توظِيف النَّصّ القُرآنيّ في نَظَرِيَّة المنهاج النَّبَوِيّ للأستاذ عبد السَّلام ياسين

0 367

د. المُعتَزّ بالله السَّعيد طه / كُلِّيَّة دار العلوم – جامعة القاهرة

 مُقَدِّمة

تُعتَبَرُ نَظَريَّةُ المنهاج النَّبويِّ واحدةً من نَظريَّات الفكر الإسلاميِّ المُستمدَّة من قراءةٍ عميقةٍ في التَّاريخ الإسلاميّ المُتَقَدِّمِ وسيرة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وصحابَتِه. ولما كانَت دراسةُ منهاج النَّبيِّ وسيلةَ الأستاذ عبد السَّلام ياسين لبناء نظريَّتِه لغايةٍ تربويَّةٍ وسُلُوكيَّةٍ يُفيدُ منها الفردُ والمُجتَمَع، فقد حَرَصَ على أن يكونَ القُرآنُ الكريمُ عمادَ نَظَرِيَّتِهِ وقوامَها؛ حتَّى أمكنَ القولُ إنَّ القُرآنَ الكريمَ – ومن بعدِهِ السُّنَّة النَّبَوِيَّة الشَّريفة – يُمَثِّلان المحورَ الرَّئيسَ الَّذي تدور نَظريَّةُ المنهاج النَّبَوِيّ في فَلَكِه، حيثُ عَوَّلَ الأستاذ ياسين على القُرآن والسُّنَّة في شُرُوح هذه النَّظَرِيَّة وتجلية ما غَمُضَ منها.

وفي ضَوء ذلك، يأتي مَوضُوعُ هذه الدِّراسة (توظِيف النَّصّ القُرآنيّ في نَظَرِيَّة المنهاج النَّبَوِيّ للأستاذ عبد السَّلام ياسين) لإلقاء الضَّوء على مركزيَّة القُرآن الكريم في كتابات ياسين الَّتي أفرزَت نظَرِيَّة المنهاج النَّبَوِيّ. وتقومُ هذه الدِّراسةُ على المنهج البَحثِيّ الاستقرائِيّ، حيثُ ينتقلُ فيها الباحثُ من المحاوِر الجزئِيَّة الَّتي تُوَظَّفُ من خلالِها نُصُوصُ القُرآن الكريم في نَظَرِيَّة المنهاج النَّبَوِيِّ إلى القواعد الكُلِّيَّة الَّتي تسمحُ بتكوين رؤيةٍ حولَ منهج الأستاذ عبد السَّلام ياسين في توظيف نُصُوص القُرآن الكريم، انطلاقًا من فهم هذه النُّصُوص وشُرُوحِها بما يتوافقُ مع طبيعة اللُّغَة العربيَّة الَّتي أنزِلَ بها القُرآن.

وعَلَيه، فالدِّراسةُ تهدفُ إلى التَّعريف بنظَرِيَّة المنهاج النَّبَوِيِّ والإبانةِ عن مكانة النَّصِّ القُرآنيِّ باعتبارِهِ مصدرًا لتوظيف النُّصُوص في نَظَرِيَّة المنهاج؛ بالإضافة إلى الهدف الرَّئِيس الَّذي يَتَمَثَّلُ في استقراء محاور النَّظَرِيَّةِ وجوانبِها المُنبَثِقَة عن مكتوبات الأستاذ عبد السَّلام ياسين من مُصَنَّفاتٍ ورَسائِل، وُصُولاً إلى منهج ياسين -الَّذي اتَّسَمَ بالوَسَطِيَّة والاعتِدال- في توظِيفِ النَّصِّ القُرآنيِّ والاحتجاج به.

وتحقيقًا لهذه الأهدافِ المنشودة، فقد اشتمَلَت الدِّراسةُ على ثلاثة محاور رئيسةٍ، حيثُ يعرِضُ الباحثُ في المحور الأوَّل لخلفِيَّةِ الدِّراسة بالإبانة عن الفكر الوَسَطِيّ عندَ الأستاذ ياسين، ثُمَّ بتقديمٍ لنَظَريَّة المنهاج النَّبَوِيّ؛ ويعرضُ في المحور الثَّاني للقُرآن الكريم – الَّذي يُمَثِّلُ عمادَ الدِّراسةِ وقِوامَها – باعتبارِهِ مصدرًا للنُّصُوص في نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ. ثُمَّ يعرضُ الباحثُ في المحور الثَّالث لتوظِيف النَّصّ القُرآنيّ في نَظَريَّة المنهاج النَّبَوِيّ عبرَ الأطُر الحياتِيَّة (الفَلسَفِيَّة، والاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، والسِّياسِيَّة، والأخلاقيَّة)، في مُحاوَلةٍ لاستخلاص منهجَ ياسين في توظيفِ نُصُوص القُرآن الكريم في بناء نَظَرِيَّتِه. وقد سُبِقَت هذه المحاورُ الثَّلاثة بمُقَدِّمةٍ تحوي موضُوعَ الدِّراسةِ وأهدافَها ومَحاورَها؛ وأعقَبَها الباحثُ بخاتمةٍ تحوي نتائِجَ الدِّراسة وما انتَهَت إليه؛ مع إجمالٍ للتَّوصِيات.

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?
Reload Reload document
| Open Open in new tab

لتحميل البحث كاملا [528.83 KB]

خلفيَّة الدِّراسة

– ياسين، والفِكر الوَسَطِيّ.

يُؤَدِّي استقراءُ فكر الأستاذ عبد السَّلام ياسين إلى نتيجةٍ حتميَّةٍ، مفادُها أنَّهُ أقامَ نَظَرِيَّةَ المنهاج النَّبويِّ على قاعدة وَسَطِيَّةٍ تنبذُ الإفراطَ كما تنبذُ التَّفريطَ. وهُوَ في ذلكَ يُؤَكِّدُ على الحَقِيقَة الَّتي أثبَتَها الله عَزَّ وجَلَّ في القُرآن الكريم لأمَّة النَّبيِّ مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، في قَولِه تعالى:

“وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” (آل عمران: 143).

وعلى سبيل المثال، نجدُ ياسينَ داعيًا إلى الجهاد في نَظَريَّتِه التَّربويَّة؛ لكنَّهُ يُمَيِّزُ بينَهُ وبينَ العُنف. ونجدُهُ نابذًا للرِّبا؛ وفي الوقت ذاتِهِ يدعو إلى بناء قاعدةٍ اقتصاديَّةٍ قويَّةٍ تُحَقِّقُ بعضًا من الغاية الَّتي تلتمسُها نظريَّة المنهاج النَّبَويّ. ويدعو – كذلكَ – إلى الالتزام بأخلاق النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ وسَمتِه الحَسَن في أدبِه وسُلُوكه؛ لكنَّه ينبذُ الخُضُوعَ والخُنوعَ للآخَرين نفاقًا أو تَمَلُّقا.

وفي ضوء نُصُوص ياسين في مُصَنَّفاتِه، نجدُهُ يَعرضُ للتَّصَوُّف ويُثني على الصُّوفِيَّة، فيقُول: “الصوفيَّةُ صفوةُ الله، أولياء الله، معهم جَوْهَرُ الإسلام ولُبُّ الإيمان، وطريقُهُم طريقُ العِرفان”[1]. ثُمَّ ينتقدُ حالَ طائفةَ البكتاشيَّة المُنتسبة إلى الصُّوفِيَّة – باعتبارها مُرَوِّجةً لمظاهر الدَّروشَة الَّتي يبرأ منها الصُّوفِيَّةُ في حَقِيقَتِهم – فيقول: “كان من أكثر الطوائف المنتسبة للتَّصوُّف زورًا وكُفُورًا طائفة البكتاشيَّة الَّذين كانت تقصدهم نساءُ العامَّة فيحبُلْنَ في الساعة “ببركة” الفَسَقةِ الفجرة في حفلاتٍ للفجور تحميها الدَّولةُ كما تحمي سائرَ مظاهر الدروشة والشعوذة” [2].

إنَّ الوَسَطِيَّةَ الظَّاهرةَ في نظريَّة المنهاج النَّبويّ تتجاوزُ الجانِبَ التَّنظيريّ إلى واقع الحياة، إذ هي نَظَريَّةٌ تربويَّة، الدُّنيا فيها وسيلةٌ للعمل والاجتهاد والسَّعي؛ والآخرةُ فيها غايةٌ لهذه الوسيلة. وتجلية لهذه الفكرة، يتعرَّضُ ياسينُ في ثنايا نَظَريَّتِه لجوانب الحياة: الفَلسَفِيَّة، والاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، والسِّياسِيَّة، والأخلاقيَّة؛ مُسترشدًا بفهم النَّصِّ القُرآنيّ المُوَجَّه إلينا، وبمنهاج النَّبيّ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ الَّذي كانَ واقعًا ملموسًا، عايَشَهُ صحابتُه الكرامُ والتزموا به.

ويلتمسُ ياسينُ تحقيقَ مطلب الوَسَطِيَّة والاعتدال في نظريَّة المنهاج النَّبَويّ؛ فيصفُ المُشكلةَ ويسعى إلى حلِّها من خلال تصحيح مفهوم الإيمان عندَ العامَّة الَّذينَ يفهمونَ الغيبيَّات على غير الوجه الَّذي جلاَّه الله سبحانه. يقولُ ياسين: “عدوى الفكر الجاهليّ والإرهاب الفكريّ الَّذي يُطارد الغيبيَّات جعلَ بعضَ المسلمين، غفر الله لنا ولهم، يتنازلونَ عن إيمانهم؛ حتَّى إنَّ بعضَهم فَسَّرَ الجنَّ بأنه يشبه أن يكون نوعا من المكروب، وبعضُهم أحالَ القُرآنَ نوعًا من دائرة معارف كونية” [3].

وينتقلُ ياسينُ إلى نبذ الغُلوّ في التَّسليم بالغَيبيَّات والمُعجزات إلى الدَّرجة الَّتي تختلُّ معها موازينُ الحياة، داعيًا إلى تغيير هذا التَّسَطُّح وفهم الأمور على حقائِقِها الَّتي أوجَدَ الله عليها الخليقةَ؛ فيقُول: “إنَّ لغةَ الجاهليَّة الَّتي سَرَت عَدواها في لُغتِنا كما سَرَت عدوى التشبُّه بهم في سائر أوجه حياتِنا لا تَتَّسِعُ لتعبِّرَ عن معاني القلب. فتجدُ منَّا مَن لا يتجاوز في تَصوُّره درجةَ التَّسليم لنور القرآن، وسكينة القلوب، وطمأنينتها، وسيما الوُجُوه السَّاجدة، وبركة السماء، وما إلى هذا من معجزات الأنبياء، وكرامة الأولياء، وعالَم الجنِّ والملائكة، وحقائق الجنَّة والنَّار، وأسرار القدر، والإلهام، والتحديث. كلُ هذا واجبٌ الإيمانُ به. لكن أن يُصبحَ كلُّ هذا لُبَّ حياة الأمَّة دون أن يتسطَّحَ في خُرافيَّةٍ شعبيَّةٍ، ودُون أن تدخلَهُ شعوذةٌ، ودون أن يحملَ على مغالاةٍ وانحراف، هو المطلبُ التَّربويُّ الأوَّل” [4].

ومن تجلية المُشكلة إلى مُحاولة الوُقُوف على حلِّها، يُمَثِّلُ ياسينُ بالإطار الاقتصاديّ الَّذي يراهُ جانبًا حياتيًّا لا ينفصلُ بحالٍ عن المنهاج النَّبَوِيِّ، لأنَّهُ مُصدَرٌ رئيسٌ من مصادر قُوَّة الأمَّة، وصُورةٌ من صُوَر العمل الَّتي أمرَ بها الإسلامُ الحنيفُ، ونبذَ في مُواجهتها القُعُودَ عن الكسب والخُمولَ بدعوى الورع أو الخوف من الوُقُوع في الشُّبهات؛ فيقُول ياسين: “إنَّ إصلاحَ الاقتصاد وتشجيعَ الكسب والإنتاج يمُرَّان من طريق الدَّعوة، ويدخلان من بابها. ولن نخرج من تخلُّف الأعرابية القاعدة الخائنة المنافقة فنستحق الخلافةَ في الأرض إلا عندما تكونُ في ضمائرنا وفي قوانيننا المعاملات الاقتصاديَّة فيما بيننا جزءًا لا يتجزَّأ من معاملتنا مع المولى عزَّ وجلَّ. لن نخرُجَ من التخلُّف بذهنيَّة الزهادة والهروب من الكسب والخمول والدروشة ادِّعاءً للورع، وخوف الوقوع في الشبهات. فذلك دين المؤمن الضَّعيف. وإنَّما يصلحُ الأمَّة جهادٌ اقتصاديٌّ يَعُمُّ أصنافَ النَّاس، ويغطِّي كُلَّ الحِرَف، ويؤمِّنُ كُلَّ حاجات الأمَّة.”[5].

– حول نظريَّة المنهاج النَّبويّ.

نَظَريَّةُ المنهاج النَّبَويّ – كما يعرضُها ياسينُ في ثنايا مُصَنَّفاتِه – نظريَّةٌ تربويَّة تتعلَّقُ بسُلوك الفرد في جماعتِه؛ وتستمدُّ معالِمَها من سُنَّة النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ القَولِيَّة والفِعليَّة والتَّقريريَّة، على النَّحو الَّذي سارَ عليه وانتَهَجَه أنبياءُ الله ورُسُلُه السَّابقون، واقتدى به – بعدَ ذلكَ – أصحابُ النَّبيّ وأنصارُه وتابعوهم من أهل الهُدى والرَّشاد. وفي ضوء ذلك، فالمنهاجُ النَّبويّ – كما يُعَرِّفُه ياسين – هو ذاك الصِّراطُ الَّذي نسيرُ فيه على خُطى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فنلحقُ – من خلاله – بأولئكَ الَّذينَ أنعمَ الله عليهم وقصَّ علينا – سُبحانَهُ – نعمَتَه عليهم وتفضِيلَه إيَّاهم ونُصرَتَهُ دَعوَتَهم في كتابه العزيز [6].

والغايةُ من المنهاج النَّبَويّ تتجاوزُ الفهمَ القاصرَ للاقتداء؛ إذ تتخطَّى ذلكَ لتكونَ منهجَ حياة. “فالمنهاجُ النبويُّ ضروريٌّ لتفسير التَّاريخ والواقع؛ وضروريٌّ لفتح النَّظرة المستقبليَّة؛ وضروريٌّ لرسم الخطَّة الإسلاميَّة دعوةً ودولةً، وتربيةً وتنظيمًا وزحفًا؛ وضروريٌّ لمعرفة الرَّوابط الشَّرعيَّة بين أمل الأمَّة وجهادِها؛ وضروريٌّ لمعرفة مُقوِّمات الأمَّةِ وهي تبحثُ عن وحدتِها؛ وضروريٌّ لإحياء عوامل التَّوحيد والتَّجديد؛ وضروريٌّ لمعالجة مشاكل الأمَّة الحاليَّة قصدَ إعادة البناء” [7].

ومن عُمُوم الغاية إلى خُصُوصِها، يُؤَكِّدُ ياسينُ على الغاية التَّربويَّة من نَظَريَّة المنهاج النَّبَوِيّ؛ وهي الغايةُ الَّتي حَقَّقَت أهدافَها مع صحابة النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ باعتبارهم مُمَثِّلين للجيل القُرآنيّ النَّبَوِيّ الأوَّل، الَّذي فَتَحَ الله لهم الأرضَ فُتوحًا، ومَكَّنَهم منها تمكينا، لمَّا التزموا أوامرَ الله سبحانه ومنهاجَ رسولِه الكريم، كما جلاَّها القُرآنُ الكريمُ والسُّنَّةُ النَّبَوِيَّة الشَّريفة.

وينفي ياسينُ وُجُودَ اختلافٍ بينَ طبيعة الجيل الأوَّل والأجيال التَّالية بما يحولُ دونَ التزام الآخرين بمنهج الأوَّلين. فالجميعُ بشَرٌ أوجَدَهُم الله لعبادتِه سبحانَه، واستخلَفَهُم في الأرض واستعمَرَهُم فيها. وفي هذا الصَّدَد يقولُ ياسين: “المنهاجَ النبويَّ التربويَّ التعليميَّ جاءَ من نفس المصدر الَّذي جاءَ منه جسمُ الإنسان وعقلُه ونفسُه وكيانُه. بما صلحَ به الجيلُ القرآنيُّ النبويُّ الأولُ تصلحُ به الأجيال إلى يوم القيامة إن كانت التَّربيةُ والتَّعليمُ قرآنيَّين نبويَّين” [8].

وانطلاقًا من الغاية التَّربَويَّة لنظريَّة المنهاج النَّبويّ، تبرزُ غايةُ الحثِّ على الجهاد المُنَظَّم في صُورَتِهِ الَّتي جلاَّها الله سبحانَه والتزَمَ بتحقيقِها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، سعيًا إلى صناعة جيلٍ من القادة القادرينَ على قيادة الأمَّة والنُّهُوض بها في مختلف الميادِين، وبما يُحَقِّقُ غايةً أسمى، هي العودةُ إلى ما كانت عليه الخلافةُ الإسلاميَّةُ الرَّاشدة بتغيير واقع الظُّلم وإضاعة الأموال وفساد البنى الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة وتبعيَّة الأمَّة وتَسَرُّب طاقاتها البشريَّة والماليَّة والمادِّيَّة إلى أعدائِها [9].

وترتبطُ النَّظريَّة – من وجهة نظر ياسين – بشعب الإيمان الَّتي يُجملُها لنا في عشر خصالٍ رئيسةٍ، تحوي كُلٌّ منها مجموعةً من الخصال الفرعيَّة بما يتوافقُ مع ما رواهُ أبو هُرَيرةَ رضيَ الله عنه من حديث النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، حيثُ قال: “الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ؛ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ” [10]. وتتمثَّلُ الخصالُ العشرُ الَّتي تتحدَّدُ من خلالها معالمُ النَّظريَّة في: الصُّحبة والجماعة، والذِّكر، والصِّدق، والبَذل، والعِلم، والعَمَل، والسَّمت الحَسَن، والتُّؤَدَة، والاقتِصاد، والجهاد [11].

وقد أبانَ ياسينُ في تقديمِهِ لنظريَّة المنهاج عن عَقَبةٍ رَئيسةٍ، تتمثَّلُ في أولئكَ الَّذينَ يقفونَ حائلاً أمامَ العودة إلى فطرة الله السَّليمة باتِّباع المنهاج النَّبَوِيّ. يقُول ياسين: “حينَ يبحثُ المؤمنون عن المنهاج النبويّ الَّذي ربَّى به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ جيلاً قُرآنيا من المحسنين لإعادة الشَّخصيَّة الجهاديَّة إلى قيادة الأمة ولإعادة القيم الإيمانيَّة الإحسانيَّة إلى مكانتها في سُلُوك الأمَّة، يسعى الآخرونَ لتجريد الأمَّة من تلك القيم ولعزل الشَّخصيَّة الإيمانيَّة من تقدير المسلمين”. ثُمَّ يقولُ شارحًا: “في نظر الملاحدة والتَّابعين للفكر الوضعيّ يتمثَّلُ التَّخلُّفُ كلُّه في جهةٍ، هي جهةُ الإيمان بالله وباليوم الآخر؛ ويتمثَّلُ التَّقدُّمُ كلُّه في جهة الكُفر بالغيب؛ وفي مقدمة الغيب وجود الله” [12].

القُرآن الكريم مصدرًا للنُّصُوص في نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ.

يُمَثِّلُ القُرآنُ الكريمُ المصدرَ الرَّئِيسَ الَّذي تقُومُ عليه هذه الدِّراسة، باعتبارِهِ القوامَ الَّذي يُعَوِّلُ عليه الأستاذ عبد السَّلام ياسين في صياغة نظريَّة المنهاج النَّبويِّ من ناحية، وتلخيصها سعيًا إلى تقديمِها للمُتَلَقِّي من ناحيةٍ أخرى، تحقيقًا لغايَتَين في طريق الإيمان والجهاد؛ هما “الغايةُ الإحسانيَّة الَّتي تعني مَصِيرَ المُسلمينَ الفَردِيّ عندَ الله في الدَّار الآخِرة، والغاية الاستخلافيَّة الَّتي نُدِبُوا إليها ووُعِدُوا بها متى استقاموا وسلكوا منهاجَ النَّبيّ صَلَّى الله عليه وسلَّم” [13].

وفي عُمُوم نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ، يُوَجَّهُ النَّصُّ القُرآنيّ إلى محورَين رَئِيسَين؛ يُعنى الأوَّلُ منهما بتوجيه المُسلمينَ إلى ترجمة آي القُرآن الكريم أعمالا وعدم الاكتفاء بتلاوتها، تحقيقًا للهدف الَّذي أنزلَ الله سبحانَهُ من أجلِه القُرآنَ الكريم. والشَّاهدُ على ذلك في قولِهِ تعالى:

“وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا” (المائدة: 48).

وفي هذا الصَّدَد يضَعُ ياسينُ قوامَ نَظَرِيَّتِه فيقُولُ: “أنزلَ الله الكتابَ بالحقِّ وبلسانٍ عربيٍّ مُبين. [والشَّرعُ والشَّريعةُ والمنهاجُ في لغة العَرَب بمعنى الطَّريق]. وبين أيدي المسلمين وفي صُدُورِهم آياتُ الله يتلونها ثُمَّ لا تُتَرجَمُ أعمالا. بين أيديهم سُنَّةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يُحبونها ويقرؤونها ويعجبون ويحنُّون، لكن لا يسلكونَ كما سَلَكَ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ وصحبُه مسلكَ الجهاد الَّذي سما بهم إلى ذرى الإيمان والإحسان تربيةً، ورَفَعَهم إلى الخلافة في الأرض تنظيمًا ودولة” [14].

فالقُرآنُ الكريمُ في ضوء هذا المحور ليسَ كلامَ الله المُنَزَّلَ على رسُولِه والمُتَعَبَّد به فحسب؛ وإنَّما هو كذلك منهجٌ حياتيٌّ للنَّاس كافَّة، التزمَ بتطبيقِه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وصحبُه؛ وامتَدَّ هذا التَّطبيقُ توازيًا ليشملَ مُعاصِري النَّبيّ وصحابَتِه، وتواليًا ليشملَ التَّابعين ومَن اهتدى بهم. وتهدفُ النَّظريَّة إلى توجيه المٌسلمينَ إلى العودة إلى ذلكَ الأصل تحقيقًا للغاية التَّربويَّة عبرَ الإيمان والإحسان، وتحقيقًا للغاية التَّنظِيميَّة من خلال سعيِهِم إلى إحياء الخلافة الإسلاميَّة الرَّاشدة.

أمَّا المحورُ الآخَرُ الَّذي يُوَجَّهُ إليه النَّصُّ القُرآنيُّ في نظريَّة المنهاج، فيتمَثَّلُ في مُواجهة العقبَة الواقِعة أمامَ الإنسان في طريقه إلى منهاج النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. ونلمَحُ أبعادَ هذه العَقَبَة في حالة الخُمول الَّتي تُصِيبُ بني البَشر، فتمنعهم عن فعل الخيرات أو النُّهُوض من غَفلَتِهم أو العَمَل على أداء واجباتِهِم. ونلمَحُ الشَّاهدَ على ذلك في قولِهِ تعالى:

“فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)” (البَلَد: 11-20).

ويُؤَكِّدُ ياسينُ على أثر اقتحام العَقَبة في جُلِّ مُصَنَّفاتِه سعيًا إلى تطبيق نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ باعتبارِ هذه النَّظريَّة طريقًا إلى إقامة الخلافة المنشودة. وفي هذا الصَّدَد يقُولُ ياسين: “الدَّعوةُ إلى الله تُخاطبُ الإنسانَ من حيث كونه إنسانًا في كَبَدٍ، تَستَحِثُّه للنُّهُوض من الجهل بالله والقُعُود عن الجهادِ في سبيل الله. تُشَجِّعُهُ على اقتحام العَقَبَة الَّتي يتجاوزُ باقتحامِها عوائقَ الشُّحِّ المجبولة عليه النُّفُوس، فيصبح مؤهَّلاً للانضمام لجماعة المؤمنين المتواصِّين بالصَّبر والمرحمة، المصطفين للميمنة والسعادة عند الله” [15].

ولَم يَكتَفِ ياسينُ بتوظِيفِ النَّصِّ القُرآنيِّ لتجلية نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ؛ فوَظَّفَ لأجل النَّصِّ القُرآنيّ أحاديثَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ الشَّارحَة لآي القُرآن الكريم؛ كما وظَفَّ لأجل النَّصِّ القُرآنيّ آراءَ المُحَدِّثِينَ والمُفَسِّرينَ وما جاءَ في هذه الآراء مُطابقًا لما تجري عليه اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ – الَّتي أنزلَ بها القُرآنُ الكريمُ – على مُستوى المباني (البِنية والتَّركيب) وعلى مُستوى المعاني (الدِّلالة والمَعنى المُعجَمِيّ).

وفي ضَوء الأطُر الحياتِيَّة الَّتي وُضِعَت النَّظَرِيَّةُ لأجل تقويمِها، يلجأ ياسينُ إلى توظيفِ النَّصِّ القُرآنيّ في الإطار الفَلسَفِيّ بصُورةٍ أكثرَ وُضوحًا ممَّا في الأطُر الأخرى؛ وذلكَ لاتِّصالِهِ بموضُوعاتٍ عقائِديَّةٍ وكلاميَّةٍ تتطلَّبُ صريحَ النَّقل في مُواجَهة هوى العَقل. ومن ناحيةٍ أخرى، يبدو ياسينُ مُتَحَفِّظًا في توظيفِ النَّصِّ القُرآنيّ في الجانب السِّياسيّ مُؤثرًا توظِيفَ الحديث النَّبوِيِّ. ومع هذا، لم يَخلُ أيٌّ من الأطُر الَّتي تَعَرَّضَت لها نظريَّةُ المنهاج من الجمع بينَ النَّقل والعَقل في تجلية الرَّأي وتوضيح الفكرة.

 

توظِيف النَّصّ القُرآنيّ في نَظَريَّة المنهاج النَّبَوِيّ.

لم تكُن نَظَريَّةُ المنهاج النَّبوِيِّ وليدةَ لحظةٍ، كما لم تكُن خاطرةً على ذهن واضِعِها؛ وإنَّما هي نتاجٌ رؤيةٍ عميقةٍ مرَّت بالعديد من المراحل حتَّى تَبلوَرَت في ذهن صاحبها، فقَدَّمَ للنَّظَرِيَّة وأوجَزَ القولَ في محاورِها الرَّئِيسة في جُلِّ مُصَنَّفاتِه؛ وبرزَت عنايتُهُ بها في كتابه (مُقَدِّمات في المنهاج)، كما جلاَّها ناضِجةً مُكتَملة الأركان في كتابه الموسوم باسم النَّظريَّة: (المنهاج النَّبويّ، تربية وتنظيمًا وزحفًا).

ولمَّا كانت نظريَّةُ المنهاج النَّبوِيّ ثمرةَ الرِّحلة العلميَّة لواضعها عبرَ مُصَنَّفاتِه الَّتي لا يكاد أحدُها يخلو من بعض محاور النَّظَرِيَّة، فقد حرصَ ياسينُ على توظِيفِ نُصُوص القُرآن الكريم باعتبارِها وسيلةً لدعم أفكاره وآرائِه، وأداةً مصدرُها النَّقلُ للإبانة عن أوجُه النَّظَريَّة وجوانب الإفادة منها من خلال الأطُر الحياتيَّة (الفَلسَفِيَّة، والاجتماعيَّة، والسِّياسِيَّة، والاقتصاديَّة، والأخلاقيَّة).

والدَّاعي إلى ذلك اقتناعُ ياسين بأنَّ تطبيقَ نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ سعيًا إلى إحياء الخلافة الإسلاميَّة الرَّاشدة – وهي الغاية الأسمى من النَّظريَّة – يتطلَّبُ مُحاكاةً لسُنَّة النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وفقَ ما أوحى به الله سُبحانَهُ لرسُولِه ففعلَه وأقرَّه، ثُمَّ وَجَّهَ صحابتَه وأنصارَه إليه فساروا على نهجِه حتَّى أصبَحَ طريقًا لهم ومنهجًا دينيًّا وحياتيًّا.

ونستنبطُ هذا الدَّاعي ممَّا أقرَّهُ ياسينُ نفسُه في هذا الصَّدَد آملاً أن تتحقَّقَ نظريَّتَه حينَ يقول: “نجدُ كلمة منهاج مُقترنة في موعود رسول الله صلَّى الله عليه وسَلَّمَ وبشارته لنا بكلمة نُبُوَّة. فهو منهاجُ نُبُوَّة، وهو المنهاج النَّبَوِيّ؛ منهاج تربيةٍ وتنظيم جهاديّ، تعرُّضًا واستعدادًا لإقامة الخلافة الإسلامية الَّتي يرضى الله عزَّ وجلَّ عن كُلٍّ منَّا إن بَذَلَ قصارى جهده لإقامتها على المنهاج الواضح والنموذج المنير، منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم”[16].

ورغبةً في الوُقُوف على منهج الأستاذ عبد السَّلام ياسين في توظِيفِ النَّصِّ القُرآنيِّ للإبانة عن جوانب نظريَّة المنهاج النَّبويِّ إجمالاً وتفصيلا، سنُحاولُ أن نقِفَ على نماذجَ من مواضع توظِيفِه لنُصُوص القُرآن الكريم في ضوء الأطُر الحياتيَّة (الفَلسَفِيَّة، والاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، والسِّياسِيَّة، والأخلاقيَّة) سعيًا إلى الإبانة عن الهدف المنشود من نَظريَّة المنهاج للأستاذ ياسين؛ مُستَمِدِّينَ هذه النَّماذج من أمَّهات كُتُبِه ورسائِلِه في مُختلف الميادين، لاسيَّما تلكَ الَّتي اختَصَّها بمحاور نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ.

– الإطار الفَلسَفِيّ

تناولَ ياسينُ هذا الإطارَ عند تقديمِه لموضوعاتٍ ومباحثَ مُتَّصِلَةٍ بالفلسَفة وما ينبثقُ عنها من موضُوعاتٍ عقائِدِيَّةٍ وكلامِيَّة في كتابِه الموسُوم بـ (الإحسان)، مثل: مَعاني الإحسان، والتَّمييز بينَ الإسلام والإيمان والإحسان، وشُعَب الإيمان، وفي حديثِهِ عن إيمان الصُّوفِيَّة، وتقدِيمِه للتَّصَّوُّف باعتبارِه منهجًا حياتيًّا في مباحثَ مُختلفة من الكتاب. وكذا عندَ تقديمه لمَبحَثَيْ تَجديد الإيمان والثِّقة بالله، في كتابه الموسُوم بـ (حوار مع الفُضلاء الدِّيمُقراطِيِّين). وبَدَت العنايةُ واضِحةً بهذا الجانب في معرِضِ الحديثِ عن السَّلفِيَّة والصُّوفِيَّة وأوجُه المُقارنة بينَ المُصطَلَحَين في كتابه (حوار الماضي والمُستَقبَل).

وتتجلَّى جُهُودُ الأستاذ ياسين في هذا الجانب في نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ من خلال التَّأليفِ بينَ العَقل والنَّقل؛ حيثُ يلجأ إلى العقل في استكشاف منطقيَّة الفكرة، ويلجأ إلى النَّقل في استنباط الدَّليل والحُكم الإلهيّ الَّذي جاءَ به القُرآنُ الكريمُ وأجلَتْهُ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّة. واقتَضَت طبيعةُ الإطار الفلسَفِيّ أن يُقَدِّمَ ياسينُ النَّقلَ على العقل في بعض الأحيان أمنًا للالتباس الَّذي قد يقعُ في ذهن المُتلقِّي؛ فنراهُ يُوَظِّفُ النَّصَّ القُرآنيَّ في بيان ماهيَّة عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة بشأن الإيمان، مُستَدِلاًّ في ذلكَ بقَولِهِ تعالى:

“اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ” (الزُّمَر: 23).

فقد أتى ياسينُ بالآية الكريمة للإبانة عن فكرتِه بوُجُود علاقةٍ بينَ الإيمان والأمانة حينَ يقُول: “الإيمان أمانةٌ، والأمانةُ الإيمانيَّةُ كنزٌ ومعينٌ في قُلُوب الأمناء، والعُلماءُ هُم أمناءُ الرُّسُل. والقرآنُ أمانةُ تكليفٍ عظيمة، ونورٌ وهدايةٌ وبيان. نرى القلوب الخَرِبَةَ تقرأ القرآنَ باللسان العربي المبين، لكنَّ القلوب عجماء صماء لا أثر فيها لأمانة الإيمان، فهي أعجز عن تحمل أمانة القرآن” [17].

ويحرصُ ياسينُ على إقامة التَّجانُس والانسجام بينَ النَّصِّ القُرآنيِّ والفكرة في نظريَّة المنهاج النَّبويّ. ونلمحُ هذا في مَعرِضِ الحديثِ عن الثِّقة بالله مُستشهدًا في ذلكَ بقول الله تعالى:

“هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ” (الأنفال: 62، 63).

ففي توظيف الآية الكريمة ينتهجُ ياسينُ القياسَ للإبانة عن تأييد الله لعباده المُؤمنين قياسًا على تأييد الله سُبحانَهُ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وتأليفِه بينَ قُلُوب عباده حالَ اكتمال إيمانِهم. فالنَّصُّ القُرآنيُّ مُوَظَّفٌ لفكرة ياسين بأنَّ “ثقة الشعب رأس مالك، وقابليته للبذل والجهاد في سبيل الله متى استيقظ إيمانه وتنور وعيه رصيده. فإن كانت ثقته بالله عزَّ وجلَّ وصدقه معه، وتصديقه لموعوده حافز تحركه كان مما يؤيده الله به في قومه من يؤلفهم حوله من المؤمنين والمسلمين” [18].

ويُساعدُنا الوُقُوفُ على منهج ياسين في توظِيف النَّصِّ لبيان عقيدة الصُّوفِيَّة على فهم فكرتِه بشأن الصُّوفِيَّة والتَّصَوُّف. وتبدو هذه الفكرةُ مُعتدلةً إلى درجةٍ كبيرةٍ عندَ ياسين الَّذي يرى أنَّ الصُّوفِيَّةَ في حَقيقَتِها “تجعلُ أهلَها أكثرَ النَّاس تمسُّكًا بالكتاب والسُّنَّة؛ ومنهُم يتعلَّمُ التَّلامذةُ الإخلاصَ المُطلَقَ لله ورسولِه، وصدقَ الاتباع لله ورسوله” [19].

ويؤكِّدُ على ذلكَ بقولِهِ: “مَن زَعَمَ الانتسابَ إلى الطَّائفةِ فمعيارُ صدقِهِ وإخلاصِهِ وصوابِهِ مقدارُ ما عندَهُ مِن حُرمةٍ للقرآن والسُّنَّة” [20].

ويُوَظِّفُ ياسينُ النَّصَّ القُرآنيَّ لبيان التزام الطَّائفة بتقوى الله التماسًا لغاية التَّعلُّم، والتزامهم بطاعة الله التماسًا لغاية الاهتداء، مُستشهدًا – في ذلك – بقولِه تعالى:

“وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (البَقَرة: 282).

وكذا في قَولِه جلَّ شأنه:

“وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا” (النُّور: 54).

ومعَ ما انتهَجَهُ ياسينُ من توظيف النَّصِّ القُرآنيِّ لبيان حقيقة الصُّوفِيَّة ودرء شُبهة الشَّطَح عن أهلِها، نجدُهُ ينتقدُ حالَ طائفةٍ من المُنتَسبين إلى الصُّوفِيَّة المُسيئين إليها، نافيًا أفعالَهُم عن الصُّوفِيَّة الحقيقيَّة الَّتي انبثَقَت عن المنهاج النَّبَوِيّ وسارَ عليها المُتَصَوِّفةُ الأوائل؛ فيقُول في معرضِ حديثِهِ عن التَّواضُع: “بعضُ المنتسبين للتَّصَوُّف انزلَقُوا في الدَّروشة والمسكنة، وبعضُ النَّصَّابين باسم التَّصوُّفِ لبَّسُوا على النَّاس بتواضُعٍ كاذب، هو الرِّياء أقبح الرِّياء” [21].

– الإطار الاجتماعيّ

أوْلى ياسينُ هذا الإطارَ عنايةً خاصَّة باعتباره عُنصُرًا رئيسًا من عناصر نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ. فتناوَلَهُ عند تقديمِه لمَبحَثَي التَّربية والتَّنظيم في كتابِه (المنهاج النَّبويّ، تربية وتنظيمًا وزحفًا). وتناوَلَهُ كذلكَ في كتابِه الموسُوم بـ (إمامة الأمَّة) في معرِضِ حديثِه عن آداب الدُّعاة في السُّوق مع العامَّة، وآداب الوُلاة مع الرَّعيَّة وتنظيم التَّربية والتَّعليم وآداب التَّعلُّم؛ وفي كتابِه (القُرآن والنُّبُوَّة) عرضَ لمباحثَ رئِيسةً، منها: الشُّورى والصَّرامة والرِّقَّة والمُؤاخاة.

واقتَضَت الغايةُ التَّربويَّةُ الَّتي يلتمسُها عبد السَّلام ياسينُ من نظريَّة المنهاج النَّبويّ أن يحوزَ الإطارُ الاجتماعيُّ قدرًا كبيرً من عنايتِه، كونَ هذا الإطار يُنَظِّمُ العلاقات بينَ الأفراد وبعضِهم، ويُوجِدُ صُورةً مثالِيَّةً للمُجتَمَع المُسلم القائم على التَّآخي والتَّراحُم والسَّلام. وهُوَ في نظريَّتِه لا يكتفي بتقديم الإطار الاجتماعيّ بمفهومه الضَّيِّق المُتَمَثِّل في علاقات الأسرة المحدودة؛ وإنَّما يتجاوزُ ذلكَ إلى تناوُل علاقات الأفراد جميعًا؛ علاقة الفَرد بالفَرد، وعلاقة المُسلم بأخيه المُسلم.

ويُعنى ياسينُ بفِعل النَّبيّ إبراهيم عليه السَّلام مع أبيهِ وقومه، وقد كانوا أسوةً له؛ ثُمَّ ينتقلُ إلى توصِية بنيه وقد كانَ هُوَ أسوةً لهم. والأسوةُ – كما يرى ياسينُ – مشروطةٌ بقاعدة الإيمان بالله أوَّلاً، وإن حسُنَت أخلاقُ الأسوة. ويُوَظِّفُ ياسينُ النَّصَّ لتجلية هذا المِعيار بينَ إبراهيم ووالده في قولِه تعالى:

“وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الزُّخرُف: 26 – 28).

ثُمَّ يُوَظِّفُ نَصًّا آخرَ لتجلية المعيار بينَ إبراهيم وبَنِيه في قَولِهِ تعالى:

“وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (البقرة: 130- 134).

فالعلاقةُ الاجتماعيَّةُ القائمةُ بينَ إبراهيم عليه السَّلامُ ووالدِه تُلزِمُهُ بالتَّأدُّبِ معه، لكنَّها لا تمنَعُهُ من الإعراض عنه لمَّا أهملَ نصيحَتَهُ بعبادة الله الواحد. والعلاقةُ بينَ إبراهيم وبَنِيه تُلزمُهُ بالعطف والرَّحمة، لكنَّها لا تمنعُهُ أن يُوصِيهِم بقُوَّةٍ أن يُسلموا لله ربِّ العالَمِين. وعلى نهج إبراهيم عليه السَّلام تَسيرُ ذُرِّيَّتُهُ من بعدِه، ليُوصِي يعقُوبُ عليه السَّلام بنِيه بما أوصَى به إبراهيمُ بنيه من قبل. وتبرُزُ ثمرةُ التَّأدُّب مع الوالد في طاعة الولد لوالِدِه جيلاً بعد جيل، وذُرِّيَّةً بعدَ ذُرِّيَّة.

وفي الحديث عن العلاقة بينَ الدَّاعية والطَّالب، يتَّجهُ ياسين إلى توظيف النَّصّ القُرآنيّ للإبانة عن توجيه الله سُبحانَهُ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ الَّذي جاءَ في صُورة عتابٍ لمَّا أعرَضَ عن الأعمى الَّذي جاءَ يلتمسُ دَعوتَهُ وتوجيهَه [عبد الله بن أمِّ مكتوم]، في إشارةٍ إلى آداب الدَّعوة والتَّبليغ وما ينبغي أن يكونَ عليه الدَّاعيةُ مع المُتَلَقِّي من الصَّبر في سبيل دعوتِه؛ فوظَّفَ لذلكَ التَّعليمَ القُرآنيَّ في قول الله تعالى:

“عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى.” (عَبَس: 1-6).

ومع حرص ياسين في ثنايا نَظَرِيَّتِه على إقامة إطار اجتماعيٍّ قوامُهُ الأدبُ بينَ الأفراد وبعضِهِم، إلاَّ أنَّهُ يسعى إلى تأكيد حقيقةٍ مفادُها أنَّ الأدَبَ لا يعني الخُضُوعَ أو الاستسلامَ للآخَر. فالعلاقةُ الاجتماعيَّةُ بينَ طَرَفَين قائمةٌ في أساسِها على احترامٍ مُتَبادَلٍ بينهما، وعلى مُراعاة كُلِّ طرَفٍ لمصالح الطَّرَف الآخَر، بما يُحَقِّقُ النَّفعَ للطَّرَفَين، ويما يحفظُ لكُلٍّ منهما حُقُوقَه؛ فإن اختَلَّت هذه العلاقةُ فقد أصبَحَت بينَ فردٍ ومُعتَدٍ. وفي هذا الصَّدَد يُوَظِّفُ ياسينُ النَّصَّ لينفي وُجودَ علاقةٍ بين الأدَب والخُنوع للمُعتَدِين الَّذينَ يُمَثِّلُونَ طرفًا آخَر. ويُشيرُ إلى فكرةٍ مرَدُّها أنَّ التَّحلِّي بالآداب الَّتي تُجلّيها الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ لا يعني الاستكانة والخُضُوع للآخَر بما يترتَّبُ عليه طُغيانُ الظَّالم وضياعُ حُقُوق المظلوم.

ويُؤَكِّدُ ياسينُ على ذلكَ في حديثِه عن فريضة الجهاد، فيُوَظِّفُ النَّصَّ القُرآنيَّ لبيان حالة المُسلمين المُستَضعَفين، مُستشهدًا بقولِه تعالى:

“أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.” (الحَجّ: 39).

ثُمَّ يُوَظِّفُه للإبانة عن واجِبِهم في مُواجَهة عدوِّهم، مُستشهدًا بقولِه تعالى:

“وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ” (البَقرة: 190).

 

– الإطار الاقتِصادِيّ

تناولَ ياسينُ هذا الإطارَ عند تقديمِه لموضوعاتٍ ومباحثَ في كتابِه الموسُوم بـ (في الاقتِصاد)، مثل: إدارة الأموال، وترويض المال لأهدافنا، وفي حديثه عن الإنتاج، وفي حديثِه عن الاحتكار والتبذير والتَّكافُل في مبحث التَّوزيع، وفي حديثِهِ عن التَّصنيع وتوطين التِّكنولوجيا. وتناولَ الإطارَ الاقتِصادِيَّ أيضًا عندَ تقديمه لمبحَث التَّكَسُّب في كتابِه (الإحسان)، وعندَ تقديمِه لمبحَث (البِرّ والبَذل) في كتابِه الموسُوم بـ (العَدل: الإسلاميُّون والحُكم)؛ وكذا عندَ تقديمِه لذلك المبحَث الَّذي وَسَمَهُ بالعاهة الرَّأسماليَّة في كتابه (الإسلام والحداثة).

ويَستمِدُّ الإطارُ الاقتصاديُّ في نظريَّة المنهاج النَّبَوِيِّ أهمِّيَّتَهُ من أثره الملموس في النُّهُوض بالأمم. ذلكَ أنَّ “معيار نجاح الدَّولة الحديثة نجاعتُها ومقدرتُها على ضبط الآليَّات المعقَّدة التي تتحكَّمُ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من أمُور حياة النَّاس”[22]. وفي هذا الصَّدد يُجلّي ياسينُ نَهيَ الإسلام الحنيف عن الإسراف والتَّبذير، فيقُول: “إن تبذيرَ الثَّروات والإسرافَ في استهلاكها لَمِن أخبثِ جرائم الاقتصاد الجاهليّ؛ ينهى الإسلامُ عن الإسراف والتبذير نهيا شديدا”[23]. ويُوَظِّفُ ياسينُ لتجلية الفكرة قَولَهُ تعالى:

“إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ” (الإسراء: 27).

ومع هذا النَّهي، يُؤَكِّدُ على حقيقة أنَّ الله سُبحانَهُ لا يمنعُ عبادَهُ عن الاستمتاع بالطَّعام والشَّراب ولا يكبتهم في ذلك، وإنَّما يُنَظِّمُ لهم حياتَهُم. فلهم أن يأكلوا ويشربوا، وعَلَيهم تحقيقُ الوسيلة الاقتصاديَّة بألاَّ يُسرِفُوا في الطَّعام والشَّراب. ويُوَظِّفُ ياسينُ لتجلية هذه الفكرة قَولَهُ تعالى:

“وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.” الأعراف: 31.

وفي سَعيِه للوُقُوف على المُشكلة الاقتصاديَّة الَّتي يُعاني منها المُجتَمَعُ الإسلاميّ، يرى ياسينُ أنَّ هناكَ سَبَبَين رَئيسَين لوُجود هذه المُشكلة الَّتي تنتفي بانتفاء هذين السَّبَبَين. فالسَّبَبُ الأوَّلُ هو الحكم العاض المتمثِّلُ في سلاطين النفط وأضرابهم؛ أمَّا السَّبَبُ الآخَرُ فهو الحكم الجبري المتمثِّلُ في الزَّعامة القوميَّة الَّتي تقولُ كلمةَ الحقِّ بشجاعةٍ، لكن من مواقع الباطِل” [24].

ويُوَظِّفُ ياسينُ النَّصَّ القُرآنيَّ في هذا الإطار ليُؤَكِّدَ رسالَتَهُ التَّربَويَّةَ الَّتي تُجلِّيها نظريَّةُ المنهاج النَّبوِيّ؛ فيُرَكِّزُ في حديثِه عن ترويض المال لأهدافنا على التَّوفيقِ بينَ الخُلُق الإسلاميّ والخُلُق الإنسانيّ في المُعامَلات الاقتصادِيَّة، مُؤثرًا أن يُخاطِبَ العقلَ بلُغة العَقل. ويدعو ياسينُ إلى حفظِ حقِّ صاحب المال بما لا يتعارضُ مع حُقُوق الجماعة العاملة من ناحية، وبما يضمنُ عدالةَ التَّوزيع من ناحيةٍ أخرى. يقُولُ ياسين: “بإلجام المالِ وترويضِه بالقوانين الإسلاميَّة يُصبحُ من المُمْكِن ربطُ مصالح العمل برأس المال ربطًا لا يجحفُ بالعامل، ولا يُعطي صاحبَ المال فُرصةً لتجاوُز حقِّه. وبتلك القوانين يُمنَعُ صاحبُ المال من الإضرار بمصالح الجماعة، ومن السَّيطرة على السُّوق كما يُسيطرُ رأسُ المال المُنساب من كلِّ قُيُود” [25].

ومن مُخاطَبة العَقل بالعَقل إلى مُخاطبة العَقل بالنَّقل، ينتقلُ ياسينُ بالنَّصّ القُرآنيّ الشَّارح لمعنى البرّ من حالة العُمُوم والإجمال إلى حالة الخُصُوص. ويهدفُ بذلك إلى التَّأكيد على التَّوسُّع المقصود في دلالة الكلمة. ويُوَظِّفُ تحقيقًا لهدفِهِ قولَ الله تعالى:

“لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.” (البقرة: 177).

ثُمَّ يدعو إلى ما ينبغي أن تكونَ عليه النَّفسُ البشريَّةُ من صفاءٍ وطيب نَفسٍ، وما ينبغي أن يتمَتَعَ به الأبرار؛ فينتقلُ إلى حالة الخُصُوص بتوجيههم إلى الإنفاق ممَّا يُحبُّون، مُوَظِّفًا قولَهُ تعالى:

“لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.” (آل عمران: 92).

ومن هذا المُنطَلَق، جاءَت الدَّعوةُ إلى التَّطَوُّع الإيمانيّ المُنبَعِثِ من أعماق إرادة كُلِّ مُسلمٍ ومُسلمة، حُبًّا لله واحتسابًا ورحمة بالخلق. فهو – كما يرى ياسين – الوسيلةُ المؤسِّسَة للعمران الأخوي. فقد أحاطَت الشَّريعةُ المحمَّديَّة حياةَ المسلمين بواجباتٍ وحُقُوقٍ وآداب مِن شأنها إن رَعاها المسلمون أن تُحيلَ حياةَ الناس من يأس لرجاء، ومن بؤس لرخاء؛ وأن تفتحَ أمام الإنسانيَّة طريقَ الأمل في مستقبل أرضيٍّ “ذي وجه إنساني”[26].

ويَتَعَرَّضُ ياسينُ للزَّكاة باعتبارِها إحدى وسائِل دعم الاقتِصاد، كونها تُحافظُ على موازين القُوى الاقتصاديَّة بينَ الأفراد في مُجتمعاتِهِم من ناحية، وتُحَقِّقُ التَّضامُنَ والتَّكافُلَ بينهم من ناحيةٍ أخرى. وهُوَ في تقديمِه للزَّكاةِ ينتقلُ بالنَّصّ القُرآنيّ من التَّرغيبِ في الفريضة إلى التَّرهيب من تركِها. وفي حالة التَّرغيب يُوجدُ ياسينُ علاقةً بينَ فريضة الزَّكاة وتزكية النَّفس؛ ويقولُ في ذلك “المالُ حَقٌّ لله تعالى، يؤدِّيه المُتَمَلِّكُ الغنيُّ للفقراء؛ أداؤه امتحانٌ للشُّحِّ المغروز في الإنسان؛ يُفلِحُ الإنسانُ إن وُقِيَ شُحَّهُ وبرهَنَ بأداء الزَّكاة أنَّ دُنياه مُسخَّرةٌ لآخرتِه”[27].

ويُوَظِّفُ ياسينُ لتجلية هذه العلاقة قولَ الله تعالى:

“قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى.” (الأعلى: 14- 15).

وقَولَهُ سُبحانَه:

“قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا.” (الشَّمس: 9- 10).

وقَولَهُ جلَّ عُلاه:

“خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا” (التَّوبة: 103).

وفي توظِيف النَّصِّ القُرآنيّ للتَّرغيب دعوةٌ إلى التَّضامُن بينَ أفراد المُجتَمَع الإسلاميّ بما يُحَقِّقُ الهَدَفَ الَّذي فُرِضَت لأجلِه الزَّكاة.

وينتقلُ من التَّرغيب إلى التَّرهيب؛ مُوَظِّفًا لذلك قولَه تعالى:

“وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.” (التَّوبة: 34).

وبعدَ استيفاء النُّصُوص القُرآنيَّة الَّتي تُرَغِّبُ وتُرَهِّبُ، يَضَعُ ياسينُ رؤيةً مُستَقبليَّةً للزَّكاة حالَ عودة الخلافة الإسلاميَّة من جديد، فيقول: “الزَّكاة في ظلِّ الخلافة الثَّانية إن شاء الله ينبغي أن تتجَدَّدَ حيويَّتُها ويتوسَّعَ نطاقُها، وأن تُسْتخلَصَ مِن خُصُوصِيَّة الفريضة الفرديَّة الاختياريَّة الَّتي يؤتيها أو يمنعُها مَن يشاءُ لتُصبحَ واجبًا عامًّا وسياسةً للدَّولة ومصدرًا للمال قارًّا” [28].

– الإطار السِّياسيّ

وتناولَ ياسينُ هذا الإطارَ في مواضِعَ مُتَفَرِّقة من مُصَنَّفاتِه ورسائِلِه. فجاءَت في كتابِه الموسُوم بـ (العَدل: الإسلاميُّون والحُكم) موضُوعاتُ: المُعارَضَة والتَّعَدُّدِيَّة، والدَّائرة الصَّمَّاء، وواجب المُعارَضَة. واعتنى ياسينُ بالإطار السِّياسيّ – كذلكَ – في كتابَيه (الشُّورى والدِّيمُقراطِيَّة) و (الخلافة والمُلك).

يسعى ياسينُ إلى تجلية حقيقة السِّياسة على النَّحو الَّذي أرادَهُ اللهُ سبحانَه؛ أي: كما ينبغي أن تكون. ويقُولُ في هذا الصَّدَد: “ظاهرُ السياسة إما أن تكونَ شورى فهي حق، أو تكون استبدادا يمارسه جاهليون كفار على مجتمعات جاهلية كافرة”[29]. ثُمَّ يُوَظِّفُ لتجلية ذلك قولَهُ تعالى:

“أَ فَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.”(المائدة:50).

ومن ناحيةٍ أخرى، تسعى نَظَريَّة المنهاج النَّبَوِيّ عبرَ الإطار السِّياسيّ إلى الإبانة عن الخطأ الشَّائع في أذهان فئةٍ غير قليلةٍ من المُسلمينَ عن الجهاد بأنَّهُ إرهابٌ يخلو من التَّفكير والتَّخطيط. ويُجلّي ياسينُ رُؤيَتَهُ بالتَّمييز بينَ الإرهاب بمفهوم العُنف والجهاد بمفهوم القُوَّة، فيقول: “الفرقُ بينَ العُنف والقُوَّة أنَّ العنِيفَ يُحاولُ قَلبَ مَوازين القُوى في السِّياسة، وترجيحَ كفَّة قومٍ على قومٍ بمُقتضى تَعَجُّله وترامِيهِ لا سيرًا مع سُنَّة الله، وهي التَّدرُّجُ والمُطاولةُ والصَّبر. أمَّا القُوَّة فهي إعدادٌ، وبصَرٌ بالحاضر، واستبصَارٌ للمستقبل” [30]. ويُوَظِّفُ ياسينُ النَّصَّ القُرآنيَّ لتأكيد رؤيتِه، من خلال قولِهِ تعالى:

“وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ.” (الأنفال: 60).

ويشرحُ ياسينُ النَّصَّ القُرآنيَّ بربطه مع الواقع الملموس، فيقُول: “القُوَّةُ تغَذَّى وتُكتَسَب. حَمَلَت الأمَّةُ رسالةَ الإسلام قَوِيَّة على الحمل زمنًا، وكانَ لها من العِلمِ برسالتِها يقينٌ، ومِن العُلُوم الكَونِيَّةِ وسلاحِها ورباط خيلها رِفدٌ، وفي الصَّنائع كانَ لها القِدْحُ المُعَلَّى. ثُمَّ عجزت وخارَت قُواها فهي منْبَطِحةٌ. فِكرٌ مُعَوَّقٌ، وقُرآنٌ مهجورٌ، وطاقاتٌ مُعَطَّلةٌ، وهزيمةٌ تاريخيَّةٌ، ومُستقبلٌ غامضٌ، وتَجاربُ مُرَّةٌ، وكوارثُ وحوادثُ، وعدوٌّ مُفترسٌ، وهشاشةٌ في البِنيةِ التَّقليديَّة ينمُّ عنها اختراقُ الغزو الثَّقافيّ” [31].

– الإطار الأخلاقِيّ

لم تَخلُ نَظَريَّةُ المنهاج النَّبويِّ من جانبٍ أخلاقيّ سُلُوكيٍّ عميق، يتناولُهُ ياسينُ في العديد من المباحث والموضوعات. ففي كتاب (الإحسان) يتعرَّضُ بالشَّرح لمجموعةٍ من المحاور السُّلُوكِيَّة، مثل: الصّدق، والبَذل، والعلم، والعمل، والتَّؤدة، والسَّمت الحسن. وفي ضوء نظريَّة المنهاج يُفرِدُ مبحثًا خاصًّا للحديثِ عمَّا وَسَمَه بوحدة السُّلُوك في كتابه (المنهاج النَّبويّ، تربية وتنظيمًا وزحفًا).

يُعنى ياسينُ بتوظِيف نُصُوص القُرآن الكريم في هذا الإطار، لما لَهُ من أثرٍ على الفرد والمُجتَمَع. ونستطيعُ أن نستنبطَ منهجَهُ في توظيف النَّصّ القُرآنيّ بالنَّظَر – مثلاً إلى مبحث الصِّدق، الَّذي يلجأ فيه إلى مُخاطبة النَّاس عُمومًا وشباب المُسلمينَ خُصُوصًا، داعيًا إيَّاهم إلى الاقتداء بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ في دعوتِه رَبَّه سُبحانَهُ أن يجعلَ الصِّدقَ له طريقًا في الابتداء والانتهاء؛ فيُوَظِّفُ لذلكَ قولَهُ تعالى:

“وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا.” (الإسراء: 80.)

وتأكيدًا لرغبَتِهِ في توجيه الشَّباب المُسلم، يعقُبُ ياسينُ دعوتَهم بالاقتداء والاهتداء برسُول الإسلام مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بالاقتداء والاهتداء بأبي الأنبياء إبراهيمَ عليه السَّلام، مُوَظِّفًا لهذه الدَّعوة قولَ الله سبحانه فيما قَصَّ عن النَّبيِّ إبراهيم:

“وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ.” (الشُّعَراء: 84.)

وينتقلُ ياسينُ من التَّوجيه بالاقتداء إلى التَّوجيه بالتَّرغيب، وينقلُ الصُّورةَ من صدق النَّاس مع الله إلى صدق الله مع المُؤمنين والمُتَّقِين. ويُوَظِّفُ لتجلية هذه الفكرة النَّصَّين القُرآنِيَّين:

“وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ.” (يُونُس: 2).

“إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.”القَمَر:54،55.

ثُمَّ يُوَجِّهُ ياسينُ دعوتَهُ صريحةً إلى الشَّابِّ المُسلم فيحثُّه على التزام الصِّدق قولاً وفعلاً وخُلُقًا مع الله أوَّلا، ومع النَّفس ثانيًا؛ فيقولُ مُخاطبًا إيَّاه: “لا يُفِيدُكَ مكانُكَ في السُّلَّم التَّنظيميّ إن لم تَسْمُ بك الهِمَّةُ إلى مقعد الصِّدق عند المليك المُقتدِر سُبحانه، تُزاحمُ ثَمَّ الصِّدِّيقين” [32].

ويُمَيِّزُ ياسين بينَ السُّلوك باعتبارِهِ محورًا أخلاقيًّا يُنَظِّمُ علاقَةَ الأفراد مع بعضهم، والسُّلوك إلى الله، الَّذي لا يكونُ إلاَّ بالتَّقرُّب إليه بالفريضة والنَّافلة على النَّحو الَّذي جاءَ في منهاج النُّبُوَّة. فقد رَوى أبو هريرةَ رضيَ الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ قالَ: “إنَّ الله قالَ: مَن عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب؛ وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدِي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُه عليه؛ وما يزالُ عبدي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافلِ حتَّى أُحِبَّه. فإذا أحببتُهُ كُنتُ سَمعَه الَّذي يسمعُ به، وبَصَرَه الَّذِي يُبصرُ به، وَيَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورجلَه الَّتي يمشِي بها. وإن سَألني لأعطِيَنَّه، ولئن استعاذَني لأعيذَنَّه. وما تَرَدَّدْتُ عن شيء أنا فاعِلُه تَرَدُّدِي عن نَفسِ المؤمن، يَكرَهُ الموتَ، وأنا أكرهُ مَسَاءتَهُ” [33].

وفي هذا الصَّدَد يسعى ياسينُ إلى إزالة الالتباس الَّذي قد يقعُ في الأذهان بشأن السُّلوك إلى الله، باعتبارِه طريقًا إلى مختلف محاور الأخلاق، كونَه الخُلُق الأسمى والأجلّ. ويُجلّي ياسينُ فكرَتَهُ الَّتي يعكسُها الواقعُ فيقُول: “إنَّ السُّلوكَ إلى الله جَلَّت عَظَمتُه لا يمرُّ عن طريق انتصابك قاضيًا على النَّاس، ولا عن طريق تعمُّقِكَ في دراسة (علم السُّلُوك)، ولا عن طريق دفاعِك الَّذي لا يُجدي ولا يليق بما ابتدَعَهُ أصحاب الأحوال باسم التَّصَوُّف، وما جناهُ المتفلسفون على الطَّريق باسم التَّصَوُّف” [34].

ويَعرضُ ياسينُ رؤيَتَهُ حولَ السُّلوك إلى الله من خلال التَّواصي بالحقّ وهو الله، والتَّواصي بالصبر مع الذين يريدون وجه الله؛ ومن خلال التَّصديق بأنَّ من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور؛ ومن خلال الرُّجوع إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله للوُقُوف على مقامِ المقرَّبين من الله المحبوبين أوليائِه [35]. ويُوَظِّفُ ياسينُ للإبانة عن هذه الرُّؤية النُّصُوصَ القُرآنيَّة الثَّلاثة، كما قالَ تعالى:

“وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.” (العَصر: 1- 3).

“وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.” (النُّور: 40).

“أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آَمَنُـوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.” (يُونُس: 62- 64).

نتائِج الدِّراسة

وبعد؛ فقد سَعَت الدِّراسةُ إلى الإبانة عن منهج الأستاذ عبد السَّلام ياسين في توظِيف النَّصِّ القُرآنيِّ في نَظَرِيَّة المنهاج النَّبَوِيّ. وتوصَّلَت الدِّراسةُ إلى النَّتائِج التَّالية:

  • يُؤَدِّي استقراءُ مكتوبات الأستاذ عبد السَّلام ياسين إلى الوُقُوف على منهجِه في بناء نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ، كما يُؤَدِّي إلى الوُقُوف على منهجِه في توظيف النُّصُوص لتجلية الرُّؤَى والأفكار. وقد أبانَت هذه المكتوباتُ عن الفكر الوَسَطِيّ للأستاذ ياسين واعتدال منهجِه في التَّنظير والتَّطبيق.
  • يُمَثِّلُ القُرآنُ الكريمُ المصدَرَ الأوَّلَ في نَظَريَّة المنهاج النَّبَوِيّ؛ حيثُ اعتمَدَ عليه الأستاذ ياسين باعتبارِهِ مصدرَ الشَّريعة الإسلاميَّة الَّتي تُرشدُ النَّاسَ إلى منهجهم في الدِّين والدُّنيا.
  • نَظَريَّة المنهاج النَّبَوِيّ نظريَّةٌ تَربويَّةٌ حياتِيَّة؛ تستمدُّ مادَّتَها من القُرآن الكريم والسُّنَّة النَّبَوِيَّة، وتُجلّي الواقِعَ الَّذي كانَ عليه النَّبيُّ صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ وصحابتُه الكرام.
  • يُوَجَّهُ النَّصُّ القُرآنيُّ في نَظَرِيَّة المنهاج إلى محورَين رَئِيسَين، حيثُ يُعنى الأوَّلُ بتوجيه المُسلمينَ إلى ترجمة القُرآن الكريم أعمالا وعدم الاكتفاء بتلاوته، تحقيقًا للهدف الَّذي أنزلَ الله سبحانَهُ من أجلِه القُرآنَ. ويُعنى المحورُ الآخَرُ بمُواجهة العقبَة الواقِعة أمامَ الإنسان في طريقه إلى المنهاج النَّبَوِيّ بالتَّغلُّب على حالة الخُمول الَّتي تُصِيبُ بني البَشر فتمنعهم عن فعل الخيرات أو النُّهُوض من غَفلَتِهم أو العمل على أداء واجباتِهِم.
  • وُظِّفَ النَّصُّ القُرآنيُّ للإبانة عن نظريَّة المنهاج النَّبَوِيِّ في ضوء الأطُر الحياتيَّة المُمَثِّلة للواقع دينًا ودُنيا (الفَلسَفِيَّة، والاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، والسِّياسِيَّة، والأخلاقيَّة)؛ وقد جمعَ ياسينُ في توظِيفِه للنَّصِّ القُرآنيِّ بينَ العقل والنَّقل، مُقَدِّمًا صريحَ النِّقل على العَقل في المواطن الَّتي قد يصعُبُ فهمها على المُتَلَقِّي.
  • في توظِيفِه للنَّصِّ القُرآنيّ، لجأ ياسينُ إلى استخدام القياس باعتبارِهِ وسيلةَ احتجاج؛ وحَرَصَ على التَّدَرُّج بالنُّصُوص سعيًا إلى تجلية الأفكار. ويُؤَكِّدُ ياسينُ عَبْرَ النَّصِّ القُرآنيّ على الرِّسالة التَّربويَّة لنظريَّة المنهاج في ضوء الأطُر الخمسة الَّتي تَعَرَّضَ لها؛ كما سَعى إلى إزالة الالتباس العالِقِ في ذهن العامَّة بشان العديد من القضايا، على النَّحو الَّذي نجدُهُ في تمييزِهِ بينَ الإرهاب والجهاد، وعلى النَّحو الَّذي نجدُهُ في تحديدِه لمفهوم السُّلوك إلى الله.

 

التَّوصِيات

سعيًا إلى الإفادة من الدِّراسة، يُوصِي الباحثُ بما يلي:

  1. تَوجِيه عناية الباحِثِينَ إلى نَظَرِيَّة المنهاج النَّبَوِيِّ سعيًا إلى البحث في جوانب الإفادة منها على أرض الواقِع، في ظِلِّ الثَّورات العَرَبِيَّة الَّتي يشهدُها العالَمُ الحديث.
  2. توجيه عناية الباحِثِينَ إلى فكر الأستاذ عبد السَّلام ياسين عُمُومًا، ومنهجِهِ في بناء نَظَرِيَّة المنهاج النَّبَوِيِّ على وجه الخُصُوص، مع العمل على مُطابقة هذا الفكر بالواقع المشهود لجماعة العَدل والإحسان في ضوء المعايير المُستَخلَصة من نَظَريَّة المنهاج.
  3. توجيه عناية الخُبراء في التَّربية والتَّعليم إلى الغاية التَّربويَّة من نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ، ودعوتهم إلى تطبيق هذه النَّظَريَّة من خلال عملهم مع النَّشء بهدف إعداد أجيالٍ قادرةٍ على القيادة والعودة بالأمَّة الإسلاميَّة إلى ما كانَت عليه في عهد النَّبيّ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ وصحابتِه من الجيل القُرآنيّ النَّبَوِيّ الأوَّل.
  4. العمل على بناء حلقة وصلٍ بينَ الدُّعاة والمُفَكِّرين وأولي الرَّأي من ناحية، والسَّاسة والمسئولين وأولي الأمر من ناحيةٍ أخرى. وذلكَ التماسًا إلى تطبيق نظريَّة المنهاج النَّبَوِيّ في جميع جوانبها بما يُعالجُ مُشكلات الأمَّة المُعاصرة، وبما يفتحُ البابَ أمامَ النُّهُوض بها فكريًّا واجتماعيًّا واقتصادِيًّا وسياسيًّا وأخلاقيًّا.
  5. تَوجِيه عناية الدُّعاة والفُقَهاء إلى ضرورة تصحيح مفهوم التَّصَوُّف لدى العامَّة، بالإبانة عن منهج المُتَصَوِّفة الأوائل وما أصابَ بعضَ المُتأخِّرينَ من شَطَحٍ وغُلُوٍّ أدَّى إلى نبذ الصُّوفِيَّة لدى أهل السُّنَّة والجماعة.
  6. توجيه عُلماء التَّصَوُّف المُعاصِرين إلى العمل على مُعالَجة جوانب القُصُور في الفكر الصُّوفِيّ المُعاصِر، سعيًا إلى تحقيق رسالةٍ تربويَّةٍ سُلُوكيَّةٍ يُفيدُ منها عُمومُ المُسلمين بحثِّهم على الاقتداء بسيرة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وصحابَتِه وتابِعِيهم من أهل الهُدى والرَّشاد.
  7. إعادة النَّظَر في مكتوبات الأستاذ عبد السَّلام ياسين من المُصَنَّفات والرَّسائل، بتحقيقِ نُصُوصِها وشرح محتواها من الرُّؤى والأفكار؛ وذلكَ التماسًا للكمال المنشود في نَظَريَّة المنهاج النَّبَوِيِّ من ناحية، وتحقيقًا لأهداف النَّظَرِيَّة من ناحيةٍ أخرى.

المَصادر والمَراجِع

  • القُرآن الكريم.
  • ابن حَنبل، أحمد: مُسنَد الإمام أحمد، دار المَعارف، القاهرة، المَكتب الإسلاميّ، 1985.
  • ابن ماجه، مُحَمَّد بن يَزيد: سُنَن ابن ماجه، دار إحياء التُّراث العَرَبِيّ، 1975.
  • أبو الحُسَين، مُسلم بن الحجَّاج، صَحيح مُسلم، دار إحياء التُّراث العَرَبِيّ، القاهرة، 1972.
  • البُخارِيّ، مُحَمَّد بن إسماعيل: صَحِيح البُخاريّ، دار القَلَم، بيروت، 1987.
  • التِّرمِذِيّ، مُحَمَّد بن عيسى: سُنَن التِّرمِذِيّ، دار إحياء التُّراث العَرَبِيّ، (د.ت).
  • السَّجستانيّ، أبو داود: سُنَنَ أبي داود، دار الكُتُب العِلمِيَّة، بيروت، (د.ت).
  • النَّسائِيّ، أحمد بن شُعَيب: سُنَنَ النَّسائِيّ ، دار البشائِر الإسلاميَّة، بيروت، 1986.
  • ياسين، عبد السَّلام: الإحسان، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1998.
  • ياسين، عبد السَّلام: الإسلام وتَحَدِّي الماركسيَّة اللينينية، الطبعة الأولى 1987.
  • ياسين، عبد السَّلام: العَدل “الإسلاميُّون والحُكم”، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000.
  • ياسين، عبد السَّلام: المنهاج النَّبويّ “تربيةً وتنظيمًا وزحفًا”، الطبعة الثانية 1989.
  • ياسين، عبد السَّلام: إمامة الأمَّة، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2009.
  • ياسين، عبد السَّلام: تنوير المُؤمنات، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1996.
  • ياسين، عبد السَّلام: حوار مع الفُضَلاء الدِّيمُقراطِيِّين، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1994.
  • ياسين، عبد السَّلام: سُنَّة الله، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء، الطبعة الأولى 2005.
  • ياسين، عبد السَّلام: في الاقتصاد، مطبوعات الأفق البيضاء، الطبعة الأولى 1995.
  • ياسين، عبد السَّلام: محنة العَقل المُسلم، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال – الرباط، الطبعة الأولى 1994.
  • ياسين، عبد السَّلام: مُقَدِّمات في المنهاج، الطبعة الأولى 1989.
  • ياسين، عبد السَّلام: نَظرات في الفِقه والتَّاريخ، دار الخطابي للطباعة والنشر الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1989.

 

[1] ياسين، عبد السَّلام: الإحسان، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1998،ج1، ص398.

[2] ياسين، عبد السَّلام: الإحسان، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1998، ج2، ص216.

[3] ياسين، عبد السَّلام: القُرآن والنُّبُوَّة، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2010، ص32.

[4] ياسين، عبد السَّلام: القُرآن والنُّبُوَّة، ص32.

[5] ياسين، عبد السَّلام: في الاقتصاد، مطبوعات الأفق البيضاء، الطبعة الأولى 1995، ص91.

[6] ياسين، عبد السَّلام: المنهاج النَّبويّ.. تربيةً وتنظيمًا وزحفًا، الطبعة الثانية 1989، ص459.

[7] ياسين، عبد السَّلام: نَظرات في الفِقه والتَّاريخ، دار الخطابي للطباعة والنشر الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1989، ص12.

[8] ياسين، عبد السَّلام: محنة العَقل المُسلم، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال – الرباط، الطبعة الأولى 1994، ص34.

[9] ياسين، عبد السَّلام: المنهاج النَّبويّ، ص350.

[10] البُخاريّ، صَحيح البُخاريّ، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، 8؛ ومُسلم، صَحيح مُسلم، كتاب الإيمان، باب عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها، 50،51؛ والتِّرمِذِيّ، سُنَن التِّرمِذِيّ، كتاب الإيمان، باب ما جاءَ في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه، 2539؛ والنَّسائيّ، سُنَن النَّسائيّ، كتاب الإيمان وشرائعه، باب ذكر شعب الإيمان، 3918، 4919؛ وأبو داود، سُنَن أبي داود، كتاب السُّنَّة، باب في ردّ الإرجاء، 4056؛ وابن ماجه، سُنَن ابن ماجه، كتاب المُقَدِّمة، باب في الإيمان، 56؛ وأحمد، مُسنَد أحمد، كتاب باقي مُسنَد المُكثرين، باب باقي المُسنَد، 9372.

[11] ياسين، عبد السَّلام: المنهاج النَّبويّ، ص123. وانظُر أيضًا: ياسين، عبد السَّلام: مُقَدِّمات في المنهاج، الطبعة الأولى 1989، ص76.

[12] ياسين، عبد السَّلام: سُنَّة الله، مطبعة النجاح الجديدة – البيضاء، الطبعة الأولى 2005، ص11.

[13] ياسين، عبد السَّلام: المنهاج النَّبويّ، ص 6.

[14] ياسين، عبد السَّلام: المنهاج النَّبويّ، ص 6.

[15] ياسين، عبد السَّلام: المنهاج النَّبويّ، ص 16.

[16] ياسين، عبد السَّلام: المنهاج النَّبويّ، ص7.

[17] ياسين، عبد السَّلام: الإحسان، ج1، ص 114.

[18] ياسين، عبد السَّلام: حوار مع الفُضَلاء الدِّيمُقراطِيِّين، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1994، ص13.

[19] ياسين، عبد السَّلام: الإحسان، ج1، ص396.

[20] ياسين، عبد السَّلام: الإحسان، ج1، ص396.

[21] ياسين، عبد السَّلام: الإحسان، ج1، ص 489.

[22] ياسين، عبد السَّلام: الإسلام وتَحَدِّي الماركسيَّة، الطبعة الأولى 1987، ص77.

[23] ياسين، عبد السَّلام: في الاقتصاد، ص108.

[24] ياسين، عبد السَّلام: العَدل: الإسلاميُّون والحُكم، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000، ص219.

[25] ياسين، عبد السَّلام: في الاقتصاد. ص66.

[26] ياسين، عبد السَّلام: العَدل: الإسلاميُّون والحُكم، ص219.

[27] ياسين، عبد السَّلام: العَدل: الإسلاميُّون والحُكم، ص204.

[28] ياسين، عبد السَّلام: العَدل: الإسلاميُّون والحُكم. ص208.

[29] ياسين، عبد السَّلام: العَدل: الإسلاميُّون والحُكم، ص219.

[30] ياسين، عبد السَّلام: تنوير المُؤمنات، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1996، ج2، ص246.

[31] ياسين، عبد السَّلام: تنوير المُؤمنات، ج2، ص247.

[32] ياسين، عبد السَّلام: الإحسان، ج1، ص350.

[33] البُخاريّ، صَحيح البُخاريّ، كتاب الرِّقاق، باب التَّواضُع، 6021.

[34] ياسين، عبد السَّلام: إمامة الأمَّة، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2009، ص131.

[35] ياسين، عبد السَّلام: إمامة الأمَّة، ص132.