تفصيل القول في مركزية القرآن في الاجتهاد الأصولي عند الأستاذ عبد السلام ياسين

0 446

د. هدية غازي علي غازي/ مستشارة توجيه قسم اللغة العربية والتربية الإسلامية. أكاديمية الإبداع الأمريكية- الكويت

Hadiye_ghazi@hotmail.com

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد، قال تعالى في محكم كتابه المبين: “يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ”(البقرة: 269)، والمتأمل في كتب الشيخ عبد السلام ياسين -حفظه الله-  يُدرك تمام الإدراك بأنه ممن تفضل الله عليهم بهذه الحكمة، فقد أوتي ذروة العلوم وقمة اليقين والإدراك، فتمكن من تجديد شامل لفكر الدين الإسلامي الخالد برؤية عصرية متفتحة، فنتجت عن حكمة الأستاذ  نظريته المعروفة  بـ “المنهاج النبوي“، والتي انتهجها لإحياء الخلافة الثانية في الأرض كما جاء في الحديث الشريف[1]، وبعيداً عن أقوال المفسرين في معنى الحكمة في قوله تعالى: “هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ”(الجمعة:2)، فإنني عندما عرضت كلمة “الحكمة”-في الآية السابقة– على نظرية المنهاج خلُصت – والله أعلم- إلى أنه لا يمكن أن يكون المقصود منها السنة النبوية، والتي رجّحها غالبية المفسرين، وعليه يكون  تفسير”الحكمة” في الآية هو: الكيفية أو الطريقة التي تترجم بها القواعد العظيمة المرسيّة في الكتاب، والتي جاءت لخدمة البشرية، سواء كانت هذه القواعد مباشرة أو تحتاج إلى إعمال الفكر والعقل لاستخراجها وتطبيقها بحسب الزمان والمكان المناسبين، ثم إن أهمية الحكمة تتجلى في الآية الكريمة من حيث إطلاق المولى -عز وجل– هذا اللفظ على علم الرسول صلى الله عليه وسلم، عاطفاً كلمة الحكمة على القرآن الكريم، فكانت أهميتها مبنية على أهمية الكتاب،  متضمنة نهج السنة النبوية، ثم إن أن الحكمة ليست مقصودة لذاتها إنما المعنيّ هو الأثر الذي ينتج عن امتلاكها، وهذا هو الفهم الذي يجده المدقّق في فكر الأستاذ، فهو يطلق الحكمة على القدرة العقلية لمعرفة ما تأمر به الشريعة “والحكمة عقلية راجعة في معرفة الأهداف والغاية إلى الوحي، آخذة بالتجربة التي تمكن الإنسان من ضبط حركة الكون والسيطرة على تفاعلاته ليتسنى له تطبيق الشرع”[2]، وفي عصرنا  الحديث يمكن اعتبار الأستاذ عبد السلام ياسين مجدّدا في الاجتهاد الأصولي وإن كان لم يحصل به الاهتمام الكافي بعد، فهو من المجددين الذين يبعثهم الله تعالى على رأس كل مائة كما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم [3]، لذا نجد أن هرم الحكمة عند الأستاذ كان في تجديد كامل لأصول الاجتهاد، واضعاً القرآن الكريم كمركز في إحداث هذا التغيير، فشكّلت اجتهاداته الحلقة المحورية والقاعدة الأساسية في بناء الحركة الإسلامية المعاصرة، فاجتهاده عبارة عن إعادة عرض السيرة النبوية من خلال اكتشاف معنى “المنهاج النبوي”، ولا أعني هنا الكتاب بحد ذاته، إنما في مجمل ما كتب نجد أنه جعل المنهاج النبوي قاعدة يبنى عليها علم له أصول وقواعد ثابتة، ومقاصد حاكمة، ليتشكل المعنى العلمي المرتبط بالعمل.

من الأخطاء الشائعة في الفكر الإسلامي المعاصر، اعتبار الاجتهاد خاصاً بعملية استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية، وهو فهم يعرض الواقع المرير الذي أصاب العقل المسلم،  وكان سبباً في حجب محاولات أكابر الأمة للخروج بهذا العقل لينظر من خلال الوعي الأصولي المقاصدي الجامع، وليس من خلال هيمنة الدليل الجزئي والفرعي، الذي كثيرا ما يسجن عملية التفكير بين الحلال والحرام، علماً بأن عملية التفكير متحركة ضمن مجال أكبر وأوسع ، لأنها منتظمة بحقيقة الوحي ومعناه وبمعنى السيرة النبوية على اعتبار أن الكل حركة واحدة كلية في الواقع التاريخي والإنساني .

ومن أوضح الأمثلة التي يمكن بها تفسير ما سبق،  هو العمل الذي قام به الإمام الشافعي عند انتباهه إلى الخلل الكبير الذي بدأ يدبّ في عمل العقل المسلم عند تعامله مع الواقع من خلال النصوص بطريقة تسيء للوحي، فقام بجهد أصولي كبير استحق به أن يعتبر مجدّدا في بابه، إذ أعاد عرض الأصول بطريقة تمنح للعالم منهجية واضحة في الكشف عن مقصود الشارع، وعوض أن يستفاد منه على هذا المستوى لتطوير المنهجية الأصولية بطريقة كلية جامعة، تمّ تطوير الجانب الفرعي منها، مما سجن بَعْدُ العقلَ المسلم وإبداعاته ضمن منهجية جزئية فرعية.

فما أحوجنا في هذا العصر إلى من يرجع هذا الدين إلى وسطيته التي أنزل عليها، بعد أن أصبح يتنازعه تيار يصر على التشدد في الالتزام بالنصوص وآخر ينادي بتقديم العقل عليها، فجاءت نظرية الأستاذ لتردنا إلى منبع المنهاج النبوي الأصيل فتعرض النصوص على النوازل، بفهم عميق للظروف التي وردت فيها وتأمل طويل لمناط الأحكام، فتأتي النتيجة أقرب ما تكون لما يريده الشارع الحكيم.

سأقوم في الصفحات التالية بتوضيح منزلة العقل عند الأستاذ كمدخل إلى توضيح ضوابط الاجتهاد الأصولي عنده، ثم أبيّن الشروط الواجب توافرها في الاجتهاد بحسب رؤية الأستاذ، وأخيراً سأذكر بعض الأمثلة من كتاباته فيما يخص الاجتهاد الأصولي، تتبعها الخاتمة والتوصيات.

أولاً: منزلة العقل في الاجتهاد الأصولي .

العقل هو آلة الاجتهاد ومنه ينبع، ولذا كان من المهم التطرق لرؤية الأستاذ لدور العقل في عملية الاجتهاد، يقول جل جلاله في محكم كتابه الكريم: ” يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ” (الروم : 7)، وإنني لأعتقد أن هذه الآية يمكن أن تختصر بجملة صفات العقل الذي يريده الله تعالى للبشر، فنجد أن الأستاذ قد قسم العقل إلى قسمين:”العقل المعاشي المشترك بين البشر إما يكون آلة للقلب يخدم تطلعات القلب إلى خالقه، وإما يكون آلة للهوى المتأله، أو للنفس والشهوات، أو للفلسفة والتأملات، أو للفعل في المكونات، أو لجمع المعلومات واستنتاج حصيلة الماجريات”[4]: الأول العقل بالمعنى اللغوي وهو الملكة المشتركة بين البشر، والثاني وهو المقصود في القرآن فعل حاسة باطنة في الإنسان تسمى القلب، والذي بدوره يتلقى حقائق الوحي، وهو إما أن يكون خادماً لمراد الخالق فيرقى، أو أن يكون آلة للهوى والنفس والشهوات فيسفل، قال تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج: 46).

وهو يرى أن العقل الآلة يأخذ علومه عن الكون بواسطة الحواس، ثم بواسطة المنطق الناشيء من استقراء الثابت والمتغير، وكماله لا يمكن أن يكون إلا إذا جمع بين الدنيا والآخرة، في الدنيا حيث يشترك مع كافة البشر في طرق تحصيل علوم الكون، وفي الآخرة بطرق تحصيل علومها بالاستماع للوحي، ولو أهمل أحد هذين الجانبين لابد وأن يصيبه العمى والشلل والعجز، ومن ثم يكون حكمه باستخدام هذه الآلة ناقصاً، هذا هو العقل الذي يريده القرآن، وهذا هو العقل الذي يصحّ منه الاجتهاد، ولذا كان غلق باب الاجتهاد في العصور السابقة جريمة كبرى في حق العقل، وبمثابة الإعلان بأن الدين يحارب العقل، وهو ما جرّ العلمانيين إلى القول بتقديم العقل على النصوص القرآنية والمصلحة هي ما يقرره المجتمع بدعوى تغيّر الزمان، والنصوص التي بلغ عمرها أربعة عشر قرناً لا يمكن أن تستجيب لمستجدات العصر ومشاكله التي عرفتها الجزيرة العربية، والدعوى بأن العقل قبل كل شريعة، ولا مصلحة إلا ما يُسيِّرُه المجتمع،  فهم يستعملون كلمة العقل بالمعنى المُطلق، فلا خبرَ عندهم بالعقل الذي مجَّده الله تعالى في القرآن، وهو فعلُ القلب المؤمن بالله وبالآخرة وبالنبوّة وبالشريعة، والشيء المشترك بين هؤلاء والحق هو النص على أهمية إعمال العقل. لكن أي عقل يقصدون؟ وأي عقل يقصد القرآن! فالقرآن الكريم يعطي العقل مطلق الحريّة ولكن يُحدّد له حدوداً لا يمكنه تجاوزها وهي الشريعة التي تمثل المصلحة العليا للناس، والتي أنزلها الله تعالى على عباده في القرآن العظيم، ووضحتها السنة النبوية، وفي حدود هذه المصلحة يجتهد العقل ، وهنا يأتي السؤال الملحّ، وهو هل يمكن أن يتفوق العقل المخلوق على خالقه ؟ المنطق يقول أن ذلك مستحيل!!!

لا تتنافى الدعوة إلى إعمال العقل وتقديمه على اجتهاد السابقين، بالنص على أهمية دور السلف الصالح من العلماء والفقهاء بالاستئناس من الثروة العلمية الهائلة التي أورثوها بنتائج اجتهادهم، والاستفادة من المنهجية الأصولية والقواعد العلمية التي ساروا عليها، ولكن كل ما في الأمر بأن ذلك يجب ألا يمنع من كونها حجاباً بين الواقع اليوم وبين الينبوع الصافي من السيرة العطرة للرسول صلى الله عليه وسلم حينما كان يقرأ القرآن ويبين للناس ما أُنزل إليهم. وبالرغم من أن إصابة الأمة في تقييد دور العقل و خنقه كانت بليغة ومميتة، فإنه لا يمكن أن يعود الدور الفعّال للقرآن في الأمة، إلا إذا عادت الكريمة إلى بيت أهلها، وذلك بصلاح المتنفذين في الأمة والقائمين على أمرها، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

ثانياً: ضوابط الاجتهاد الأصولي .

انطلق الأستاذ من تجديده في الأصول من كون الضعف الحاصل في الاجتهاد الأصولي مبني على الضعف في معرفة المقاصد وتحديد أولويات هذه المقاصد، فهو ينقض الترتيب المقاصدي في الضروريات وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وزاد بعضهم حفظ العرض، فيرى الأستاذ أن هذا التصنيف يغيب عنه الترتيب النوعي بين الوسائل والأهداف الدنيوية، وبين الغاية الأخروية، وفيه اختلال كبير بكل مقاصد الشرع، ولئن نجح المجتهدون السابقون في الترتيب السابق في مجتمع كان متشبعاً بمعرفة الله تعالى وبالآخرة، فإن المجتهدين في يومنا يجب أن يصنفوا المقاصد بصفتها مطالباً لها أولوياتها لتوفير الضروريات البدنية والنفسية والاجتماعية للناس حتى يتفرغوا للجهاد وللغاية التي من أجلها خلقوا، لذا وجب أن يكون في هذا الزمن وجود الجماعة المؤمنة من أولى المقاصد، وعلى رأس الضروريات ومنطلقاً للتجديد الأصولي الذي يهدف بجملته إقامة الخلافة الثانية بإذن الله تعالى، “فيكون بناء جماعة المسلمين لبنة لبنة حتى وحدة المسلمين كافة عبر حدود الأقطار الموروثة عن فتنة القرون وعن الاستعمار هو المطلب الأساسي في تصنيفنا للمطالب الشرعية”[5].

والفهم السابق يستنبطه الأستاذ من كتاب الشاطبي حيث يقول: “والمقاصد التي ينظر فيها قسمان: أحدهما يرجع إلى قصد الشارع والآخر يرجع إلى قصد المكلف”[6]، فمسؤولية الفرد في النهاية هي المعتبرة، لأنه يأتي ربه يوم القيامة فردا، لكن الجماعة المسلمة هي التي عليها مسؤولية الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية لهذا الزمان،  وعليه لا يستطيع المكلف الفرد أن يعيش محافظاً على دينه ونفسه وعقله ونسله وماله إلا بوجود هذه الجماعة.

وبعد تحديد أهم المقاصد وهي تكوين الجماعة مهّد لها بوضع “دستور إيماني” موزع على عشر خصال هي: الصحبة والجماعة، والذكر، والصدق، والبذل، والعلم، والعمل، والسمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، والجهاد. وسبعا وسبعين شعبة موزعة على هذه الخصال، فكأن “الخصال العشر مراحل على الطريق، ومراحل صعود في العقبة. (…). وتكون شُعب الإيمان مضمون الإسلام ومحتوى الإيمان”[7].

وبهذا يكون قد أسس قاعدة علمية صلبة يكون الانطلاق منها عبر سلوك تربوي نبوي موفقا وصوابا بحيث يحقق مقاصد الشارع عند إنجاز الأعمال في كل مستوياتها، وهو ما يعني الاتباع الكامل للسنة النبوية، وعليه فهي إذن أصول كلية قطعية جامعة، وعرضها بالترتيب أعلاه يجعل منها وسيلة كلية علمية وعملية في الآن نفسه حيث ذلك العرض بيّن أنها هي حقيقة السيرة النبوية في كليتها وشمولها.

فمن المعلوم أن السيرة النبوية هي التجلي العملي للقرآن الكريم، حيث كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلقه القرآن؛ وبهذا الاجتهاد الكبير في عرض السيرة النبوية من حيث هي علم ومنهاج أصبح لدينا تجديد كلي لعلم السيرة النبوية، بحيث يتم تجاوز واقع البعثرة والجزئية والفقه التجزيئي إلى واقع الجمع والكلية والفقه الجامع، وبذلك، فنحن أمام علم له رجاله وقواعده ومضمونه ومقاصده، لاشك أن يكون له الأثر الجوهري في فتح آفاق كبيرة وعظيمة لإعادة بناء الأمة على الطريقة النبوية.

إن التخلص من قبضة المنهجية الأصولية التقليدية في صياغة نظام التفكير، مع الانتباه إلى أهميتها في الاجتهاد الفروعي، جعل الأستاذ متحررا في عرض الأصول، وبهذا الاجتهاد تمكن من فتح آفاق هامة للتجديد في كل العلوم، على رأسها “علم أصول الفقه”، ذلك أن الدخول من باب الوحي من خلال منهاج علمي جامع دون فصل بين العلم والعمل، وفي نفس الوقت يكون العلم إمام العمل على الطريقة النبوية، سيجعل بين يدي المسلمين آله علمية كلية تمكنهم من معالجة كل ما يعترض حياتهم وحياة الإنسانية في أبعادها الفردية والجماعية وفق نسقية ونظام واستقامة، ويرسم لهم طريق الخلاص والفلاح والقيام الفردي والجماعي بناء على قواعد تجديدية في عرض السيرة النبوية.

كما أن الاجتهاد الأصولي لا يعني تغييرها أو الاجتهاد مع وجود النص، لكن الأمر يتعلق بطريقة اكتشاف هذه الأصول وعرضها بما يجعلها الوسيلة الكبرى والكلية في بناء نظام التفكير وقاعدة الاجتهاد الفروعي المستقيم والحكيم، وبهذ يكون الاجتهاد في الأصول عملية كبرى تتوخى اكتشافها على صورتها المتكاملة الدائرة على الوحي جملة، وعرضها عرضا يكشف حقيقة السيرة النبوية باعتبارها الترجمان لذلك الوحي وباعتبارها واقعا منجمعا وليس أجزاء من الأخبار مبعثرة هنا وهناك في المصنفات والأذهان.

وإذا ما تم استيعاب هذا العرض، سيظهر أن كل طرائق استنباط الأحكام العملية الشرعية من أدلتها التفصيلية مستوعبة عبر عملية نقدية، من خلال إعمال المجموع القرآني النبوي الذي يشكل عصب “علم المنهاج النبوي”.

وبهذا يكون المنهاج النبوي اجتهادا في الزمان والمكان للجواب عن قضايا اللحظة في علاقتها الوطيدة والمباشرة بأفق الخلافة الثانية على منهاج النبوة، الذي يشكل نظاما إنسانيا بالدرجة الأولى عامرا بقيم الإسلام لتكريم الإنسان.

فالاجتهاد لأجل اكتشاف هذه القواعد على الصورة المطلوبة والقائمة واقعا زمن النموذجية النبوية، والاجتهاد لعرضها عرضا مناسبا للزمان والمكان دون إغفال البعد المستقبلي بنظام الخلافة الثانية على منهاج النبوة لا يعني أن في هذه الأصول ما هو ثابت وما هو متغير، بل المتغير ليس في “علم المنهاج النبوي” بما هو عرض تجديدي لعلم السيرة النبوية من حيث هي حركة الوحي في الواقع الإنساني بكل مستوياته، لكن المتغير حسب حاجة الزمان والمكان هي طريقة عرضها وما يمكن أن يستنبط من أحكام ومواقف.

فعملية الاجتهاد الصحيح بحسب ما علّمنا إياها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده، تقع بين حدّين، حدّ لا تنساب فيه خارج إطار قواعد الشريعة بحجة تغير الزمان ومجاراة الواقع، والحدّ الآخر لا تتحجّر فيه على حرفية النص وينغلق العقل دون الالتفات لمراده سبحانه وتعالى، والذي هو المصلحة العليا لإقامة الأمة وتحقيق حاجات العباد، لأن حصول ذلك سيعرّض الأمة للانغلاق عن العالم، وسد النوافذَ والأبوابَ، ومن ثمّ تعريضها، إلى وجهة أخرى تترقب حلا آخر  لا يعلم إلا الله عواقبه.

ومن هذا المنطلق انتبه الأستاذ إلى أهمية التمييز بين العلم والعمل في عملية الاجتهاد، فميز بين الاجتهاد الأصولي والاجتهاد بالأصول، وهذه نقطة غاية في الأهمية -كما أوضحت في التمهيد- غابت عن الكثيرين من مفكري الأمة، فهو يرى أن الاجتهاد ينقسم إلى ثلاثة أقسام[8] هي:

  1.  ما جاء فيه نص صريح وفَعَلَهُ أو أمرَ به أو أقرَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا مجال هنا للاجتهاد إلا من حيثُ تطبيقُ النص على واقع تغيَّرت ظروفه عن شكل الحياة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
  2. ما لم يجئ به نص خاص: فالاجتهاد في هذه الحالة يكون في إدراج الحَدَثِ تحت النصوص الكلية العامة.
  3. ما وردت فيه نصوص متعددة متناقضة في ظاهرها، أو خفية المقصود: فالاجتهاد في هذه الحالة يكون في التثبت من صحة النصوص، ومعرفةِ تاريخ الحوادث من حيث السابق واللاحق، والناسخ والمنسوخ.

ففيما فيه نص صريح لا بد للعقل أن يكتشف المواصفات الشرعية المشتركة مع تغير الظروف التي يجعلها مشابهة للحالات التي طبق فيها النبي صلى الله عليه وسلم الحكم، بشرط معرفة تحقق مناط الحكم فيها، وأما فيما لم يرِدْ فيه نص خاص فمجالُ العقل أوسعُ وأبعدُ مدى، “فإما يكون هذا العقل العالم من التقوى بمكانٍ فلا يَسُدُّ الفراغ التفصيلي ببنيات الهوى. وإما يكون اطِّلاعُهُ أكثرَ من تقواه، أو عِلْمُه بالنصوص أقلَّ من علمه بالواقع، أو معرفتُه بالواقع أقلَّ من معرفته للأصول فيملأ الفراغَ التفصيليَّ بما يُضَيِّعُ مصلحة الأمة”[9].

فالاجتهاد في الأصول عملية تفكير كبرى تنجز عمليتين؛ الأولى هي الكشف عن الأصول، والثانية عرض هذه الأصول عرضا منظماً واضحاً للفهم السليم والعقل المستقيم، وهو ما ينجز نظام تفكير متكامل مؤهل للتصدي للقضايا الكبرى والمصيرية في حياة الفرد والجماعة والأمة والإنسانية، وفق فقه جامع يدقق مصالح كل مستوى من هذه المستويات الأربع، ويمكّن بكفاءة علمية حكيمة من الترجيح بينها عند التعارض العملي، و”لا يمكن أن نعرف سداد رأي المجتهدين إلا باختبار نتائج اجتهاداتهم”2.

قال الإمام أبو حامد الغزاليُّ رحمه الله: “وأشرفُ العلوم ما ازدوج فيه العقلُ والسمعُ، واصطحب فيه الرأيُ والشرعُ، وعلمُ أصول الفقه من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صَفْوِ الشرع والعقل سواءَ السبيل، فلا هو تَصَرُّفٌ بمحض المعقول، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقَبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد”3.

وبناء على العبارة  السابقة يمكن القول بوجوب يجب أن يسير النقل والعقل معا، جنباً إلى جنب،  وإلا نتج عن تقديم أحدهما على الآخر مطلقاً فساد كبير،  بل لا يُعدّ مجتهداً أصلاً من يرى التفريق بينهما، لأنَّ العقل والتجربة لم يحكما له  بالتأييد والتسديد، وبما أن الشريعة مصلحة كلها، ورحمة كلها، فما أدى إلى مفْسَدة ونقمة فليس من شرع الله.

فالآلة المنهاجية التي اعتدها لنا علماء السلف الصالح، آلة الاجتهاد، هي علم أصول الفقه، الذي هو أساس عقلي بعد الأصليين النقليين، فلا بد من الاعتماد على  المتين منه، وتأصيل المستحدث من القضايا والظروف المستحدثة قياسا، مع الاستئناس بحصيلة فقه من سبقنا بإيمان وعلم ثروة[10].

وأما الاجتهاد بالأصول فهو مرتبط تماما بطبيعة الاجتهاد في الأصول، أي أن الاجتهاد الفروعي من حيث المنهج والحكم والموقف راجع إلى الصورة التي تم بها نظام التفكير الكلي بناء على الحلقة الأولى، وعدم الانتباه إلى هذه الحقيقة له آثار كارثية على الحركة الإسلامية في كل الأزمنة؛ من الخوارج إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ومثال ذلك في أيامنا ، نجده عند كثير من الحركات الإسلامية فالآية عندهم معكوسة، بحيث عوض الدخول عبر الاجتهاد في الأصول للتصدي لقضايا العصر حين يتمكن الفرد والجماعة من التحقق من نظام تفكير كلي وجامع ينظم عملية استنباط الأحكام واتخاذ المواقف واقتراح المشاريع، نجد العرض يحصل بطريقة مقلوبة، تؤدي حتما إلى بعثرة شديدة واضطراب مهول في الفهوم والسلوكات وغموض كثيف في فهم المستقبل.

والظاهرة واضحة عند ما يسمى بالتيار السلفي، إذ يركز على العرض والدعوة من خلال الحكم الجزئي أو الموقف الجزئي، وهو ما يفضي به حتما إلى استدعاء أحكام ومواقف جزئية سابقة في التاريخ مظروفة بزمانها، كمواقف ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، وغيرهما- رحم الله الجميع – للتصدي لقضايا معاصرة نظرا لعدم تمكنه من مخاطبة الواقع، وهو ما شكل بعامل التربية والتعليم على هذا المستوى نظام تفكير منحبس وراء كم هائل من الأحكام الجاهزة والمواقف السابقة؛ فكان ضيقا وردة فعل، عوض أن ينتبه إلى أن المطلوب ليس تكرار أحكام ومواقف الرجال بقدر ما المطلوب تعلم كيفيات بناء نظام تفكير أرحب وأوسع، وفق مزاولة الاجتهاد في الأصول بوعي قاصد كما هو الحال مع جميع كبار الأمة.

ومن هنا نجد الأستاذ متحرراً تماما من آثار الأحكام السابقة والجاهزة، لكنه من خلال تمكنه من الاجتهاد في الأصول انطلاقا من “علم المنهاج النبوي”، الذي وفر له آلة نقدية علمية شاملة ومتكاملة من القواعد ليعرض عليها إنجازات علمائنا وتاريخ أمتنا ويفتح أفق المستقبل من العمل والاجتهاد والجهاد.

وهو في ذلك يعي تماماً بأنه ليس مطلوبا منه بالأولوية الاجتهاد الفروعي في إصدار الفتوى، إذ لا يعتبر نفسه فقيها محترفا للفتوى كما هو شأن بعض قياديي الحركة الإسلامية، حيث تصبح قيادتهم منبراً خاصا بالفتاوى، لذلك كرّس كل جهده للاجتهاد على مستوى الاجتهاد الأصولي، لأنه الباب الجامع والضروري للدخول على تفاصيل الواقع معالجة وصناعة، ولا تجد له اجتهاداً جزئياً بمعنى الفتوى في ثنايا مؤلفاته وتصريحاته وتوجيهاته إلا إذا كان ضرورياً، ومن يراجع مسيرته في هذا الباب سيجد أنه تخلى عن أحكام بعد تسطيرها، كموقفه من تعدد الحركة الإسلامية، وغير ذلك، كما نجده في الصورة الواحدة يعرض احتمالات متعددة بالنظر إلى متغيرات مرتبطة بكل احتمال.

ونظرا لأن هذه الحلقة ليست من وظيفة الرجل، حيث صدر عنه منها ما كان ضروريا وغيّر منها ما كان كذلك ضروريا، لأنها في “علم المنهاج النبوي” هي اجتهاد مصاحب ولا ينفصل عن حركة المنهاج النبوي في امتدادها الزماني- المكاني، كما أنها من ثمراتها الميدانية، فقد أطرها بموقف منهاجي، وهو أن الاجتهاد الفروعي يجب أن يكون شوريا وجماعيا من موقع الجهاد لا من موقع الراحة والدعة كما سأبيّن ذلك لاحقاً في شروط الاجتهاد عنده.

 ومن هنا ينبغي الانتباه إلى أن الاجتهاد بالأصول يتكون من عمليتين [11]:

الأولى: وهي صناعة نظام تفكير كلي أصولي مقاصدي في الاجتهاد، بتوظيف تلك الأصول لعرض مشاريع عمل بنائية متحركة في الواقع لأجل تغييره تغييرا بحسب حاجة العصر، وفق وعي استراتيجي ومستقبلي مصيري، وعند الأستاذ الواقع يحتاج إلى عملية تغيير كلية، لذلك عرض من خلال الاجتهاد في صناعة هذا النوع من التفكير مشروعا مجتمعيا متكاملا مكونا من مشاريع تغطي جميع مجالات الحياة التربوية والتعليمية والسياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية والاقتصادية والمالية، وغير ذلك، في اتجاه إنجاز المجتمع القادر على حمل ثقل الرسالة القرآنية النبوية وفق استراتجية تغيير قائمة على معاني القيام لله تعالى والنهوض بالاجتهاد الجماعي لأجل الحرية الحقيقية ونظام عادل في العلاقات الدولية.

والثانية: هي الاجتهاد الفروعي المتعلق باستنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية، وهذا النوع نجد أن الأستاذ وإن لم يتفرّغ له كثيرا ، فإن حركة الاجتهاد الفروعي تجد معناها العلمي والعملي تحقيقا لمقاصد الشارع من شرعه من خلال الوعي بها .

ثالثاً : شروط الاجتهاد .

  • العدالة ـ فهم المقاصد ـ التمكن من الاستنباط

عند الكلام عن الشروط الواجب توافرها في الاجتهاد بنوعيه- أقصد الاجتهاد في الأصول والاجتهاد بالأصول، فإن الأستاذ يضع على رأس هذه الشروط، قول الشاطبي رحمه الله: “إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها. وأما الثاني (أي التمكن من الاستنباط) فهو كالخادم للأول”[12]، فهي تختصر أهم شروط الاجتهاد فهم المقاصد و التمكن من الاستنباط، وهما كفاءتان عقليتان، لكن الإمام الشاطبي لم ينص على عدالة العلماء وتقواهم وقوة إيمانهم بالله واعتصامهم بشريعته، لأنها كانت أمراً مسلماً به في ذلك الزمان، أما في هذا العصر فقد كثر المنافقون، لذلك نص الأستاذ عبد السلام ياسين على شرط العدالة، بل الحد الأقصى من العدالة والصدق، “أول شروط الاجتهاد التقوى وهي خوف الله، والعَمَلُ المخلص الصادق مع الله. يجتهد المتقي ومعه مؤهلات العلم فيخطئ ويصيب. إن أصاب المتقي العالم فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد. هذه التوسعة الإلهية على المجتهدين نطق بها النبي صلى الله عليه وسلم، ويجيء قوم يَتخذُونها هزُؤا ولعبا. ويتخذونها حجة فضفاضة ليقتحموا بابا مُتْرعا للإفك والبهتان، يُفَرِّعون ما شاءت لهم حماقتهم الإسلامولوجية في دين الله، ويسمّون هواءَهم اجتهادا”[13].

  •  الاجتهاد الجماعي والشوري

الاجتهاد شوري وجماعي، لأن هناك فرقا بين الضابطين، إذ يمكن أن يكون جماعياً كما الحال لدى كثير من المؤسسات الجماعية في بلاد المسلمين ولكنه يبقى حبراً على ورق، أما عامل الشورى فيدخله في سياق حركة المنهاج النبوي ويعطيه البعد العملي المباشر، ذلك أن نظام الشورى لا يحصل إلا في سياق نظام العدل والإحسان القرآني النبوي، إما في مرحلة الدعوة المعارضة، أو في مرحلة التمكن والتمكين لهذا النظام. والمتأمل في تاريخ السيرة النبوية سيكتشف هذا إذا توفر له علم المنهاج النبوي أو شيء منه. فالشورى، دون سياق حركة هذه المطالب كلها، تصبح نظاما آخر غير نظام الشورى، ففي “السياق القرآني الشوري، نلاحظ التمفصل العضوي للواجبات والفضائل الشخصية والاجتماعية والسياسية، واجبات وفضائل متحدة ملتحمة”[14].

والأساس لكونه جماعياً هو بسبب تعقّد أنواع النوازل الجديدة، وكذلك الحياة الاجتماعية في هذا الزمن، ورغمَ تيسر مصادر الحديث وغيرها، فلا يتسع عمر المجتهد وحده للإحاطة بكل العلوم اللازمة، بل ولا للإلمام بها، بل ولا للاطلاع الجزئي عليها، وعليه اقتضى وجود جماعة منظمة من العلماء ذوي الاختصاصات المتعددة، وقد تشعبت فروع الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فمن “أين نمسك الواقع لندخله في حوزة الشرع، كيف نراوده، كيف نرغمه، كيف نتدرج إلى تطويعه ؟ لا يستطيع المجتهد الفرد أن ينهض لذلك وحده مهما كان تمكنه من علوم الشريعة. لا بد من إشراك ذوي الاختصاصات المتنوعة”[15].

  •  شروط أخرى [16]:
  • التعمق في النظر والفهم عن مدارك عِلة الأحكام وغاية الشريعة ومقاصدها.
  • الارتفاع بالاجتهاد من حيّز الأحكام التفصيلية، وربطها جميعا بالحكمة الكلِّيَّةِ .   
  • مشاركة ما يسمى بعلماء الخبرة، وهم المختصون في جوانب الخبرات العملية، ومثال ذلك أن يرى الاقتصادي الخبير ببقاء التعاملُ بالمصارف الربوية ريثما تبدل، لأن إغلاقها قبل تهييء نظام مصرفي إسلاميِّ قد يهدد مصالح المسلمين بخطر محقَّق، بناء على تقديره لوجه الاضطرار .
  •  كون المجتهد من أهل الدعوة والجهاد، حتى تكون كلمته نابعة من واقع يعيشه لا ما يسمع به .
  • الافتقار والتوجه الصادق إلى الله تعالى قبل إصدار الحكم .
  • دراسة الواقع دراسة متأنية حكيمة مع الاستنارة بآراء  أهل الاختصاص .
  • الاحتراز عن من التسويف في الاجتهاد بحجة الورع عن الفتوى .

رابعاً : أمثلة الاجتهاد الأصولي .

  1. استطاع الأستاذ عبد السلام ياسين من استنباط موقع الأهداف الدنيوية في طريق سير المسلم إلى ربه، من خلال قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها” [17] ، ففي الحديث نص على مقاصد الشرعية في الحياة اليومية من طعام وعافية في البدن وأمن، ليتفرغ لآخرته وإلى الجهاد من أجلها في سبيل الله، و” ما قننه علماؤنا الأبرار في صيغة التجريد في باب “العادات” و”المعاملات”، أي في مقاصد حفظ النفس والعقل والنسل والمال، نجده في الحديث النبوي مشخصا في الزمان (من أصبح… قوت يومه) والمكان والجماعة (في سربه) والبدن. هذه المطالب والأهداف الدنيوية، المؤدية إذا حيزت إلى الغاية، لا تتحقق إلا في مجتمع يأخذ فيه الكم والإحصاء والإنتاج والتوزيع والعدل في كل ذلك المكان الشرعي “[18].
  2. يرى الأستاذ عبد السلام ياسين أنه بالرغم من أن المسؤولية فردية في الشريعة الإسلامية، وكل إنسان محاسب على أعماله فقط دون غيره، ولا تزر وازرة وزر أخرى،  لكن الخطاب جماعي جلي إن تساءلنا ” أين جماعة المسلمين المخاطبة في القرآن بيايها الذين آمنوا، المكلفة بحمل رسالة القرآن؟ هل تساءل علماؤنا عن البناء الأول للجماعة التي شيدها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الولاية الجهادية بين المهاجرين والأنصار؟”[19].


الخاتمة

وفي الختام، فإن الاجتهاد الأصولي عند الأستاذ عبد السلام ياسين ، متمركز حول “علم المنهاج النبوي” باعتباره تجديدا ًكلياً في عرض السيرة النبوية من حيث هي تقديم النموذجي الواقعي للوحي متحركا على أرض الواقع لمعالجة قضايا الإنسانية الفردية والجماعية، لن يفضي إلى اكتشاف حقيقة هذا المشروع ولا حقيقة وظيفته في البناء، لذلك كان التعامل مع “علم المنهاج النبوي” من حيث هو عرض متجدد لأصول التجربة النبوية في بناء الفرد والجماعة والأمة وخدمة الإنسانية من خلال نظام الخلافة، وحقيقة حركة مشروع العدل والإحسان الذي يعرضه على المسلمين والعالم، والذي وضّح  معنى الاجتهاد في حركة الأستاذ عبد السلام ياسين وكونها الوسيلة الكفيلة لإثبات قطعية أصول علم المنهاج النبوي وكلية قواعده.

فتبين بالتحليل أن المنهاج النبوي أصل كلي قطعي جامع وحاكم بما هو أصول جامعة لمعنى الوحي، وبما صنعت حركتها وعياً أصولياً مقاصدياً، وأن الاجتهادات المبنية على إعمال هذه الأصول في البناء والتغيير هي المتغيرة. وقد غطت التالي:

1. الاجتهاد في عرض الأصول، والذي يحكمه حاجة العصر وحاجة الأمة فيه، إذ استطاع الأستاذ أن يكتشف حاجة المسلمين إلى اكتشاف المنهاج النبوي ليتحركوا في حياتهم الخاصة والعامة وفق نظام تفكير جامع، فالمهم هو اكتشاف المنهاج النبوي والعلم به والتمكن من عرضه العرض المناسب. ولذلك نجد اجتهادات كثيرة عبر تاريخ المسلمين في هذا الباب، غالبا ما حجبت بسبب هيمنة العقلية التجزيئية الفروعية، إلا أن الأستاذ قام بعمل كبير خدمة لهذه القضية بواسطة غزارة شديدة في التأليف والتوضيح فضلا عن العمل على بناء نموذج دعوي عبر تجربة تنظيم جماعة العدل والإحسان التي حملت على عاتقها إنجاز مقتضيات المشروع.

3. الاجتهاد في الفتوى لأجل إيجاد الحكم الشرعي الذي يحقق مقاصد الشارع ضمن حركة الأصول الكلية، وهي حركة المنهاج النبوي. ومن المعلوم في هذا الباب أن تغير الفتوى مرتبط بتغير الزمان والمكان والأحوال. وبما أن هذه العملية شورية جماعية فقد أوكلها إلى نظامها الضروري، إلا أنه لم يتخلف عن هذا النوع من الاجتهاد في ما كان ضروريا ضمن حركة المنهاج النبوي، من حيث هو علم ومنهاج عمل وقواعد في إطار بناء تجربة واقعية بانية.

إننا بهذا إزاء مرحلة هامة من عمل بناء صرح الحركة الإسلامية المعاصرة وبناء الأمة، وسيكون “علم المنهاج النبوي” وسيلة كلية في ذلك لمّا تنفتح عليه قلوب المسلمين وعقولهم، خاصة العلماء العاملين، حفظ الله الأستاذ عبد السلام وأعان الأمة لتهيئة بيئة الخلافة الثانية .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

توصيات

  1. عرض فكر الأستاذ عبد السلام ياسين في الاجتهاد الأصولي على منظمة التعاون الإسلامي، والمجمع الفقهي الإسلامي الدولي، لتمام الاستفادة فيما يصب في مصالح الأمة .
  2. وضع آلية لتفعيل مبادئ الاجتهاد الأصولي في المحافل السابقة الذكر وغيرها  .
  3. حث العاملين في حقل الإسلام والناشطين في قضايا الأمة الإسلامية على الإكثار من اللقاءات الدورية، والندوات المشتركة، والزيارات المتبادلة؛ في سبيل نشر أكبر لفكر الاستاذ .
  4. إيجاد فئة من الدعاة يتم تدريبها من قبل المتخصصين في فكر الأستاذ.
  5. عقد مؤتمر دوري للتواصل ودراسة ما استجد من أحداث في العالم الإسلامي خاصة والعالم عامة، على ضوء التجديد الأصولي للأستاذ.


المصادر و المراجع

  1. أحمد بن حنبل- أبو عبدالله الشيباني – المسند. مؤسسة قرطبة/القاهر ة
  2. أبوداود السجستاني – سنن أبي داود تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ومحمد كامل قره بللي. الرسالة العالمية. الطبعة 1/ 1430
  3. الألباني، محمد ناصر، السلسلة الصحيحة.  مكتبة المعارف/الرياض
  4.  البخاري -صحيح البخاري- المطبعة الأميرية/بولاق- سنة النشر: 1311هـ.
  5. البوصيري – أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل -إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة – تحقبق : عادل بن سعد – مكتبة الرشد سنة 1998  م .
  6. البيهقي – أحمد بن الحسين بن علي البيهقي معرفة السنن والآثار – تحقيق : عبد المعطي أمين قلعجي- دار الوعي/حلب. ط 1 /1991
  7. الحاكم – محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري- المستدرك على الصحيحين – تحقيق مصطفى عبد القادر عطا
  8. الشاطبي – أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي – الموافقات – دار ابن القيم- دار بن عفان 2003م .
  9. الغزالي – أبو حامد – المستصفى من علم الأصول- دار الكتب العلمية -ط1- 1993.
  10. عبد السلام ياسين،مقدمات في المنهاج، ط1/1989
  11. عبد السلام ياسين، محنة العقل المسلم، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال/الرباط. ط1/1994.
  12. عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، الخطابي للطباعة والنشر/ الدار البيضاء. ط1/ 1989
  13. عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، دار لبنان لطباعة والنشر. ط1/2009
  14. عبد السلام ياسين، الرسالة العلمية.
  15. عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية، مطبوعات الأفق/ الدار البيضاء. ط1/1996
  16. عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، مطبوعات الهلال/ وجدة. ط1/2000

[1] عن النعمان بن بشير رضي الله عنه الله، قال: كنا جلوساً في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: “يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء” ، فقال حذيفة: “أنا أحفظ خطبته”. فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة” مسند أحمد – المجلد الرابع ، إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة –البوصيري- كتاب الإمارة- رقم الحديث: 3829، الألباني– 5/ السلسلة الصحيحة.

[2] عبد السلام ياسين “مقدمات في المنهاج” ص18.

[3] عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏فيما أعلم عن رسول ‏‏ الله ‏صلى ‏ الله‏ عليه وسلم ‏ ‏قال (‏‏إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) أخرجه أبوداود في السنن /4291، والحاكم في المستدرك 4/522، والبيهقي في معرفة السنن والآثار 1/28/422.

[4] عبد السلام ياسين، “محنة العقل المسلم” ص7.

[5] عبد السلام ياسين “نظرات في الفقه والتاريخ” ص 75.

 [6]الشاطبي – أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي – الموافقات – دار ابن القيم- دار بن عفان  2003م 7/2.

[7] عبد السلام ياسين “مقدمات في المنهاج” ص 76.

[8]  عبد السلام ياسين ” إمامة الأمة” ص234 ـ 235.

[9] المرجع نفسه. ص 235.

2 المرجع نفسه. ص 238.

3 الغزالي –أبو حامد.  المستصفى – دار الكتب العلمية -ط1- 1993م – 1/5 .

[10] عبد السلام ياسين: “الرسالة العلمية” ص 16.

[11] لمزيد من التفصيل.. عبد السلام ياسين “إمامة الأمة ” الفصل التاسع من الكتاب: أصول الاجتهاد

[12]  الشاطبي “الموافقات” 5/ 41 .

[13] عبد السلام ياسين “الشورى والديمقراطية” ص73.

[14] عبد السلام ياسين “الإسلام والحداثة” ص336.

[15] عبد السلام ياسين “نظرات في الفقه والتاريخ” ص73.

[16] عبد السلام ياسين : “الرسالة العلمية” ص31.

[17] محمد بن عيسى بن سورة الترمذي “الجامع الصحيح – سنن الترمذي” رقم 2346. تحقيق: أحمد بن محمد شاكر. دار الكتب العلمية

[18] عبد السلام ياسين ” نظرات في الفقه والتاريخ” ص76.

[19] المرجع نفسه. ص74.