بناء الفرد والجماعة في نظرية المنهاج النبوي: السياق والخطوات

0 81

⁦✍🏽⁩ أحمد الفراك

نعرض في هذه المقالة المختصرة رؤية إسلامية لبناء الفرد في المجتمع الإسلامي ليكون شخصية مؤمنة فاعلة مؤثرة، وبناء علاقات جماعية لكيان عضوي متماسك ومؤهل لإنجاز مهمات التغيير الجوهري والتاريخي لأحوال المسلمين أولا والمجتمعات الأخرى ثانيا، حرصا على تحرير الإنسان من الاستلاب والقهر والتضليل والتبخيس.

نتحدث في هذه المقالة انطلاقا من نظرية المنهاج التي صاغها الإمام عبد السلام ياسين، أحد أعلام العمل الإسلامي في القرن الخامس عشر الهجري، النظرية التي تضمنت نسقا من التصورات الفكرية والتربوية والسياسية والأخلاقية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية.

1.   سياق البناء ..

خاطب القرآن الكريم الإنسان ودعاه إلى الخروج من الغفلة والإعراض والانبهار بالدنيا إلى سعة الذكر والإقبال عليه سبحانه والإسراع إلى مغفرته ورضوان. وفي كل عصر، يحتاج هذا الإنسان إلى من يجدد النداء لإسماع فطرته، وإحياء صلته بربه عز وجل. ولأجل هذا جاء الأنبياء والرسل، وكان الوارثون المجددون على أثرهم في أوقات وأزمنة متتالية.

وإذا خصصنا الحديث في الموضوع بحالة الأمة الإسلامية في العصر الحديث، فإننا سنذكر جملة من الخصائص والصفات والمعطيات التي تميز تلك الحالة على مستويات متنوعة؛ تربوية وعلمية واجتماعية وسياسية وحضارية. ذلك أن عموم الشعوب المسلمة تقع تحت تأثير مفاعيل الأنظمة والأنساق المهيمنة، محليا وعالميا، ولا نستطيع أن نخفي معالم الضعف والتفكك والغفلة والتفرق والاستبداد ومعاداة العلماء والمصلحين وتضليل الشعوب، وهي سمات مرحلة الملك الجبري من تاريخ المسلمين، ومرحلة الاستكبار العالمي.

وعلى الرغم من تلبد سماء الأمة الإسلامية بتلك الغيوم، فقد استمرت جهود العاملين لنصرة قضاياها والدفاع عن قيمها، كما أكرمنا الله تعالى ببعث علماء ودعاة صادقين، منهم المجدد العالم العامل، الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الذي قدم كل جهده ووقته وماله وعلمه لتربية جيل من المحسنين والمؤمنين الطالبين وجه الله تعالى ورضوانه، الساعين إلى إحياء أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوحيدها وجمع كلمتها لتكون على منهاج النبوة، حاملة لرسالة الرحمة إلى العالمين.

إنها غايات ومقاصد عظيمة لمنهاج النبوة، يتوقف تحقيقها على بناء الفرد والجماعة الحاملة للرسالة، الساعية خطوة خطوة بين الناس، المدافعة للباطل والبغي والفساد بحكمة وتدرج. لا ينفصل في التغيير الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مصير الفرد عن مصير الجماعة، مثلما لا ينفصل كل هذا عن مصير الأمة.

2.   الفرد: مفاهيم وتصورات

يقول جميل صليبا: “الفرد في اصطلاح الفلاسفة هو كل موضوع فكري معين مقيد بقيد التشخيص تؤلف اجزاؤه كلا واحدا، والفرد في علم النفس مرادف للشخص الطبيعي من جهة ما هو متميز عن الاخرين بهويته ووحدته، او من جهة ما هو ذو صفات خاصه مختلفة عن صفات مشتركه بينه وبين أبناء جنسه.” [1]

والفرد في علم الاجتماع هو ” وحدة من الوحدات التي يتألف منها المجتمع، كالمواطن في الدولة، فهي آحاد حقيقة يتألف منها الجسم الاجتماعي.” [2] وفي علم الأخلاق والسياسة ” يطلق على القول أن قيمته أعلى من قيمه المؤسسات المحيطة به، لان الفرد هو الغاية التي من اجلها وجدت الدولة، فالمثل الاعلى للسياسة الصحيحة تحرير الفرد، وتنميه نشاطه الذاتي.” [3]

والفرد، وفقًا لمفهوم الفردانية؛ هو كائنٌ إنسانيٌّ يمتلك وحدته الداخلية، ويؤدي وظيفته كنسق ونظام متكامل، ويمتلك استقلاليةً خاصةً في دائرة الوسط الذي ينتمي إليه. [4]

وبدراسة مفردات نظرية المنهاج النبوي وتفاصيلها التي أوضحها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في مؤلفاته ورسائله ومقالاته، نستطيع أن نتبين تصوره لبناء الفرد والجماعة القائم على القرآن الكريم والسنة النبوية، والمتميز بقراءة نقدية دقيقة للتراث الإسلامي؛ الفقهي والأصولي والفلسفي والأخلاقي والصوفي، وبمحاورة علمية رصينة للأفكار والنظريات الفكرية والفلسفية والدينية والسياسية البارزة في تاريخ المجتمعات الغربية والشرقية.

ولهذا لا يستطيع الدارس لتراث الإمام ياسين رحمه الله أن يفصل تصوره لتغيير حالة مجتمعاتنا المسلمة عن تصوره لكيفية تغيير شخصية الفرد وميولاته ورغباته وتطلعاته وأهدافه، ولا عن تصوره لكيفية تجديد العلاقات الاجتماعية بين الناس، ليكون كل ذلك منضبطا للأمر الإلهي والهدي النبوي.

كتب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في مقدمة كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا: “ونحن أحوج ما نكون ليعرف كل مؤمن منا معايير التربية الإيمانية وطرائق تجديد الإيمان في القلب حتى يستيقظ الحافز الجهادي في النفوس ويستنير العقل المؤمن بنور العلم الذي به ندبر الجهاد. وبعد تربية جيل الإيمان والجهاد نحتاج إلى علم تنظيم جند الله في كتائب يسمو نظامها بتماسكه وقوته إلى مستوى الإرادة الجهادية وإلى مستوى المهمات الجسام التي تتحدى الإسلام والمسلمين في مستقبل قوى العدوان على الإسلام ستزداد فيه تنظيما.” [5]

نحن بحاجة شديدة إلى السير على هدى القرآن الكريم والسنة النبوية، متمثلين النموذج الخالد لجيل الصحابة رضي الله عنهم، ومقتفين منهاج التربية النبوية التي رفعتهم من حضيض الانشغال بالدنيا وملذاتها إلى قمة التعلق بالله وبرحمته ورضوانه، ومن الارتباط بالمصالح الفردية العاجلة إلى تحقيق المصالح والغايات العظمى للأمة الإسلامية.

3.   تربية متكاملة: وحدة السلوك والولاء

بناء الفرد يعني هداية وإرشادا وإصلاحا للإنسان الغافل عن ربه ومصيره الأخروي، وهو بناء يتم وفق نسق تربوي يضمن التوازن بين المكونات النفسية والعقلية والحركية، بغرض توجيهها جميعا للاستجابة الكاملة للنداء الإلهي: “في قلب المسلم الفرد وعقله ونفسه وخلُقه ومروءته تحتدم المعركة الحاسمة بين الإسلام والجاهلية. فسلاح القتال إنما تعطيه التربية. قوة أجيال نُشِّئت على الإيمان والإحسان والجهاد في سبيل الله.” [6]

وعلى الرغم من التفاوت بين الأفراد فإن هذا لا يمنع من تحقيق وحدة التصور ووحدة السلوك، ولهذا ينبه الإمام ياسين رحمه الله قائلا: “إن تفاوت الأفراد في الاستعداد والكسب والتحلي بخصال الإيمان لا ينفي ولا يناقض وحدة السلوك التي تؤدي إلى وحدة الشعور، فتؤدي هذه إلى وحدة الولاء.” [7]

إن الجهود التربوية والفكرية التي يتعين أن تبذل في سياق بناء الأفراد، اليوم وغدا، تقوم على مراعاة الفوارق والخصائص النفسية والاجتماعية، والقدرات والكفايات، لتكون عمليات البناء التربوي والفكري والمهاري موفقة ناجحة:

“المسلمون مراتب، والبواعثُ مراتب، والنيات مراتبُ.

وإنما تقَرِّبُ بين المستوياتِ التربيةُ. التربية تنميةُ الإيمان والطموحِ. التربية صعود إراديٌّ وتصعيدٌ مستمر. التربية اقترابٌ من الكمال وتقريب. التربية قَدْحُ زِنادٍ في القلب والعقل، إشعالُ فتيلٍ، تعبئة طاقاتٍ فرديّةٍ لتندمج في حركية اجتماعية يَعْمَل فيها العاملون بجهْدٍ مُتكامِلٍ ينفع الله به الأمة.” [8]

4.   تحرير العقل والإرادة:

يتأسس بناء الفرد والجماعة، بشكل جوهري، على تربية شاملة تؤدي إلى تحرير العقل المسلم من الأوهام وأمراض التقليد والانسياق وراء الدعايات الكاذبة المضللة، وإلى تحرير الإرادة من القعود والارتباط بالدنيا لتصير إرادة جهادية متوثبة لنصرة الحق والجهاد في الصف، وبنظام الصف.

تشمل عملية تحرير العقل كل الرواسب المانعة من التفكر والتفكير، ومن الإدراك الصحيح للواقع المحلي والعالمي، وربط الأسباب بالنتائج، وتقدير الإمكانيات والمتطلبات، ومن توجيه جميع القدرات والطاقات لخدمة الأهداف والغايات المرتبطة بالأمة المسلمة.

وتشمل عملية تحرير الإرادة كل العقبات المانعة من الانطلاق نحو العمل الجاد ومغالبة الواقع ومواجهة التحديات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية، وذلك كله في سياق محلي وعالمي يعادي نهضة المسلمين وقوتهم واستقلالهم.

5.   ما هو الطريق والمنهاج؟

منهاج التزكية والتربية والتعليم هو اقتحام العقبة، هو مغالبة جميع العقبات النفسية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. يتحرك الفرد في مسيرة التطهر والتقرب إلى الله عز وجل بمجاهدة النفس والهوى والطبع والعادة والعقليات السائدة في المجتمع المفتون والمجتمعات الجاهلية.

يقول الإمام رحمه الله وقدس روحه: “لا بد من تغيير شامل في الفرد والعلاقات داخل الجماعة. لا بد من هجرة إلى الله ورسوله بقطع حبال الجاهلية. والهجرة المطلوبة في حق الفرد المؤمن والجماعة المجاهدة في عصرنا هجرة معنوية. أول خطوة فيها هجرة ما حرم الله، ثم قطع ما يربطنا بالماضي قبل التوبة، والتعالي على حاضر الفتنة، وترقب نصر الله بالتخطيط للمستقبل والاستعداد له.” [9]

يقوم هذا التغيير الشامل في جوهره على معنى التجديد الذي يتجلى في همة فرد مجدد عامل يجمع حوله رجالا ونساء يحملون رسالة التجديد، ويمشون في الناس، في مواسم الناس وأسواقهم، في فضاءات التواصل، في مجالات العمل والحركة والتدافع.

ولهذا المنحى القرآني النبوي شروط ضرورية للبناء، لبناء الفرد المؤمن والجماعة المجاهدة، لا عنى عنها، هي الصحبة والجماعة والذكر والصدق.

بالصحبة الصالحة تنتقل شخصية المسلم من دائرة الغفلة إلى رحابة الذكر واليقظة. وبمبادئ العمل الجماعي ومعاييره وروابطه، ينخرط الفرد في مشروع كبير للتعاون على البر والتقوى، والتنسيق بين جميع العاملين لتحقيق الأهداف والغايات العظيمة.

ولا يستطيع هؤلاء أن يسيروا في وجهة قاصدة إلا بذكر الله سبحانه، فتسري معاني الحياة القلبية الموصلة إلى حب الله ورسوله.

ومتى كان الصدق منطلق الفرد والجماعة، فإن مسيرة البناء الفردي والجماعي لا تخطئ طريقها نحو عزة الإسلام والمسلمين.


[1]  – صليبا جميل، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، د.ط، 1982، الجزء 2، ص 138-139.
[2]  – صليبا جميل، المعجم الفلسفي، ص 139.
[3]  – صليبا جميل، المعجم الفلسفي، ص 140.
[4]  – Louis Dument; Le Concept Moderne de L’individu; Revue ;février ;Paris;1978.
[5]  – ياسين، عبد السلام: المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الشركة العربية للنشر والتوزيع – القاهرة، الطبعة 2، ص 5.
[6]  – ياسين، عبد السلام: الإحسان، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، ج 2، ص 460.
[7]  – ياسين، عبد السلام: المنهاج النبوي ص 122.
[8]  – ياسين، عبد السلام: حوار الماضي والمستقبل، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، الطبعة 4،ص 84.
[9]  – ياسين، عبد السلام: المنهاج النبوي، ص 174.