المرتكزات القرآنية لمذهب الأنسنة في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين

0 223

الدكتور عز الدين معميش/كلية العلوم الإسلامية/جامعة الجزائر

mamiche71@yahoo.fr

 

مقدمة

يقلب النموذج الإسلامي في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين وفقا للرؤية القرآنية سلّم قيم المفاهيم الإنسية المادية؛ ليعطي الأولوية للقيم الخلقية و الروحية بدل القيم المادية المتمثلة في الثراء والجاه ليؤسس لنزعة إنسية محكومة بمركزية المقاصد القرآنية؛ فيستقصد الإنسان المترقي خلقيا وروحيا، الفاعل النشيط وصاحب الضمير الحي؛ الذي يقابل النموذج الحديث الذي يجسّده الفرد، المواطن المرقَّم المبرمج، المُنْهَك؛ والذي “لا عجب أن يصبح حينئذ هذا الإنسان  كائنا مشوّها، أصما، أبكما، أعمى و دابة مخطومة” [1].

فالحداثة الغربية في نظر الأستاذ ياسين تحرم الفرد من أقدس حقوقه: وهو حق معرفة الله عز وجل والاستعداد للقائه، وتغرقه في سيل لا ينقطع من المنتوجات الاستهلاكية المتجددة  إذا كان مواطناً في بلد غني ديموقراطي، أو تَغطِسُه في مستنقع البؤس والهم إذا كان مجرد “شيء” يستعبده نظام جبري متخلف،كما تُلاَزِم الحداثة التي يبدو أنها استوطنت البلدان الغنية في الشمال مستوى معينا من العيش والتعليم، مستوى ماديا راقيا؛ كل ذلك تحدوه ثقافة انحلالية لا تنفك عن مستوى الحياة المادية، والتمتع بالحقوق الديموقراطية، ولا تنفصل عن الانحطاط بالإنسان عبر دغدغة غرائزه البهيمية بواسطة الفيلم والأغنية والملاهي، ليصبح النداء الوحيد الذي يبلغ الأسماع في عصر الحداثة هو النداء الدوابي[2]، ولتنحصر الروابط الاجتماعية في العلاقة المهنية العابرة في المدن الأخطبوطية الصاخبة التي يلفها الضباب الأسود الملوّث[3].

وعليه فإن هذه الورقة المقترحة تبحث في المنهاج النبوي الذي أسّسه الأستاذ ياسين في بناء أنسنة أخلاقية جامعة لمبادئ الحرية والعدالة والكرامة، ومؤسسة لسلّم قيمٍ يرتفع بالإنسان من مصاف الدواب والأنعام إلى الكائن العاقل العابد المعمّر؛ وتناقش الاتجاهات المعاصرة في فكر الأنسنة؛ التي خرجت من رحم الحداثة، وانتهى أكثرها إما بتنميط الإنسان أو اختزاله إلى رقم طبيعي أو نفيه في فلسفة الحداثة الجديدة؛ فلسفة موت الإنسان، وتقدّم بعض المراجعات والاستدراكات للرؤى الفكرية الإسلامية في هذا المجال؛ مستخلصين المرتكزات القرآنية لمذهب الأنسنة في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين في الفرد والمجتمع والدولة، معتمدين على المنهج الاستقرائي والمنهج التحليلي؛ مع اتباع أسلوب المقارنة والنقد والتوجيه.

والإشكال الذي طرحته وحاولت الإجابة عنه: ما موقع الإنسان في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين ومشروع المنهاج النبوي؟ و هل تأثر في أطاريحه بأفكار الأنسنة الحداثية أم أنه تجاوزها ونقضها وقدّم بديلا قرآنيا عنها؛ إعمالا لما كان ينادي به من أسلمة للحداثة؟

ولذلك فغرض هذا البحث ليس العرض والتقرير لما تضمنه فكر الأستاذ ياسين في كتبه ومقالاته وما كتب عنه؛ وإنما في إبراز الرؤية العميقة لفكر أحد رواد الدعوة الإسلامية والفكر الإسلامي المعاصر في أهم قضية فجّرها فكر الحداثة منذ القرن السادس عشر؛ إذ الوصول إلى بلورة منظومة متكاملة تهز كيان ما اصطلح عليه بفكر “الأنسنة” الحداثي من خلال المرجعية العليا؛ يعتبر برأيي أهم الإنجازات الفكرية والثقافية التي يمكن أن تفتخر بها الحركات الإسلامية المعاصرة، فلقد ظل أغلب المشتغلين بالنقد الفلسفي والسياسي والثقافي من اليمين واليسار يتهمون هذه الحركات بالسطحية وغياب مشروع فكري عميق على مستوى الإنسان والمجتمع والدولة، وبالمقابل يبرزون الإنجازات التي حقّقتها الحداثة؛ إلى الدرجة التي أعلنوه فيها السيد المطلق للطبيعة. ولذا حاولت بناء مقاربة موضوعية بعيدة عن التشنّج والنرجسية، ومتدثرة إلى أبعد الحدود بالموضوعية، مع الالتزام بالنسق الذي يسير فيه فكر الأستاذ في حرارة الكلمة وتنوع العبارة وعمق الفكرة، مقارنا بأنساق من داخل السياق الإسلامي وخارجه، للوصول إلى نتائج واسعة وشاملة.

وقد اعتمدتُ منهجا استقرائيا من خلال تتبع مدوّنات الأستاذ ومقالاته وما جمع له وما كتب عنه مع السبر والتقسيم من جهة، وكتب منتسبي الحداثة ومفكّريها من جهة أخرى، مُدعَّما بمنهج تحليلي مقارن نظرا لطابع الموضوع السجالي والمعرفي، حيث لا ينفع التقرير والوصف بل لابد من المقارنة الشاملة.

وقد قسّمت البحث إلى مبحثين وخاتمة، وتعلق المبحث الأول بحقيقة مذهب الأنسنة، أما المبحث الثاني فتعلق بالتعريف بمذهب الأنسنة.

 

المبحث الأول: حقيقة مذهب الأنسنة

في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين

أولا: مذهب الأنسنة؛ الدلالة و المفهوم:

الأنسنة مصطلح عربي مترجم عن المصطلح اليوناني:”Humanism” ويعبّر عنه أيضا بمصطلح “الإنسانوية” تمييزا عن مصطلح “الإنسانية” الذي لا يحيل تقريبا إلى أيّ حمولات إيديولوجية، أخَذ مضامين البيئة التي وُلد فيها؛ حيث عبّر و لا يزال عن منظومة الفكر الأوربي المتناقض مع الفكر الكنسي؛ كالكثير من الأفكار الوضعية التي وجدت في جمود الكنيسة واستبدادها وعدم منطقيتها وعلميتها شمّاعة يعلّقون عليها أصحابها تمردهم ضد كل أنواع التديّن وتفسير الكون والحياة طبقا للمرجعية الدينية. وهناك اختلاف بين مفهوم “الأنسنية” للدلالة على النزعة الإنسانية، والقائلة بأن الإنسان هو أعلى قيمة في الوجود، تمييزاً لها عن “الإنسانيات” باعتبارها مادة الدراسة الجامعية التي تعنى باللغات والفنون والآداب والتاريخ، أو بمعنى أكثر حصراً باعتبارها دراسة المؤلفات الكلاسيكية الإغريقية والرومانية، وكذلك تمييزاً لتلك النزعة عن “الإنسانوية” التي تستخدم للدلالة على الميل أو النزوع إلى الإنسانية أو ادّعائها[4].

إن أكثر ما تعلّق به “الإنسانويون” هو المقولة الفلسفية: “الإنسان هو مقياس كل ما هو موجود على أنه موجود”[5]، وهو ما جعل البعض يجزم بعد ذلك بأن الوجودية ما هي إلاّ نموذجا مطوّرا من الأنسنة أو الإنسانوية[6]؛ لأن الوجودية تقدّس الفرد وقامت فلسفتها الرئيسة على تفسير الوجود والأخلاق طبقا للصورة والمنفعة الذاتية؛ بل إن المشروع الثقافي الغربي الذي انبثق إبان الحداثة كرد فعل تجاه الهيمنة الكنسية؛ يميّز ذاته عن سواه بكونه هو المشروع الأول الذي أخرج العقلانية من حدود الغيب والتجريد اللفظي إلى عالم المجهول المادي؛ إلى الطبيعة لتتحقق حسب أصحاب المشروع القطيعة مع العوالم الأسطورية واللاهوتية الأخرى التي كانت تحجز الناس عن عتبة التاريخ المتمثلة في المذهب الإنسانوي وعبقرية الإنسان. كما أن هذا المذهب يرتكز على الوجود الإنساني الذي هو الحقيقة اليقينية الوحيدة في رأيه ، ولا يوجد شيء سابق عليها، ولا بعدها، وتصف الوجودية الإنسان بأنه يستطيع أن يصنع ذاته وكيانه بإرادته ويتولى خلق أعماله وتحديد صفاته وماهيته باختياره الحر دون ارتباط بخالق أو بقيم خارجة عن إرادته، وعليه أن يختار القيم التي تنظم حياته[7].

لذا فإن الأنسنة ثورة شاملة على القديم بكل أشكاله، فالإنساني يرفض المسيحية، حتى وإن اقتصر الرفض في تلك المرحلة على رفض الأخلاق والمؤسسات؛ لأن الدين المسيحي كما يقول ميكيافيلي: “يدعوننا إلى الاستخفاف بحب الدنيا ويجعلنا أكثر رقة وليناً، أما القدماء فكانوا على عكس هذا، كانوا يجدون أسباب بهجتهم في هذا العالم”[8].

ولقد تمظهرت الإنسانوية أو الأنسنة  منذ تأسيسها في مذاهب متنوّعة؛ أحيانا واقعية وأخرى مثالية دون أن تخرج عن الإطار العام في أن الإنسان هو دائرة الكون، وهو مؤسس ما ينفعه قيمة وأخلاقا ونظام حياة: فالإنسانوي يرفض الفلسفة المدرسية بالمعنى التقليدي واللاهوتي الذي يجعل من الإنسان تابعا ومطيعا لمرجعية ليست من جنس ذاته و وجوده ولا تعبّر عن كينونته. والإنسانوي يرفض الأخلاق السائدة ويحرر نفسه منها، ويرفض التصور القديم للعالم. وبالمقابل فإن الإنساني يثبت شيئاً واحداً وأساساً لكل ما يمكن أن يعترف به ويقبله، وهو الإنسان الفرد، ولو حاولنا أن نختصر الإنسانية في كلمة واحدة لكانت هذه الكلمة “الفردية”[9].

ولعل من أهم الأفكار التي بشّر  بها المذهب الأنسني قدرة الإنسان الفائقة وغير المحدودة في شتى  الشؤون بما فيها  المسائل القيمية والأخلاقية. و هنا يلتقي مع الاتجاه الوجودي الذي ظهر في مرحلة لاحقة؛ حيث الإيمان بأن الوجود ما هو إلاّ انعكاس للذات؛ ولذلك فكل شيء هو أسير للذاتي والجسدي؛ سواء تعلّق الأمر بالفكر أم تعلّق بالقيم والأخلاق؛ فالأنسنة يمكن اعتبارها نزعة وجودية جد متقدمة لم تنضج فلسفيا بسبب تأسيسها  كردة فعل ضد الفكر الكنسي والديني عموما في القرن الخامس عشر؛ وعليه يفسّر النزوع المتطرف لهذا المذهب إلى الإلحاد والعدمية؛ لأن التفكير الموضوعي والمنطقي يحكم للوهلة الأولى أن مفهوم الأنسنة والإنسانوية يأخذ بعدا إيمانيا لارتباطه بكرامة الإنسان وتكريمه وسموّه فوق المادة والنزوع الوضعي إلاّ أن السمة الإلحادية و التناقض مع الدين هو المنحى الذي سلكه تفكير و منظومة هذا المذهب.

ثانيا: الأنسنية في العالم الإسلامي و العربي:

إن أوائل النزعات لمذهب الأنسنة في العالم الإسلامي تجسّد في مشروع أركون للتأريخ لها وإيجاد مشروعية دينية وتراثية لها؛ لذا فإنه بنى دراسته في نهاية الستينيات للدكتوراه – مع صرامة المؤسسة الاستشراقية التي درس بها و التي تعارض مثل هذه الموضوعات- على موت النزعة الإنسانية في العالم الإسلامي كمقدّمة للدعوة الملحة إلى تأسيس نزعة أنسنية؛ بل إلى إحيائها لأنها موجودة ولكنها مغيّبة أو مسكوت عنها.

ويقصد أركون بالزعة الأنسنية ما قصده أسلافه من مؤسسي الحداثة والتيار الإنسانوي في  تجسّد الكلي في الإنسانوي؛ فهو مصدر القيم و الأخلاق، والعقل الإنساني هو أساس المعرفة؛ غيبية أم مادية؛ لذلك فلابد من إعطاء بعد دنيوي براغماتي في صالح الفردية الإنسانية، للتخلّص من التفكير المثالي والأسطوري. ويؤسّس أركون كل ذلك على مسكويه والتوحيدي كما قلنا سابقا؛ يقول عن هذين الفيلسوفين العظيمين في تاريخ الحضارة الإسلامية: (لم يفهموا أنه يمكن أن يوجد رجل واسع الذهن منفتح العقل؛ يملأ الحلقات الفلسفية مثل هذا الرجل؛ كان مدهشاً ومتفوّقاً على عصره وسابقاً لزمانه، لم يفهموا كيف يمكن لرجل ما أن يكون فيلسوفاً بمثل هذا الحجم، ثم مسلماً حساساً جداً لقيمة الإسلام كمنهج روحاني)[10].

وتتّخذ الأنسنة أشكالا عدّة عند أركون والحداثيين ، منها الدينية والأدبية والفلسفية والكونية، لكنّه ينتصر للأنسنة الكونية، فهي تتخطى الوحي، وتجعل من الإنسان مقياساً لكل شيء، تأثّرا بفلاسفة الأنسنة الحداثية في الغرب؛ كما تتجلى شكّيته تجاه اللاهوت و الأديان انطلاقا من ذاتية الإنسان ونزعته الفردية الطاغية التي لا ينكرها –حسب أركون- إلاّ معاند، وهو موقف استلهمه من فيلسوف الشك نيتشه في كتابه “هو ذا الإنسان” حيث يؤرّخ لولادته وبالمقابل يعلن موت الأديان لتبدأ مسيرة الإنسان مع قيم جديدة وعلاقات ومصالح و رؤى غير التي صُنعت له[11]. وعليه فإن هذه الأنسنة أنتجت قيما جديدة حسب دعاء أصحابها ، يمكن رصد أهمها بغض النظر عن توزّع مجالاتها:

  1. الحرية: التحرير و الحرية في المنظومة الأنسنية الحداثية هما ليس مجرد شعارين سياسيين ؛وإنما قيمتان ناتجتان حتما عن التفكير العقلاني والمدني؛ ويعتمدان على صرامة التنظيم العقلاني؛ الضامن للحقوق الفردية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية للجميع؛ ويكفل الحريات الفكرية والعقدية والسياسية.
  2. الخصوصية: قيمة عالية في الحقوق الذاتية لكل إنسان شرط ألاّ تصطدم مع القوانين العامة المتفق عليها. ففكر الحداثة يريد تحرير الإنسان من النماذج التي تريد قولبته في شتى الشؤون؛ في شكله ولباسه وأكله ومعيشته في بيته و خياله؛ مما يقتل في داخله الروح الإنسانية الطامحة للتفوق و التحرر والانعتاق من التبعية.
  3. العمل والإبداع: وجب الاعتراف بهذه القيمة في المنظومة الأنسنية مع الاحتراز و الحذر مما لحقها من تشوهات بفعل المبالغة في الإنتاجية دون اعتبار قدرات الإنسان؛ فقد ذاب الإنسان مع وسائل الإنتاج إلى درجة التخلص منه حين عجزه البسيط؛فإذا كانت الاشتراكية قد نفت الإنسان ؛فإن الحداثة حطمته باسم الإنتاج[12].

 

المبحث الثاني: المرتكزات القرآنية و جذور مذهب الأنسنة

في نظرية المنهاج النبوي

أولا:حقيقة الأنسنة في فكر عبد السلام ياسين:

ينبغي التأكيد بداية على أن مبحث الإنسان يُعتبر من أهم مباحث العقيدة الإسلامية؛حيث يُدرج في كتابات علماء العقائد في مرتبة تلي دائما مبحث النبوات؛ للدّلالة التأسيسية والرمزية على ارتباط الإنسانيات في الإسلام بالرسالة و الوحي؛ مستعليا عن الوضعية والفكر المادي. ويُؤطَّر ضمن مبدأ الاستخلاف القرآني والذي يجعل من الإنسان محور هذا الاستخلاف.

والإنسانية في الإسلام تعني من بين ما تعنيه الارتفاع عن العصبية العرقية والدينية والثقافية؛ واحترام الإنسان أيّا كان لونه أو دينه أو ثقافته؛في إطار التنوّع الذي جاء مستقصدا ضمنا في قوله تعالى:( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات:13). كما أن الإنسانية لها الشراكة الكاملة في هذا العالم بناء على حديث النبي صلى الله عليه وسلّم: (إنما بعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق)[13]؛ فحفظ الكليات الخمس جاء في مصلحة الإنسانية جمعاء، ومبادئ الحرية والمساواة وحقوق الإنسان وعدم التعصب في المصالح الخاصة والعامة لأيّ عرق أو لون أو قبيلة أو دين في مصلحتها جميعا أيضا، والتشريعات الكبرى في السّلم والحرب لصالح الإنسان. كما أن الدين في وضعه الإلهي يُعرّف عادة لصالح الإنسان في الآن والمآل؛ فاستقصد الدافع البيولوجي فيه، وعقله وفكره، وحقيقته واجتماعيته، فخرج عن مفهوم المخلوق الآثم الذي ساد في الفكر المسيحي الوسيط.

ولذلك يناقض الأستاذ ياسين كتصور عقدي مفهوم الأنسنة الحداثي، ويعتبر أن القيم المولّدة من ذاك المفهوم هي قيم مقلوبة تلاعب أصحابها بالألفاظ والمصطلحات ليصطادوا في مسيرتهم اللادينية السذّجَ من الناس الذين تستهويهم عبارات: الحرية والإنتاجية والقدرات الخلاّقة والخارقة والخصوصية …، ليؤسّس لمفهوم قرآني للأنسنة عماده ومنطلقه مبادئ الربانية والتكليف والاستخلاف: (إن الإنسان وحده في مصيره فوق الأرض وفي البرزخ وفي دار الجزاء هو محور الأمر كله ، وإن السنة المطهرة ما هي شكل اللباس وحجم الإنتاج وأدوات العمل وأساليب الأمن والحرب. السنة النبوية روح ونور ورحمة وفضل. وهي أيضا تعاليم خالدة تنتظم سلوك العبد المنيب الحريص على آخرته في عبادته الظاهرة والباطنة، في خُلُقه وتعامله، في عبوديته لله عز وجل، عبوديةٍ مجسدة في الأسوة المعصوم صلى الله عليه وسلم)[14].

أما عن مقاربة موضوع الإنسان في إطار فكري أو فلسفي في تراثنا الإسلامي؛ فيمكن اعتبار مساهمات بعض الفلاسفة والمفكرين في القرن الرابع والخامس الهجريين؛ يُضاف إليهم ابن خلدون من علماء القرن الثامن؛ أظهر وأبرز المشاريع والرؤى التي تأملت النصوص والواقع المستجد؛ وحاولت إيجاد تلفيقية مناسبة لعلاقة الشهادة بالغيب في الموضوع. على أننا نؤكد أن طروحات أركون وغيره فيما يخص هؤلاء الأعلام تحريفية واضحة لمقاصدهم؛ عندما حاولوا تبرير المفهوم الأنسني المادي الغربي الذي اختاروه بمناهج هؤلاء الفلاسفة والمفكرين؛ حيث يعتبرونهم مرجعيتهم في إعادة تأسيس الأنسنة ببعدها المادي.

فالتوحيدي أراد أن يضع موضوع الإنسان كأهم المباحث في مشروع بناء الحضارة الإسلامية ضمن نسق القيم القرآنية، واعتبر أن منظومة الأخلاق والقيم هي المحققة لإنسانيته؛ لأن ديننا يروم المقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني. وعلى العكس مما يبشّر به أركون، يمكننا الربط بين أفكار الأستاذ ياسين و أفكار التوحيدي الأخلاقية والقيمية، وخاصة في العمق ومراعاة مقاصد المكلّفين وكذا و الأهم الانعتاق من ربقة الهوى والتعلّق بالدنيا؛ وفي هذا عبّر الأستاذ ياسين بمصطلحات عميقة عن مضامين المنظومة القيمية الإسلامية المفارقة للمنظومة الوضعية والغربية عموما في عدد من كتبه التي اهتمت بالمقارنة بين الإسلام وغيره من الديانات والأفكار؛ فيقول مثلا: (فعل الخير للخير وعشق الجمال والعدل للجمال والعدل. إنما هي مثالية أفلاطونية تعبر عن تعنث ضد الدين، أو تبوح بضَيْعتها وسط الماديات والنفعيات والمكيافليات السائدة في عالم السياسة السَّيطرية وحقوق الإنسان المُستَرِقَة للإنسان تحت غطاء القانونية الدولية. في حجر التربية والتدرج في التزكية ينتقل الناشئ والتائب من حضيض حب الدنيا وزينتها، ومن السعي فيها إلى اللذة الأنانية، إلى طلب الآخرة والسعي لها سعيها. وهي نقلة فارغة. من تجارة الدنيا إلى تجارة الآخرة ينتقل. مسافة وأية مسافة!)[15]. ويقول في مناسبة أخرى: (كم نحن بعيدون حين نُسَايِرُ الفقه القرآني السني للتاريخ عن التحليل المادي الجدلي وعن العقلانية الأرضية! ليس معناه أن مسايرتنا للحق واستنارتنا بضوئه تغيب عنا حقائق الأرض؛ بل تزيدنا التلمذة للقرآن والسنة بصيرة بهذه الحقائق، إذ تركز اهتمامنا على منبع الطاقة البشرية المحركة للتاريخ، ألا وهو قلوب بني آدم وما ينفعل فيها وما يتفاعل من نزوات حين تكون القلوب مظلمة جاهلية، أو مدخنة مفتونة، أو نائرة بالإيمان والإحسان. لسنا ونحن ننظر إلى سنة الله بمنظار القرآن والحديث مع التفسير المادي ولا مع التفسير السيكولوجي للتاريخ؛ لأن هذا الأخير يهمل الأسباب الأرضية، ويعطيها التفسير القرآني النبوي مكانتها من زاوية تأثيرها سلبا وإيجابا على شعور الناس وسلوكهم)[16].

فوضْع أطروحة التوحيدي وغيره من مفكّري الإسلام في سياق تفسيري وتقريري لمفهوم الأنسنة بالطرح القيمي القرآني كما يطرحه الأستاذ عبد السلام ياسين هو الموقف العلمي الموضوعي والنزيه، ولا يمتّ بأي صلة لطروحات الإنسانوية الحديثة. إن الإنسان في القرآن هو ذاك الفاعل في ساحة الوجود بالخير والعطاء والإعمار والتعلّم والتعقّل والتأمل؛ فلا حدود لفعله الإيجابي إلاّ ما حدّه الخالق سبحانه في قوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:105)، وكما قال المفسّرون في تفسير الآية فإن الأمر بالعمل جاء في الآية مطلقا؛ فشمل كل ما فيه مصلحة الإنسان والكون والحياة؛ سواء مصلحة دينية أو دنيوية[17]، على أن تستقصد مرضاة الله ورسوله، وفي هذا يقول الفخر الرازي: (إن أجدر ما يدعو المرء إلى العمل الصالح ما يحصل له من المدح والتعظيم والعز الذي يلحقه عند ذلك، فإذا علم أنه إذا فعل ذلك الفعل عظمه الرسول والمؤمنون، عظم فرحه بذلك وقويت رغبته فيه، ومما ينبه على هذه الدقيقة أنه ذكر رؤية الله تعالى أولا، ثم ذكر عقيبها رؤية الرسول عليه السلام والمؤمنين، فكأنه قيل  إن كنت من المحقين المحققين في عبودية الحق، فاعمل الأعمال الصالحة لله تعالى، وإن كنت من الضعفاء المشغولين بثناء الخلق فاعمل الأعمال الصالحة لتفوز بثناء الخلق، وهو الرسول والمؤمنون)[18].

وعلى ضوء ما سبق يمكن أن نحدد مفهوم الأنسنة عند الأستاذ ياسين بأنها: (منظومة القيم والفضائل التي كُرّم بها الإنسان و مُيّز  بها عن باقي المخلوقات، طِبقا لمبدأ  التسخير والاستخلاف؛ ومبدأ الحرية والالتزام الأخلاقي وليس الوجودي، محكومة بعقيدة ومرجعية عليا تسمو فوق الحس والمادة؛ وتستقصد الفلاح في الآن والمآل).

ثانيا: المرتكزات القرآنية للأنسنة في فكر الأستاذ ياسين:

أقصد بالمرتكزات مجموعة العناصر التي اعتمدها الأستاذ ياسين في بلورة رؤية معرفية للأنسنة؛ اعتبرها جزءا من المنهاج النبوي الذي يدعو إليه، ويتحقق ذلك باستقراء النصوص القرآنية ، ومجموع الألفاظ المرتبطة بالإنسان؛ والتي تحمل دلالات غنية و واسعة؛ تناولها كثير من المفسّرين قديما وحديثا، تشكّل بمجموعها كمًّا علميا ينبغي الرجوع إليه.

وإن الاتفاق العام حاصل للأستاذ ياسين مع جلّ المفكرين المسلمين على حاكمية مرجعية القرآن في مفهوم الأنسنة، هذه المرجعية التي أعلت من الإنسان الرباني غير الخاضع لسلطة الأهواء والشهوات والماديات، فقد ورد لفظ الإنسان في القرآن الكريم في ثلاثة وستين موضعا؛ استأنس بها الأستاذ ياسين في ضبط الأسس العامة المؤدية لدلالة أصيلة للإنسانية والأنسنة التي يقصدها القرآن الكريم؛ ولعل أهمها:

  • الإنسان عبد مخلوق مسؤول مكلّف. وفي هذا الشأن يخاطب الأستاذ ياسين في كتابه “رسالة إلى كل طالب و طالبة”: (ضرورة الاختيار، وأهمية الاختيار، وانسحاب الاختيار على بقية حياتي، على مستقبلي، على مصيري ومصير أمتي في الدنيا، على مصيري يوم أُبعث بعد الموت وآتي فردا مسؤولا عما فعلته بحياتي وما عملت، يوم أجازى الجزاء الأوفى إمّا إلى جنة وإمّا إلى نار. إنه اختيار واحد، طريق واحدة؛ لا يمكن أن أزعم أنني مسلم بلا إسلام إلاّ أن أكون سطحيا إمّعة اضطغن في قلبي النفاق)[19]. ومرتكز هذا قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبَيْن أن يحملْنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) (الأحزاب:72)
  • سيادة الإنسان للكون أو عالم الشهادة في إطار مفهوم الاستخلاف القرآني دون أن يؤدي ذلك إلى أنه مركز الكون بالمعنى الوجودي المادي الذي ينكر الغيب؛ يقول الأستاذ: (فعندما نتحدّث عن الاختيار بين عقلين وعقليتين؛ فإنما نختار إمّا سيادة الوحي خالصا مخلصا يُستقى من نبعه المحفوظ في كتاب الله وسنة رسول الله، وإمّا سيادة الساحة التي سكنت العقل الآخر واحتلّته بماديتها وعنصريتها وضبابية أهدافها)[20]. ونجد لهذه مثيلات في القرآن؛ قال تعالى:( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء:70).
  • الإنسان في القرآن هو المتحرر من عبودية الأنانية وشهوات النفس ولذات الجسد، يشير إلى ذلك الأستاذ ياسين ويحض عليه في مجموعة كبيرة من توجيهاته؛ و يظهر هنا اتجاهه الصوفي وسلوكه العملي العرفاني دون أن يعني ذلك قبول الأستاذ بالشطحات الإشراقية والانحرافات المسجّلة على التصوّف الفلسفي.

فإذا ركّزنا على غاية المتصوف والسبب الذي من أجله تأسّس التصوف؛ فإننا سنعثر على الأسباب التي أدّت إلى انشطار المتصوفة إلى فرق عديدة. ففي العادة يقسّم الباحثون المتعمقون الصوفية إلى صنفين: صوفية اللاحدود، وصوفية استبطان الذات التي ينتمي إليها أبو حامد الغزالي. وقد كان التأسيس الفكري للنمط الأول خليطا بين الأفلاطونية ومصادر خارجية أخرى كالنصوص الدينية الفيدانتية الهندوسية؛ حيث تلتقي مع وحدة الوجود الصوفية في تعريفهم الإله بأنه:” وجود كل الوجود”، وأحيانا بأنه :”العدم”([21]) لأنه لا يمكن وصفه من خلال أيّ نوع من التفكير المحدود؛ فالذات الإلهية لا متناهية وبلا زمان وبلا مكان؛ وذاك هو الوجود المطلق. وقد كان هذا النمط و لايزال موضع هجوم من  جمهور المسلمين؛ لاعتبارات عقدية ومعرفية تتعلق بمنهج البحث عن الحقيقة ذاتها؛ حيث تم الخلط ما بين عالم الشهود وعالم الغيب؛ مع أن العقل كأداة للمعرفة يؤكد هذا التمايز والانفصال.

أما النمط الثاني ؛فهو علاقة استبطان الذات في التصوف؛ وهي العلاقة التي تكون بين الإنسان وبين الله؛ وهي علاقة خالق بمخلوق أساسها حب ولهفة العبد لحبيبه وسيّده. وهذا النمط عرف أيضا باتجاه “الإرادية”[22]؛ من حيث سلوك الصوفي الطريق الذي يوصِل إلى “التخلّق بصفات الله”، واستمداد إرادته من إرادة الله استمدادا كليا لا اعتماد على أحد سواه.

وفي ظلال هذا الاتجاه تشكّلت العقلية العملية لدى الصوفية؛ بحيث انبثقت المقامات والأبعاد والأحوال والمراتب. وقد جعل الصوفي الكبير الهجويري (توفي465ه) مقامين للوصول إلى مرتبة المشاهدة[23]: الأول القرب، والثاني التبجيل؛ ويقصد بالقرب الدوام على الطاعات والقربات والتقرب إلى الله بالأفعال. بينما يقوم التبجيل على التأمل والتفكّر والتدبّر وقوة التضرع: (ففرق بين مَن يتفكّر في الأفعال، وبين من تحَيّر في الجلال؛ فواحد من هذين يكون رديف الخلّة، والآخر قرين المحبّة)[24].

وفي ظلال هذه المعاني وجدنا للأستاذ ياسين اهتماما عمليا بالسلوك الصوفي؛ سواء في الطريق أو الوسيلة أو الغاية؛ للوصول إلى الإنسان الكامل الذي يبقى في حدود الإمكان لمن تهيّأ بالأسباب وسلك المدارج الثلاثة المتمثلة في المجاهدة فالمكابدة فالمحاسبة، ثم ترقى إلى المقامات، وقد جاء ذكره للمدارج الثلاثة ضمنا في هذه القطوف النادرة؛ حيث قال[25]:

سَمِعْنَا نِدَاءَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ ذَائِعٌ          فَأَيْقَظَنَا قَوْلُ : اسْتَقِيمــُوا وَسَارِعُوا

أتَانَا رَسُولُ اللَّهِ بِالْأَمْرِ صَادِعًا         أَنِ اقْتَحِمُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَصَارِعُوا

فَمَا بَلَغَ الْغَايَاتِ إِلاَّ مُجَاهِدـٌ          إِلَى قِمَّةِ الْإِحْسَــانِ بِالْعَزْمِ طَالِـعُ

كما يشدّد على ضرورة التربية الجماعية؛ للوصول إلى الكمال المنشود؛ وليكون أهلا للانتساب إلى أهل القومة والإصلاح، وهو لذلك يؤيّد مشايخ الصوفية في إلزامية اتخاذ مرشد في مدارج السير إلى الله؛لأن ذلك هو الضمان لعدم الانحراف والزيغ أو التطرّف والتنطّع، يقول بعد أن أفرد مقالا للشيخ السرهندي: (إن الصحبة لكاملٍ من الأولياء المرشدين شرط مفروغ من أهميته الحيوية عند السادة الصوفية أهل المعرفة بما هي الطريق. وإن شئتَ قلت باختصار: الطريق هي الشيخ الواصل الموصل الحبل بالسند المتصل، فما يبقى إلا شرطُ الصدق عند الطالب، وشرط الصبر مع المرشد، وشرط الاستقامة على السنة، وشرط الاجتهاد حتى يأذن الله سبحانه لمن يشاء بما يشاء، مع دوام الذكر والدعاء) [26].

إن الانجذاب إلى الطريق الصوفي السني عند الأستاذ ياسين مرتكزه وعماده التزكية؛ وهو المصطلح القرآني الذي يتردّد ذكره في القرآن بكثرة؛ ومنه انطلق العارفون والسالكون في شق الطريق إلى الله للوصول إلى نفس زاكية خالية من شوائب الدنيا ومكدّراتها؛ قال تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) (الأعلى:14-15)، وقال تعالى:(قد أفلح من زكّاها) (الشمس: 9). وقال تعالى: (وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكى) (الليل:18-19).

  • العقل أشرف ما في الإنسان؛ فهو مناط تكليفه وتشريفه؛ يقول الأستاذ ياسين: (فنفهم أن من الناس من يعقل بالهوى، ومنهم من يعقل بالقلب، القلب المؤمن هو الذي يعقل عن الله؛ العقل المُعتبر شرعا هو وظيفة قلبية تابعة للإيمان، وفي هذا يكون خلاص العقل من رِبْقة الهوى)[27]. وفي القرآن عشرات الآيات القرآنية المادحة للإنسان ذي العقل اللبيب؛ فكانت أكثرها مختتمة بألفاظ من جنس: الألباب، يعقلون، يذّكرون، يتفكّرون.
  • لا تنافي بين الغاية الإنسانية والغاية الربانية؛ بل هما متكاملتان؛ فإذا كان مفهوم الإنسية ربانيا؛ فإن الإنسان هو المجسّد لهذه الربانية في الواقع؛ لذلك راعى الشارع الحكيم تحقيق سعادته في الدارين؛ فاستقصد فيه: الدافع البيولوجي، وعقله وفكره، واجتماعيته، ومصيره. يقول الأستاذ: (ربانية حية، رسالة وشريعة، تاريخ ومساهمة، عدل وإحسان، سياسة وجهاد،تمر الأنماط والنماذج البشرية، ويبقى القرآن محفوظا. تنقضي الأقوال البشرية والثقافات الشعبية، ويشهد القرآن بالحق المطلق. تتلاشى اللغات وأساليب التعبير، ويبقى الخطاب القرآني يخاطب دائما قلوب البشر وعقولهم)[28].
  • عقيدة الإنسان غير الوضعية والمستندة إلى الوحي هي الضامن لحفظه من الاضطراب وتمزّق النفس وتوتّر الضمير؛ هذا الإطار المعرفي والعقدي الذي تُؤطرّ فيه الأنسنة يكشف عنه الأستاذ ياسين في نقاشه لنخبة الحداثة والواقعين في حبائلهم؛ حين يقول: (لم الحياة؟ سؤال مركزي، سؤال حيوي، سؤال مكبوت، سؤال غريب! سؤال لا يطرح في عصر فقد معناه و انشغل بمشاكل أخرى متعلقة بالكيف لا بالغاية؛ عصر تقني عالمي يحركه الفضول، عصر منفتح على الكون الفلكي وعلى الكون الجزئي؛ عصر منقب، مدقق، مراقب لأدق التفاصيل ولأصغر الظواهر؛ عصر مستنكر لهذا السؤال! فمعنى الحياة، والغاية من الحياة، قضية منبوذة لا تثار إلا في بعض الحلقات المغلقة التي يحضرها بضع فلاسفة مغرمين بالتأملات الميتافيزيقية أو عند مهمشي الحداثة المترهبين من المسلمين أو من غيرهم من الأمم الأخرى المتخلفة عن ركب العصر. الفلسفة الوضعية المادية هي أسلوب التفكير الوحيد المتجذر في المجتمع الحديث، فلا وجود إلا لما تدركه الحواس، لا وجود إلا للمُحَس، المادي، المتجسد، وكل ما لا يستطيع العلم إثباته و قياسه يظل مجرد تخرصات، خاصة إذا كانت القضية تعالج مصير الإنسان، وتبحث عن مغزىً لوجود الإنسان)[29].

وهو بذلك يستعيد حوار القرآن مع الدهريين و الملحدين عن سر الحياة ومآلها؛ قال تعالى: ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ، وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ،إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)(الجاثية:24) . وقال تعالى: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ،الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون، أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس:78-82).

ويبرز الأستاذ ياسين في تاريخ الإلحاد نموذجا للتمزّق والقلق واليأس؛ والذي لم يخرجه منه سوى اعتناق الإسلام؛ وذلك في حديثه عن المفكر الفرنسي الكبير “رجاء جارودي”: (كان جارودي[30] يوم كتب كتابه[31] ماركسيا نصرانيا معا، متمزّقا بين غضبه للحق الذي يجعله يصفّق لإسقاط الطغيان، وبين تعطّشه الروحي الذي كان يجد في النصرانية له منتجعا ؛ هذا التهمم  الفطري الذي يجرّد الإنسان الجاد في الحياة من الاعتبارات القشرية، ليطلب الحق بحركة من أعماقه؛ هو ما نأمل أن يستيقظ في نفوس من نحاورهم)[32]. ولعل الاضطراب والتمزّق والانفصام والقلق والحيرة التي يعاني منها الملحدون والوثنيون غير المؤمنين بنور التوحيد؛ هما المكر والاستهزاء الذي توعّدهم بهما الله سبحانه في آيات كثيرة من القرآن؛ منها:  الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون)(البقرة:15).

  • المنهاج النبوي؛ هو مصدر الأنسنة في سيرورتها التاريخية والواقعية، ويقصد الأستاذ ياسين بالمنهاج النبوي؛ مرجعية الكتاب والسنة لأنها الكفيلة بدرأ الأخطاء الناجمة عن التطبيقات التعسفية والأفهام السقيمة، وهو بذلك يضع تجربة الرعيل الأول ومن بعده في ميزان التجربة البشرية التي تخطئ وتصيب؛ ولا يرى سوى المنهاج النبوي مصدرا في تفسير التاريخ والواقع؛ يوضّح هذا الأمر الذي قد يبدو غريبا وشاذا لكثيرين ممن امتهنوا الجمود والتقليد وإلقاء التبعة على السلف: (لابد لنا إذن من إرساء قواعدنا على مكين الكتاب والسنة؛ لأن العاطفة المجنّحة خيال، ولأن فقه سلفنا الصالح الذين عاشوا رهائن مقهورة في قبضة العض والجبر ؛لم يخلّفوا لنا إلاّ نثارا من العلم لا يجمعه مشروع متكامل؛ لأن الحديث عن الحكم وسلطانهما كان ليُقبل والسيف مصلّت، وما كان بالتالي ليعقل أو ينشر إلاّ إذا احتمى في جزئيات “الأحكام السلطانية” التي تقنّن للنظام القائم، لا تتحدّث عنه إلاّ باحترام تام، أو دخَل في جنينات آداب البلاط المزيّنة بفضائل الأمراء وحكم الإحسان الأبوي إلى الرعية)[33]. ولعلّه هنا يثير قضية جد مهمة في تاريخ الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية؛ وهي مسألة علاقة أولي الحكم بالعلماء ؛حيث يوافق عدد من النقاد الأستاذَ ياسين في أن مدوّنات الأحكام السلطانية ينبغي النظر إليها بتحفّظ؛ على اعتبار أن أكثرها صُنّف بطلب من الملوك والأمراء، أو أن المصنف أراد إهداءه لولي الأمر للتقرّب،أو أنه كان في منصب يحتّم عليه تلك المنهجية في الكتابة وإصدار الأحكام المتعلقة بالسياسة الشرعية والقضاء، وهو ما حدث مع الإمام الماوردي؛ حيث نجده في الأحكام السلطانية ملتزما خطا رسميا، بينما في كتابه “نصيحة الملوك” فإنه قدّم نموذجا لفقه سياسي خارج الحظيرة الأميرية. فنحن نرى أن الماوردي جعل استشارة الأمير أو الحاكم المتغلّب للأمة أو من يمثلها غير ملزمة ولم يحدد أشكالا بعينها ؛ لأنه قصد الوحدة العامة للدولة المتجسّدة في شخص الخليفة العباسي آنذاك. والماوردي لم يقف موقفا واحدا في هذا الأمر؛ ولعل مرد ذلك تكوينه المتشعّب؛ فهو فقيه من جهة وأديب سلطاني من جهة أخرى؛ يقول عزالدين العلام في كتابه الآداب السلطانية: (يوضّح مثال الماوردي بشكل جلي طرق تدبير هذه الثنائية المتصلة والمنفصلة في آن.فهو من جهة مؤلّف “الأحكام السلطانية والولايات الدينية” ،وهو أيضا مؤلف”تسهيل النظر” و”نصيحة الملوك”؛ يظل فقيها في الكتاب الأول، ويصبح أديبا سلطانيا في كتبه السياسية الأخرى. في “الأحكام” يُخضع الماوردي السياسة للشريعة، وفي “التسهيل” يطوّع الشريعة لتتطابق مع السياسة. يتحاشى في”الأحكام” أي استشهاد بآثار فارس أو حكم اليونان لتحضير الآية القرآنية والحديث النبوي، وفي “التسهيل” يلجأ إلى فارس وغيرها مستدلاًّ؛ بل واضعا لما يستشهد به جنبا إلى جنب مع ما قاله الله أو الرسول أو ما قام به خليفة المسلمين عمر بن الخطاب، مثله في ذلك مثل سائر أدباء السلاطين)[34].

و لذلك يمضي الأستاذ ياسين  في تأكيده انفراد المنهاج النبوي بالمرجعية انفرادا تاما دون اعتماد على الخبرات التاريخية ومواقف الفقهاء والعلماء من الرعيل الأول؛ في قوله:( المنهاج النبوي ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية :دعوة ودولة ،تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها ،ضروري لمعرفة مقوّمات الأمة وهي تبحث عن وحدتها ،ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد ،ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء)[35]. وهو بذلك يخط للإنسان المنهاج الذي يحييه ويبعثه من مرقده الاستهلاكي ونزعته الدوابية، ويرد عن المتحدّثين عن الفعل الحر للإنسان والقدرة الخارقة و الفكر المستقل؛ حيث بإمكان إنسان المنهاج النبوي إذا التزم مضامينه ومعالمه أن يحقّق التحرّر والانعتاق، والقدرة الخارقة على تغيير الواقع بذاك الاندفاع الإيماني اللامحدود المرسوم له في المنهاج، والتفكير السوي المنعتق من ربقة التقليد وفقه السلاطين والمنقطع إلى معين الوحيين. إن الأستاذ ياسين هنا يمدّنا ببرنامج عملي لإسقاط مفاهيم الأنسنة القرآنية على الواقع كي لا تكون فلسفة نظرية ذاتية؛ همها إثارة القلق الوجودي والغثيان واليأس والتوتّر والقرف والملل والاستسلام ؛مما اعتاد المثاليون أن يسموه بـ: “الرؤيا الشيطانية”[36].

إن الإنسان المؤسّس للمفهوم الحقيقي للأنسنة، وليس الأنسنة المزوّرة؛ عند الأستاذ ياسين هو الحامل لرسالة، الموقن بأنه خليفة في الأرض؛ لم يوجد ليكون هملا ورقما طبيعيا أو كما يصطلح عليه هو في منحوتاته الدلالية الفريدة: “الإنسان الدوابي”، يقول في إحدى رسائله: (يحمل رسالة الله في العالم إلى الإنسان؛ مؤمن ومؤمنة، لا تسكن فيه نبضات شهوة ونعرات عرق ونزوات عاطفة، وزعم أنانية وقوة، عقل معاش كما للّوائم عقول معاش. يحمل رسالة الله إلى الإنسان الغاطس في الماديات؛ مؤمن ومؤمنة لا تذرو رياح الدنيا وأصواتها الهائجة يقينَه بالله و بالدار الآخرة، ولا تتبدّد لحظات عمره الطائرة في التفاهات والغفلات، لا يدري من أين؟ ولا إلى أين؟)[37]. أو كما يعبّر في نقاشه للحداثة: (أظن أني كنت أول من استعمل منذ ما يقرب من عشرين سنة، صيغة “تسليم الحداثة”؛ العبارة أخذها آخرون منذ ذلك الحين، أعيد الكرة لا لاجترار شعار، ولكن  لأواجه الحداثة بالأسئلة التي لا تهتم بها إطلاقا، وليس لأتباعها الوقت لطرحها على أنفسهم: من أنا؟ وما أكون، وإلى أين أسير؟ وماذا أصير إذا مت و حُنّطت جثتي في تابوت من سنديان أو ركمتها الجرافة في حفرة جماعية في البادية الجزائرية أو الغابة الرواندية[38]؟)[39].

وهنا يضع الأستاذ ياسين موضوع الإنسان في سياقه الصحيح؛ عندما يناقش أوّلا المؤسسة التي حضنت فكرة “الأنسنة” لتصبه في منحى مادي بيولوجي؛ ألا وهي الحداثة كمذهب وتيار وليس كمرحلة زمنية، وثانيا عندما يصدح بأشد الأسئلة حرجا وحساسية لكل فرد من البشرية: من أنا؟ وما أكون؟ وإلى أين أسير؟… وفي ذلك مناقشة لغائية الإنسان؛ الذي اعتبره الأنسنيون كما أوردوا عن الفيلسوف اليوناني “براتاغوراس”: “الإنسان هو مقياس كل ما هو موجود على أنه موجود”، فموضوع “الإنسان والوجود” هو ما يضع  منهجيا وموضوعيا الأنسنة في نسق معرفي يوصل إلى نتائج قد تساهم في أسلمة الحداثة كما كان يتوقع الأستاذ ياسين  كنتيجة منطقية بعيدا عن العناد والتعصب.

فالوجود عند الأستاذ ياسين وجودان؛ الوجود الشاهد والوجود الغائب، وهذا تصور عقدي يعتنقه جل المسلمين إلاّ قلة ممن ادّعوا القول بالوحدة؛ يؤدي إلى إثبات الغائية في وجود الإنسان، وأنه لم يوجد عبثا وصدفة؛ وإنما وجد لغاية التكليف: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور)(الملك: 2). ولذلك فهو ليس مقياس الوجود كما قال بروتاغوراس لكنه سيد الوجود بتكريم الله؛ و هذه السيادة  مظهرها معرفة الحقيقة والمصير؛ يقول الأستاذ ياسين: (إلى أين يركض بي الليل والنهار ركضة العمر؟ هل يكفي لمروري من على وجه الأرض معنى و قيمة أن أتجنّد مع المتجنّدين لأنوّه بالهوية الضائعة….أبحث عن مسلك في الحياة، عن عهد مع الله تعالى قبل كل شيء؛ تنتظم به حياتي في الدنيا بمصيري في الآخرة)[40].

إن بحث الاستاذ ياسين للإنسان في سياق الوجود يعيدنا إلى قضية غاية في الأهمية فلسفيا؛ وهي الموازنة التي حدثت تاريخيا في القاموس العربي بين الكون والوجود؛ فالكينونة تؤدي بالضرورة إلى القول بالتطبّع والمصادفة؛ لذلك ورد لفظ الكون كمظهر للوجود ولم يرج لفظ الكينونة حذرا من فكرة الكمون الذاتي التي يعتنقها الوثنيون والإغريقيون أو السيرورة والتحوّل كما استعملها أرسطو في الأونطولوجيا. أما لفظ الوجود فإنه يحيل إلى دلالة واضحة؛ وهي فكرة الخلق، من الجذر “وجد”، والمصدر “إيجاد”؛ والمعنى الجذري عندما يؤخذ بصيغته المبنية للمجهول: “وُجد” يصبح قريبا على نحو مقبول من حدث من عدم، ويستبعد في الوقت نفسه معاني الكينونة؛ كـ”تحوّل” و”كان”[41]، مع حمله معنى جد مهم عقديا؛ وهو “إمكان الحدوث” أو “الاحتمال”، وهو ما يعني استواء طرفي الوجود والعدم، وهو ما يؤدي على فكرة وجوب المرجّح و هو الله[42].

إن طرح فكرة الغائية من الأستاذ ياسين هو مقدمة لفكرة الالتزام الأخلاقي، التي تدرأ وتنقض القول بأن الأخلاق والقيم نتيجة الخبرة و المواضعة الإنسانية القابلة للتجاوز و التغيير كما ينص مذهب الحداثة، لقد كان من أبرز سمات مذهب الأنسنة الذي راجعه الأستاذ ياسين؛ أنه آمن بالمنطق القرآني في النظرة إلى التاريخ والاجتماع البشري والإنسان، فاستخرج الأسس والمرتكزات المرجعية القرآنية؛ ثم عمد إلى هذه المذاهب ليبرز سلبياتها ويستفيد مما لها من إيجابيات دون مصادمتها للمرجعية؛ أي محاولة أسلمتها كما عبّر في كتابه “الإسلام والحداثة” في نص عرضناه سابقا، فنظّر للفرد وهو ينشأ في حضن الجماعة، فلا هو خارق كما صوّرته الحداثة الأنسنية، ولا هو مجرد رقم كما يعتقده التيار الجبري.

وفكرة الالتزام الأخلاقي هي التي تخرج لنا إنسانا جديدا؛ إنسانا ربانيا، يستشعر قيمة وجوده ولا يكون كالهوام أو كالدواب الذين لا يدرون ولا يعقلون شيئا؛ ومن أهم سمات هذا الإنسان:

  • الرخاوة ؛التي جعلت منه عبدا مستهلكا؛ يقول في كتابه “الإسلام والحداثة”:( إسماع الحق لإنسان حديث لا يعرف لوجوده معنى خارج الرغبة الرهيبة للاستمتاع بـ “السعادة” الاستهلاكية يعتبر رهانا)[43]. ويحيل النظر إلى وسائل الرفاهية التي يمتلكها الإنسان ووفّرتها تكنولوجيا الحداثة وكيف ساهمت في سطحيته وتفاهته وميله للجاهز واليسير من متاع الحياة: (تقلص شبكات الاتصال المتعددة حَيَّز التساؤل الجوهري إلى نصيب ضئيل لتثقل حياة الناس بالتوافه، لتقبرهم تحت ركام من المعلومات التافهة ولتغرقهم في سيل جارف من الأفكار الجاهزة.هذه الشبكات المتطورة جدا، والتي يسهل أكثر فأكثر ولوجها، تُميّع المعارف وتضع في خدمة الناس ما به يخدع بعضهم بعضا بواسطة تبادل المنوعات الجاهزة ذات الأصوات المتنافرة وبسعر رخيص، هذا إن لم يُلقِ مواطن عالم الإنترنيت، البحَّار الملهوف، حبالَ سفينته في إحدى حُفَر الخلاعة أو في أحد أوكار المافيا) [44].
  • الفردية المتضخمة؛ والتي تعني في القاموس الإسلامي الأنانية؛ وكان الكثير من نقاد الحداثة قد انتبهوا إلى هذه النزعة الجنينية كما يسميها الدكتور المسيري، وحذّروا من تبعاتها على الصعيد الأسري والاجتماعي والإنساني عموما ؛حيث اعتبر ما جاء في كتاب الناقد الأمريكي “دافيد رابان” “المدينة الناعمة”، تأريخا جديدا لحداثة جديدة قامت على نوع جديد مشكّل للمدينة قائم من جيل فريد من الموظًّفين وأصحاب المهن ؛فطبعت المدينة حياتهم بطابعها القائم على اللااستقرار والتغير باستمرار، وانعكس ذلك على نوع المعمار واللّباس والأكل وكل شيء في نمط الحياة: “فقد غدت الهوية الشخصية ناعمة مائعة ومفتوحة دائما على ممارسة الإرادة والخيال؛ سواء كان الأمر للأفضل أم للأسوأ؛ فإن المدينة تدعوك باتجاه إعادة تشكيلها كيفما تستطيع العيش فيها ،يكفي أن تقرّر أنت كيفما تكون ؛وستجد أن المدينة التي تريدها هي بجانبك ،قرّر ما شكل المدينة الذي تريده وستجد أن هويتك قد تماهت فيها”[45]. ويُطلَق على هذه الفردية المتضخمة: “النزعة الجنينية ” الراغبة في فقدان الذات والوجود والممتزجة بصفات الكائنات الطبيعية ذات التوجه البهيمي.

وعن هذه الفردية البهيمية يخُرج الأستاذ ياسين أبلغ ما في خاطره وأشد و أحر كلماته في حواره المفتوح مع الحداثة: (شرف الإنسان وكرامته وحريته تأتي من كونه مخلوقا سماويا بروحه، يُثقله الجسمُ الأرضي بحاجاته، وظروفه الحيوية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، عن الصعود من سجنه الأرضيِّ إلى سعادة الأبد. فيريد له الإسلام أن تُعَبَّدَ له الطريقُ، وتُوَفَّرَ له وسائلُ رحلة ناجحة، فيما بين نقطة ميلاده ولحظة موته، من حيوانيته لروحانيته، من غفلته عن الله عز وجل لذكره، من كبَده في الدنيا لارتياحه بلقاء ربه وهو عنه راض. الفكرُ اللبرالي يربط حقوق الإنسان بسعادة الفرد، يتصورها مزيدا من المتعة واللذة. والفكر الشيوعيُّ يسعى لنفس السعادة المادية وإن كان يُقَدِّم في الاعتبار حقوقَ المجموع على حقوق الفرد. في كلا الجانبين وَلُوعٌ شديد، بل انحباسٌ تامٌّ، باللذة المادية، والقوة الحسية، وثقافةٍ تدور حول ذلك، وفنٍّ يُصوره، واقتصاد يخدمه، وحُكْمٍ يدبره. لندَع الحديث عن هذه السعادة الدوابِّيَّةِ هل أسعدت الإنسان أم أشقته؟ هل عوّضته ببضائعها ووسائلها ما فقده من معنى وجوده؟ نستغني عن ذلك الحديث هنا لنبسط حقوق الإنسان في أن تُوَفَّرَ له شروطُ الرحلة الكريمة إلى الآخرة، والعرض الإلهي والدعوة الرسالية الموجهة إليه أن يقتحم العقبة إلى ربه سبحانه الكريم الوهاب غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير) [46].

3- الطبقية ومركزية القوة :فهذه الأنسنة الحداثية لم تنتج سوى طبقتين متباعدتين؛ طبقة المترفين ترفا متخما بغير جهد، وطبقة المعدمين رغم الكدح القاسي طوال الحياة، فعن أي أنسنة يتحدّث الحداثيون إذن؟ يقول الأستاذ: (أغنياء الشمال يمتلكون كل التسهيلات لتقديم حياتهم قربانا للشهوة، زبائن خاضعين للسوق الاستهلاكية أو مدمنين على إحدى وسائل التخدير. ضحايا آخرون للحداثة، ضحايا الجنوب، لهم من هذه الوسائل التي تتكرم بها عليهم الحداثة ما ينهك رأسمال حياتهم في البؤس الأسود. يموت منكوبو الجنوب في الحقد والبغض وهم يتخدرون بثمن بخس أو يقيسون حقارتهم بالتأمل في ثروات المترفين المعروضة. إن حياة الإنسان الحديث مشتتة وبئيسة. بؤسه ملموس ومحسوب رغم أنه في بعض الأحيان يبقى مخفيا وخارج نطاق الوعي. أعظم أنواع البؤس لدى الناس ضحايا الحداثة العيش في المغالطة و”الحقائق” المزورة) [47].

4- الحلولية المادية المنغلقة: فتوجّه الطرح الحداثي إلى وحدة الوجود المادية (الحلولية الكمونية المادية)؛ حيث يتم فيها الاستغناء تماما عن أية لغة روحية أو مثالية؛ ويخضع الوجود للمبدأ الواحد ألا وهو “قوانين الطبيعة”، أو “القوانين العلمية”، أو “قوانين الحركة”؛ وهو قانون شامل يمكن تفسير كل الظواهر ومن بينها الظاهرة الإنسانية- من خلاله([48]). ويبدو لأول وهلة تقاطع هذا الطرح مع مسلمات الماركسية لكن يمكن رد ذلك بكون الماركسية ثلاثية الأضلاع وبعيدة عن عقيدة الوحدة. ولكن بالمقابل يمكن اعتبارها قريبة من الطروحات الداروينية حيث لا تفرقة بين الإنسان والطبيعة؛ فهما مادة واحدة نسبية لا قداسة لها؛ خاضعة للمقاييس الكمية والطفرات الرياضية[49].

ومن ثم فعلى الإنسان أن يتخلق بأخلاق الطبيعة؛ فلا رحمة، ولا مشاركة، ولا ثبات، كما أنه ينتفي الجوهر الإنساني المتمثّل في: (الحياة، الضمير، الروح)؛ ويكون بدله مجموعة عمليات كيميائية يتم فيها التلاعب بالجزئيات؛ ويتحوّل الإنسان إلى “حيوان كامل خاضع لقوانين التطور والطبيعة”؛ فلا يختار ولا يقرّر؛ فكل شيء قد تم اختياره وتقريره له، وهو لا يحمل أية أعباء أخلاقية بل يتصرّف بشكل آلي حسب طبيعته؛ وطبيعته لا خير فيها ولا شر ولا أسئلة كبرى.

وهنا يظهر عمق الأستاذ ياسين الفلسفي وموسوعيته الفكرية والثقافية؛ حيث خصّص مجموعة من الكتب لمناقشة كل الأفكار المبشّرة بالمرجعية المادية والوضعية؛ وهي التي وُلدت من رحم الأنسنة الحداثية؛ ابتداء من الماركسية، فالداروينية، فالوجودية، إلى الرأسمالية والليبرالية. فتراه في كتاب “محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى” يبرز سقطات هذه الأفكار ثم تبعاتها وآثارها على الإنسان بأسلوب تهكّمي جميل و موجز؛ يقول: (وتقول الفلسفة المادية الموجودة في طبقة من التراكم الجيولوجي للثقافة الغربية: الإنسان تطوّر فكري شبّ عن طفولة الأديان؛ حقه أن يتعلّم العلوم الكونية المحرّرة إن لم يعارض الجار  من شعب الله المختار. تقول الوجودية: الإنسان عبث مرمي في الكون؛ حقه اللهو والحزن اليائس والانتحار، أو الانخراط في نضالية ماركسية يصنع بها الإنسان لنفسه وجودا مشرّفا. تقول الاقتصادوية: الإنسان مورد من الموارد الأساسية ؛حقه أن يقوم بواجبه الوظيفي. تقول الماركسية: الإنسان عامل من عوامل الإنتاج يدير العجلة؛ وإلاّ يُساق للجولاج[50]. تقول الرأسمالية: الإنسان سوق ومستهلك ؛حقه أن تزيّن له البضاعة وتُشهر و تُلعب. وتقول الثورة الجنسية: الإنسان آلة ؛ حقه الجنس بلا حدود، لا تنطق بكلمتي الزنا والخنا ؛ فهما من مخلّفات بالية. يقول فرويد: الإنسان نزوات، في يقظته شهوات وفي منامه، حقّه أن لا يُكبت و يُمنع من اتباع غرائزه)[51].

والأستاذ عبد السلام ياسين بهذا الأسلوب البياني التهكّمي يستدل بالمآل على فساد هذه المذاهب، ففي قاموسها يبرز الإنسان كمادة بهيمية حقها العلف، وواجبها السيلان و الإنتاج؛ وما ذاك سوى نتيجة لمنطق وحدة الوجود المادية التي لا يؤمن فردها إلاّ بعالم المادة دون الغيب والحساب والمعاد، فحَقَّ لهذا الإنسان أن يكون قاموسه المادي في نظر الأستاذ مكوّن من:{ جينوم وقرد متطوّر- عابث يائس- جسد ذو نزوات وشهوات حقه الزنا والخنا – سوق استهلاكية، آلة ولاّدة – عامل من العوامل و رقم مضاف – مورد وظيفي – صدفة ملقاة في الحياة – لغز غنوصي لا يُحل – حيوان قوي مستريح في قرديته}.

ويقول في موضع آخر بعد تقليب حال الحضارة الغربية اليوم: (قمامات هذه الحضارة المبذّرة التكاثرية تنشُر في الأرض –خاصة في بلاد المستضعفين- وباء التلوّث، قماماتها الثقافية الفنونية المجونية العارية الراقصة المجنونة تغطي الكرة الأرضية ببثها التلفزيوني الذي يقتل في الإنسان إنسانيته: المخدرات، والجريمة، والعنف، وبرودة العلاقات الإنسانية، والأنانية الفاحشة، والزنا المباح، واللواط المشروع، وتفكّ الأسرة…واللائحة طويلة)[52].

هذا هو قاموس الأنسنة الحداثية بلغة منظّريها في فكر الأستاذ ياسين، لا هي حلّت مشكلته مع الذات بتعريفه حقيقته، ولا حلّت له مشكلته مع الكون وصراعه الأبدي الذي انتهى بتنميطه ورميه في المجهول كحلقة من الحلقات غير المنتهية، ولا هي شفت له سبب تعلّقه الفطري بالغيب وعطش الروح للمعنى، ولا هي كرّمته بإعطائه حقوقه ومكّنته من شرفه كسيّد للكون، …. والمحصّلة أن هذه الفلسفة انتهت كما قال الناقد الهولندي روزبرغ بفقدان فظيع للبراءة.

ثانيا: جذور مذهب الأنسنة في المنهاج النبوي

المنهاج النبوي في فكر الأستاذ ياسين كما ذكرنا سابقا يكمن في الرجوع الحصري والحقيقي إلى القرآن والسنة النبوية الشريفة بتفاريعها المختلفة (قولية وفعلية وتقريرية- سيرة نبوية-مغازي-عمل الصحابة وسيرهم) في سلوك طريق الدعوة والتغيير والتقويم والجهاد؛ حيث لا مكان لتقليد جنس بشر مهما كانت فحولته كما يقول لأن تأثير البيئة والعوامل السياسية كفيل بالتشكيك في نسبية اجتهاداتهم.

ومن مميّزات هذا المنهاج أنه رباني الغاية والوجهة، شامل لكل المناحي فهو عقيدة وسياسة واقتصاد و أخلاق و زحف، إنساني في مضامينه؛ فمدار التعاليم على مقاصد المكلّف كمقاصد الدين؛ ويشرح خصوصية المنهاج بقوله: (كلمة “منهجية” التي تترجم معنى أجنبيا تفيد تنظيم أفكار موجهة وطرائق عملية لاستنباط فكري أو تحليل علمي أو تطبيق في حياة الناس. ونفضل كلمة “منهاج” القرآنية النبوية لندل بها لا على وساطة المنهاج من حيث كونه جسرا علميا بين الحق في كتاب الله وسنة رسوله وبين حياة المسلمين فقط، بل لنربط به معاني التمسك الصارم بأمر الله في كتابه، ومعاني الاتباع لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في السلوك الفردي والجماعي، الخاص والعام، النفسي والخلقي واليومي، العبادي والاجتماعي، السياسي والاقتصادي، الرباني في كلمة واحدة. ولا يعني هذا أن نربي وننظم جماعة تنظر إلى ماضينا المجيد تحت راية محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه المهديين الراشدين وتقعد مع الأحلام، بل يعني تهييء جيل وأجيال من بعده صالحة لخلافة الله ورسوله في الأرض على نسق التربية والجهاد النبويين)[53].

وإذا جئنا نقيس الفكر الإنساني والأنسني بالمنهاج النبوي لأدركنا الرؤية الواضحة والشاملة والبعيدة التي ينظّر من خلالها الأستاذ ياسين؛ يقول في مقام آخر شارحا أبعاد المنهاج: (المسلمون بحاجة اليوم لاكتشاف المنهاج النبوي كي يسلكوا طريق الإيمان والجهاد إلى الغاية الإحسانية التي تعني مصيرهم الفردي عند الله في دار الآخرة ، وإلى الغاية الاستخلافية التي ندبوا إليها ووعدوا بها متى سلكوا على المنهاج واستكملوا الشروط. إنه طريق واحد يسمو به العبد إلى الوقوف، بل السجود، بين يدي ربه متذللا مطيعا باذلا ماله ونفسه في الله، وتسمو به الأمة من كبوتها، واستعباد الأعداء لها في الأرض، و ذلتها في نفسها، وتخلفها الحضاري والاقتصادي والعسكري، إلى حيث تنال شرف وراثة من خاطبه الله في هذه الآية من سورة المائدة بأن يحقق هيمنة القرآن على كل فكر، وأمر الله على كل أمر)[54].

إن الإضافة التي تجلّت في فكر الأستاذ هو العمق الفكري في مطارحاته؛ بما جعله امتدادا في هذا الجانب لرواد الإصلاح وأعمدة فكر النهضة في العالم الإسلامي أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم؛ فسدّ على الحركات الصحوية المعاصرة هذا الجانب لأن المقارنة عموما عند نقاد الفكر تتجه دائما للتقليل من عمق وأصالة الفكر الحركي المعاصر لحساب انشغالهم بإشكالية السلطة والتغيير السريع؛ وفي هذا يقول الباحث الدكتور عبد الإله بلقزيز من المتابعين لشؤون الحركات الإسلامية: (اجتمع الإصلاحيون والصحويون على الإسلام عقيدة، ومرجعا، وأداة عمل، ثم تفرّقت بهم السبل عند نقطة التعبير عن الإيديولوجيا الإسلامية في مشروع فكري ومجتمعي. حاول الإصلاحيون أن يشقوا الطريق إلى ذلك المشروع وإلى تحقيقه ماديا باعتمادهم قاعدة الممكن، فيما انغمس الصحويون في ورشة بناء ذلك المشروع باعتماد قاعدة الواجب. فكّر الأوّلون تفكيرا واقعيا، بينما استسلم الأخيرون لإغراء الطوبى. ولم يكن ذلك بسبب تردّد الإصلاحيين وإقدام -أو رباطة جأش- الصحويين، ذلك أن الأوّلين لم يكونوا يَقِلّون عن أخلافهم في درجة المبدئية و”الطهرانية” في وجدانهم الديني، وفي أفكارهم ومواقفهم، وإنما كانوا أكثر إصغاء إلى حقائق التاريخ،وأكثر تشبّعا بمبدأ الواقعية) [55].

ويبرّر الكثيرون هذا بتعويل الخطاب الإصلاحي على العقل والثورة الثقافية كسياج ضامن لممارسة الإصلاح والتغيير، وانفتاحه على الفكر الإنساني الحديث للانتهال من مكتسباته مما جعله أقرب ما يكون إلى الفكر الواقعي؛بمعنيين[56]:

-الأول: أنه اعتمد قاعدة التثقيف والتكوين وبناء الوعي بشكل سلمي إقناعي.

– الثاني: أنه تحلى بروح النسبية؛ فلم ينجرف وراء أوهام امتلاك الحقيقة المطلقة؛ بل بحث عنها في معارف الآخرين من غير المشاركين لنا في الملّة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى غطّى فكر الأستاذ عبد السلام ياسين عيوب ونقائص الفكر الإصلاحي والنهضوي الذي بقي في طور التنظير والاستشراف؛ بأن تبنى رؤية الحركات الدعوية والتربوية المعاصرة القائمة على رؤية شاملة ونمط تنظيمي متين ومنهاج تربوي وسياسي وثقافي مدروس خرّج إنسانا فعالا ومؤمنا بالدورة الحضارية الإسلامية؛ والتي تكون عمدتها خلافة كالخلافة الراشدة؛ أي باصطلاح أكثر وضوحا؛ الإيمان بدولة إسلامية واحدة؛ لا حدود ولا هويات تفرّق بين مواطنيها. كان هذا الاستدراك بمثابة الوثبة التي جعلت من فكر الأستاذ ياسين يتصدّر المشاريع الإسلامية المعاصرة؛ كمشروع المودودي، وحسن البنا ،والنورسي وغيرهم، مع الالتقاء معهم في مشتركات عديدة نقلته إلى الفكر العالمي. ولم يكن ذلك بالإمكان ؛إلاّ بالإيمان بالإنسان كأساس للتغيير المنشود؛ وفقا للمرجعية القرآنية والنبوية؛ والمجسّدة لدى الأستاذ ياسين في فكر  المنهاج؛ المنبني على الأسس الآتية:

  • الربانية:

وهي الأساس الذي يقوم عليه بناء الإنسان؛ ففي إطارها تتجلىّ مظاهر التكريم والتشريف والسيادة والتحرر من العبودية لغير الله ومن نزوات الشهوات الأرضية، كما يتجلى مظهر التسخير في علاقة الإنسان بالكون عبر منهاج حاكم لا يتعدى فيها الإنسان لأنه هو ذاته عبد لله، فلا يكون مركزا كما تدّعي الأنسنة المادية بل خليفة في إطار شهودي. يقول الأستاذ ياسين في هذا الشأن وعلاقته بالمنهاج: (“قل إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين” (الأنعام:162) في هذه الآية الكريمة يلقن اللّه عز وجل نبيه أول المؤمنين، ويلقننا بتلقينه، موقف الإنسان الحر الذي وعى الغاية وعرف المنهاج ووطد العزم على سلوكه بكل ما أوتيه. صلاته ونسكه توجه قلبي للّه عز وجل خالص. محياه وما في المحيا من مقومات مادية ومعنوية وعقلية وعلمية وعتادية هي من لوازم القوة، كله للّه رب العالمين. ومماته نُصْب عينيه، ولقاؤه ربّه عز وجل مطلبه، فهو مستعد ليتقدم إلى الموت بخطى الثبات، بخطى الذي يعلم إلى أين هو رائح، ومن أجل أية قضية هو رائح.هذا الموقف المنهاجي لم يكن فلسفة ولا كلاما يلقى لتردّده الألسن، بل كان عملا واعيا مؤثرا في التاريخ، شاملا كل نشاط المجتمع، موجها له)[57].

2– وضوح وشمولية التصور و الرؤية:

من خلال معرفة أي إنسان يريده، وما الهدف الذي يسعى لتحقيقه، وماهي غاياته، يقول في كتابه الأم في هذه النقطة: (علينا أن ننظر عاليا وبعيدا لنخطّط حركة الإسلام، ونقودها في ساحات الجهاد، يجب أن نصحح المنطلق لئلا نتشتت على سطح الأحداث. آن لأمتنا أن تطمح طموحا عالميا رغم قصورنا الحاضر وانهزامنا الحضاري المؤقت. وليس لنا ما يميزنا عن شعوب الأرض عندما تقارن المقومات والوسائل إلا أننا حملة رسالة الله إلى العالم، قرآننا زادنا وسلاحنا، والله عز وجل ولينا، ومحمد صلى الله عليه وسلم نموذجنا وإمامنا. فلكي نكون على مستوى المهمة التاريخية أمامنا وهي أن نسعى لإقامة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة يلزم أن نعطي للإنسان، لكل إنسان، النموذج الحي الناجح للفرد السعيد والأمة المهيبة. نحن المسلمين نرزح تحت ثقل تراث الفتنة وتراث التخلف الحضاري، فيخيل إلينا أن ملاحقة الجاهلية لإنجاز مثل ما أنجزت من صناعات مشروع كاف لو أضفنا إلى تلك الملاحقة أصالتنا وشريعتنا. لن نقدم بذلك للإنسان أية رسالة، فللناس جميعا أصالة ونصيب من التقدم الحضاري يشقى بهما الناس، يهربون من هذا إلى تلك سعيا وراء معنى للوجود والحياة.رسالتنا لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد. أن يكون ابتغاء رضاه، والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه، والنظر إلى وجهه الكريم، منطلق الإرادة، وحادي المصارعة وقبلة الرجاء. هذا معنى أن الإسلام دعوة إلى الله، دعوة إلى الاستسلام بين يديه، نحب لقاءه، ونطيع أمره، ونقبل حاكميته ، ونجاهد لإعلاء كلمته، ونطلب الاستشهاد في سبيله)[58].

3– الحرية والفاعلية:

من خلال السعي لبناء الفرد الحر المستقل المتوكل على الله وحده؛ لا تهزّه الشدائد ولا تخيفه النوائب، ثم تحويل هذا السعي إلى ممارسة في الحياة تتضمن محاربة العبودية و كل أشكالها؛ سواء تعلّق باستعباد الناس لبعضهم أم استعباد الدنيا للناس في سعيهم الحثيث نحو الملذات والشهوات دون ضابط أو وازع أخلاقي، أم تعلّق الأمر بعبودية الأفكار والمذاهب والأشخاص بالتقليد الأعمى إلى درجة الإمعة، أم الاستعباد السياسي… لذلك يستنهض الأستاذ الهمم و الإرادة المستقلة الفاعلة الحرة في أعماق كلّ فرد مسلم أن يبعد رداء الاستعباد: (يهبنا الوهاب بفضله همة عالية لننظر إلى الواقع من أعالي التاريخ لا من أسافله، لنفهم من مكاننا العالي، بين يدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يتلو علينا القرآن ويشفعه بالبيان، لم انحلت عرى الإسلام تباعا بانحلال العروة السلطانية ؟ لم سكت من سكت وقام من قام واختلف من اختلف؟ لم مرضت الأمة المرض المهلك لما جاءت عهود الأغيلمة يسقون الأمة الحِمام بالسيف، يقتلون فيها الشهامة والمروءة؟ لم طردت إرادة الأمة من التاريخ؟ لم اغتيلت الشورى وتاهت على الكون إرادة المستبد؟ لم غاب العدل وطغى المترفون ونشأت واستمرت واستفحلت في عصرنا تقاليد “ألف ليلة وليلة”؟ لم تفتت الدين حتى بلغنا إلى درك الإسلام الفردي، إسلام “المتدين” لا يرى الدين شيئا آخر غير ركيعات ينقرهن إن كان أو رحلة يتمتع بعدها بلقب “حاج”؟)[59].

ولعل ما يحسن التوقف عنده أخيرا هذه الكلمات اللطيفة  الهادفة و المعبّرة عن الفارق الجوهري بين إنسان الحداثة وإنسان القرآن، ودعوة في الوقت نفسه للتأمل في المصير: (لنكتشف حقيقة الوجود في سورة الروم. هذه السورة، وكسائر السور، تضع الإنسان على مسرح الحياة، حيث تتلاحق المشاهد حسب إيقاع أيام كل واحد منا ولياليه. كل واحد حر في أن يختار كيف يحقق خسرانه أو فلاحه. ينادي القرآن في مقدمة المشهد الممثل النموذج (أنا، أو أنت، كما هو الحال هنا، أو هو أو هي) موضحا له حريته في الاختيار بين دورين، مقترحا عليه إمكانية، مانحا إياه جزاء، ملخصا له حياته الشخصية: الحياة ثم الموت ثم وراء ستار الموت المرخي عالم آخر، حياة أخرى : الحياة الحقيقية) [60].

 

الخاتمة

يمكن في نهاية هذا العرض والتحليل والمقارنة؛ أن نرصد ونستجمع أهم النتائج والثمرات في الآتي:

  • تم التأكّد من أن مبحث الإنسان يُعتبر من أهم مباحث العقيدة الإسلامية للدّلالة التأسيسية والرمزية على ارتباط الإنسانيات في الإسلام بالرسالة و الوحي مستعليا عن الوضعية و الفكر المادي.
  • يعبّر مصطلح “الأنسنة” في الفكر الحداثي عن منظومة الفكر الأوربي المتناقض مع الفكر الكنسي؛ كالكثير من الأفكار الوضعية التي وجدت في جمود الكنيسة و استبدادها وعدم منطقيتها وعلميتها. لذا كان هذا الفكر ثورة شاملة على القديم بكل أشكاله كرد فعل تجاه الدين الممثل عندهم في الكنيسة.
  • تمظهرت الإنسانوية أو الأنسنة منذ تأسيسها في مذاهب متنوّعة؛ أحيانا واقعية وأخرى مثالية دون أن تخرج عن الإطار العام في أن الإنسان هو دائرة الكون، وهو مؤسس ما ينفعه قيمة وأخلاقا ونظام حياة.
  • تتّخذ الأنسنة أشكالا عدّة عند الحداثيين العرب، منها الدينية والأدبية والفلسفية والكونية، وينتصرون للأنسنة الكونية التي تتخطى الوحي، وتجعل من الإنسان مقياساً لكل شيء، تأثّرا بفلاسفة الأنسنة الحداثية في الغرب؛ وتجلّت شكّيتهم تجاه اللاهوت والأديان انطلاقا من ذاتية الإنسان ونزعته الفردية الطاغية.
  • هذه الأنسنة في نظر الحداثيين العرب أنتجت قيما ذات مفاهيم جديدة؛ من أبرزها الحرية، والخصوصية، والجمال، والإبداع.
  • يقلب النموذج الإسلامي في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين وفقا للرؤية القرآنية سلّم قيم المفاهيم الإنسية المادية؛ ليعطي الأولوية للقيم الخلقية و الروحية بدل القيم المادية المتمثلة في الثراء والجاه، ليؤسس لنزعة إنسية محكومة بمركزية المقاصد القرآنية.
  • مفهوم الأنسنة عند الأستاذ ياسين هي منظومة القيم والفضائل التي كُرّم بها الإنسان و مُيّز بها عن باقي المخلوقات، طِبقا لمبدأ التسخير و الاستخلاف؛ ومبدأ الحرية و الالتزام الأخلاقي وليس الوجودي، محكومة بعقيدة ومرجعية عليا تسمو فوق الحس والمادة؛ وتستقصد الفلاح في الآن والمآل.
  • إن الإنسان المؤسّس للمفهوم الحقيقي للأنسنة عند الأستاذ ياسين، هو الحامل لرسالة، الموقن بأنه خليفة في الأرض؛ لم يوجد ليكون هملا ورقما طبيعيا؛ أو كما يصطلح عليه هو في منحوتاته الدلالية النادرة: “الإنسان الدوابي”. ولذلك يناقض الأستاذ ياسين كتصور عقدي مفهوم الأنسنة الحداثي، ويعتبر أن القيم المولّدة من ذاك المفهوم هي قيم مقلوبة تلاعب أصحابها بالألفاظ والمصطلحات ليصطادوا في مسيرتهم اللادينية السذّجَ من الناس الذين تستهويهم عبارات: الحرية والإنتاجية والقدرات الخلاّقة والخارقة والخصوصية …وغيرها، ليؤسّس لمفهوم قرآني للأنسنة عماده ومنطلقه مبدأ التكليف والاستخلاف.
  • إن الاتفاق العام حاصل للأستاذ ياسين مع جلّ المفكرين المسلمين على حاكمية مرجعية القرآن في مفهوم الأنسنة، هذه المرجعية التي أعلت من الإنسان الرباني غير الخاضع لسلطة الأهواء و الشهوات والماديات.
  • فكرة الالتزام الأخلاقي هي التي تخرج لنا إنسانا جديدا؛ إنسانا ربانيا، يستشعر قيمة وجوده ولا يكون كالهوام أو كالدواب الذين لا يدرون ولا يعقلون شيئا.
  • إن بحث الاستاذ ياسين للإنسان في سياق الوجود يعيدنا إلى قضية غاية في الأهمية فلسفيا؛ وهي الموازنة التي حدثت تاريخيا في القاموس العربي بين الكون والوجود.
  • حاول الأستاذ في تفكيكه لبنية الحداثة بجميع مكوّناتها وسياقاتها في نموذج الإنسان البرهنة الحسية والوجدانية والواقعية عن إفلاسها وسقوطها، في مقابل إعطاء البديل الأنسني الصحيح الذي يسير وفقا للمرجعية القرآنية والسنة النبوية كمنهاج شامل حي ينبض بالحياة ؛كرّس له الأستاذ جل حياته وهمه وفكره.
  • قياس فكر الأستاذ ياسين الإنساني والأنسني بالمنهاج النبوي يظهر الرؤية الواضحة والشاملة والبعيدة التي ينظّر من خلالها الأستاذ؛ فالمسلمون بحاجة اليوم لاكتشاف المنهاج النبوي كي يسلكوا طريق الإيمان والجهاد إلى الغاية الإحسانية التي تعني مصيرهم الفردي عند الله في الدار الآخرة، وإلى الغاية الاستخلافية التي ندبوا إليها ووعدوا بها متى سلكوا على المنهاج واستكملوا الشروط. فتسمو به الأمة من كبوتها، واستعباد الأعداء لها في الأرض، وذلتها في نفسها، وتخلفها الحضاري والاقتصادي والعسكري.

 

 

 

قائمة  المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم بن أبي النجود.
  1. أركون؛ محمد، نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 2006.
  2. إيزوتسو؛ توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم، ترجمة هلال محمد الجهاد، المنظمة العربية للترجمة- مركز دراسات الوحد العربية، بيروت ، ط1، 2007.
  3. برينتون؛كرين، تشكيل العقل الحديث، ترجمة شوقي جلال، المجلس الأعلى للثقافة- مكتبة الأسرة، القاهرة، ط1، 2002.
  4. بلقزيز؛ عبد الإله، الإصلاحية الإسلامية والصحوة الإسلامية، مجلة منبر الحوار، بيروت، عدد 39.
  5. بن عاشور؛ الطاهر، التحرير والتنوير، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، دون تاريخ، ج12.
  6. حسن؛ يحيى هاشم، الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة، دار المعارف، القاهرة، دون تاريخ.
  7. الرازي؛ فخر الدين، التفسير الكبير، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2004.
  8. السحمراني؛ أسعد، التصوف: منشؤه ومصطلحاته، دار النفائس، بيروت، ط1، 1987.
  9. السيّد؛ رضوان، المدنية والحضارة في أفكار الإسلاميين المحدثين والمعاصرين، مجلة التسامح، عدد 26، 2009.
  10. شاه؛ إدريس، الصوفيون، ترجمة بيومي قنديل، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2005.
  11. الشيخ،محمد، المثقف والسلطة، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1991.
  12. العقاد؛ عباس محمود، الإنسان في القرآن، دار الإسلام- دار العلوم، القاهرة، 1973.
  13. العلام، عز الدين، الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، عالم المعرفة، الكويت، عدد 324، 2006.
  14. غربال؛ محمد شفيق، الموسوعة الميسرة، بيروت، ط 2، 1399 هـ .
  15. فال؛جان، الفلسفة الفرنسية من ديكارت إلى سارتر، ترجمة فؤاد كامل، دار الثقافة للنشر والتوزيع ،القاهرة، دون تاريخ.
  16. فنك، أويغن، فلسفة نيتشه، ترجمة إلياس بديوي، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق،1974.
  17. الفيروز آبادي، القاموس المحيط، طبعة مؤسسة الرسالة.
  18. قنصوّه؛ صلاح، الفن الغربي المعاصر: الحداثية وما بعد الحداثية، مجلة التسامح، مسقط، عدد 26، ربيع 2009، السنة السابعة.
  19. لوفيفر؛ هنري، ما الحداثة، ترجمة كاظم جهاد، دار ابن رشد للطباعة والنشر، ط1، 1983.

محمود؛ زكي نجيب، قصة الفلسفة الحديثة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1300هـ، 1936.

  1. المسيري؛ عبد الوهاب، العلمانية تحت المجهر، بالاشتراك مع عزيز العظمة، سلسلة حوارات لقرن جديد، دار الفكر، دمشق، ط1، 2000،.
  2. موران، أدغار، النهج: إنسانية البشرية، الهوية البشرية، ترجمة هناء صبحي، مشروع كلمة، أبو ظبي للثقافة والتراث، ط1، 2009.
  3. الندوي؛ محمد ثناء الله، الاتجاهات الوجودية في الشعر العربي الحديث، مطبعة جامعة عليكرة الإسلامية، الهند، ط1، 2007.
  4. هارفي؛ دافيد، حالة مابعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي، ترجمة محمد شيا، المنظمة العربية للترجمة والنشر، بيروت، ط1، 2005 .
  5. الهجويري، كشف المحجوب، دراسة إسعاد عبد الهادي قنديل، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1975.
  6.  هوك؛ سدني، التراث الغامض: ماركس والماركسيون، ترجمة سيد كامل زهران، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1986.
  7. ياسين؛عبد السلام، الإسلام والحداثة، مطبوعات الهلال/وجدة. ط1/
  8. ياسين؛ عبد السلام ، الإسلام و القومية العلمانية، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، مصر، ط2، 1415هـ، 1995م.
  9. ياسين؛ عبد السلام، الإحسان، مطبوعات الأفق/ الدار البيضاء. ط1/
  10. ياسين،عبد السلام، رسالة إلى كل طالب وطالبة؛ إلى كل مسلم ومسلمة، دار البشير للثقافة والعلوم، مصر، ط1، 1416هـ، 1996م.
  11. ياسين؛ عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1/
  12. ياسين؛ عبد السلام، سنة الله، مطبعة النجاح الجديدة/ الدار البيضاء. ط1/ 2005
  13. ياسين؛ عبد السلام، شذرات: ديوان شعر، ط1/1992
  14. ياسين؛ عبد السلام، القرآن والنبوة، دار لبنان للطباعة والنشر. ط1/2010
  15. ياسين؛ عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، مصر، ط2، 1415هـ، 1995م.
  16. ياسين؛ عبد السلام ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا. ط2 / 1989
  17. ياسين؛ عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، مصر، ط2، 1415هـ، 1995م.

 

1 ياسين؛ عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص147.

1 يستعمل الأستاذ ياسين مصطلح الدوابية والدوابي انطلاقا من التعـبير القـرآني الوارد مرتين في سورة واحدة: “إن شرّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون”(الأنفال:22) و”إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون”(الأنفال:55). ينظر: ياسين؛ عبد السلام، المرجع نفسه،ص148.

2 ينظر: هارفي؛ دافيد، حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي، ترجمة محمد شيا، المنظمة العربية للترجمة والنشر،بيروت،ط1 ،2005 ، ص45.

1 ينظر: محمود؛ زكي نجيب، قصة الفلسفة الحديثة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1300هـ، 1936م، ص37-40. وغربال؛ محمد شفيق، الموسوعة الميسرة، بيروت، ط2، 1399 هـ، ص837. والمسيري؛ عبد الوهاب، العلمانية تحت المجهر، بالاشتراك مع عزيز العظمة، سلسلة حوارات لقرن جديد ، دار الفكر ، دمشق، ط1، 2000، ص71-72 .

2 مقولة شهيرة للفيلسوف اليوناني (براتاغورس)، وقد نقلها ابن سينا في كتابه النجاة.

3 ينظر: فال؛جان ، الفلسفة الفرنسية من ديكارت إلى سارتر، ترجمة فؤاد كامل، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، القاهرة، دون تاريخ، ص170-174.

[7] ينظر: الندوي؛ محمد ثناء الله، الاتجاهات الوجودية في الشعر العربي الحديث، مطبعة جامعة عليكرة الإسلامية، الهند، ط1، 2007، ص27.

[8] ينظر: برينتون؛ كرين، تشكيل العقل الحديث، ترجمة شوقي جلال، المجلس الأعلى للثقافة-مكتبة الأسرة،القاهرة، ط1، 2002، ص10-11.

[9] المرجع نفسه، ص52.

[10] ينظر: أركون؛ محمد، نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 2006، ص256.

[11]  ينظر: فنك، أويغن، فلسفة نيتشه، ترجمة إلياس بديوي، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1974، ص217.

[12] ينظر: هارفي؛ دافيد، حالة ما بعد الحداثة، مرجع سابق،227-235.

[13] أخرجه مالك في الموطأ بلاغاً . وقال ابن عبد البر : متصل الإسناد من طرق صحاح عن أبى هريرة  رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلّم.

[14] ياسين؛ عبد السلام، القرآن والنبوة، ص38.

1 ياسين؛عبد السلام ، محنة العقل المسلم ،ص71.

2 ياسين؛عبد السلام ، سنة الله، ص41.

1 ينظر: ابن عاشور، الطاهر، التحرير والتنوير ،دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، دون تاريخ، ج12، تفسير الآية 105 من سورة التوبة. ومما جاء في تفسيره لهذه الآية: (ولذلك كان حذف مفعول ( اعملوا ) لأجل التعويل على القرينة ، ولأن الأمر من الله لا يكون بعمل غير صالح. والمراد بالعمل ما يشمل العمل النفساني من الاعتقاد والنية . وإطلاق العمل على ما يشمل ذلك تغليب).

[18] الرازي؛ فخر الدين، التفسير الكبير، دار الكتب العلمية،بيروت،لبنان، 2004، تفسير الآية 105 من سورة التوبة.

[19] ياسين، عبد السلام، رسالة إلى كل طالب وطالبة؛ إلى كل مسلم ومسلمة، دار البشير للثقافة والعلوم، مصر، ط1، 1416هـ، 1996م، ص08.

1 ينظر: ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص20.

2 ينظر: إدريس شاه، الصوفيون، ترجمة بيومي قنديل، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2005، ص19.

[22] أسعد السحمراني، التصوف: منشؤه ومصطلحاته، دار النفائس، بيروت، ط1 ،1987، ص49-50.

[23] الهجويري،كشف المحجوب، دراسة إسعاد عبد الهادي قنديل، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1975 ، 2/618.

[24]  المصدر نفسه،1/373.

[25] ياسين؛ عبد السلام، شذرات: ديوان شعر ص4.

[26] ياسين؛ عبد السلام، الإحسان. 2/441.

[27] ياسين؛ عبد السلام، القرآن والنبوة، ص22.

[28] ياسين؛ عبد السلام، الإسلام والحداثة، مرجع سابق، ص32.

[29] المرجع نفسه، ص150.

[30] ترجم الأستاذ اسم جارودي؛ المفكر الفرنسي الشهير: ( Roger Garaudy) الذي اعتنق الإسلام، بعد أن كان ماركسيا؛ إلى العربية باسم “جارودي”، هكذا ورد في كتابه: “الإسلام والقومية العلمانية” الذي سيأتي ذكره  بعد حين في الإحالة.

[31] يقصد كتاب جارودي: “ماركسية القرن العشرين” المترجم إلى العربية والمطبوع في دار الآداب، ببيروت.

[32] ياسين؛ عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، مصر، ط2، 1415هـ، 1995م، ص103.

[33] ياسين؛ عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، مصر، ط2، 1415هـ، 1995م، ص09.

1 العلام؛ عز الدين، الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، عالم المعرفة، الكويت، عدد 324، 2006،ص102.

   [35] ياسين؛ عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ص10.

   [36] ينظر: الندوي، ثناء الله ،الاتجاهات الوجودية في لشعر العربي المعاصر، مرجع سابق، صiv من مقدمة الكتاب.

[37] ياسين؛ عبد السلام، رسالة إلى كل طالب وطالبة ،م س، ص27.

[38] إشارة إلى الأحداث المأساوية التي شهدتهما الجزائر ورواندا في سنوات التسعينيات من القرن الماضي.

[39] ياسين؛ عبد السلام، الإسلام والحداثة، م س، ص09.

[40] ياسين؛ عبد السلام، رسالة إلى كل طالب وطالبة،ص10.

[41] ينظر: إيزوتسو؛ توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم، ترجمة هلال محمد الجهاد، المنظمة العربية للترجمة- مركز دراسات الوحد العربية، بيروت، ط1، 2007، ص122.

[42] ينظر: المرجع نفسه، ص120.

[43] ياسين؛ عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص33.

[44] المرجع نفسه.

[45] هارفي ؛ دافيد ، حالة ما بعد الحداثة، م س، ص21.

[46] ياسين؛ عبد السلام، إمامة الأمة. ص99 ـ 100.

2 ياسين؛ عبد السلام، الإسلام والحداثة، مرجع سابق، ص34.

3 ينظر: هوك؛ سدني، التراث الغامض: ماركس والماركسيون، ترجمة سيد كامل زهران، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1986، ص28.

[49] حسن؛ يحيى هاشم، الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة، دار المعارف، القاهرة، دون تاريخ، ص37.

1 الجولاج: جولاج أو معتقل سيبريا؛ هو الاسم الذي كان يطلق على معسكرات الاعتقال السوفييتية. يرجع تاريخه إلى عام 1918، أي بعد عام واحد من قيام الثورة البلشفية التي فجّرها لينين، ولكنه صار من معالم عصر ستالين الدموي. كان الجولاج في عهده عبارة عن معسكرات للعمل الإلزامي والسخرة، تعرّض المقيمون بها لكل أشكال القمع والتنكيل. كان معقلا لانتهاك كل حقوق الإنسان ويقال أن ضحايا الجولاج السوفيييتي في عهد ستالين منذ عام 1929 إلى 1953، حوالي 18 مليون سوفييتى، سقط منهم قرابة خمسة ملايين شخص.

[51] ياسين؛ عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى ص110-111.

[52] المرجع نفسه، ص127.

1 ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا، ص11.

2 المرجع نفسه، ص10.

[55] عبد الإله بلقزيز، الإصلاحية الإسلامية والصحوة الإسلامية، مجلة منبر الحوار، بيروت، عدد 39، ص35.

[56] رضوان السيّد، المدنية والحضارة في أفكار الإسلاميين المحدثين والمعاصرين، مجلة التسامح، عدد 26، 2009، ص165.

[57] ياسين؛ عبد السلام، الإسلام و القومية العلمانية، م س، ص87.

[58] ياسين؛ عبد السلام، المنهاج النبوي، م س، ص14.

[59] ياسين؛ عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، م س، ص43 ـ 44.

[60] ياسين؛ عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص33- 34.