتباعا، وإتقان لغة القرآن لمحاربة الهيمنة الثقافية الأجنبية واحتلالها عقول أبنائنا وميادين حياتنا. في أول عهد الوارد علينا نوجهه لكتب الفقه المبسطة حتى يأخذ منها نصيبه وذلك لمكانة الفقه في التشريع الإسلامي. وفي نفس الوقت نحضره ونحضر معه حلقات في المسجد لدرس القرآن والحديث والسيرة ، وذلك كما بدأت الدراسات  في حلقات للدراسة، تحيط كل حلقة بأستاذ، وقد كانت حلقات الدراسة مفتوحة، وقد يبرز طالب العلم  في حلقة من الحلقات حيث يجتازها إلى حلقات أخرى[31].  وتنظم هذه الدروس بحيث يستفيد منها العامة على مستواهم، ويجد فيها جند الله مزيدا من العلم كل على درجته. القرآن بتفسير أو تفسيرين الذي يعتبر من الأمور المهمة التي طرأت على التقاليد الدينية المغربية. كما أن الصبيحي كان يدعو إلى وضع حد لظاهرة التقليد وإلى إحياء الاجتهاد الذي يعتمد بالأساس على القرآن والحديث”[32].

ويتوسع العالم مباشرة بالشروح المعتبرة. وأثناء ذلك يتعلم جيل التجديد لغة القرآن ولغة السنة. فاللغة العربية، تلك الصافية المتينة لا لغة الجرائد، هي الآلة والوسيلة لفهم ما أنزل علينا بلسان عربي مبين. فلا بيان إلا بها. ومن علوم الكفاية اللغات الأجنبية، والعلوم التجريبية التقنية، وعلوم التنظيم والإدارة، وعلوم السياسة والاجتماع. ونجرد كل هذه العلوم مما علق بها من مباشرة الجاهليين لها. وما تنطوي عليه مما يسمونه بعلوم الإنسان، والإيديولوجيات من فلسفة كافرة، وتصور مادي نطلع عليهما لندحضهما في نقاشنا للمغرورين المضللين من أبنائنا. وفي مرحلة تابعة نطوع كل هذه العلوم ونحذقها، لتنهضم في جهازنا العلمي، وتنصهر في بوتقتنا، وتخدم أهدافنا. “فالمنهاج العلمي في النقد، والملاحظة، والتحليل، والتركيب، والاختبار، انضباط ضروري وشرط أساسي لتحويل عقليتنا التقليدية اللفظية إلى عقلية صانعة منظمة دقيقة، فهما ذهنيتان عندنا عقيمتان؛ الذهنية الرعوية، ذهنية شعب درج على الخنوع للحاكم، ثم الذهنية اللفظية التقليدية التي تملأ أركانها ألفاظ غير محدودة المعاني، لا تصورات واضحة وأفكار هادفة. والمنهاج النبوي يجمع لنا بين نور القلب الذي يصدق بالحق ويخضع له، وبين فهم العقل المنضبط بالعلمية، والتجربة، والدقة في الحكم. بهذا العقل فقط يمكن أن نبني، وبذلك القلب فقط يكون البناء إسلاميا على هدى من الله[33].

ويذكرنا هذا التوجه النقدي بالأسلوب المماثل الذي كان أوائل رجال الإصلاح المسلمين يستعملونه فيما مضى سعيا في حمل عامة المسلمين على تغيير مواقفهم وإقناعهم بقبول البرامج الإصلاحية المستمدة من النماذج الغربية. وقد كان العالم الصبيحي على وعي بمختلف المقاربات الإصلاحية المعروفة في أرجاء العالم الإسلامي، وكان يحاول أن ينقل عصارة تلك الأفكار إلى جمهور المغاربة. ومن الأمور الأخرى المهمة عنده، إشارته إلى الإهمال الكبير الذي لحق بعلوم التفسير في المغرب”[34].

وأول العلم حسب الأستاذ عبد السلام ياسين هو  التوحيد، يتلوه عبادة الله سبحانه، فوحدة العقيدة تلزم وحدة المعبود. وهذه تلزم وحدة السلوك الإيماني، ووحدة الولاية، ووحدة الغاية والهدف. عقيدتنا الموحدة تقتضي منا أن نسعى لتوحيد الأمة ابتداء من توحيد الجماعات القطرية. إذا كان أمر الله لنا واحدا، ومسؤوليتنا عن تنفيذه واحدة، وإرادتنا تنفيذه صادقة، فمآلنا أن نتوحد لنكون تلك الأمة المنعوتة بالخير، الشاهدة على الناس بالقسط الذي يعوق التوحيد هو: ما طرأ على الكتاب والسنة وتفرع عنهما من شروح واجتهادات القرون؛ فروع الاجتهاد الفقهي العبادي وهو أكثره، ومذاهب أصول الدين وأصول الفقه، تمثل كتلة أمام ناظرنا تحجب عنا الأصول، فلكل مذهب وفئة مخلفاتها من الاجتهاد مستدلا بقول الله عز وجل لنبيه: “فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللهُ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَاَلمُومِنَاتِ وَاَللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ”  (محمد: 20).

وهو ما يؤدي حسب المؤلف “إلى اختلاف المؤمنين المعاصرين في درجة الفهم والقدرة على النظر، فلكل جماعة من المسلمين المجاهدين نظرتها للإسلام ومقاصده، والجهاد ووسائله، والزحف ومراحله”[35]، وتلك هي الخصلة الثانية. مؤكدا أن ما يغشى هذه الإرادات البشرية من فتور يدعو لمسالمة الواقع، أو حماس مندفع يريد القفز إلى المستقبل قبل أن يوطد أقدامه في الحاضر، أو نفور وتنافس بين الأشخاص، فاستصلاح اجتهاد فقهائنا الأقدمين في الفروع، وتوحيده، وإدماجه في اجتهاد مجدد كلي، ضرورة وواجب كفائي به نتجاوز الخلاف في النقل، وقابلية التعلم بالانفتاح العقلي والثقة بمن لهم القدرة على النظر ضرورة وواجب في حق جند الله والإخلاص لله وحده في حق الجميع، ناظرين ومتعلمين، ضرورة وواجب، بدونه تخبث النفوس، ويحركها الشيطان والهوى، وحدة اجتهاد، وحدة تصور، وحدة إرادة. بدون هذا تكون سفرتنا إلى غير رشاد، فجند الله ينبغي أن يكون لهم نفس الفهم لمهماتهم، وهذا يقتضي أن يرجع الواحد إلى إخوته للتشاور في الأمور العارضة في إطار مخطط للعمل، يعرف كل خطوطه العريضة ووسائله وأهدافه. لأنه إذا شرعنا في عمل جماعي قبل أن نتفق على تصورنا للعمل من كل جوانبه، فأدنى خلاف يوقفنا، وسنختلف على كل شيء، ومن ثم سنعجز عن الاستمرار، ونقف، ونفشل، ونرتد إلى فرديتنا وغثائيتنا الأولى.!

وكان علماء المغرب في القرن التاسع عشر يحملون مسؤولية الفشل في الحفاظ على إيقاع الحركية العلمية القائمة على التجديد والإبداع التي دشن انطلاقتها العلماء المسلمون الأوائل إلى المدرسين والعلماء، مؤكدا أن مثل هذا الإهمال لم يكن من المنتظر أن يتولد عنه إلا الجمود والركود، بينما عمل الأوربيون جاهدين في البحث عن أسرار العلوم الجديدة التي بنوا على أساسها حضارة حقيقية رفيعة المستوى”[36].

 المنهاج النبوي حسب الكتاب والسنة

يقر الأستاذ عبد السلام ياسين بحاكمية القرآن الكريم وأهمية السنة وأهليتها في المنهاج النبوي، منتقدا بشدة المنتسبين للعلم الذين قد يكون أتى على بعضهم “حين من الدهر زعموا فيه أن السلامة في الدين لا سبيل إليها إلا بتوقير القرآن توقير هجران. قالوا، وبئس ما يُجري التقليد على الألسنة : “القرآن صوابه خطأ، وخطأه كفر”. استعجم عليهم كلام الله تبارك اسمه لما انطمست القلوب وغشى العقول ما غشاها. في كلمتهم ما يشبه اليأس، أو ما هو اليأس بعينه، من أن يفهموا عن الله أمرا أو نهيا. فبتقديرهم يكون ما يفهمونه من القرآن مباشرة خطأ ولو كان ذلك الفهم صوابا في واقع الأمر، مادام فهمهم لم يكن تقليدا لعمدة حجة يقلدونه في دينهم نرى اليوم موقفا معاكسا لذلك الموقف السادر في جهله وتجاهله، ألا وهو جرأة كل ناعق على كتاب الله يؤوله بالهوى، ويتناوله بالمنهاجيات المادية والجدلية والإحصائية والبنيوية، في استهتار واستخفاف. إن كان عند غلاة الصنف الأول هجران للقرآن منشأه فرط الحذر من الوقوع في الخطأ تعظيما لكلام الله جلت عظمته، فعند زنادقة العصرانية يتم تجريد النص القرآني من قدسيته ليصنفوه مع النصوص التاريخية، يحتل بينها مكانته على سلم التطور الإيديولوجي في الفكر العربي”[37].

فالقول إيمانا ومذهبا بتحكيم القرآن، والرجوع إليه، والرضوخ التام لأمره ونهيه، فلا بد أن نحدد حمى القرآن وحرمته، والتورع الواجب في الاستشهاد به والاستنباط منه، لكيلا نقع في مهاوي الذين اتخذوا آيات الله هُزُؤا، ولكي لا نحشر، إن نحن استخففنا بالحرمة ووقعنا في الحمى، مع الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدّوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون، والأوْلى بجند الله أن يلتصقوا بالكلمة القرآنية ويحملوا على عاتقهم شرف الشعار القرآني في كليات الشريعة وهي لم يطرأ عليها نسخ ولا حدث تغيير لمراد الله من آياته فيها، ولنترك لأهل الاختصاص والاجتهاد النظر فيما اختلف فيه، ريثما يأذن الله عز وجل بنصب الحاكم على منهاج النبوة ليجتمع تحت إشارته الاجتهاد، فإن حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي أفسح مجال الاجتهاد والثواب إنما ذكر الحاكم من قاض وعامل، لم يذكر فقيه الفروع الواقف دون عتبة الإمارة العظمى الشرعية، حيث قال: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.

إن المنهاج والاجتهاد والحكم بما أنزل الله من شورى وعدل وإحسان هذه مطالب قرآنية لا نحتاج لإثباتها وإيجابها على أنفسنا بما أوجبها الله لسلوك طرائق المتقدمين في الاستدلال، ولن يثنينا عنها إن شاء الله التواء من يحاول أن يستر الشمس بكفه، مباشرة نستمع إلى القرآن الكريم يخاطب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم “فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اَللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ اَلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا”(المائدة: 50).

فكل ذهنية يحجب عنها حاجب الكفر أو النفاق أو التقليد الأعمى حاكمية القرآن وهيمنته ونموذجية السنة الكاملة، سنة الجهاد والشورى والعدل والإحسان، دعوة ودولة، دنيا وأخرى، وإنما هي ذهنية عاجزة عن فهم الإسلام وهو إسلام الوجه لله جل وعلا، بيننا وبينه، تعالى جد ربنا، كلمته المجيدة حملها إلينا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فمتى لم نُقِم وجهنا إلى كتاب الله تعالى صمودا إليه، واستماعا وطاعة، وتلقيا دائما، وتلاوة، وتدبرا، وذكرا، فلن نكون المسلمين، لاألتفت عن القرآن إن أنا استفتيت سنة ثابتة أو سألت عن فهم من سبقني بأثارة من علم، شريطة أن لا يشغلني المفسر عن التفسير، ولا رأي المفتي عن الحكم ولا الحكم عن الحاكم جلّ وعلى.

فالمطلوب حسب الأستاذ عبد السلام هو تحقيق القومة كما ورد في اصطلاحه، والقومة تتخذ معنى التغيير الكلي العميق بغير عنف، لبها هو الدعوة إلى الله. وإيقاظ النفوس، واستنهاض الهمم لطلب الكمال الإيماني، حتى نصبح أمة مجاهدة كما كنا، راشدة، تقرر مصيرها بإرادتها الحرة، وتفرض قرارها بقوة الساعد المنتج، وتدبير العقل المتحرر من الخرافة وفلسفة الإلحاد، وتنظيم الطاقات البشرية والاقتصادية. “القومة أن يصبح أمرنا شورى بيننا، أن تحمل الأمة عبء الحاضر والمستقبل”[38]، “وفق جهاد تربوي وتنظيمي وميداني ومالي وقتالي وسياسي حتى تقوم دولة الإسلام الخليفية على منهاج النبوة”[39]. مذكرا أنه “في مستقبل الإسلام نحتاج لقران -الفطم- الفردي الأنفسي السلوكي بالفاعلية الجهادية. ليكون السلوك الإحساني عملا مصيريا رائده الفردي عبادة الله كأننا نراه، ورائده الجماعي إتقان الأعمال الجماعية لتحقيق إسلام العدل في الأرض وعمارتها والخلافة فيها”[40]. “نداء مؤكد من الله تعالى للإنسان أن يسلك إلى ربه السبيل”[41].

“فلابد من تحرير العقل المسلم لمحو الأمية الأبجدية من خلال تعليم القرآن وتعميم العلوم. لابد منه لتوطين البحث العلومي واكتساب الكفاءات التصنيعية الاختراعية… بل طريقنا الاستقلال لنستطيع الجواب على تحديات العصر.

فالمسلمون مرتبطون بالعالم وبمصير الإنسانية ارتباطا ضروريا معاشيا، وارتباطا رساليا. نحن في العالم المبعوثون بالرحمة والحق والعدل. لابد من تحرير العقل المسلم من هاجس يوحي إلى العقل المغرب كما يوحي الشياطين إلى أوليائهم أننا محظوظون إن ربطنا عربتنا الوطنية القومية بقاطرة الحضارة المنتصرة. اختيار العقل المسلم الحر أن نسعى بالجهاد الشامل العامل لنقود نحن إن شاء الله ذات يوم من أيام المستقبل القافلة الإنسانية واعين شاعرين بمضمون رسالتنا، وبما علينا للإنسان من واجبات، وللخلق جميعا من حقوق”[42].

وقد حدد الأستاذ عبد السلام ياسين المطالب الأساسية للمنهاج في القضايا التالية:

* ضرورة أن نقدم للأمة مقترحا واضحا للعمل، مضبوط الخطة، واضح المعالم، يخاطب شعور الأمة ويوقظ وعيها مقترحاً عماده: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.

*  ضرورة توعية الأمة بالمرحلة التاريخية التي تعيشها وأسباب ما بنا من ويلات. وصف الداء بتفصيل، بشجاعة، بصراحة، ليقبل المريض الدواء ويصبر على مرارته.

*  ضرورة الإقلاع عن نفاق الأمة كما يفعل حكام الجبر حين يبررون الواقع الحالي ويخدرون حس الأمة: “كل شيء بخير فناموا ولا تستيقظوا”. وكما يفعل النافخون في النعرات القومية الثورية: “أمجاد يا عرب أمجاد”. ضرورة أن نصارح أنفسنا بأنفسنا، وننتقد أنفسنا بأنفسنا.

*ضرورة كشف المصالح العالمية  الاستكبارية، والمصالح الطبقية بين ظهرانينا لتعرف الأمة من أعداؤها، وضرورة كشف مصالح الأمة ولِمَ ضاعت وكيف استرجاعها.

*  ضرورة لمِّ الطاقات الشعورية والعلمية للأمة وإعادة توجيهها بعد نزعها من قبضة التيارات الحزبية من غيرنا ومن قبضة الخمول الموروث.

*  إثارة القوة الغضبية للأمة على الظلم والظالمين، لكن التحكم في تلك القوة وتهذيبها وتربيتها حتى تكون غضبا للّه عز وجل صالحة للبناء لا للهدم الفوضوي.

*  توعية الأمة بذاتها الضائعة، بانتمائها لله عز وجل ولرسوله، بوحدتها المسلوبة، بواجبها في التحزب للّه ولرسوله [43].

وبذلك يتبع “جيل القومة الإسلامية قرآن ربهم ومنهاج نبيهم فيتمثل لهم تحرير العقل المسلم أولوية من مقدمات الأولويات. تحرير العقل المسلم من آثار الغزو المترسبة فينا، المتراكمة طبقا عن طبق على ركامنا التقليدي، المتجسدة في نخبة متفرنجة تحكم وتفرض إرادتها بالنار والحديد. وتعجز آخر الأمر عن أداء مهمتها التاريخية، وتفشل في كل ميدان. تحرير لا بد منه ضروري لنعلم أن تخلفنا في العلوم والصناعات والقوة وضروريات الحياة ناتج عن تخلفنا عن الإسلام، وتخلينا عن القرآن. لا العكس”[44].

فمطلب المنهاج يكون إذن، حسب الأستاذ عبد السلام ياسين تجميع هذه الطاقات بردها إلى أصلها الأصيل، وإلى جذور الأمة الدينية.

كما استعرض الأستاذ عبد السلام ياسين الذهنيات المختلفة في المنهاج مبرزا دورها السلبي في حياة الفرد والمجتمع منها: الذهنية التبسيطية المركبة على نفسية راضية عن ذاتها تشير إلى الغير بأصابع الاتهام، وتعيث فسادا بأفكار صبيانية ساذجة. هذه الذهنية المبسطة واثقة عادة من نفسها، تنسب الخطأ لكل ما خالف نظرتها الضيقة، وتنخدع، وتتعصب. في حين يؤكد الكاتب أننا “بحاجة لعقول نيرة شجاعة تكشف غامض الحاضر وترتاد إمكانات المستقبل وتشق الطريق للعمل، تعترضنا هذه الذهنية الملازمة لتلك النفسية فنسقط في الجدل العقيم، القاتل للإرادة، المثبط للعزائم”[45].

وتوقف الأستاذ عبد السلام ياسين مليا عند “الذهنية الذرية التي لا تنظر إلى ما في أمور الشريعة والحياة من ارتباط، لا تستطيع تصور الاشكالية المركبة من تداخل السياسة، والاقتصاد، والتربية، والاجتماع، والوضع الداخلي والخارجي، والظرف المكاني والزماني، وتطور الأحداث، ووجود التناحر على الهيمنة وتنازع البقاء بين أقوياء الأرض، وضرورة وحدة المسلمين، والاستناد لكتلة المستضعفين في الأرض، وعزائم الشريعة في كل هذا ورخصها، ومقاصدها ووسائلها، وقواعدها في حالة الرخاء وحالة الاضطرار. إلى آخر ما هنالك، موضحا أن هذه الذهنية عاجزة عن تصور عمل إسلامي في نسق منتظم على منهاج يرتب الوسائل لتبلغ الأهداف، ويرتب المراحل والأولويات، ويترك في حسابه مكانا للمرونة عند الطارئ المفاجئ والضرورة الغالبة. فهي ذهنية عاجزة عن تجسيد المنهاج في خطة وبرنامج صالحين للتطبيق بالذهنية الراضية عن ذاتها والذهنية الذرية المشتتة يمكن أن نتحرك، ونهيـج ونحمس، ونهدم، لكن البناء يـريد النظرة الموضـوعية، الثابتـة، الشامـلة، الإرادة لا الحماسية قبل قيام الدولة الإسلامية نحتاج لعقول استوعبت المنهاج لتضع الخطة في عمومها، وتهيء في إبانه برنامج الحكم الصالح للتطبيق، المؤسس بنيانه على تقوى من الله. دراسات، وملفات، وبنى الاقتصاد، ومؤسسات الحكم تعاد صياغتها، وإحصاءات وتدبير معاش الشعب.

وبعد قيام الدولة الإسلامية يجد جند الله أن لهم رجالا بالحجم الكافي والنوعية الممتازة لأخذ الزمام، وإحلال شريعة الله في كل المجالات محل القوانين الوضعية، ولتسيير دواليب الحكم في حركة متناسقة، منسجمة، مجدية، ناجحة. فالذهنية التي تتصور الدعوة معارضة أبدية ونقدا واتهاما تقف عند حدودها لا تستطيع أن تعيش إلا وسط الفتنة التي من كشف عيوبها وآثامها تتغذى”[46].

محورية النص القرآني في الاستدلال على مسائل العلم في المنهاج النبوي.

 يقر الأستاذ عبد السلام ياسين أن “مصير الإنسان بعد الموت متوقف على استجابته لداعي الله أو إعراضه. فعلم الحق ضروري له ليعلم كيف يصل إلى السعادة الأبدية عند الله، ومصير المجتمع الإسلامي وسط التدافع التاريخي متوقف على قدرته أن يخترع الوسائل الكفيلة بتوفير معاشه ووسائل الدفاع عن نفسه”[47].

وقد ربط  المؤلف التحديات التي تواجه جهاد جند الله بثلاث ثغرات تنخر الكيان المسلم المبعثر المنحط حضاريا، المهزوم عسكريا؛ أولاها مرتبطة بغياب القوة الاجتماعية الوحيدة القادرة على إنقاذ الأمة عن ساحة الحكم. ألا وهي القوة الإسلامية الفتية التي انتظمت في بعض الأقطار، وهي في طريقها إلى الانتظام بإذن الله في أقطار أخرى. وعندئذ يستبدل شيئا فشيئا قانون الوضع بشرع الله، وفكر التقليد للجاهلية بعلم الإيمان، والفلسفات والإيديولوجيات الأرضية بعلم الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وثانيتها مرتبطة بفقر الأمة من الرجال المسلحين بالإرادة الإيمانية والعلوم التكنولوجية الكفيلة بخدمة تلك الإرادة وتنفيذ عزماتها حتى تتحول أماني الأمة من عالم الأحلام والشوق إلى عالم الواقع.

وثالثتها غياب التماسك بين أجزاء الأمة التي تذهب طاقاتها ومواردها وحريتها في الحروب بين هذه الأقطار الفتنوية؛ منافسات واضطراب وعدم استقرار.

وهذه الثغرة لا يسدها إلا العلم بالله الذي يأتي نتيجة عن تربية إيمانية تصوغ من المؤمنين المشتتين جسما عضويا واحدا. نتماسك عند مرجعنا علم الحق لا الأنظمة الفكرية الجاهلية”[48].

أما العلوم حسب الأستاذ عبد السلام ياسين “التي يتعين على الأمة أن تطلبها، وتبذلها لأجيالها وتنشرها فيهم، هي تلك التي يحركها روح العلم بالله وبسنة رسوله. فالخير كله في الفقه في الدين، وما يأتي بعد الفقه في الدين فهو وسيلة لخدمة مقاصد الدين. إنما الدين النصيحة، والنصيحة بذل للعلم. فتحدي الإنتاج والتوزيع، وتحدي القوة العسكرية والتكنولوجية، وتحدي الوحدة والتماسك والاستقرار، لن يجاب عنها إلا بوضوح النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين وخاصتهم وإمامهم. لن يجاب عنها إلا بالعبودية لله.

لا خير إلا في عالم ومتعلم يعملان بعلمهما، فهما فقط يمكن أن يقيما الدين بإقامة النصيحة على كل مراتبها. فإن لم يكن للمسلمين إمام فالعالم والمتعلم أي رجل الدعوة هم الأرجى أن يعلموا الأمة كيف تتحرك لتقيم منها إماما.

ليس فقه العبادات وحده هو فقه الدين، لكنه من أهم جوانبه إن تفرع عنه علم يغير المجتمع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي عن ابن عباس: “فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد”[49]، ففقه هذا الإسلام هو الفقه، والعبادة صلبه وروحه[50].

يتوقف الأستاذ عبد السلام ياسين عند تدهور المدارس التعليمية في مجتمعاتنا الإسلامية التي تدهورت تدهورا شنيعا بفعل المناهج التعليمية التي وضعها الاستعمار، ولا تزال امتدادا له، بل إن “أشد الاستعمار وأنكره فينا هو الاستعمار الثقافي، إذ رحلت بعد الاستقلال الصوري أعداد كانت جراثيم مجسدة على أرضنا، وحلت محلهم أعداد من الخبراء والأساتذة والعسكريين والمستشارين لحكام الجبر، هم أنكى فينا، لاستيلائهم المبرمج على عقولنا، وألسنتنا، ومراكز التوجيه في أجهزتنا.

فهذه الجراثيم المعنوية أنكى فينا، إدارتنا يسيرها من أبنائنا من هم النتاج الصرف للتربية الجاهلية، وإعلامنا وثكنات الشيطان في السينما والمسارح والشارع يتكلم منها صوت الغواية والكفر والفساد. لغتنا محقورة مزدراة إلا عند الخطب الرسمية تمويها على الشعب،  والتعليم عندنا حكر على الأغنياء والمحظوظين لدى الأوساط المستعمرة، العاتية فينا بمدارسها، ومراكزها الثقافية، ومكتباتها، وكتبها، وجرائدها، ومجلاتها، ومنحها الدراسية، وندواتها المميعة لأخلاقنا، الطامسة لديننا، والمحظوظون عند المستعمر الثقافي يعلمون أولادهم في مدارس هي المدارس، ويحصلون على شهادات هي الشهادات، وعلى تقنية تخولهم الاندماج في الطبقة الحاكمة. أما فينا معشر المستضعفين، فأفيون الثقافة الجاهلية يفعل فعل المخدر الفكري على شكل نشاطات ومهرجانات، وفعل المحرض والمهيج على شكل إيديولوجيات، وفعل المضلل على شكل إعلام موجه عالميا ومحليا ليفتت فينا العزائم، ويثبط النوايا، ويزيغ بالخطى بآداب إسلامية نعيد إن شاء الله للعلم حرمته، وللمدرسة والجامعة وظيفتهما، ولعملية التربية والتعليم هيبتهما، ولعلاقات التعليم بين عالم ومتعلم سلوك الإيمان والثقة والمحبة والصحبة. نطرد فسقة القراء من منابر التضليل، وشياطين الجاهلية من مراكز التأثير. ومن الإعلام نطرد صوت الميوعة والانحلال والكذب، ليسمع صوت الرجولة والجهاد.نترك إن شاء الله الجدل، ونتيح الفرصة لمن له قابلية التعلم، ونشجعه لتستفيد الأمة من كفاءته. تعليم للشعب المستضعف لا للنخبة المترفة.

في مساجدنا إن شاء الله تحيى مجالس الإيمان والعلم والحكم. وفي بيوتنا وشوارعنا ترفع كلمة الحق أن لا إله إلا الله فقد جاء الحق وزهق الباطل”[51].

كما أن هذا التراجع في المستوى العلمي التعليمي راجع كما أشار لذلك أحمد الصبيحي إلى “التقصير في علوم التفسير والحديث، وإهمال العلوم التي ألف فيها علماء الإسلام التآليف البديعة في نفسها وباعتبار وقتها”[52].

وأحسن العلم وأفيده حسب الأستاذ عبد السلام ياسين هو تعلم القرآن وتعليمه وقد خصه في الشعبة الثالثة والأربعين من المنهاج النبوي مستندا لحديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم عن عثمان: خيركم من تعلم القرآن وعلمه المؤمنون فرادى يتسابقون إلى هذا الخير. والحكومة الإسلامية تجمع الجهد، وتقنن هذا الشرع النبوي، فتجعل القرآن الكريم أول ما يدخل جوف الصبي، إن دخل جوفه النور فأحرى به أن ينشأ مهتديا، هذه الأمراض النفسية التي تصيب الأطفال والشباب والكهول ناشئة عن أوبئة النزغ الشيطاني. والقرآن، وهو شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة، درع تقي المؤمنين من ذلك النزغ، وبلسم يداوي جراح الفتنة السابقة، ويهيء المحل، وهو قلب الصبي وعقله، لتلقي بذرة الإيمان والرجولة. هذه الميوعات في برامج التعليم وكتبه وأساليبه ومضمونه يجب أن تطرح ليخلفها القرآن، لفظه ومعانيه، وعظه وقصصه، أحكامه وشرائعه، عوالمه الدنيوية والأخروية، الأرضية والسماوية، من محضن الصبيان، إلى مدارس الفتيان، إلى جامعات الرجال، يكون حفظ القرآن، والعمل بالقرآن، وتعليم القرآن، والاحتفال بالقرآن، صلب التربية والتعليم.

وبأمر الله في القرآن، وقد وعاه الفتى من صباه، تنبعث رغبة الأمة في اكتساب وامتلاك علوم الكون والاستقلال بها. وأين متعلمونا حتى من نجا منهم من عملية التمييع والعرقلة واستقطاب الجاهلية لأذكيائنا- في تفاهتهم من رجال المسلمين وعلمائهم الذين كان أصل تكوينهم ومحوره القرآن، وكان منهم أفذاذ في علوم الكون أثلوا المجد العلمي للإنسانية ؟ إن كان المسجد مركز إشعاع التعليم، والقرآن غذاء الصبي الأول، وزاده كل حياته فستنبعث فينا أجيال مصونة إن شاء الله، لن تستفزها المحرضات، ولن يغريها الكسب. بل تكتشف في سن مبكرة أن لا عيش إلا عيش الآخرة، وأن الجهاد في سبيل الله هو الخطة المثلى، والهدف والمشروع، الصالح للنفوس الكريمة.

والقرآن الكريم تتشربه الشخصية الغضة الفطرية هو وحده يعطي النفوس كرامتها، ويهديها فطرتها.جند الله يسمعون كلام الله فينفذون أمره، ويحفظونه ليناجوا به مولاهم، يتلذذون تلاوته يذكرون حبيبهم، يأنسون به في الليل والنهار، يحدو أشواقهم إلى الله، يقص عليهم نبأ الموكب النوارني موكب الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، يحثهم على صحبة المؤمنين على درب الجهاد[53].

وقد دعا الأستاذ عبد السلام ياسين إلى جانب تعلم وحفظ القرآن إلى “اتباع السنة النبوية التي تكون عندما نتخذها دليلا، ونموذجا للسلوك، ومرجعا لاستنباط فقه الحركة والجهاد، كفيلة أن ترفعنا إلى حيث نستطيع الإجابة عن كل التحديات. “فالغرض من السيرة أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته صلى الله عليه وسلم، بعد أن فهمها مبادئ وقواعد وأحكاما مجردة في الذهن”[54].

والعلم حق العلم بعد كتاب الله هو السنة المطهرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو: العلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة. جاءنا من قصص من كان قبلنا آيات تتلى، فكان جيل القرآن، جيل الصحابة في صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسمعون كلام الله يذكر لهم نماذج الجهاد يستحثهم للنهوض. ونحن إن شاء الله نولي وجهنا القلبي والفكري نحو ذلك النموذج النبوي، فنقرأ في السيرة المطهرة آيات الرجولة والإيمان والجهاد التي تعادل بل تفوق جهاد ورجولة وإيمان من كان قبلنا.

تدرس السيرة النبوية في حلق المسجد وأسر الجماعة تدريسا يتوخى ضرب المثل، وإبراز الحكمة، وفقه الحركة، كما يتوخى إيقاظ العاطفة وتوجيه الإرادة. وعند قيام الدولة الإسلامية إن شاء الله تطهر كتب الدراسة من أساطير الجاهلية ونماذجها وأسمائها، لتتغذى الشخصية الإسلامية منذ نعومة الأظفار بالمثال العالي لحزب الله كما وصفه القرآن، وجسدته العصبة المحمدية في إيمانها وأخلاقها وسلوكها وجهادها”[55].

و”لا ريب أن الإنسان مهما بحث عن مثل أعلى في ناحية من نواحي الحياة فإنه واجد كل ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعظم ما يكون من الوضوح والكمال”[56]. ولذا جعله الله قدوة للإنسانية كلها إذ قال: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ”(الأحزاب: 21).

وطرق التعليم حسب الأستاذ عبد السلام ياسين تكون بالخطابة اقتداء بالرسول الكريم حسب ما ورد في الحديث: روى ابن سعد والبيهقي ومسلم بنحوه عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب الناس احمرت عيناه، ورفع صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش: صبحكم مساكم‍! (أي كأنه ينذر الناس أن جيش العدو قد هجم) ثم يقول: أحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، من مات وترك مالا فلأهله. ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي![57].

كما أن التعليم يكون بالمواعظ والقصص حسب السنة النبوية بحيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة (أي يلقيها عليهم بين الحين والآخر ولا يواليها)؛ والموعظة تذكير بالله، وباليوم الآخر، وبما فرض الله على المؤمنين والمسلمين. وهي إذكاء للهمم، وتوجيه نحو السلوك الإيماني الحكيم، فإذا تحولت الموعظة إلى تنويم للهمم، وتبرير للأمر الواقع، فقد نضبت شعبة مهمة من شعب الإيمان. فالسيرة النبوية تقدم “النموذج الرائع للإنسان الداعي إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. الباذل منتهى الطاقة في سبيل إبلاغ رسالته..بين واجب التعبد والتبتل لربه، وبين حسن المعاشرة”[58].

وهذا ما نراه في المساجد على عهد الفتنة، حيث تتحول الموعظة إلى مجالس للخلاف وتكفير المسلمين، أو إلى مهرجانات لمدح الحكام وتصويب أعمالهم على جند الله قبل القومة وأثناء الزحف أن يستشعروا خوف الله، ويلبسوا لباس التقوى، لتكون موعظتهم بعد قيام الدولة الإسلامية موعظة مؤثرة يتوجه بها رجال الدعوة، لينوروا النفوس والعقول، إلى جانب رجال الدولة القائمين بوازع السلطان على إعادة ترتيب شؤوننا التي خربتها ذمم لا ترقب في المسلمين وجه الله، ولا تأتمر بأمره ولا ترعى حرمه[59].

كما أن التعلم  حسب الأستاذ عبد السلام ياسين لا يتم إلا بوجود معلم عالم وطالب لديه قابلية للتعلم من حيث الاستعداد العقلي والنفسي، فكذلك الجهاد لبناء الأمة على أسس إسلامية لا يتم إلا بوجود مجاهدين لديهم الكفاءة العملية الجهادية من حيث التربية والتنظيم، مع وجود قابلية في الشعب لقبول النظام الإسلامي في السياسة والاقتصاد والاجتماع. نرى كيف بعث الله عز وجل في هذه الأجيال الصاعدة حب الله ورسوله، والشوق إلى الإسلام وحياة الإسلام، استجابة للدعاة. ونرى أن الله عز وجل يثبط جهود حكام الفتنة وسدنتها فيفشلون على كل الواجهات.

“ففي القرآن خطاب لنا نحن جند الله بيا أيها الذين آمنوا. فإذا ورد ذكر جند الله (وهم الذين آمنوا) في معرض المدح والتزكية والتبشير اقترن اسمهم بوصف صلاح الأعمال فقال القرآن: “الذين آمنوا وعملوا الصالحات”، يتربى الذين آمنوا على الإيمان، ويدخلون في الولاية الإيمانية، فيستحقون أن يخاطبوا بالقرآن”[60].

كما في القرآن رسالة تعرفنا بهوياتنا الحقيقية، وتنبهنا إلى “موقع الحياة الدنيا من خارطة المملكة الإلهية زمانا ومكانا، أي إن علينا أن نكون عبيدا لله بيقيننا وسلوكنا الاختياري، كما تحققت هذه العبودية بالواقع الاضطراري”[61]، كما أكد البيان الإلهي هذه الحقيقة قائلا: “وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ اَلْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِاَلْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ اَلْوَتِينَ” (الحاقة: 44-46).

و”الخطأ في العلم خطير على نتائج العمل، والعمل بلا علم تخبط وجنون، والعمل في الغموض اضطراب لا يسير إلى غاية صالحة. من الناس من يفضل أن يعلم ماذا سيعمل قبل أن يبدأ في العمل. ومنهم من يكتفي بالظن فيبني عليه بناء لا يلبث أن ينهار. إنما يكون عملا صالحا ما كان على الصراط المستقيم. والصراط المستقيم في كتاب الله تعالى مسطور، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم متمثل كله صدق عازم، وجهد شاق، وبذل للمال والنفس في سبيل الله من الضروريات معرفة ما أمرنا الله به، ومعرفة كيف أنجز رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ما أمروا به، ومعرفة طبيعة زماننا ومكاننا، وتكتلات أعداءنا، وأسلحتهم، وأحلافهم، وتحركاتهم، ومعرفة ما لدينا من قوة رجال وقوة وسائل، ومعرفة الفرص المتاحة لنا، وبركة الساعة وهي فضل الله بهذه اليقظة في مطلع هذا القرن. وبعد المعرفة نمر إلى الإنجاز. فما كان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رجال تأمل بل كانوا رجال عمل صالح، إذ في عشر سنوات غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين غزوة. وبعث من السرايا ما يبلغ مع غزواته الأربعين أو الخمسين على خلاف في كل ذلك. عمل دائب، جهاد مستمر. جند الله يؤمر ويأتمر، يقتل ويقتل، يرحل أكثر مما يستقر، يبذل أكثر مما يغنم، فأمام جهادنا صعوبات تتمثل عقبات في الذهنيات، وعقبات في العادات، وعقبات في الأنانيات، الفردية منها والفئوية، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية”[62].

ولإنجاز المهمات التاريخية الملقاة على عاتقنا يتوجب علينا خطة هادفة ترتكز على الوضوح أولا في كل الخطوات، فلا نعمل في إطار مغلق على أنفسنا مهما كانت دواعي التستر. ولا نعمل في إطار مغلق عن الشعب، فإن الدعاية الداخلية والخارجية ضدنا تلفق علينا الأباطيل. يجب أن نعرف أننا مع الله ورسوله وبالتالي مع المستضعفين، نريد عدلا للناس كافة، وتقسيم أرزاق، وتقسيم أموال، بعد إنتاج أرزاق وأموال. وعلى الإحسان ثانيا: أي الدقة والإتقان فيما ننجزه من عمل؛ الدقة في أوصافه الإحسانية من حيث الإيمان، ومعيار هذا موافقته لأمر الله ورسوله. ثم الدقة في مواصفاته العملية ليكون ملائما للهدف المرجو منه دنيا وآخرة. فإن اكتفينا بصلاح النيات ولم نعط لأعمالنا ما يؤهلها لسد ثغرات العجز التكنولوجي، والإداري، والتنظيمي، والسياسي، والاقتصادي، فيليق بنا أن ننزوي في ركن هادئ من أركان التاريخ. ولئن كان الانزواء ممكنا في حق الأفراد، فإن الأمة تحت شقي الرحى، فإما تحيى بعز الإسلام وإما يدكها العدو دكا لا سمح الله! وعلى إحسان المؤمن العامل الصالحات لكل مهماته، وإحسان جند الله في كل الميادين، يتوقف مصير الأمة هنا ومصير المؤمن والمؤمنة عند الله. فعلى الإحسان نربي أجيالنا، وعليه ننظم صفوفنا. وعلى  المسؤولية ثالثا[63].

ونحن مسؤولون أمام الله عز وجل، نعرف ذلك ونؤمن به ونعمل على ضوئه. إن كان غيرنا ينفعل مع الأحداث، فيكون تصرفه رد فعل زمني، فنحن مسؤولون أن نصمد إلى الهدف الذي من أجل تحقيقه نتحرك. لكي يصبح مشروعنا في التغيير عملا ناجحا يجب أن نصارح الشعب بحقائق الظلم الطبقي، وحقائق التخلف الحضاري والاقتصادي، وحقائق التبعية لشرق الجاهلية وغربها. ثم لا يكفي أن نفضح المسؤولين عن الفتنة ونشير بأصابع الاتهام لماضي الفساد وحاضره. بل علينا أن نصارح أنفسنا ونصارح الشعب بالثمن الواجب دفعه لإصلاح ما أفسدوه. ويكون تصرفنا مسؤولا إن فضلنا الصدق على الكذب، والوضوح على الغموض، والتخطيط على الارتجال، وقلنا لأنفسنا وللناس أن بناء الإسلام جزاؤه الجنة بعد الموت، وأن جهاد بناء الإسلام لا بد فيه من عدل في قسمة التضحيات إلى جانب العدل في قسمة الأرزاق. ونحن يطلب إلينا إيماننا أن نتعامل مع الله، وأن نحاسب أنفسنا أمام الله. ومتى أسندنا ظهرنا إليه، وهو العزيز الحكيم، فهو معنا بلطفه وتأييده، وجلائل الأعمال التي تنتظرنا تهون. ولن نخشى باتخاذنا الموقف المسؤول أمام الشعب من إغلاق أبواب العمل أمامنا. فإن في هذه الأمة المباركة من كنوز الشهامة والرجولة والقدرة على البذل في سبيل الله ما نرجو أن يحقق الله به رجاءنا”[64].

خاتمة

يعد المنهاج النبوي مفتاحا لولوج “القومة” الكبرى وتصحيحا لمسار الأمة الإسلامية، ووضعها في الطريق الأقوم حتى تضطلع بدورها التاريخي الكفيل بإخراجها من الجهل والغوغاء وبطش الحكام، وترتقي إلى العالم الذي خصها به الله سبحانه وتعالى: “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ”. هذا المسار هو الذي قام باستعراضه الأستاذ عبد السلام ياسين متوقفا عند مكامن ضعف وقوة العالم الإسلامي، مقدما حلولا ميدانية آنية، وأخرى مستمرة وهادفة لتحقيق القومة وبناء صرح الأمة المتهاوي، تحدوه في ذلك غيرة عالم، ودافعه في ذلك تغيير المنكر الذي ضرب أطنابه عميقا في قلب المجتمعات الإسلامية. كل ذلك بفكر منبثق من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه الكريم.

وقد حاولت في هذه الورقة الوقوف على بعض مضامين المنهاج النبوي من خلال تناول محورية النص القرآني للاستدلال على قضايا العلم، بحيث وُجد النص القرآني أو الحديث النبوي مصاحبا لكل كلام الأستاذ عبد السلام ياسين، بل ومدعما قوله بآيات كريمة تم اختيارها بغاية الدقة والحرفية حتى تؤدي دورها على أكمل وجه، دليله في ذلك سعته العلمية وتدبره الجيد لمعاني الآيات الكريمة، وهو ما أعطى للعمل قيمة علمية تليق بمكانة صاحبه. فجاءت دعوته لإرساء قواعد الأمة الإسلامية على مكين الكتاب والسنة لأن العاطفة المجنحة خبال، ولأن فقه سلفنا الصالح الذين عاشوا رهائن مقهورة في قبضة العض والجبر لم يخلفوا لنا إلا نثارا من العلم لا يجمعه مشروع متكامل.

وللموضوع أهمية علمية، تتجلى في فهم الأستاذ ياسين للأبعاد الحقيقية للمنهاج النبوي، من خلال تقديم مقاربة جامعة ومانعة لقضايا المجتمعات الإنسانية وفق التصور الإسلامي، وإعطاء أجوبة شافية عن أسئلة العصر كما جاء في السيرة النبوية، استنادا إلى الأحاديث النبوية الشريفة والآيات القرآنية الكريمة. أما بُعد فكر الأستاذ عبد السلام ياسين فيمكن اختزاله في أمرين اثنين؛ الأول يتمثل في طرق الإيمان والجهاد التي تقرب مصير الفرد من الله في دار الآخرة، وهي الغاية الإحسانية حسب المؤلف، أما البعد الثاني، فيتمثل في سلك سبل المنهاج واستكمال شروطه لبلوغ الغاية الاستخلافية التي انتدبوا لها ووعدوا بها.

وفكر الأستاذ عبد السلام ياسين، يعد من جانب آخر، مطلبا أساسيا “لقيام الدولة الإسلامية التي يكون فيها القرآن الكريم وعلومه وما تفرع عنه من حكمة مادة الثقافة والتعليم والإعلام.

وقد نظر الأستاذ عبد السلام ياسين في مشروعه القومي/الثوري تأصيلا للنهضة واليقظة والتعبئة والإعداد والزحف على مثال قوله تعالى: “وَإِنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اَلله”ِ. فتكون بذلك القومة على منهاج النبوة، وتقود بعد العض والجبر إلى الخلافة على منهاج النبوة، ومعالجة قضايا العصر وشؤون الأمة الإسلامية بتفكير منهاجي وأسلوب منهاجي وخطوات تتأسى بخطوات الرسل عليهم السلام، استنارا بحكمة خطواتهم الموفقة بالنموذج المحمدي، صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.


لائحة المصادر والمراجع

 – ابن أنس، مالك، الموطأ، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، 1417 هـ.

– البوطي، محمد سعيد رمضان، فقه السيرة، دراسات منهجية علمية لسيرة المصطفى عليه السلام وما تنطوي عليه من عظات ومبادئ وأحكام، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

– البوكيلي، فائزة، دور العلماء في المجتمعات الإسلامية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، المحمدية، الدارالبيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 2001.

– ترحيني، محمد أحمد، المؤرخون والتاريخ عند العرب، بيروت، دار الكتب العلمية.

– الصبيحي، أحمد، “رسالة إلى أهل المغرب الأقصى، في نصيحتهم بالأخذ بالأسباب الصحيحة، للوصول إلى بحبوحة المجد الشامخ والشرف الأقصى”، المطبعة الحجرية الفاسية.

– المحاسبي، الحارث بن أسد والغزالي، أبو حامد، شرف العقل وماهيته، تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، بيروت، دار الكتاب العلمية، 1986.

– المقري التلمساني، محمد، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، بيروت، دار الكتاب العربي.

–  ديوبولد، فان دالين، مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ترجمة محمد نبيل نوفل وسليمان الخضري وطلعت منصور، القاهرة، المكتبة الأنجلو المصرية، ط2، 1986.

– زنيبر، أبو بكر، جهود الإسلام في تمدين البشر وترقية الإنسانية، ألف سنة 1938.

– سكحال، محمد بن محمد، كتاب الموطأ وأهميته بين مصادر المذاهب الفقهية، ضمن كتاب المذهب المالكي في المغرب، الدارالبيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط.1، 2010.

– صبحي، الصالح، مباحث في علوم القرآن، دار العلم للملايين، ط14، 1982.

–  فوزي، عبدالرزاق، مملكة الكتاب: تاريخ الطباعة في المغرب 1865-1912، تعريب خالد بن الصغير، منشورات كلية الآداب، الرباط، الدارالبيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 1996.

– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، تربية وتنظيما، الطبعة الأولى، فاتح شعبان 1401هـ/1981.

– ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال الرباط،1994.

– ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، ط1، 2009، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت.

– ياسين، عبد السلام، الإحسان، مطبوعات الأفق،1998م، البيضاء.

– ياسين، عبد السلام، كيف نجدد إيماننا، كيف ننصح لله ورسوله، 1998.

– ياسين، عبد السلام، مختارات، الفطرة وعلاج القلوب، 1998.

– ياسين، عبد السلام، مختارات،  سلامة القلوب، 1999.

– ياسين، عبد السلام، مختارات، كتاب اقتحام العقبة، 1999.

– ياسين، عبد السلام، مختارات، الثمن، 2004.

 

[1]– الكتاب الأول من سلسلة «دروس المنهاج النبوي»، 1998.

[2]– الكتاب الثاني من سلسلة «دروس المنهاج النبوي»، 1998.

[3]– الكتاب الثالث من سلسلة «دروس المنهاج النبوي»، 1999.

[4]– الكتاب الرابع من سلسلة «دروس المنهاج النبوي»، 1999.

[5]– الكتاب الخامس من سلسلة «دروس المنهاج النبوي»، 2004.

[6]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، تربية وتنظيما، الطبعة الأولى، فاتح شعبان 1401هـ/1981.

[7]– محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، الطبعة الأولى، 1994. مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال الرباط.

[8] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي،11.

[9] – نفسه، 12.

[10] – البوطي، محمد سعيد رمضان، فقه السيرة، دراسات منهجية علمية لسيرة المصطفى عليه السلام وما تنطوي عليه من عظات ومبادئ وأحكام، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 6.

[11] – أخرجه أبو داود في سننه والترمذي في جامعه من حديث زيد بن ثابت، انظر: سنن الترمذي، طبعة بولاق، 1292 هـ.

[12] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 12.

[13] – نفسه، 146.

[14] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 147.

[15] – صبحي، الصالح، مباحث في علوم القرآن، ، دار العلم للملايين، ط 14، 1982.

[16] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 200.

[17] – نفسه، 201.

[18] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 201.

[19] – بن أنس، مالك، الموطأ، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، 1417هـ.

[20] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 201.

[21] – سكحال، محمد بن محمد، كتاب الموطأ وأهميته بين مصادر المذاهب الفقهية، ضمن كتاب المذهب المالكي في المغرب، الدارالبيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط.1، 2010، 238.

[22] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 202/203.

[23] –  ديوبولد، فان دالين، مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ترجمة محمد نبيل نوفل وسليمان الخضري وطلعت منصور، القاهرة،  المكتبة الأنجلو المصرية، ط2، 1986، 37.

[24] – المقري التلمساني، محمد، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، بيروت، دار الكتاب العربي، 1/73.

[25] – المحاسبي، الحارث بن أسد والغزالي، أبو حامد، شرف العقل وماهيته، تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، بيروت، دار الكتاب العلمية، 1986، 32.

[26] – الصبيحي، أحمد، “رسالة إلى أهل المغرب الأقصى، في نصيحتهم بالأخذ بالأسباب الصحيحة، للوصول إلى بحبوحة المجد الشامخ والشرف الأقصى“، المطبعة الحجرية الفاسية، ص 3.

[27] – الصبيحي، أحمد، رسالة إلى أهل المغرب الأقصى، 3/5.

[28]– الصبيحي، أحمد، رسالة إلى أهل المغرب الأقصى، 13.

[29] – زنيبر، أبو بكر، جهود الإسلام في تمدين البشر وترقية الإنسانية، ألف سنة 1938.

[30] – البوكيلي، فائزة، دور العلماء في المجتمعات الإسلامية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، المحمدية، الدارالبيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 2001، 149.

[31] – ترحيني، محمد أحمد، المؤرخون والتاريخ عند العرب، بيروت، دار الكتب العلمية، 41.

[32] – البوكيلي، فائزة، دور العلماء في المجتمعات الإسلامية، ، 272.

[33] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 203/204.

[34] –  فوزي، عبدالرزاق، مملكة الكتاب: تاريخ الطباعة في المغرب 18651912، تعريب خالد بن الصغير، منشورات كلية الآداب، الرباط، الدارالبيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 1996، 271.

[35] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 205.

[36] – الصبيحي، أحمد، رسالة إلى أهل المغرب الأقصى، 16.

[37] – ياسين عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ط2، 1995.

[38]– ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1، 2009.

[39]– ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 2/16.

[40]–  ياسين، عبد السلام، الإحسان، ط 1، 1998، 1/15.

[41]– ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ط 1، 1989، 50.

[42] – ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ط 1، 1994، 124.

[43] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 7.

[44] –  ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ط 1، 1994، 123.

[45] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 206.

[46] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 206.

[47] – نفسه، 210.

[48] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 210.

[49] – البوطي، محمد سعيد رمضان، فقه السيرة، 3.

[50] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 211.

[51] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 212.

[52] – الصبيحي، أحمد، رسالة إلى أهل المغرب الأقصى، 3/5.

[53] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 213.

[54] – نفسه، 3.

[55] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 213.

[56] – البوطي، محمد سعيد رمضان، فقه السيرة، 3.

[57] – أخرجه أبو داود في سننه والترميذي في جامعه من حديث زيد بن ثابت، انظر: سنن الترميذي، طبعة بولاق، 1292 هـ.

[58] – البوطي، محمد سعيد رمضان، فقه السيرة، 4.

[59] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 215.

[60] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 216.

[61] – البوطي، محمد سعيد رمضان، فقه السيرة، 16.

[62] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي ، 218.

[63] – نفسه، 219.

[64] – ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 220.