المعالم الكبرى لنظرية المنهاج النبوي

0 1٬131

د.محمد بن أحمد باسيدي /جامعة الملك عبد العزيز- جدة

mbasidi@gmail.com

مقدمة

يهدف هذا البحث إلى إبراز المعالم الكبرى لنظرية المنهاج النبوي.[1] سأحاول أن أبين هذه المعالم من خلال استعراض الخطوط الرئيسية التي طرحتها هذه النظرية مساهمة منها في تجديد الفكر الإسلامي المعاصر، وإنشاء كيان إسلامي-جماعة العدل والإحسان- يسعى إلى تنزيل اجتهاداتها المتنوعة على أرض الواقع. وسيكون التركيز في هذا البحث على ربط عنوان المؤتمر العريض “مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين” بالمحور الأول المقترح ألا وهو “نظرية المنهاج النبوي: المفهوم والوظيفة والمقصد”.

بعد مقدمة تبين الإطار التاريخي العام الذي نشأت فيه نظرية المنهاج النبوي، وتنوه بالخصائص المميزة لمؤسس النظرية الأستاذ عبد السلام ياسين، سيسلط الضوء على مفهوم المنهاج النبوي المستمد من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا المفهوم الذي يحمل بين جنباته معاني الاتباع للوحيين الكريمين، ويستمد التصور الشامل من خلال دراستهما المتأنية والعيش الطويل تحت ظلالهما، ويربط هداياتهما بواقعنا الفتنوي وذلك باعتباره جسرا علميا وعمليا يرشد إلى الخطوات الإجرائية لتأسيس مجتمع العمران الأخوي المنشود عبر استحضار صورة المجتمع الإسلامي الأول الذي جسده جيل النموذج الخالد المتمثل في الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضي الله عنهم. إن لهذا المفهوم رمزية بليغة، ومغزى عميقا، وأصالة ظاهرة في التعبير عن هوية هذه النظرية ومساهمتها المعتبرة في فقه التجديد الإسلامي المعاصر. كما سأتناول مفهوم “اقتحام العقبة” نظرا لأنه يلخص طبيعة المنهاج ورسالته، ويحدد معناه واتجاهه وغايته.

سأنتقل بعد دراسة المفهومين المحوريين-المنهاج النبوي واقتحام العقبة- إلى تحديد الوظيفة الأساسية للمنهاج النبوي والوظائف التابعة والمكملة لها. أما الوظيفة الرئيسية فتتمثل في إحياء الإيمان وتجديده في قلوب الأفراد، ثم إشاعة هذا الإيمان في المجتمع والأمة عبر كيان جماعي قوي ومنظم يعطي النموذج الناجح للتجديد الشامل في شتى مجالات الحياة. ومن وظائف المنهاج النبوي الحيوية جمع الطاقات وتوجيهها في عملية التغيير والبناء. كما أن المنهاج النبوي يشكل مرجعية علمية ومنظومة جامعة يرجع إليها لمعرفة خطة التغيير وهندسته، وما يتضمنه من أهداف ووسائل ومراحل.

أما المقاصد الكبرى لنظرية المنهاج النبوي فيمكن تلخيصها في مقصدين كليين رئيسيين. المقصد الأول هو الغاية الإيمانية الإحسانية وهي معرفة الله عز وجل ومحبته وطاعته والسعي لنيل رضاه سواء في سلوك الفرد المؤمن إلى الله جل وعلا والاستعداد للقائه وطلب مرضاته، أو في سلوك الجماعة المؤمنة في حركتها التغييرية، أو في سلوك الأمة الإسلامية في مسيرتها التاريخية. والمقصد الثاني التابع والمكمل للأول فهو الغاية الاستخلافية المتمثلة في السعي الحثيث وبذل الغالي والنفيس لإقامة شرع الله في الأرض، وتحقيق العدل بين الناس، والإعداد الجاد لتأسيس دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة كما بشر بذلك الصادق المصدوق-صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي تعتبره نظرية المنهاج النبوي بشرى غالية، وتتخذه مفتاحا علميا ودليلا عمليا، ورجاء غيبيا لفهم تاريخ الإسلام والمسلمين، والعمل على استئناف حياة إسلامية في ظل الخلافة على منهاج النبوة بعد قرون الملك العاض والجبري.[2]

وستعتمد هذه الورقة المنهج الاستقرائي والمقاربة الوثائقية لإبراز المعالم الكبرى لنظرية المنهاج النبوي محاولة الرجوع إلى  كتب الأستاذ عبد السلام ياسين والاقتباس منها، وربط متناسق لمحاور الورقة عبر آليات الشرح والتحليل والاستنتاج. ورجاء الباحث أن تساهم هذه الورقة في تقديم خارطة طريق عامة لهذا المشروع التجديدي والتغييري الرائد، وتشوق أولي العزم من القراء والباحثين إلى الإبحار لاكتشاف كنوز هذا البناء الشامخ والاستفادة من جواهره النفيسة.

 

  1. الإطار التاريخي العام لنظرية المنهاج النبوي

من نعم الله العظيمة على هذه الأمة أن بعث فيها رسولا رؤوفا رحيما بها -صلى الله عليه وسلم- دلها على الحق، وهداها إلى صراط الله المستقيم، وبين لها سنن الهدى. ومن فضل الله على أمة الإسلام ورحمته بها أنه يبعث لها على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها كما جاء في الحديث المشهور الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”[3]. هذا التجديد عرفته الأمة عبر القرون، وكان له أثر بالغ في إحياء عوامل الإيمان فيها وإبقاء أغلب عرى الإسلام حية في كيانها. لقد كان رواد عملية التجديد يتمثلون أساسا في العلماء الربانيين والقادة الصالحين الذين عرفهم تاريخنا واحتفت بهم أمتنا أيما احتفاء.

إيثارا للإيجاز ورغبة في التركيز أنتقل إلى أقرب مرحلة زمنية إلينا لأشير إلى الأثر الطيب الذي خلفه رواد مدرسة الإصلاح في العصر الحديث من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا ومحب الدين الخطيب وغيرهم رحمهم الله. هؤلاء الرواد ساهموا في إيقاظ الأمة وتوعيتها بمكانتها، وضرورة الاعتزاز بإسلامها وانتمائها لهذه الأمة المرحومة. وجاء من بعدهم رجال أفذاذ أفادوا ممن قبلهم وأسسوا- بفضل الله وتوفيقه- الحركة الإسلامية على قواعد متينة وأصيلة، وأرشدوها إلى سبل التربية الإيمانية والتغيير المرغوب. تضم هذه الكوكبة المجيدة أخيارا أذكر منهم حسن البنا وسيد قطب وأبا الأعلى المودودي، وعلماء ربانيين أحيوا الدعوة وسمت الصالحين منهم محمد إلياس الكاندهلوي وبديع الزمان سعيد النورسي وأبو الحسن الندوي وغيرهم رحمهم الله جميعا رحمة واسعة. نصل إلى الطبقة الثالثة من الدعاة المعاصرين ممن شاركوا -كل حسب إيمانه وعلمه واجتهاده وجهاده- في عملية الإحياء والتجديد، وهم بحمد الله كثر ويصعب حصرهم في هذه الإشارة السريعة أكتفي بذكر بعضهم منهم مصطفى السباعي وسعيد حوى ومحمد الغزالي وأحمد ياسين ويوسف القرضاوي ومحمد أحمد الراشد وراشد الغنوشي وعصام البشير وعبد السلام ياسين وغيرهم. رحم الله من مات، وبارك في أعمار من بقي، وختم لنا ولهم بخاتمة السعداء.

في هذا السياق التاريخي التجديدي العام للدعوة الإسلامية المعاصرة ظهر مؤسس نظرية المنهاج النبوي الأستاذ عبد السلام ياسين. سأحاول في الفقرات التالية أن أتحدث عن أبرز الخصائص المميزة لهذا العالم الرباني المجاهد، وأركز كلامي في ثلاثة أبعاد: البعد التربوي والعلمي والحركي.

 

  1. الخصائص المميزة لمؤسس النظرية الأستاذ عبد السلام ياسين

يعد الأستاذ عبد السلام ياسين من أبرز قياديي الحركة الإسلامية المعاصرة الذين يتميزون بالجمع بين خصال رفيعة أهلته –بفضل الله وتوفيقه- ليقوم بدور طليعي وازن في الساحة العلمية والحركية للعمل الإسلامي. وسأذكر أهم هذه الخصال في الأبعاد الثلاثة التالية:

  • البعد التربوي الروحي

لقد وهب الله عز وجل للأستاذ ياسين تأثيرا إيمانيا وروحيا يشعر به ويعيشه كل من صحبه أو زاره أو استمع أو قرأ له. إننا أمام رجل رباني ذي همة عالية أنهضه الله جل شأنه لمعرفته، وأعانه على اقتحام شتى أصناف العقبات للتعرف عليه، وسخّره لدلالة الخلق عليه جل وعلا. فهو شديد التعلق بالله سبحانه وتعالى، دائم الذكر له والتذكير به.

لقد وقّف داعيتنا حياته ليدل الخلق على الحق جل في علاه، ويشوقهم إلى محبته. فلا يمر عليك مجلس معه أو زيارة له، أو قراءة لأي من مكتوباته، أو استماع لأي من مسموعاته، أو مشاهدة لأي من مرئياته إلا وتجد هذا الإلحاح الشديد والفريد على ذكر الله عز وجل، والترغيب في معرفته، والنصح بالوقوف الدائم بباب المولى الكريم تبتلا وتضرعا وأنسا به وشوقا إلى لقائه جلت عظمته. لنقرأ فرحه الجم وأمنيته الغالية في قوله: “وأنا أسعد الناس إن كان لشهادتي سامعون واعون هبوا من سبات الغفلة لصرختي هذه الهادئة، وتيقظوا يقظة القلب، وتجافوا عن الحياة الدنيا، وفزعوا إلى من يدلهم على الله حتى يعرفوا الله. أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية”.[4]  كما أنه عبّر بوضوح عن مراده من تأليف كتابه “الإحسان”[5] عندما يقول: “قصدي في هذه الصفحات أن أدل على الله وعلى الطريق إليه. قصدي أن أستنهض الراقد وأستحث الفاتر وأنادي ذوي الهمم العالية إلى مأدبة الله”.[6]  وقد عاش الأستاذ ياسين تجربة روحية أشار إليها بقوله: “واحد أمضى بحول الله وتوفيقه تسعا وعشرين سنة في رحاب عمل الليل والنهار، وجُهد العقل والجسد والقلب…”.[7] ولقد عبّر في هذا الكتاب عن التحول النوعي في حياته، وكيف تم بفضل الله هذا الانتقال من مرحلة الغفلة والحيرة واللامبالاة إلى حياة الإيمان والهداية واليقين.[8]

مما يستحق التنويه في هذا الباب أن الأستاذ عبد السلام ياسين وفّقه الله للاستفادة من فقه السلوك ذي المنحى الفردي، وسدّده إلى الجمع بين طب القلوب والجهاد لإعلاء كلمة الله ونصرة قضايا الأمة ذي المنحى الجماعي. هذا ما يسميه ضرورة “الربط بين المصيرين” أي المصير الفردي والمصير التاريخي والجماعي للأمة كما جاء في قوله: “والمؤمن الكامل الإيمان هو ذاك الذي لا يهرب من الميدان مخافة التلوث، لا يدع العالم وصراعاته ليتفرغ للتقوى والعبادة، لا يفصل مصيره في الآخرة عن مصير أمته التاريخي. وها هنا مظهر من أهم مظاهر تفتت المجتمع الإسلامي ووهنه: الانفصال في وعي المؤمن بين مصيره الشخصي في الآخرة وبين مصير أمته في التاريخ. والربط بين المصيرين في وعي المؤمن وعمله من أهم أهداف التربية إن لم يكن أهمها”.[9]

  • البعد العلمي الاجتهادي

لقد كانت حياة الأستاذ عبد السلام ياسين حافلة بالإطلاع والقراءة في شتى أنواع العلوم والمعارف. إذ رشف منذ صباه من رحيق القرآن الكريم الذي أتم حفظه في سن مبكرة، ثم نهل من علوم اللغة والشريعة تلميذا في مدرسة أسسها العلامة الرباني محمد المختار السوسي رحمه الله، وطالبا بمعهد ابن يوسف بمراكش الذي كان تابعا لجامعة القرويين آنذاك. ثم انفتح بعد تضلعه في العلوم الأصيلة على الثقافة الغربية حيث أتقن اللغة الفرنسية عبر العصامية ونبغ فيها. تشهد بذلك مؤلفاته التي كتبها بهذه اللغة.[10] كما تعلم لغات غربية أخرى قصد التعرف على فكر وثقافة الناطقين بها مباشرة وبدون وسائط.

تمثلت حصيلة هذه الحياة العلمية المباركة للأستاذ ياسين في غزارة إنتاجه، وعمق فكره، وفصاحة عبارته، وأصالة اجتهاده، وسعة أفقه. لقد ارتاد الأستاذ ياسين آفاقا معرفية واسعة، وكان بحق مبدعا ومجددا في مباني ومعاني مشروعه العلمي الذي اصطلحت عليه “مدرسة التفكير والسلوك المنهاجي” [11] وكان من توفيق الله عز وجل للأستاذ أن هداه إلى اكتشاف “المنهاج النبوي” منذ بداية اهتمامه وتأليفه في مجال الفكر الإسلامي- أي منذ بداية العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري الموافق لبداية السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم-كما تشهد بذلك مؤلفاته في تلك المرحلة. [12] ومما تجدر الإشارة إليه  أن الأستاذ ياسين له قناعة راسخة بأن العلم إمام للعمل وأن التنظير يسبق التطبيق. وفي هذا الصدد يقول:” لذلك تجد بعضنا لا يقول بضرورة عرض منهاج كامل لعملنا، فأحرى عرض برنامج قابل للتطبيق في ميادين السياسة والاقتصاد وتغيير المجتمع… وإنه لضروري صياغةُ معرفة بالكيف الإسلامي لإنجاز ما عندنا من غاية وأهداف، صياغة تأخذ في اعتبارها أمسنا الممجد، وغدنا المتألق بوعد الله ورسوله، وحاضرنا المرهون في يد أعدائنا”.[13] لقد كان الأستاذ ياسين “منهاجيا” في كل ما يكتب ويخطب. أقصد بذلك أن مشروعه في الدعوة والتغيير ينظمه “حبل منهاجي” متماسك ومتناسق في المبنى والمعنى. إنك تجد في كتاباته نفسا واحدا متجددا يعطيك صورة جلية عن متانة علمه، وعمق تحليله، وقوة اقتراحه.

إن الأستاذ عبد السلام ياسين عالم مجتهد حر أبدع في إخراج مشروع المنهاج النبوي إلى الوجود، ثم عكف على بناء لبناته واستكمال صرحه لمدة تقارب أربعة عقود. صدر من هذا التراث المنهاجي الضخم حتى الآن ما يربو على 30 كتابا. هذا الاجتهاد الرائد هدى الله إليه الأستاذ ياسين فصاغه صياغة محكمة عبر الزمن برهن بذلك على قراءته العميقة ومجالسته الممتدة وعيشه الطويل في ظلال القرآن الكريم، ودراسته المتأنية وبحثه الجاد في سنة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. كما استفاد من إرث علماء الإسلام عبر العصور، وأدبيات الدعوة والحركة الإسلامية الحديثة بالإضافة إلى انفتاحه على معارف العصر وإفادته الموفقة منها. لكن مما يجب التنبيه عليه هو أن أكبر مصدر لاجتهاد الأستاذ ياسين هو الكتاب العزيز والسنة الشريفة كما يقول في مقدمة أول كتاب له باللغة الفرنسية ما ترجمته: “يعدّ القرآن قراءتي الحقيقية الوحيدة، والرسول-صلى الله عليه وسلم- وفعله أنموذجي الوحيد”.[14] وقبل طرح الاجتهاد المنهاجي درس الأستاذ ياسين تراث رواد المدرسة الإصلاحية ومؤسسي الحركة الإسلامية، وأثنى على صنيعهم، وذكر فضلهم وسابقتهم، والتمس العذر لمن اجتهد منهم وأخطأ فضلا عن تقديم تقويم عام لمساهمتهم في ترشيد العمل الإسلامي.[15] وقد أشار بشكل مختصر إلى خلاصة جولته في أدبيات من سبقوه من المنظرين قائلا: “إن في الميدان عروضا نظرية للإسلام يكون مجموعها حصيلة لا بأس بها. لكن الطريق الأضمن لتحصيل النتائج العملية لا يزال يحتاج لاجتهاد يلقي عليه الأضواء”.[16]

  • البعد الحركي الجهادي

لقد منّ الله عز وجل على مؤسس نظرية المنهاج النبوي بشخصية قوية مؤثرة وجذابة. تعززت هذه الصفات القيادية بخصال الربانية والعلم والتواضع والشجاعة فجعلت بفضل الله من الأستاذ عبد السلام ياسين علما بارزا من أعلام الدعوة الإسلامية المعاصرة. ومن أبرز صفاته أنه لا يخاف في الله لومة لائم، ويعتقد أنه:” ما ينبغي لنا أن نخاف من تبعات الكلمة الصريحة المسؤولة، فإنما ذل المسلمون من غياب هذه الكلمة.”[17] أما عن شجاعته في قول الحق والصدع به، وجرأته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيكفي الرجوع إلى أي من تراثه المكتوب أو المسموع أو المرئي ليجد المرء هذه الحقيقة ثابتة ومطردة. ومن الأمثلة الجلية في هذا الباب رسائله ومقالاته وتعليقاته المبثوثة في مؤلفاته والتي وجّه فيها النصح الصادق والنقد الصريح للحكام. لنأخذ عينات مختصرة من أقواله من رسالته التاريخية الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” الموجهة إلى الملك الحسن الثاني عام 1394ه/1974م، ومن تعليقه المسمى “رسالة القرن في ميزان الإسلام”.[18] وقد صدرت هذه الرسالة بمناسبة القرن الخامس عشر الهجري ويتحدث فيها الملك الحسن الثاني عن الإسلام ومستقبله، ويحث فيها رؤساء الدول العربية على فسح المجال للدعوة الإسلامية! وأخيرا “مذكرة إلى من يهمه الأمر” التي كتبها بالفرنسية -ترجمت بعد ذلك- ووجهها إلى محمد السادس سنة 1420ه/1999م. وسأسرد أقواله المقتطفة من تلك الرسائل تباعا:

  • الإسلام أو الطوفان“:

“ولست والله أخافك وإني أشتهي الشهادة في سبيل الله،…”(ص37)

“وإنك يا هذا أكلت وحاشيتك وأقاربك أموال المسلمين بغير حق، وهتكت حرمات الله وغششتنا بدعواك، وتألهت واستعبدت الناس. فبأي صحيفة تلقى ربك يوم حسابك؟ ويحك بأي صحيفة تلقاه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم!؟”(ص49)

“أما أنا فقد اخترت الجهر بالحق، وبعت الله عز وجل نفسي، وتحملت في ذلك مقاطعة إخواني وأحبابي، وتحملت مسبقاً ما يصدر من جهلك علي أن ابتلاني الله بك وابتلاك بي. اخترت أن أكون في جوار الله مع الناصحين المنذرين حينما اختار غيري السكوت عن الحق، واخترت صحبة الكتاني والبنا وقطب في نصحهم للمسلمين وصبرهم على الأذى.”(ص55-56)

“اجمعوا كلمتكم بعدي إن قضى الله أن يكرم عبداً من عباده قال قولة حق عند سلطان جائر، واجمعوا كلمة الأمة حتى تقدروا على أطر كل باغ على الحق أطراً.” (ص173)[19]

  • رسالة القرن في ميزان الإسلام“:

“بسم الله قاصم الجبارين، بسم الله الذي لا يهدي كيد الخائنين. يظهر الله ربنا عز وجل من آياته في الآفاق ما يكون عبرة للمعتبرين من حكام الجبر لو كانوا يعقلون”.(ص4)

“ليست زبر الحديد تخوفنا عندما نحتفل بخطاب ملك المغرب”.(ص17)

“إن مشكلة التعامل مع الصحوة الإسلامية مشكلتكم أنتم، فكونوا أذكياء إن قدرتم ولا تسقطوا حيث سقط الشاه والفرعون الآخر. العاقل من اتعظ بأخطاء غيره أن لات حين مناص.”(ص29)

“إن دفعكم العناد الاستكباري لخنق حريتنا، فأنتم تعرفون قانون الخنق والانفجار. وعلى كل حال فهو الإسلام أو الطوفان! ولا حول لكم أن تطفئوا نور الله بأفواهكم. إنها حتمية القرى الظالم أهلها، إنها يد الله القوية! …

لا إله إلا الله محمد رسول الله. ندعوكم إلى الله! إن لا تقبلوها بحقها يقصمكم الله. إنه هو القوي العزيز.”(ص30)[20]

  • مذكرة إلى من يهمه الأمر“:

” لا مناص من إعادة النظر في النظام بأكمله. لا بد من وضع القطار على سكة جديدة. ولذا لا بد من قاطرة قوية ويد حازمة. لا بد من مراجعة شاملة، فوراء الواجهة المزينة يوشك البنيان أن يَنْقَضَّ.(ص11)

“يجب أن يعرف الشعبُ المضروبة عليه أسوار التعتيم والتجهيل حقيقة ما يجري. يجب أن يعرف حتى ينحسم كل حبل يعلق قلبَه بحكم الجبر. يجب أن يعلم الشعب ويدرك مدى فظاعة جرائم الحكم المتسلط ليلفظ الطواغيت ويتسلح بتعاليم الإسلام المقدسة ليتحرر من نيرهم.”(ص15)

“أي خيانة هذه لمخزن لم يكتف بتحويل تركة الموتى إلى جيوبه بل أنفقها على حفلاته الوثنية!”(ص22)

“كفِّر عن مظالم أبيك المسكين وخفف عنه الحساب العسير! رُدَّ إلى شعبك ما سلب منه! تُب إلى الله وكفِّر عن خطاياك وخف ملك الملوك! والله يتولى الصالحين.” (ص31)[21]

نكتفي بهذا القدر وإلا فإن شواهد إنكار الأستاذ عبد السلام ياسين على الظلمة لا يكاد يخلو منها أي من تراثه المكتوب أو المسموع أو المرئي، بل عاش حياته كلها صادعا بالحق متحديا للطاغوت ناصحا لسلاطين الجور. وقد أدى-حفظه الله- الثمن غاليا حيث عاش أكثر من شطر حياته المباركة بين الحصار والسجن والتضييق.[22]

يظهر من خلال هذا العرض السريع لأهم الخصائص المميزة لمؤسس نظرية المنهاج النبوي أن الأستاذ ياسين داعية رباني وعلامة مجتهد وإمام مجاهد.

 

  1. تأصيل مفهوم المنهاج النبوي

يولي الأستاذ عبد السلام ياسين مسألة التأصيل في اجتهاداته اهتماما بالغا ويربط في ذلك بين أصالة المبنى والمعنى. وأول ما يثير انتباهك وأنت تقرأ أيا من كتبه هذا الحرص الشديد على أصالة اللفظ والعبارة وتأصيلهما من الكتاب العزيز والحديث النبوي إيمانا منه أن “للكلمة والتعبير وأسلوب التخاطب انعكاس مباشر على العمل.”[23] ومن الأثر الطيب لمدارسته الطويلة للقرآن الكريم هذا الاستمساك القوي بلغة القرآن. يقول في هذا الصدد: “أن تكون لغة خطابنا ومعاني مذهبنا تمتح من معين القرآن، لا تمتزج بنبع الوحي إفرازات الفلسفات والإديولوجيات وكلماتها وعباراتها”[24]. وفي موضع آخر يتساءل عن اللغة التي ينبغي أن نكتب ونخطب بها قائلا: “بأية لغة نتكلم؟ لغة القرآن التي نطمح أن نروح روحها لغة لا نحسن التشبع بها لقصورنا وانحدارنا مع لغة الشارع الثقافي، ويا للأسف! ولغة المثقفين شوائب من الكلام المترجم لا تفقه له قبيلا من دبير… إن كنا نحن ننفق جهدنا وَوُسْعَ إيماننا وشجاعتنا في الحق من قاموس القرآن والحديث، فهم من الكيس الثقافي الزاخر ينفقون.”[25]  هناك إذن التزام مطرد من الأستاذ في اقتباس المفاهيم الرئيسية المعبرة عن اجتهاده ومضمون رسالته من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. لنرى الآن كيف ورد مفهوم “المنهاج” في الوحيين الكريمين.

  • في القرآن الكريم

أول المفاهيم التي تعتبر عنوانا بارزا وشارة متألقة في مشروع الأستاذ ياسين التجديدي هو مفهوم “المنهاج”. وهي كلمة قرآنية وردت في قوله سبحانه وتعالى:  “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً“(المائدة:48). الشرعة ما جاء به القرآن والمنهاج ما جاءت به السنة كما هو مشهور من قول ابن عباس رضي الله عنهما. وتعبيرا عن تمسكه بألفاظ القرآن والسنة وحرصه على التميز في الخطاب آثر عن وعي ثاقب ورأي حصيف استعمال كلمة “منهاج” على “منهج” أو “منهجية” حيث يبيّن الفرق بينهما قائلا: “المنهج كيفية بشرية للقول والتعليم والفعل، بشرية محضة، بينما المنهاج قول وتعليم وفعل، بشري نعم، لكن بكيفية جاء بها الوحي وقاد مراحلها رسولٌ من عند اللّه عز وجل. وفرق بين المنهاج وبين “المنهجية العلمية” من كون المنهجية العلمية موضوعها الكون ونتائج ملاحظتها وتجربتها وافتراضاتها قوانين تحكم الكون وحركته، بينما المنهاج موضوعه الإنسان، ومصير الإنسان في الدنيا والآخرة… ويجتمع المنهج العلمي والمنهاج النبوي في أن عملية ذاك تعطي نتائج كونية وفي أن هذا يعطي نتائج إنسانية.”[26] ومن خلال الفهم الواسع والحركي لتفسير ابن عباس للآية 48 من سورة المائدة يقول الأستاذ ياسين: “فعلى هذا تكون الشريعة أو الشِّرْعَةُ أمرَ الله المنزل الضابط للتكليف وشروطه وأحوال المكلفين، ويكون المنهاج هو التطبيقَ العملي للشريعة، وإنزالَها على أحداث التاريخ في الإطار الزماني والمكاني والاجتماعي الاقتصادي السياسي المتغير المتطور، الذي تمثل السيرة النبوية نموذجا فذا له، لكن نموذجا حيا قابلا للتجدد في روحه وإن تنوع الشكل.”[27]

3.2  في الحديث الشريف

وردت لفظة “منهاج” في حديثين شريفين أولهما رواه الإمام أحمد بسند صحيح ينتهي إلى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول فيه الرسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت.”[28] والحديث الثاني نقله الإمام الشاطبي عن الحافظ البزار قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أول دينكم نبوة ورحمة. وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم يكون ملكا عاضا فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله جل جلاله. ثم يكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي، ويُلْقِي الإسلام بِجِرَانِهِ في الأرض، يَرْضَى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطر إلا صبته مِدْراراً، ولا تدع الأرض من نباتها وبركاتها شيئا إلا أخرجته”.[29]

 

  1. دراسة مفهوم المنهاج النبوي
    • الجانب النظري العلمي

إن الاختيار الواعي والموفق لمصطلح المنهاج له دلالة معتبرة ومغزى عميق في نظرية المنهاج النبوي. على مستوى التعبير يحرص الأستاذ ياسين على استعمال المفاهيم القرآنية والنبوية لاعتقاده الراسخ: “أنه لا بيان يُرجى، ولا بلاغَ، ولاَ مَسْلَكَ إلى قلوب العباد، ولا أصالةَ للخطاب الإسلامي إلا بالأسلوب القرآني السني البريء من لَوَثات الفلسفة وعُجمات الحذلقة الثقافية.”[30] أما على مستوى المضمون فإنه يعطي لها دلالات متجددة ينظمها في إطار فهم شمولي وفقه واسع لقضايا التجديد والتغيير والبناء. فلفظة منهاج تدل على معاني الطريق والسلوك والسير، من هنا جاء المنهاج النبوي ليرشد الإنسان في سيره إلى الله عز وجل، ويهديه إلى التي هي أقوم في سلوكه، ويبصّره بمعالم الطريق، ويحثه على الصبر مع الجماعة، ويحفزه على اقتحام كل أنواع العقبات التي تعوق سيره في هذه الدنيا، ويجعله ثابت الخطو، قاصدا في مسيرته، صامدا إلى غايته الكبرى- معرفة الله ونيل مرضاته- وأهدافه النبيلة.

في هذا السياق يقول الأستاذ ياسين: “المنهاج علم متحرر من حيث هو علم موحى به، ومن حيث هو نداء من لدن رب العالمين، من كل ثقل أرضي اجتماعي أو إثني أو تاريخي أو اقتصادي. لكن المنهاج من حيث هو عمل، من حيث هو استجابة لداعي الله تعالى وتقدس، إنما هو عبور شاق، صعود مجهد، اقتحام لكل العقبات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية”.[31] كما أن المنهاج يدلنا على الفقه الجامع النافع الذي نحتاج إليه: “هو ذاك الذي يخط لنا ويعلمنا كيف ننفذ حكم الله في إقامة الدولة وتسييرها، في تنظيم المجتمع وإقامة العدل فيه، في تربية وتنظيم جماعة المؤمنين، في إدارة شؤون المسلمين إنتاجا وتوزيعا ومعالجة للمعايش، في إدارة الاقتصاد ووظائفه، في جعل أمور الأمة شورى بين رجالها من أهل الحل والعقد، في تنظيم الاجتهاد لاستنباط أحكام الله من كتابه وسنة نبيه لهذا العصر ولهذه الشعوب الموزعة في الأرض، وبهذه الوسائل المتاحة، ولهذا الهدف الذي أصبح قبلة للإرادات الجهادية المتجددة.”[32]

وعلى ضوء ما سبق يتضح أن المنهاج النبوي منظومة شاملة  يهدف إلى إنارة الطريق للفرد والجماعة والأمة، ويوجه الجميع إلى معرفة المهمات المنوطة بهم وكيفية أدائها بإتقان وفي انسجام تام. لذلك يلح الأستاذ ياسين على أهمية وجود المنهاج لأنه: “ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء.”[33]

  • الجانب العملي الحركي

من البديهي أنه لا يمكن الفصل بين المنهاج من حيث هو علم والمنهاج من حيث هو عمل. فهذا الإجراء اقتضته المنهجية لمعالجة كلا الجانبين على حدة. فمن الناحية اللغوية جاءت كلمة منهاج على صيغة “مفعال” التي تدل على الآلة كمنظار، أو مجال الحركة كمضمار، أو أداة القسمة كميزان. ويستفاد من هذه الصيغ اللغوية وما تحمله من دلالات أن المنهاج له قابلية في الفعل والحركة ووضع الأمور في مسارها الصحيح. أما من الناحية العملية فإن “قمة التحدي أن ينزرع الإسلام في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، أن ينتقل بالجهاد الدائب اليومي من دعوة إلى حياة، من مثال إلى واقع، من مطمح عال إلى إنجازات عينية. …أن ننزرع في الواقع ونتغلغل ونصبح فعلا حاضرا في كل مكان وفي كل ميدان هو قمة التحدي، أن نكون فعلا مؤثرا ناجحا له نتائج.”[34]

كما يؤكد الأستاذ ياسين على أنه لا يكفي تقديم وصف عام لما ينبغي معرفته مما يرتبط بالإسلام عقيدة وشريعة، سلوكا وآدابا، اقتصادا واجتماعا، سياسة وجهادا بل يلح على ضرورة إعطاء أجوبة عملية شافية عن الأسئلة المنهاجية التالية: “لكن أخبرني عن المنهاج العملي لكي يكون تحزبنا لله عز وجل قوة فاعلة، أخبرني عن التربية العملية، عن وسائل وآداب وأفعال التغلغل في الأمة، عن المخطط الصالح للتطبيق، المتدرج، الكفيل بإيصال حزب الله حيث يكون من الوجود الكثيف والانتشار والتمركز والتمكن والدراية والخبرة والنظام بحيث يستطيع أن يفرض على الواقع وجوده وإرادته رغم المعارضين ورغم سندهم الداخلي والخارجي، وبحيث يتوج جهاده بإقامة دولة القرآن دولة وحدة الأمة. …فأخبرني كيف يتحزب جند الله حتى يكونوا كتلة يحسب لها حسابها، كتلة تقاتل، يحدوها حب الموت في سبيل الله، كيف تنظم وسائلها المادية قبل الحكم وبعده، كيف تخترق الحواجز، كيف تقتحم العقبة. عمليا وبالتفصيل وبالتعلم الدؤوب من إصابة الغير وأخطائه، من نجاح الصف وفشله، من أحداث العالم اليومية. ثم لا يكون جوابك عن هذه الأسئلة المنهاجية إلا خارجا عن الموضوع، مرفوضا بالميزان الإسلامي، إن لم يكن الإيمان هو الرائد والعقل تبعا منفذا، إن لم تكن الروحانية والأخلاقية هي اللب، والقوة المادية وعاء وحصنا، إن لم يكن حب الله عز وجل والسعي في مرضاته هو الغاية، وما سواه أهدافا ثانوية ووسائل.”[35]

وبناء على ما تقدم يتضح جليا ارتباط العلم بالعمل في نظرية المنهاج النبوي، والطبيعة الحركية للمنهاج الذي يعتبر في آن واحد مرشدا للعلم ومادة وبرنامجا للعمل. لننتقل الآن إلى التعرف على عبارة أساسية تلخص طبيعة المنهاج النبوي، وتبين مغزاه، كما تعطي صورة كاملة عن اتجاهه ومعناه.

 

  1. رأس المفاهيم المنهاجية: اقتحام العقبة

إن مركزية القرآن الكريم والسنة النبوية في المشروع التجديدي التغييري الذي يقترحه الأستاذ عبد السلام ياسين متألقة في كل مؤلفاته. يقول مؤكدا هذا المعنى: “ونرجع للقرآن والسنة للاستدلال والاستشهاد فما لنا مرجع سواهما.”[36] وفي موضع آخر يقول: “تنطلق خُطانا المنهاجية من قواعد الشِّرْعة، يستنير القلبُ بنورها، والعقل بعلمها، والنّظر بمفاهيمها، والإرادة بحافزها وداعيها وندائها، لنقتحم العقبة إلى الله عز وجل.”[37]  ولن يجد الباحث عنتا في إدراك ما توليه هذه النظرية من أهمية قصوى لقضية التأصيل. حسبنا أن نتأمل العبارات المنهاجية الأساسية التالية: الشورى والعدل والإحسان، القومة والتغيير والجهاد، الخلافة والملك، النداء والاستجابة، الرحمة والحكمة، الفتنة والجاهلية، الهجرة والنصرة، الاستكبار والاستضعاف، الجهاد الآفاقي والأنفسي، العمران الأخوي …

ونظرا لوجود محور خاص بالجهاز المفهومي لمدرسة المنهاج النبوي ضمن محاور المؤتمر، فإنني سأركز حديثي في هذه الفقرة على رأس المفاهيم المنهاجية “اقتحام العقبة” لأن هذه العبارة تلخص رسالة المنهاج وطبيعته، وتشير إلى معناه واتجاهه وغايته. هذا المفهوم المحوري هدي إليه الأستاذ ياسين أثناء تأملاته وقراءته العميقة لكتاب الله عز وجل، ووفّق لاستنباط معانٍ لطيفة في إطار التدبّر المنهاجي الذي سلكه في محاولة فهمه الواسع لدلالات جملة من آيات القرآن الكريم وسنة وسيرة سيد الخلق أجمعين صلوات الله وسلامه عليه. إن عبارة “اقتحام العقبة” المقتبسة من كتاب الله  عز وجل وما يليها من آيات تحمل مضمون رسالة ما يريد الأستاذ ياسين تبليغه. (سورة البلد:3-18) لنقرأ بعض تأملاته في هذه العبارة في سياقها القرآني: “فأول ما نفهمه من العبارة تحرك سالك إلى مسلوك إليه، صعدا وارتقاء. تقرّب العبد إلى ربه. فكل ما يصرف العبد عن هذه الوجهة، أو يعرقل هذه الحركة، أو ينسيها أثناء السير، أو يذيبها في الانتشار الفكري والشغل الجماعي، خطر يهدد عملنا بالسطحية، ثم بالغفلة، ثم بالانحراف.[38] كما يلاحظ الأستاذ ياسين أن “فعل الاقتحام سبق ذكر العقبة. يعني هذا كثيرا لعقول تربت على التفكير الجدلي المتحرك… لكن جاء التأمل الثاني فإذا بالعبارة ترفع تلك الحركة الجدلية التافهة من حيث كانت متناقضات الطبيعة يحتك بعضها ببعض، ويصطدم بعضها ببعض، ويسابق بعضها بعضا، إلى حيث تكون الطبيعة، الطبيعة الكونية والطبيعة الإنسانية، عقبة يجب على الإنسان أن يقتحمها ليعرف مولاه وخالقه، وليرضى عنه، وليسعده السعادة الأبدية. …اقتحام العقبة إذن تحرك إرادي تتعرض له العقبة فتمانعه ويغالبها حتى يتم الاقتحام. حركة الفرد المؤمن في سلوكه إلى الله عز وجل، وحركة الجماعة المجاهدة في حركتها التغييرية، وحركة الأمة في مسيرتها التاريخية.”[39]

هذه العبارة المفتاح تجمل الفهم الشمولي الحركي للإسلام الذي تدعو إليه نظرية المنهاج النبوي. يقول في هذا الصدد: “الإسلام، حين نفهمه حركة لاقتحام العقبة، نداء واستجابة، رحمة وحكمة، يكون هو المعرفة الشاملة، والمحرك، والقوة، والعلم، والقدرة التنفيذية في حركة الانبعاث والحياة، وفي مسار العبد من دنياه التي فيها معاشه إلى آخرته التي فيها معاده.” [40] ويزيد توضيحا لطبيعة العقبة وطبيعة الاقتحام حين يقول: “العقبة طريق صاعد وعر، أوعر ما فيه العقبة النفسية التي تعالج بفضيلة الصبر، وخطوات الهوى والشيطان طريق منحدر سهل مفض إلى الهاوية مباشرة في السُّفل. ثم العقبة الخارجية الكونية وما تعج به من مغريات، وعدو متربص وخصوم وأصدقاء، وحاجات اقتصادية وصحية، وعوائق ترجع لتخلف المجتمع، وأخرى تنتج عنه وتتجدد. …اقتحامها جهاد وصعود وعر وضبط نفس وحملها على السير. اقتحامها صبر النفس بالمعنى الذي قرأناه. والوِجهة الله تعالى ورضاه، والجائزة الغرفة والتحية والسلام. والمعيار العقل والشرع. والشرع سبيل ومنهاج.”[41]

ولكي تكتمل الصورة عن اجتهاد الأستاذ ياسين في تقديم فهم واسع وشامل لهذه العبارة المفتاح وما جاء بعدها من آيات يحسن بنا أن نورد باقة من تأملاته تبيّن بوضوح مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي.

إن الباحث في نظرية المنهاج النبوي ليجد كثيرا من لطائف التدبّر المنهاجي لآيات القرآن المجيد تعطي البرهان القاطع في اعتماد الأستاذ ياسين كتاب الله مصدرا رئيسيا لاجتهاده، ومرجعا مركزيا لتأملاته أثناء إعداد مشروعه في فقه التجديد والتغيير. ومن أبرز نماذج الفهم المنهاجي الواسع ما بسطه الأستاذ ياسين خلال حديثه عن سورة البلد في مختلف كتاباته خاصة ما تحمله عبارة اقتحام العقبة من لطائف المعاني وحسان المعارف. لقد تأمل هذه السورة الكريمة واستخرج منها دروسا عظيمة وحكما بليغة أسوق بعضا منها فيما يلي: “ذكر الله سبحانه وتعالى الإنسان في سورة البلد المكية، وذكر تعبه في الدنيا مادام بعيدا عن ربه، وذكر نعمه عليه وما أودعه من طاقات، وما بعث إليه من رسل يهدونه، وما فطره عليه من استعداد. ثم خاطبه مخبرا محرضا: “فلا اقتحم العقبة!” لا هنا للنفي والاستنكار، فيكون المعنى: مع كل تلك النعم، ومع الهداية التي تخيره بين نجدي السعادة والشقاء لم يقتحم العقبة المؤدية لسعادته. أو تكون لا للعرض والتحريض فيكون المعنى: هلا اقتحم العقبة؟ وبكلا المعنيين فهو نداء مؤكد من الله عز وجل للإنسان أن يسلك إلى ربه السبيل. إلى ماذا يشير لفظ النداء؟ … ماذا تحمل العبارة “اقتحم العقبة” من مواصفات في “الذات” وفي “الموضوع” الذي هو الطريق؟”.[42]

ويتحدث عن كلمتي “اقتحام” و”عقبة” قائلا:” فها هي الألفاظ تعطينا دلالة على أن الاقتحام دخول شجاع في شدائد، على أنه منابذة للخوف، بل هجوم على ما يخيف الجبناء، وعلى أن الطريق صاعدة لكن في وعورة. بعبارة أخرى فإن العبارة تصور لنا الخصال النفسية القلبية العقلية عند المدعوين للاقتحام كما تصور طبيعة المسلك الموضوعية. وهي قبل كل شيء دعوة صادرة من اللّه عز وجل، فالاستجابة لا تتخذ معناها من خصال المقتحم ولا من وعورة المسلك، لكن من كونها تلبية لنداء الحق.”[43] ويشرح النجدين الواردين في السورة بقوله: “نجد أن النجدين الذين هدى اللّه تعالى إليهما الإنسان عقبتان: إحداهما تؤديه بعد الكدح والكبد والتعب في دنياه إلى الشقاء الأبدي في الدار الآخرة. والأخرى، وهي التي عظم اللّه شأنها وشوق إلى معرفتها في قوله: “وما أدراك ما العقبة” هي التي يقتحمها المؤمن اقتحاما، فينال بعمله الصالح ذاك سعادة الدارين.”[44] ويتساءل: “أي شيء يمنعنا أن نفهم عن اللّه عز وجل ما وراء الأحكام التفصيلية، ما يجمع تلك الأحكام وما يربطها وما يكون منها معرفة شمولية للإنسان وسلوكه عبر العوائق والحواجز التي تعترض صعوده في معارج الإيمان؟”[45] يقصد هنا الأحكام الفقهية الجزئية العينية التي فسرت وأدرجت فك الرقاب في باب الكفارات وإطعام الطعام في باب الصدقات وانضمام المؤمن للجماعة في باب الوعظ والرقائق. وفي هذا الباب يقدم فهمه للشروط الثلاثة التي يجب استيفاؤها فيمن يقتحم العقبة قائلا: “فك الرقبة تحرير الإنسان من العبودية لغير اللّه عز وجل، إطعام اليتيم والمسكين، تحرير لطاقاته لينتج ما به يستطيع أن يطعم المعوزين ابتداء من إطعام نفسه، الكينونة مع الذين آمنوا تحرير للإنسان المؤمن الفرد من العزلة والخمول والانفراد، وإدماج له في الجماعة ليتحزب لله عز وجل. ثلاث مجالات: المجال النفسي، والمجال الاقتصادي، والمجال السياسي.”[46] ويستدرك عندما يقول: “ليس ما نحن بصدده تأويلا لكتاب اللّه عز وجل، فلا نقاش في أن فك الرقبة المؤمنة في الكفارات وغيرها قربة، والصدقة على اليتيم والمسكين عمل صالح، وصحبة المؤمنين ومشاركتهم في الحق والصبر انضمام للجماعة مأمور به. الأحكام التفصيلية باقية على وجهها، أما الفقه الأوسع والتدبر المنهاجي فيبسط أمامنا الفهم الشمولي لأهمية التحريض الإلهي على الاقتحام، ولخطورة العقبة التي بينتها الآيات الكريمة. تحريض ملح وخطورة بالغة بالنسبة للإنسان ومصيره لا يتناسبان مع مجرد تحرير رقبة وإطعام جائع وانضمام مؤمن، ولا ينتهيان فيها، ولا يتحقق الاقتحام بها مادامت أفعالا فردية متناثرة، مادامت لم تدخل في نظام محكم يتحرر فيه الإنسان وتتحرر فيه الأمة من كل عبودية لغير اللّه، من العبودية للناس، ومن العجز أمام الطبيعة، ومن الانفراد وغياب الجماعة.”[47]

ويبين الأستاذ عبد السلام ياسين منهجه في التعامل مع القرآن الكريم قائلا: “أما من يتخذ القرآن إماما ليبصر المنهاج الكلي فلا يسعه ما يسع الفقيه، لا يسعه أن يقف عند ذلك التصنيف. وإلا ضاعت من أمامه معاني النداء والاستجابة والعقبة والاقتحام.”[48] لقد تأمل العقبة في ظل التدبر المنهاجي لهذه السورة من جانب العوائق والموانع خارج الإنسان وفي باطنه، أي فتنة الشيطان والإنسان والسلطان، بعد أن تناولها من جانب الحوافز المصيرية والدوافع، وختم شرحه بقوله: “بعد أن ذكر اللّه عز وجل في سورة البلد الثلاثة الشروط التي يقتضي الوفاء بها اقتحام العقبة قال: “أولئك أصحاب الميمنة“. ففك الرقاب وإطعام الطعام، والكينونة مع المؤمنين أفعال مُرضية، أعمال صالحة تؤدي إلى الحشر في أصحاب الميمنة. يعني هذا أن مجال الحرية ليس الدنيا الفانية وانتهى كل شيء. الحرية الفردية، والإنتاج والتوزيع الاقتصاديان، والتحزب السياسي مع المؤمنين، أفعال لا تُقصد لذاتها، ولا لهدف حضاري أرضي. إنما تكسب معناها وشرفها لما تؤدي إليه من مصير بعد الموت.”[49]

أرجو أن أكون في هذه الإطلالة قد بيّنت محورية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي من خلال ما أوردت من تأملات الأستاذ ياسين في سورة البلد.

 

  1. السمات الرئيسة للمنهاج النبوي

تتميز نظرية المنهاج النبوي التي بناها الأستاذ ياسين عبر ما يقارب أربعة عقود بخصائص متنوعة أهمها الوضوح والأصالة والشمولية. أما الوضوح فخاصية تدل عليها كلمة “منهاج” التي يفيد معناها السلوك والوضوح. فالمنهاج النبوي علم ينير طريق الفرد والجماعة والأمة في سيرهم إلى الله عز وجل رغبة في نيل رضا، وفي سلوكهم لاقتحام كل أنواع العقبات أداء لمهماتهم التاريخية، وتحقيقا لمطالبهم المشروعة المتمثلة أساسا في التحرير والعدل والسيادة.[50] الخاصية الثانية هي الأصالة والمقصود بها أن المنهاج يستهدي بالكتاب والسنة، ويجتهد في إطارهما لاستنباط القواعد الكلية في مجالات التربية والتنظيم والتغيير، وينظمها في نسق تجديدي متكامل. صفة الشمولية بارزة في نظرية المنهاج النبوي التي تعالج الجوانب الحيوية الكبرى -النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية- للإنسان سواء كان فردا أو جماعة أو أمة. يقول الأستاذ ياسين في هذا الباب: “ننظر إلى الدعوة في شموليتها لا نضيع في الجزئيات والتفاصيل… إننا إن بدأنا في الجزئيات قبل أن نحكم الفهم الشمولي للمنهاج النبوي نكاد نضيع في بنيات الطريق.”[51]  كما يحسن بنا أن نذكر هنا أن الأستاذ عبد السلام ياسين يمتاز بغزارة الإنتاج وتنوعه وجودته، ويعد من أكثر المنظرين المعاصرين تأليفا، ولا يزال جزء غير يسير من كتبه مخطوطا. [52] كما يتصف المنهاج النبوي بسمات أوردها الأستاذ ياسين في قوله: “الدين شرعة ومنهاج …الشرعة خاطبت الإنسان، والمنهاج حقق النموذج الإنساني. المنهاج التطبيقي العملي المفصل المنظم المتدرج.”[53] لنفرد كل واحدة من هذه السمات بشيء من الشرح والتوضيح.

  • منهاج تطبيقي

يشير هذا الوصف إلى كون المنهاج يطابق بين القول والفعل، وله قابلية للتطبيق والتحقيق. يقول الأستاذ ياسين في هذا السياق متحدثا عن شروط ومسؤولية وراثة الطليعة القدوة لتبليغ الرسالة: “يستحقون هذه الوراثة ويمكّن الله لهم في الأرض إن هم طابقوا، وطابقت أعمالهم، وطابق إيمانهم، الوصفَ الذي وصف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في هذا البلاغ الإلهي: “يا أيها النبيء إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا” الأحزاب:46.”[54] من هنا يعدّ المنهاج اجتهادا يسعى لإحياء النموذج النبوي الصحابي في واقعنا المعاصر.

  • منهاج عملي:

أي أنه يقتحم عقبات الواقع ليحدث التغيير المطلوب. يحدد الأستاذ ياسين شروطا ثلاثة للاقتحام وهي الجرأة والوضوح والقدرة على التنفيذ.[55]  كما أن المنهاج يحث على تجديد الإيمان في قلوب الأفراد، ومعاني الطاعة في المجتمع والأمة بالإضافة إلى أنه يوجّه الطاقات نحو التحرير الشامل للإنسان والأمة.

  • منهاج مفصل:

يمكن رصد خاصية التفصيل في مستويات ثلاثة:

  • مستوى المبادئ: يستقي المنهاج النبوي مبادئه من القرآن المجيد والسنة المطهرة، وتشمل هذه المبادئ مجالات الاعتقاد والتربية والاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة وغيرها.
  • مستوى المقاصد: تتطلع نظرية المنهاج النبوي إلى تحقيق مقاصد كبرى أهمها الشورى والعدل والإحسان.سأفصل الكلام فيها في العنوان الفرعي الثامن من هذا البحث.

6.2.3  مستوى الوسائل: يعتمد المنهاج النبوي في تحقيق غايته العظمى وأهدافه النبيلة على كل الوسائل المشروعة التي يتيحها العصر كما يشير إلى ذلك الأستاذ ياسين في قوله: “نحقق الجوهر بالوسائل العارضة في زماننا كما حقق من سبقونا بالإيمان بوسائل عصرهم.”[56]

  • منهاج منظم:

تتجلى سمة التنظيم في ثلاثة مستويات:

  • التربية:

وهي قضية محورية في نظرية المنهاج النبوي لأن: “التربية بداية السير، فمتى كانت متينة على هدى الله كان الجهاد ممكنا.”[57] ويرشد المنهاج إلى تربية ربانية متوازنة تحيي القلب بالإيمان والرحمة، وتنور العقل بالعلم والحكمة، وتقوي البدن وتروضه على أداء التكاليف الشرعية والواجبات الدنيوية. ويلح الأستاذ ياسين على ضرورة كون التربية: “شاملة عميقة، قلبية نفسية ربانية قبل كل شيء، ثم فكرية عضلية حركية تنظيمية بعدُ.”[58] وفي نفس السياق يقول: “وقل ما شئت بعد أن تحكم مقدمات التربية وأسبقية تجديد الإيمان ويقظة التطلع إلى الإحسان …”[59] كما يشترط المنهاج شروطا للتربية الإيمانية وهي الصحبة والجماعة والذكر والصدق. يجمعها الأستاذ ياسين في هذه الصيغة الرياضية: “صحبة وجماعة + ذكر + صدق، هذه معادلة التربية الإسلامية في خطوطها الرئيسية، شرط في المربّي (بالكسر) وبيئة التربية، وشرط في تجديد الإيمان، وشرط في المربّى وقابليته للجندية، وسائر الخصال العشر مع ما تضمه من شعب الإيمان تكمل الشروط وتجلو الصورة إن شاء الله تعالى.”[60] ويؤكد على أنه: “لا جهاد بلا تربية، ولا يكون التنظيم إسلاميا إن لم تكن التربية إيمانية.” ويحذر مما يسميه المزالق الثلاثة وهي: “إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، والإسلام الفكري، والحركية على حساب التقوى والعلم.”[61]

  • التنظيم:

يلخص الأستاذ ياسين أهمية التنظيم في القاعدة المنهاجية التالية: “لا جهاد إلا بجماعة منظمة”[62] أي أنه لا يمكن تغيير واقعنا الفتنوي وتعبئة الجهود وتوجيه الطاقات إلا بوجود كيان جماعي عضوي حي ومنظم تقوده طليعة مجاهدة لها: “فكر متكامل، وخطة واضحة، وآفاق معروضة على الجماهير، مشروحة لما هو البديل الإسلامي، وما مواضعه ومرافقه، وما أهدافه وبدايته وطريقه.”[63] ويشترط نواظم هي بمثابة روابط معنوية تكون روح التنظيم وتعطيه القوة والفاعلية وهي المحبة، والنصيحة والشورى، والطاعة. يعلق عليها بقوله: “الحب في الله، والتناصح والتشاور في الله، والطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر. ثلاث نواظم لا تقوم إحداها مقام الأخرى، ولا يقوى جسم إسلامي على جهاد إسلامي إلا بها.”[64]

  • الزحف:

هذا هو العنصر الثالث المعبر عن مبدإ النظام في نظرية المنهاج النبوي. يشمل الزحف كل ما تتطلبه عملية التغيير من اقتحام شجاع، وقومة قاصدة، وتعبئة شاملة، وصبر جميل، وإعداد جيد حتى يتم تحقيق الهدف الاستراتيجي للعمل الإسلامي ألا وهو إقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة كما بشر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة ذكرت منها حديثين في العنوان الفرعي الثالث (تأصيل مفهوم المنهاج النبوي) من هذه الورقة. وفي هذا السياق يحدد الأستاذ ياسين مقومات أربعة للزحف قائلا: “وللزحف محجة لاحبة وهدف معلن، ومرونة ضرورية، وثمن معلوم.”[65] وقد شرح المراد بتلك المقومات في كتابه العمدة “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا.”[66]

  • منهاج متدرج:

هدف نظرية المنهاج النبوي هو تغيير الإنسان والواقع تغييرا جذريا شاملا. هذا النوع من التغيير يقتضي سنة التدرج المستمدة من الشرعة القرآنية ومنهاج النبوة. من هنا يؤكد المنهاج على هذا المبدإ تلطفا بالإنسان وإعانة له على التغيير المنشود، ورفقا به حتى يسلك الطريق المستقيم، ويقتحم العقبة إلى الله عز وجل. كل ذلك يتم بمعية صحبة صالحة ووسط بيئة إيمانية راشدة تعين على السير الحثيث نحو المقاصد الإسلامية الجليلة. هذا ما يسميه الأستاذ ياسين “تنهيج الدعوة” ويعني به “أن نتدرج بالإنسان من موقعه الإنساني، من ظروفه المادية، من تعبه اليومي وكبده، من هم المأوى والرزق والأمن والضروريات، ليطمئن إلى أن الإسلام وعد بفك الرقاب، أي بتحرير الإنسان من كل عبودية تحقره ولا تكرمه، وعد بإطعام الجائع، بالقضاء على البؤس، بالإنصاف، بالقسمة العادلة للرزق.” [67]

ومن الضروري التنويه في هذا السياق على أن مبدأ التدرج كما هو مبين في نظرية المنهاج النبوي ينافي الاستكانة إلى طول الأمل، أو قبول أنصاف الحلول، أو استعجال النتائج قبل نضج الثمار، أو الاستقالة من تحمل مسؤولية التغيير والبناء، أو التصالح مع الواقع المفتون. لهذا يحذر الأستاذ ياسين من هذه المزالق قائلا: “ونقرأ مع قانون التدرج خطر الاسترخاء والتسويف والتعويل على الأجيال المقبلة لتحمل عنا تبعات يمكن أن نتحملها أو نصيبا منها نحن.”[68] بعد هذه الجولة في السمات الرئيسية للمنهاج النبوي، نتحول إلى ذكر وظائفه.[69]

 

 

  1. وظائف نظرية المنهاج النبوي

يفيد مصطلح “منهاج” لغة السلوك والوضوح، ويعرّفه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- بأنه ما جاءت به السنة.

7.1  الوظيفة الرئيسية:

وعلى ضوء هذه المعاني يحدد الأستاذ ياسين الوظيفة الرئيسية للمنهاج بأنه: “وضوح وتوضيح يتبعهما سلوك على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو آلة للعلم ومرشد للعمل، وهو في نفس الوقت مادة العلم وبرنامج العمل، لاينفصل المنهاج آلة للعلم والتوضيح عن المضمون العلمي والعملي للمنهاج الطريق.”[70] يستنتج من هذا الكلام أن للمنهاج طبيعة مركبة تجعله يجمع بين “العلم والعمل مترابطين، النداء والاستجابة متلازمين، الرحمة والحكمة متعاضدتين، أمر إلهي وطاعة، خطة وتنفيذ معا…”[71] كما يكتسي أهمية إستراتيجية تتمثل أساسا في “التوضيح والتخطيط والتنسيق والتنفيذ”.[72] هذه هي إذن الوظيفة الرئيسية للمنهاج: “توجيه وتنسيق لجهود، لجهاد، في أهداف واضحة، ومسلك نموذجي.”[73] لنذكر الآن الوظائف المكملة للوظيفة الأساسية للمنهاج.

7.2   الوظائف الفرعية

باستحضارنا للوظيفة الرئيسية للمنهاج النبوي وأهميته الإستراتيجية، يمكن اقتراح الوظائف الفرعية الآتية:

  • تجديد الإيمان في القلوب وترقيته وتحسينه باستمرار.
  • إحياء الأمة وإعادتها إلى حضن الشريعة الغراء.
  • جمع الطاقات وتوجيهها للتغيير والبناء وسط كيان جماعي قوي ومنظم.
  • اقتراح مشروع مجتمعي شامل ومتكامل وقابل للتنفيذ.
  • تشكيل مرجعية علمية ومنظومة فكرية قصد التأطير العلمي والحركي.
  • تربية وتدريب وإعداد هذا الجيل والأجيال القادمة على العمل الهادف والفعل القاصد.

 

  1. مقاصد نظرية المنهاج النبوي

يمكن تحديد مقاصد نظرية المنهاج النبوي في مقصدين كلّيين وهما “العدل والإحسان”. وفيما يلي شرح للمقصدين وما يدلان عليهما من المعاني، وتبيان للأصناف التي يحتوي عليهما كلا المقصدين.[74]

  • مقصد العدل أو الغاية الاستخلافية

يعدّ الأستاذ عبد السلام ياسين من المنظرين الإسلاميين القلائل الذين أعطوا لمقصد العدل أهمية قصوى في مشروعهم التغييري، واعتبروه من أوثق عرى الإحسان. [75] يبيّن هذه الأهمية قائلا:” يتصدر مطلب العدل كل المطالب في البرامج السياسية الجادة. والعدل الذي أمر الله به -إقامتُه والتهييء لقيامه- أهم ما تتطلع إليه الأمة المسلمة وتشرئب إلى تحقيقه طوائف الأمة المستضعفة في الأرض، أمة الإسلام. فالعدل بين الناس في الحكم، والعدل في الأرزاق حين تُنتَجُ وحين تُقسم، والعدل تنشُده أمة الإسلام اقتضاءً من النظام العالمي العولمي الطاغي في الأرض، والعدلُ بين الناس جميعا أبيضِهم وأسوَدِهِمْ مطالب أساسية ينبغي أن تتصدر برامج الإسلاميين وهم على عَتبَةِ المسؤولية عن الحكم.” [76]

لقد حذّر من عواقب تهميش هذا المطلب الكبير من قبل الإسلاميين قائلا: “فنخشى أن نؤتى من قبل سكوتنا الجزئي عن أهم ما أمر به الله عز وجل، بتكرار وإلحاح، في كتابه العزيز، وهو العدل والإحسان”[77]، ويزيد الأمر وضوحا بقوله: “فمهما رفعنا نداء الإسلام دون أن نبيّن البرنامج العدلي أو أجّلنا إعلانه، فالفطرة المظلومة المتمثلة في سواد الأمة وجماهيرها المحقرة المفقرة ستظل حائرة، لا تثق بالصارخين من عزلتهم على الإمبريالية والبورجوازية لعدائهم السافر للإسلام، ولا هي تثق بالإسلاميين لسكوتهم المطبق عن القضية الاجتماعية.” [78]  لقد أدرك الأستاذ ياسين خطورة المسألة الاجتماعية منذ وقت مبكر من مسيرته العلمية الحركية، وعرف معرفة عميقة نفسية الإنسان وحاجاته الآنية والملحة. لقد ساعده على اكتساب هذا الوعي حمله هموم  المستضعفين، واحتكاكه في السجن بمناضلي التيارات الأخرى خاصة الاشتراكيين، [79] واطلاعه الواسع على الفكر البشري وما يدفع الناس في العالم إلى القيام بالثورات والانتفاضات. يقول موضحا خطورة الجانب الاجتماعي: “في المسألة الاجتماعية تكمن أسباب الزيغ والانحراف، في وجود الفقر في جانب والغنى في جانب، في تركب الظلم السياسي على التفاوت الطبقي وتولّد هذا من ذاك، وفي المسألة الاجتماعية تكمن الغيوم المظلمة التي تلبد سماء النفوس والعقول، فتتعتم الطريق وتتقتم.” [80]  كما أنه يدعو إلى:”بناء القاعدة المادية للعدل، وهي الرخاء بالجهد، والقسمة بالإنصاف، والتنمية بالمشاركة، والحكم بالشورى، والإدارة بالكفاءة، والعزة بالله عز وجل لا بغيره، والكل بالإسلام والإيمان والعدل والإحسان“. [81]

ولتسهيل تناول مقصد العدل كما تعرضه نظرية المنهاج النبوي، سأقسمه إلى الأصناف الثلاثة التالية شارحا كل صنف على حدة.

  • العدل السياسي– يسميه الأستاذ ياسين “العدل الحكمي[82]

تعدّ الشورى أساس النظام السياسي الإسلامي، وشرطا ضروريا ليكون نظام الحكم شرعيا، وعمادا رئيسيا من أعمدة دولة القرآن.[83] ومساهمة منه في إثراء البحث والتنظير في هذه المسألة، اجتهد الأستاذ ياسين في تأصيل هذا المطلب العزيز في السياق القرآني الكامل والنموذج النبوي والراشدي، وجعله ضمن المطالب العالية والغالية للأمة وهي الشورى والعدل والإحسان.[84]

لقد تناول الأستاذ ياسين مفهوم الشورى في مختلف كتبه حيث فصّل القول في ماهيتها وشروطها ومواصفات أهلها.[85] يبدأ حديثه عن أهمية الشورى بذكر الغاية من إقامتها: ” للحكم في ديننا غاية، وللشورى وهي مَبْنَى الحكم الإسلامي غاية: الغاية طاعة الله عز وحل في أمره كلِّه، خاصةً في إقامة العدل بين الناس.” [86]، ثم يذكّر بأن الشورى جاءت في السياق القرآني مقترنة بشروط وردت في قوله عز وجل: “فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا. وما عند الله خير وأبْقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الإثم والفَواحشَ وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون”.(الشورى:36-39) ويعلق على الآيات الكريمات بقوله:” شروط أوَّلُها الإيمان وآخرها الانتصار على البغي. شروط تسعة بارزة في المؤمنين من بين شعب الإيمان البضع والسبعين، ثمرتُها الانتصـار على البغي، ومعقِد القوة فيها والحكمة “وأمرهم شورى بينهم”. فإذا أفردت الشورى من السياق وقطعتها فقد ابْتَسرتَ المسلسل فلا تحصل على نتيجة.” ويستأنف تعليقه مبينا دلالات تلك الضوابط وروابطها المعنوية قائلا:” إنما تكون الشورى شورى لها حُرْمَة الاسم وحقيقةُ المعـنى إن توفر في المتشاورين مجموع شروط بعضُها يكمل بعضا، ويؤسسه، ويُسنِده، ويسبقه، ويلتفت إليه. هذه الشـروط أخلاقيات في الأفراد، وعقيدة، وسلـوك عملي تتداخل لتعطي للوَلاَية بين المؤمنين التي فرضها الله عز وجل مضمون الأخوة الجامعة ومدلولها السياسيَّ ورباطها التكافليَّ وعِمادها العَدليَّ.”[87]

على ضوء هذا الفهم الشمولي للشورى في سياقها القرآني الكامل والمتكامل ينتقد الأستاذ ياسين من يبعّض الحديث عن  الآية الكريمة:”وأمرهم شورى بينهم” [88]، ولا ينظر في السياق الكلي الذي جاءت فيه قائلا: ” كثيراً ما يستشهد الكاتبون والناطقون بقوله تعالى: “وأمرهم شورى بينهم”،  يفردونها من سياقها، ويخرجونها من بين أخواتها،فلا يُعْرَفُ مَنْ “هم” ولا يُعرف الذي “بينهم” من علائق وروابط تقرّبُ الشقة وتؤلف وتجنس. من يقرأ “وأمرهم شورى بينهم” هكذا مُفرَدة مُخرَجَة يظن أن كل جَمْـع من المسلمين تواضعوا على التشاوُر فقد دَخلوا في حِمَى العبارة القرآنية الكريمة بقطع النظر عن كل اعتبار في تكوينهم النفسي، وترابطهم أو تقاطعهم، واستقامتهم أو اعوجاجهم، وإقامتِهم للدين أو سكوتهم عن فرضـه ونفله، وبذلِهم للنفس والمال جهادا أو شحِّهم وقعودِهم.” [89] ويستنتج خلاصة مفيدة من الآية الكريمة قائلا:” “وأمرهم شورى بينهم” تشير إلى تراضٍ عام بين مؤمنين، وإلى اندماج عاطفي قلبي إيماني. ثم إلى أمور وشؤون تابعة للغاية الأخروية يتشاور فيها، ويتراضى على الرأي الأسَدِّ”.[90]

  • العدل الاقتصادي

يعتبر الأستاذ ياسين الجانب الاقتصادي جزءا لا يتجزأ من الجهاد الكلي المطلوب، لذا خصص له كتاب “في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية” (1416ه/1995م) الذي يشرح فيه اجتهاده ويضع المجال الاقتصادي في سياق مشروعه التغييري مبيّنا حاجة أمتنا الملحة إلى تنمية تضمن لها الحرية والقوة والكفاية والعزة. ويشير إلى أن سوء قسمة الأرزاق بين الناس يعدّ تحديا كبيرا، لذا ينبه على ضرورة اهتمام الإسلاميين بالعدل الاقتصادي عندما يتولون الحكم. من هنا وجوب تعبئة الأمة وإشراكها في كل مراحل التنمية الاقتصادية، وتوعيتها بأهمية العدل في قسمة التضحيات والأتعاب وفي قسمة الأرزاق والإنتاج. كما يؤكد:” أن محاربة التخلف والانتصار في معارك التنمية والاقتصاد قضيتان أساسيتان للدعوة والدولة. قضيتا جهاد يقتضي أن تندمج الطليعة في الأمة، وتتحرك الأمة بكاملها، كل في خندق رصده للعدو، أو ورش بنائه للمستقبل. وإن تحرك الأمة في هذا الاتجاه باستقلال إرادة، ووضوح رؤية، ومضاء عزيمة، لهو البرهان القطعي على أن الأمة بدأت زحفها الجهادي للخروج من ورطة المهانة والهزيمة، والفقر والجهل والمرض، بقوة من ذاتها، وبمواهب من نفسها وجهدها.” [91] ويبين مكانة العدل الاقتصادي عندما يلح:” على أن القسمة العادلة للمال والأرزاق مطلب شرعي لا يقل أهمية عن مطلب العدل الحكمي والقضائي… إن إقامة العدل والقسط ركن ركين في صرح الدولة الإسلامية، وعلى إقامتهما مدار صلاح الحكم، والاقتصاد، والشورى، والإدارة، والأمر كله.” [92]

لقد تناولت نظرية المنهاج النبوي قضية العدل-وكل قضايا التغيير- في شموليتها، وبينت أهمية معالجة كل أنواع العدل في تلازم وانسجام. يقول الأستاذ ياسين منبها على ترابط عدل الحكم وعدل القسمة :” هما عدلان مترابطان متلازمان. عدل القاضي والحاكم، يطبقان شرع الله عز وجل في إعطاء حقوق العباد وإنصاف بعضهم من بعض، وعدل القسمة الاقتصادية الاجتماعية. والظلم في الحكم والجور في القسمة عديلان لا يفترقان.”[93] كما يؤكد أن التحول من الملك الجبري إلى الخلافة:” إنما محكه العدل في القسمة. محكه إنصاف المستضعفين. محكه جمع المال العام بحق، وصرفه بحق.” [94]

  • العدل الاجتماعي

هذا مطلب أساسي للناس جميعا كما نقرأ في كلام الأستاذ ياسين:” العدل الاجتماعي طلبة كل المستضعفين وطلبتنا.[95]  ويعتبر ضروريا ليعيش الإنسان بكرامة، ويسعد بالأمن الاجتماعي. وبغيابه يسود المجتمع اضطراب يوشك أن يفضي إلى تهديد أمنه واستقراره. من هنا يعدّ العدل أساسا لكل أصناف الأمن والاستقرار. يقول في هذا السياق:

” إن الأمن الاقتصادي والعسكري، والاستقرار السياسي والاجتماعي، غائبان عزيزان في حياة الأمة تحت أنظمة الجور. ولن تحتفل برجوعهما الأمة إلا بعدل الإسلام، عدل يبني ما خربه الظلم، ويحيي ما أماته، ويحرك ما أخمده، وينير ما أظلمه.” [96]

وكما أشرت سابقا فإن الأستاذ ياسين يربط بين شتى أنواع العدل- العدل في الحكم والقضاء والعدل الاقتصادي والاجتماعي، وينظم الجميع في نسق مقاصدي ومطلبي واحد تلخصه عبارة “الشورى والعدل والإحسان”. كما يرى أن الحكم الشوري هو الضامن وحده لإحياء عوامل الوحدة وإيجاد الشروط الضرورية لإقامتها، وتحقيق مقصدي العدل والإحسان.[97]

أرجو أن أكون قد بينت أهمية مقصد العدل في نظرية المنهاج النبوي وسبب تصدره عنوانها الكبير وشعارها الأصيل “العدل والإحسان”. لننتقل الآن إلى معاجلة الشطر الثاني من العنوان البرنامج.

  • مقصد الإحسان أو الغاية الإحسانية

يعدّ الإحسان من أهم مقاصد نظرية المنهاج النبوي على الإطلاق لأنه يرتبط بمصير الإنسان بعد الموت وغايته من هذا الوجود. لذلك تجد الأستاذ ياسين يذكّر به في كل أدبياته المكتوبة والمسموعة والمرئية، ويعتبره لب الأمر كله، ويسميه “علم الحق” و”علم الغاية و”علم مصير الإنسان “.[98] إن هذا العلم من أشرف العلوم، وأعز ما يطلب، وهو “غاية الغايات ومحط نظر ذوي الهمم العالية من الرجال.” [99] كما يبرز أهمية هذا المقصد قائلا: “في عصرنا توشك هذه العروة القلبية أن تتلاشى. لذلك يكون المطلب الإحساني أسبق المطالب في سلم الأولويات، ويكون طب القلوب أهم علم، وتطبيقه أهم عمل“.[100] وفيما يلي أقدم إضاءات على مفهوم الإحسان  المستنبطة من الكتاب العزيز والحديث الشريف والمقتبسة من كتب الأستاذ ياسين.

  • الإحسان العبادي

يتعلق هذا الجانب بالغاية الإيمانية الإحسانية التي يشير إليها الحديث الذي يعرّف الإحسان بأنه :” أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”[101].  ويسلتزم تحقيق هذا المعنى الجليل مجاهدة النفس وذلك بالمداومة على ذكر الله عز وجل باللسان والقلب، والسعي الدائم للترقي في معارج التزكية والربانية، والحرص على صحبة العارفين بالله والصالحين من عباده، والصبر معهم في اقتحام العقبة إلى الله عز وجل.

  • الإحسان المعاملاتي

يشمل هذا الباب التعامل بالحسنى قولا وفعلا مع الناس بدءا بالوالدين والأقربين والجيران والناس والخلق أجمعين كما جاء ذلك في الكثير من آيات الكتاب العزيز، منها قوله جل جلاله:” ووصّينا الإنسان بوالديه إحسانا” (الأحقاف: 15) ، وقوله عز وجل: ” وقولوا للناس حسنا”. (البقرة: 83)

  • الإحسان العملي

وهو ما يتعلق بوجوب إحسان العمل وإتقانه وتجويده سواء كان عباديا أو معاملاتيا أو عاديا. يلخص الأستاذ ياسين هذه الجوانب الثلاثة للإحسان في قوله”: مجموع هذه الدلالات يعطينا مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، يعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء. علاقته بربه تكون إحسانية إن حافظ على ذكره لايفتر عن مراقبته وخشيته ورجائه ودعائه ومناجاته. بهذا الإحسان في عبادة ربه يطيب قلبه وتجمل أخلاقه وتصلح نواياه وأفعاله فيكون للخلق رحمة يعم نفعه العالم الأقرب فالأقرب. ونفعه للمجتمع وللناس كافة لا يتوقف على حسن النية وجمال القصد والإسراع إلى الفعل فقط، بل يتوقف أيضا، وبالمكانة المؤكدة، على خبرته ومهارته وقدرته على إتقان ما هو موكول إليه من أعمال.”[102] ويزيد الأمر توضيحا في تبيان مقام الإحسان ومرتبته في الدين:” درجة ثالثة بعد الإسلام والإيمان، فوقهما، بناء عليهما لا تحليقا، لا إيمان بلا إسلام، ولا إحسان بلا إيمان.” [103]

  1. مطالب نظرية المنهاج النبوي

من خلال ما تضمنه مقصدا العدل والإحسان الجامعين يمكن أن نستخرج مطالب تفصيلية تفيد في شرح وتوضيح أهداف المنهاج النبوي خاصة إذا عرفنا أن الأستاذ ياسين اقترح في كتابه النفيس “نظرات في الفقه والتاريخ” (1410ه/ 1989م ) ” أن نعبّر عن مقاصد الشريعة في صيغ مطلبية لا حفاظية، فنقول : مطالب الشريعة هي كذا وكذا. وجدير بنا ونحن نخطط لإنزال أحكام الشرع منازل الشرف والعزة وننظر إلى الأمر الإلهي من زاوية الطلب لا من زاوية الحفظ، أن نذكر الوسائل التربوية والعلمية والمادية الجهادية القادرة على تحقيق مطالب الشرع. وأن نبحث عن الكيان الجماعي المكلف بالنهوض إلى هذه المطالب، وعن طريقه وأولويات ما يطلب، وعن العراقل في وجهه، وعن العالميات الجاهلية التي تتحدى عالمية الإسلام وتنازعه في بقائه، وعن مراحل الطلب وثقل الحمولة وسرعة الزمان.” [104]  كما يقول في موضع آخر من نفس الكتاب:” نحن في زماننا نقدر أن ما ضاع منا كثير وأن ما بقي آئل إلى ضياع إن لم ننهض للطلب، طلب الإسلام كله، طلب الإيمان بشعبه، طلب الخلافة على منهاج النبوة، طلب الشورى والعدل والإحسان.” [105]  يتضح من خلال هذا الكلام أن نظرية المنهاج النبوي ذات طبيعة اقتحامية مطلبية تسعى لإيجاد الوسائل وتهيئة الأرضية المناسبة لتنفيذ مطالب محدّدة. وعلى ضوء هذه الطبيعة الاقتحامية فإن المنهاج يطلب:” العلم لينحُوَ به المنحى العلمي الإجرائي، ويطلب الإنسان ليوضح له الطريق ويحفزه للعمل، ويطلب العمل ليبرمجه ويمرحله، ويطلب الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العالم وفي الأمة ليخطط مرامي العمل ومفاصله، ويطلب الأهداف الدنيوية والغاية الأخروية ليضعها على خط واحد لا تتناقض ولا تتنافر، ويطلب المجموع لينسق الجهود ويوجهها. … فإن جمع الطاقة المعنوية للأمة وتوجيهها في المعركة وتحزيبها للّه ورسوله ليكون استعمالها للحد الأدنى الذي معها من القوة المادية استعمالاً رشيداً موفقاً منصوراً مطلب أساسي للمنهاج.”[106] وانطلاقا من المطلب الرئيسي للمنهاج يقترح الأستاذ ياسين مطالب فرعية -وهي عبارة عن خطوات إجرائية تنفيذية- أذكرها باختصار وتصرف فيما يلي:

  1. ضرورة أن نقدم للأمة مقترحا واضحا للعمل، مضبوط الخطة، واضح المعالم، يخاطب شعور الأمة ويوقظ وعيها.
  2. ضرورة توعية الأمة بالمرحلة التاريخية التي تعيشها وأسباب ما بنا من ويلات.
  3. ضرورة الإقلاع عن نفاق الأمة كما يفعل حكام الجبر حين يبررون الواقع الحالي ويخدرون حس الأمة، وأن نصارح أنفسنا بأنفسنا، وننتقد أنفسنا بأنفسنا.
  4. ضرورة كشف المصالح العالمية الاستكبارية، والمصالح الطبقية بين ظهرانينا لتعرف الأمة من أعداؤها، وضرورة كشف مصالح الأمة ولِمَ ضاعت وكيف استرجاعها.
  5. ضرورة لمِّ الطاقات الشعورية والعلمية للأمة وإعادة توجيهها بعد نزعها من قبضة التيارات الحزبية من غيرنا ومن قبضة الخمول الموروث.
  6. إثارة القوة الغضبية للأمة على الظلم والظالمين، لكن التحكم في تلك القوة وتهذيبها وتربيتها حتى تكون غضبا للّه عز وجل صالحة للبناء لا للهدم الفوضوي.
  7. توعية الأمة بذاتها الضائعة، بانتمائها لله عز وجل ولرسوله، بوحدتها المسلوبة، بواجبها في التحزب للّه ولرسوله.
  8. إيقاظ الإيمان الراقد، وتحريك الغيرة الراكدة، لتعود تعاليم الدين أمرا مطاعا معمولا به، ولتعود السنة النبوية أخلاقا سائدة وعملا يوميا.
  9. إنقاذ الأمة من كابوس الحتميات التي أنهكت تاريخنا وجعلتنا كمّاً مهملا مفعولا به غير فاعل، وتوعيتها بأن لها إرادة حرة يمكن أن تصنع تاريخا جديدا عزيزا.
  10. إنقاذ الأمة من دعوات “الحتمية التاريخية” المادية وذهنية الانصياع للقوة الغالبة، ذهنية التابع الذيل.
  11. جذب الأمة بالحكمة والإنجازات العملية، والمشاركة في الهموم اليومية للمستضعفين، والسعي الجاد لكسب ثقة الأمة ونصرتها للعمل على انتزاع إمامة الأمة من يد غيرنا.
  12. إيقاظ طاقات الأمة وتوجيهها وجهة تخدم الإسلام وتجاهد لتحقيق المصالح العليا للأمة.[107]

يتضح جليا عند تأملنا لهذه المطالب نوع التغيير الذي يروم المنهاج إحداثه. لهذا فإن الأستاذ ياسين يعطي للعامل الذاتي المتمثل فيما يسميه بالقوة الاقتحامية [108] أو الطليعة المجاهدة [109] أهمية قصوى في عملية التغيير بعد توفيق الله وعونه. إن الطليعة المجاهدة هي المسؤولة عن قيادة الأمة نحو تحقيق تلك المطالب المنيفة. لذا فإنه يلح على أن تتحلى الطليعة القيادية بالإيمان الراسخ، واليقين الصادق، واليقظة الدائمة، والتعبئة الجيدة فضلا عن الوعي العميق لهندسة التغيير، والمعرفة الشاملة لمراحله والمهمات المراد أداؤها.

 

  1. 10. أثر نظرية المنهاج النبوي

في الساحة الفكرية والحركية الإسلامية المعاصرة

تعتبر نظرية المنهاج النبوي نموذجا لفقه التجديد الإسلامي المعاصر الهادف إلى إحياء الإيمان في القلوب، والعلم في العقول، وإرشاد الأمة وتوجيهها إلى سلوك طريق النهضة والعزة والتحرير. لقد كان لهذه النظرية أثر ملحوظ على الساحة الفكرية والحركية داخل المغرب باعتباره الأرض التي نشأت فيها، وخارج المغرب نظرا لاهتمامها البالغ بوحدة الأمة ومصيرها، ودعوتها إلى توحيد جهود العاملين للإسلام عبر التعارف والتقارب والتفاهم والتعاون لخدمة القضايا الكبرى لأمتنا الإسلامية.

إن الباحث في مجال العمل الإسلامي في المغرب ليجد أن الأستاذ عبد السلام ياسين له قصب السبق في إعداد واقتراح مشروع إسلامي تجديدي شامل للتغيير. هذا المشروع الرائد تميز في شكله ومضمونه وقوة اقتراحه. لقد عكف الأستاذ ياسين على بناء هذا الصرح المنهاجي الشامخ وتطويره خلال ما يقارب أربعة عقود-أي منذ عام 1391ه/1971م. ومما جعل هذا الفقه المنهاجي يتبوأ منزلة رفيعة في الساحة الإسلامية أصالة مبدعه، واستقلاله في فكره واجتهاده، وجدّة طرحه، ونسقية بنائه، وارتياده آفاقا معرفية واسعة وبعيدة المدى. يقول في هذا السياق: ” علينا أن ننظر عاليا وبعيدا لنخطط حركة الإسلام، ونقودها في ساحات الجهاد، يجب أن نصحح المنطلق لئلا نتشتت على سطح الأحداث. آن لأمتنا أن تطمح طموحا عالميا رغم قصورنا الحاضر وانهزامنا الحضاري المؤقت.” [110]  كما يؤكد هذا المعنى في موضع آخر قائلا:” يجب أن نصنع فكرا مستقبليا يلقي على آفاق هذا القرن الخامس عشر، قرن الإسلام بإذن الله، ومن بعده، نور القرآن ونور الهدي النبوي. يلقي على حياة البشر نورا به يميزون ما ينفع في الدنيا والآخرة، وما يضر في الدنيا والآخرة.” [111]

ومما يجب التنبيه عليه أن ما تطرحه نظرية المنهاج النبوي موجه للأمة كلها ولايقتصر على المغرب بلد مؤسسها. إنّ الأستاذ عبد السلام ياسين ينظّر لحاضر المسلمين ومستقبلهم، ويدعوهم إلى النهوض والإعداد لإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة بعد قرون الملك العضوض والجبري، خلافة الشورى والعدل والإحسان. إن ما تقترحه نظرية المنهاج النبوي يحظى بالاهتمام المتزايد والتقدير لدى التيار العريض من الحركة الإسلامية المعاصرة- يظهر ذلك بوضوح في شهادات كثير من رموز الدعوة الإسلامية أذكر منهم أبو الحسن الندوي، أحمد ياسين، حسن أيوب، فتحي يكن رحمهم الله، يوسف القرضاوي، راشد الغنوشي، عصام البشير، أحمد القطان، أحمد الريسوني، محمد كسوس، عبد الله التليدي، محمد قطب، عبد المجيد الزنداني وغيرهم حفظهم الله- ومن بعض مثقفي الغرب كمراد هوفمان (Murad Hoffmann)، مارتن دجيني(Martin Jenni)، مهتار هولند(Muhtar Holland)، دافيد تشري(David Cherry)، جون أنتليس(John Entelis)، فرونسوا بورجا(François Burgat)، … [112]

ومن التفاعلات الإيجابية مع ما تطرحه نظرية المنهاج النبوي شعور الكثير من قادة وقواعد العمل الإسلامي بما يعرف بالفراغ الروحي والضعف التربوي- يسميه الأستاذ ياسين “الفقه المغيب” [113]– وبالتالي إعجابهم بالعمق الإيماني والسلوك الإحساني الذي ينهجه ويدعو إليه خاصة فيما يتعلق بربط معاني الربانية وتجديد الإيمان بمعالي القومة والاقتحام والجهاد إخلاصا لله عز وجل وتصديقا بوعده ووعد رسوله صلى الله عليه وسلم، وإعزازا للحق، ونصرة للمستضعفين، وتدافعا مع المستكبرين. كما أعاد الأستاذ ياسين للخطاب الإسلامي قوته وحيويته وعزته، وأحيا فيه معاني الربانية، وأدمج فيه بطريقة موفّقة الأبعاد الروحية والفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية وصهرها في بوتقة واحدة. ميزة أخرى متألقة يمتاز بها الأستاذ ياسين هي ما أسميه “المنهاجية في التفكير والتنظير والسلوك” حيث يربط كل ما يكتب ب”حبل منهاجي”[114] وفي نسق علمي عملي يمنح قوة التأصيل والتأطير للحركة الإسلامية في الفكر والواقع، ويعدّها للمستقبل الواعد لهذه الأمة بالخلافة الثانية على منهاج النبوة كما بشّر بذلك الصادق المصدوق حبيبنا وأسوتنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.[115] وعلى ضوء هذه البشرى الغالية يقول الأستاذ ياسين مستبشرا:” مهما كان فالمسيرة بدأت. مهما كانت الرحلة طويلة فالقافلة تحركت. وما الصحوة الإسلامية ومضة برق خلب نعوذ بالله. ما هي حديث خرافة نرجو الله. وما النصر إلا من عند الله. والمنهاج النبوي بشّر بخلافة على منهاج النبوة بعد عصور العض والجبر. ومنهاج النبوة عالمية الدعوة وقوتها وهداية الله للخلق. … بطاعة الله وسلوك منهاج نبيه ننتصر.”[116]

 

خاتمة وتوصيات

حاولت في هذه الورقة أن أبين المعالم الكبرى لنظرية المنهاج النبوي، وأقدم الملامح العامة للفقه المنهاجي. ونظرا لطبيعة هذا البحث فإنني لم أتمكن من تناول مواضيع أخرى هامة ساهمت هذه النظرية في طرحها بنفس اجتهادي حر ومتميز. ومن المنطقي أن تتعذر الإحاطة بتراث الأستاذ عبد السلام ياسين- الذي يتسم إنتاجه العلمي بالغزارة والموسوعية والعمق والتنوع- في مؤتمر علمي واحد وبالأحرى في بحث كهذا. وختاما أقترح محاور تعتبر من المفاتيح الرئيسية لفهم هذا المشروع الرائد والطموح عسى الله أن ييسّر مدارستها في  مؤتمرات قادمة بإذن الله.

  • فقه التربية والإحسان
  • فقه الدعوة إلى الله
  • فقه التجديد
  • فقه الخصال العشر وشعب الإيمان
  • فقه القومة والتغيير
  • فقه السنن الإلهية والكونية
  • فقه الجهاد وأبوابه الأحد عشر (1. جهاد النفس، 2. جهاد المال، 3. جهاد التعليم، 4. جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، 5. جهاد الكلمة والحجة، 6. جهاد التعبئة والبناء، 7. الجهاد السياسي، 8. جهاد التنفيذ، 9. جهاد الكفر، 10. جهاد النموذج الناجح، 11. جهاد التوحيد)
  • ثنائية الدعوة والدولة
  • مجتمع العمران الأخوي
  • تاريخ الإسلام والمسلمين
  • النقد الذاتي والمراجعات
  • الإسلام والغرب
  • قضايا معاصرة (الديمقراطية، حقوق الإنسان، القومية واللائكية، الحداثة، اللغة والأدب والفن، …)
  • قضايا معرفية (العقل والعقلانية، الفكر والفلسفة عند المسلمين وغيرهم،…)
  • الحوار بين الإسلاميين
  • الحوار مع الآخر
  • قضايا البيئة

 

 

 

 

مراجع البحث باللغة العربية *

ياسين، عبد السلام، الإسلام أو الطوفان، الطبعة الأولى 1998.

ياسين، عبد السلام، دروس المنهاج النبوي، 19، 1980م.

ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الطبعة الثانية 1989م.

ياسين، عبد السلام، رسالة القرن في ميزان الإسلام، الطبعة الأولى 1982م .

ياسين، عبد السلام، مقدمات لمستقبل الإسلام، تطوان، مطبعة الخليج العربي، الطبعة 2005م.

ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، مطبوعات الأفق البيضاء، الطبعة الأولى 1995م.

ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، دار الآفاق، الطبعة الأولى 2001م.

ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2009م.

ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2010م.

ياسين، عبد السلام،  مقدمات في المنهاج، ط1، 1989م.

ياسين، عبد السلام،  الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، ط1، 1987م.

ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، طنطا، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، ط2، 1995م.

ياسين، عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، مطابع إفريقيا – الشرق،  ط1، 2001م.

ياسين، عبد السلام، الإحسان، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، ط1، الجزء 1، 1998م.

ياسين، عبد السلام، سنة الله، تطوان، مطبعة الخليج العربي، ط2، 2005م.

ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ط1، 1989م.

ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، الدار البيضاء، مطبوعات الصفاء للإنتاج، ط1، 2000م.

ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، ط1 (جزءان)، 1996م.

ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، ط1، 1994م.

ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال الرباط، ط1، 1994م.

ياسين، عبد السلام، رسالة تذكير، ط1، 1994م.

ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، بيروت، دار الطباعة والنشر، ط2، 2003م.

ياسين، عبد السلام، مذكرة إلى من يهمه الأمر، ط1، 1999م.

 

المراجع الفرنسية:

Yassine, Abdessalam, La révolution a l’heure de l’ISLAM, France, Imprimerie Carlos  Descamps, 2eme édition,  1990.

 

 

1 أستعمل في هذا البحث “نظرية المنهاج النبوي” أو “المنهاج النبوي” أو “المنهاج” بمعنى واحد، وأقصد بذلك المشروع التجديدي الذي طرحه الأستاذ عبد السلام ياسين-حفظه الله- والذي يحتوي كل تراثه العلمي المنشور إلى حد الآن.

[2] سأورد متن هذا الحديث ضمن العنوان الفرعي الثالث (تأصيل مفهوم المنهاج النبوي-في الحديث الشريف) من هذا البحث.

[3] أخرجه أبو داود في السنن رقم 4291، والبيهقي في معرفة السنن والآثار 1/28/422، والحاكم في المستدرك 4/522 .

[4] ياسين، عبد السلام، الإحسان ، ط1 ، 1998م، 1/23.

[5] يعتبر كتاب “الإحسان”-جزءان في 1040 صفحة- موسوعة تربوية بيّن فيها المؤلف أهمية فقه التزكية وحاجتنا الماسة إليه.

[6] ياسين، عبد السلام، الإحسان ، 1/27.

[7] المصدر نفسه، 1/8. قال هذا الكلام عام 1414هـ/1994م أي تاريخ كتابته لمقدمة الجزء الأول من كتاب “الإحسان”.

[8] المصدرنفسه، ص:130.

[9] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ط1، 1989م، 64-65.

1 منها  ” La révolution a l’heure de l’ISLAM “(1980)

و ” Pour un dialogue avec l’élite occidentalisée,    (1980).

و 1998))”” Islamiser la modernité

[11] كان ذلك عام 1413هـ/1992م في محاضرة بعنوان” فقه التجديد الإسلامي: مدرسة التفكير والسلوك المنهاجي نموذجا”  ألقاها الباحث بكلية الشريعة، فرع جامعة القرويين بأيت ملول-أكادير- بالمغرب.

3 “الإسلام بين الدعوة والدولة” (1492هـ/1972م)، “الإسلام غدا” (1493هـ/1973م)، “الإسلام أو الطوفان” (1494هـ/1974م)

[13] ياسين، عبد السلام، مقدمات لمستقبل الإسلام، تطوان ، مطبعة الخليج العربي، ط1، 2005م، 19.

[14] ياسين، عبد السلام، La révolution l’heure de l’ISLAM (الإسلام أثناء الثورة)، فرنسا، مطبعة كارلوس دوكوم، ط 2 ، 1990 ، أ.

[15] يراجع ذلك في كتابيه “الإسلام بين الدعوة والدولة” (1392ه/1972م) في فصل “الدعوة الإسلامية المعاصرة”، (ص:289-338) و”الإسلام غدا” (1393ه/1973م) في فصل “طريق إلى التجديد” (ص:410 -502) و غيرها من الكتب.

[16] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 31.

 [17]ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ط 2، 1989م، 2.

3 تم نشر هذا النص في افتتاحية العدد العاشر من “مجلة الجماعة” عام 1402ه/ 1982م. وهي أول مجلة إسلامية أصدرها الأستاذ عبد السلام ياسين. صدر العدد الأول بتاريخ 1399هـ / فبراير 1979م. وصودرت الأعداد الخامس والعاشر والسادس عشر منها. تم توقيفها نهائيا مع مصادرة العدد السادس عشر سنة 1405هـ/1985م ـ

[19] ياسين، عبد السلام، الإسلام أو الطوفان، ط1، 1998م.

 

[20] ياسين، عبد السلام، رسالة القرن في ميزان الإسلام، ط1، 1982م.

[21] ياسين، عبد السلام، مذكرة إلى من يهمه الأمر، ط1، 1999م.

1 تم توقيفه عن العمل عام 1968م من غير قرار إداري. سجن من عام 1974م إلى 1978م لمدة 3 سنوات ونصف، وسنتان من عام 1983م إلى 1985م، وعاش تحت الإقامة الجبرية من 1989م إلى 2000م.

1 ياسين، عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، ط 1، 2001م، 8.

[24] ياسين، عبد السلام، رسالة تذكير، ط 1، 1994م.

[25] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ط1، 1994م، 26.

[26] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 25.

[27] ياسين، عبد السلام، مقدمات لمستقبل الإسلام، 25.

   أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4/273)  والألباني في مشكاة المصابيح (5306) بإسناد حسن.[28]

[29] الحديثان أوردهما الأستاذ ياسين في كتابه “مقدمات لمستقبل الإسلام” (ص:27-28) أثناء تأصيله للمنهاج النبوي في السنة الشريفة.

[30] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ط1، 2000م، 22.

ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 26-27.  [31]

ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، 271.  [32]

ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ط1، 1989م، 12.[33]

 ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 31-32.[34]

ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 31-32.[35]

 ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1، 2010م، 101.[36]

 ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، 27.  [37]

 ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 50-51. [38]

 المصدر نفسه ، 15-16.[39]

  المصدرنفسه، 20.[40]

[41] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1996م، 1/18.

 ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 53. [42]

     المصدر نفسه، 54.   [43]

 المصدر نفسه، 55.    [44]

 المصدر نفسه، 56-57. [45]

المصدر نفسه، 57.  [46]

 ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 57-58 [47]

 المصدر نفسه، 58. [48]

   المصدر نفسه، 62-63.  [49]

[50] ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، طنطا، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، ط2، 1995م، 22.

 [51]ياسين، عبد السلام، دروس المنهاج النبوي، 19، 1980م. يوجد على هذا الرابط في قسم المسموعات:http://www.yassine.net/ar/document/2460.shtml

 [52]ذكر ذلك د. عمر أمكاسو-عضو مجلس الإرشاد في جماعة العدل والإحسان- في تقديمه لكتاب الأستاذ ياسين “القرآن والنبوة”، 6.

[53] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، ط 1، 1994م، 31.

  ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، 254. [54]

[55] ياسين، عبد السلام، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، ط1، 1987م، 7.

  ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، 348.[56]

   ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا، 17.[57]

 [58]ياسين، عبد السلام، ، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، 11.

 المصدر نفسه، 11.[59]

ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، 56. [60]

 المصدر نفسه، 54 . [61]

 المصدر نفسه، 126.[62]

ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، 11. [63]

 ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، 81.  [64]

 المصدر نفسه ، 24. [65]

 المصدر نفسه، 23-31.[66]

[67] ياسين، عبد السلام، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، 19.

[68] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/232.

2  استفدت في فقرات هذا العنوان الفرعي “السمات الرئيسية للمنهاج النبوي” من مقال د. إدريس مقبول “إضاءات على نظرية المنهاج”، 2011م، والموجود على هذا الرابط:

http://www.yassine.net/ar/document/2771.shtml

[70] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 36.

[71] المصدر نفسه، 37.

[72] المصدر نفسه، 37.

المصدر نفسه، 38.  [73]

 1 أستعمل كلمة مقاصد بمعنى أوسع وذلك للتعبير عن الأهداف الكبرى لنظرية المنهاج النبوي، وأستخدم كلمة مطالب لأشير إلى ما يسعى المنهاج  لتحقيقه في الواقع عبر مراحل ومن خلال اتباع خطوات إجرائية تنفيذية.

 ياسين، عبد السلام، الإحسان، 1/471.[75]

ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، 7.  [76]

ياسين، عبد السلام، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية ،16.   [77]

 ياسين، عبد السلام، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية ،7. [78]

   2 ذكر ذلك في لقاء ضمن برنامج “مراجعات” مع قناة الحوار، الجزء 3/4 في 23 يونيو 2008م.  يوجد على هذا الرابط: http://www.yassine.net/ar/document/2338.shtml

ياسين، عبد السلام، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية ، 8.    [80]

  ياسين عبد السلام، الإحسان، 1/474.[81]

  ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، ط 1، 1995م، 190.[82]

ياسين، عبد السلام، سنة الله، تطوان، مطبعة الخليج العربي، ط 2، 2005م، 309.  [83]

ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ،11،15،16،23.  [84]

خاصة كتابيه “الشورى والديمقراطية”(1996م) و”العدل: الإسلاميون والحكم” (2000م).   [85]

ياسين، عبد السلام، العدل:الإسلاميون والحكم،649.  [86]

    ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم،656. [87]

  الشورى: 38.[88]

ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، 655. [89]

ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 2، 2003م،36. [90]

ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، 19-20.  [91]

المصدر نفسه، 191.  [92]

المصدر نفسه، 189.  [93]

ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، 449.  [94]

المصدر نفسه،253.   [95]

ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، 197.   [96]

  ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، 56.[97]

ياسين، عبد السلام، ، إمامة الأمة، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1، 2009م ، 158. [98]

ياسين، عبد السلام، الإحسان، 1/18.  [99]

   ياسين، عبد السلام، الإحسان، 1/24.[100]

[101] من حديث طويل أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان باب بيان الإسلام والإيمان والإحسان 1/36.

 ياسين، عبد السلام، الإحسان ، 1/17.  [102]

المصدر نفسه، 1/20.   [103]

 ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، 55.   [104]

المصدر نفسه، 67.   [105]

 

  ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 39.  [106]

ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 39-43.   [107]

   ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، 10.[108]

   ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، 179.[109]

 ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحف، 10. [110]

 المصدر نفسه، 29.[111]

 [112] توجد بعض هذه الشهادات على هذا الرابط:

http://www.taranime.com/vb/showthread.php?t=18053

ويمكن قراءة بعض شهادات الغربيين- التي وردت ضمن كتاباتهم عن مؤلفات الأستاذ ياسين المترجمة إلى الإنجليزية ككتابي ” الإسلام والحداثة” و” محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى” أو التي ألّفها بالفرنسية- على هذا الرابط:

http://www.jspublishing.net/ReviewsTestimonials.htm

ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/32.  [113]

 ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 15.[114]

  سبق ذكر هذا الحديث في العنوان الفرعي الثالث من هذا البحث.[115]

[116] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، 116.

 

* رتبت المراجع حسب تاريخ التأليف وليس النشر لأبرز التسلسل التاريخي لتأليف الكتب. وعندما يكون تاريخ التأليف مماثلا فإني أبدأ بأمهات الكتب حسب التصنيف المتبع  بموقع الأستاذ عبد السلام ياسين- قسم المؤلفات:

http://yassine.net/ar/folder/7.shtml