القرآن والعقل في نظرية المنهاج النبوي

0 479

القرآن والعقل في نظرية المنهاج النبوي

الدكتور أحمد بوعود أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي-المغرب

ahmedbouaoud@yahoo.fr

مقدمة

في وقت مبكر من تاريخ الفكر الإسلامي نوقشت مسألة تعارض الوحي والعقل والعلاقة بينهما؛ حيث حاول علماء العقيدة والكلام الإجابة عن الإشكال: أيهما أسبق: النقل أم العقل؟ وقد حفلت كتب التراث الكلامي بإجابات لم تستطع الحسم في هذا الإشكال.

واليوم، ابتُعثت القضية من جديد، في زمن وُسم بالعقلانية ورُفع لواؤها؛ إذ لا أحد يتكلم إلا باسم العقل، ولا حكم يُقبَل إلا ما كان نابعا من العقل. إنه زمن سيادة العقل. وإن كثيرا من المفكرين المسلمين يستنكفون الحديث عن القرآن والوحي إلا فيما ندر، خوفا من أن يرموا بالتخلف وعدم العقلانية، كما يجتهدون في الظهور بمظهر المسلم العقلاني الذي يعطي وزنا للعقل، ويخجلون من ذكر الغيبيات ويؤولون كل ما لا يتوافق مع العقل، يضاهي في ذلك الماديين والعقلانيين من المفكرين. كما ذهب كثيرون أيضا إلى التأصيل لاعتناء الإسلام بالعقل من القرآن الكريم، وذلك بمنطق الدفاع وإثبات أن الإسلام/ القرآن أعطى قيمة للعقل.

أما الأستاذ عبد السلام ياسين فله نظرة خاصة إلى الموضوع، وذلك انطلاقا من تعريف القرآن والعقل؛ فالقرآن عنده يعرف نفسه بنفسه بكونه برهانا، وفرقانا، وإحسانا. وهذه الصفات هي التي تحدد مكانة العقل في القرآن وتفتح سبيل التعامل معه وحدودَه. كما أن العقل عنده نوعان: عقل مشترك بين جميع البشر، أيا كان دينهم ومذهبهم، وعقل مستنير بنور الوحي والقرآن.

فكيف يعرف الأستاذ ياسين القرآن والعقل؟ وما دلالات تعريفه لكل منهما؟ وكيف ينظر القرآنُ إلى العقل؟ وما العلاقة التي ينبغي أن تسود بينهما في نظره؟ علاقة إقصاء أم احتواء؟ وما الجديد الذي أتى به الأستاذ ياسين في الموضوع؟

هذا ما سيحاول البحث الإجابة عنه عبر منهج وصفي تحليلي من خلال ما يلي:

مقدمة: تبين أهمية الموضوع وقيمته والجديد فيه والمنهج المتبع في إنجازه.

1- القرآن والعقل: تعريف وتوصيف، حيث سيعرض الباحث أهم تعريفات كل من القرآن والعقل، ثم بعدها تعريف الأستاذ عبد السلام ياسين لكل منهما.

2- القرآن وزمان العقلانية: حيث يعرض الباحث هنا أصول العقلانية ويبين كيف ظهرت في بلاد الغرب، ثم يعرض موقف الفكر الإسلامي المعاصر منها، ويختم بموقف الأستاذ ياسين.

3- العقل والقرآن: أية علاقة؟ وهنا يبين وظيفة العقل ومكانته في القرآن حسب الأستاذ ياسين، وكيف يتم التعامل مع العقل والعقلانية.

خاتمة: تتضمن أهم النتائج المتوصل إليها والتوصيات التي ظهرت للباحث بعد البحث.

أما المنهج المتبع في هذا البحث فهو منهج يقوم على الوصف والتحليل. حيث يصف الباحث القضايا كما هي سواء عند الأستاذ ياسين أو غيره، ثم يحللها ويفسرها ويبحث عن العلاقات الموجودة بينها.

والله المستعان.

 

المبحث الأول:

القرآن والعقل.. تعريف وتوصيف

يهدف هذا المبحث إلى التعريف بالقرآن والعقل، وبيان الجديد الذي أتى به الأستاذ عبد السلام ياسين في توصيفه لكل منهما متجاوزا ما هو معروف في الفكر الإسلامي.

1- تعريف القرآن

عُرّف القرآن الكريم بتعريفات عدة، تشترك في أمور وتختلف في أخرى. فهذا الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يعرفه بأنه “ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا”[1]. لكن الملاحظ على هذا التعريف أنه لايحدد مصدره وعلى من نزل، لذا هناك من يعرفه كالتالي: هو الكلام المنزَّل على الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلاً متواترًا”[2] والملاحظ على هذا التعريف أنه يحدد نزوله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

إن هذين التعريفين، وغيرهما كثير، اعتنيا بالشكل أكثر مما اعتنيا بالجوهر، فحدثانا عن كونه جمع بين دفتي المصحف، وأنه نقل نقلا متواترا، واكتفيا بالإشارة إلى أنه يتعبد بتلاوته. وهذا ما جعل الفكر الإسلامي المعاصر يعدل عن التعريفات المدرسية السابقة، رغم قيمتها، لتجعله معرفا بكونه “اللفظ العربي المنـزَّل للتدبُّر والتذكُّر المتواتر”[3]. وهنا بدأنا نكتشف بعض وظائف القرآن الكريم، وهي التدبر والتذكر، فضلا عن العبادة.

لكن، ورغم هذه الجهود، فإن العلماء لم يلتفتوا إلى تعريف القرآن نفسه بنفسه. وكان الأستاذ عبد السلام ياسين أول[4] من اعتنى بتعريف القرآن لنفسه بنفسه، فاستخرج ثلاث صفات للقرآن:

الصفة الأولى: إنه فرقان

ويعني هذا أن الفيصل بين إيمان الناس وكفرهم هو موقفهم من القرآن، وبه يفرق بين الحق والباطل، ومن لا يدخل تحت راية القرآن فهو تابع للباطل، وليس للحق. وإن كون القرآن فرقانا يعني “أن يسود سيادة مطلقة”[5]. وقد استنتج هذا من قوله تعالى: “تَبَارَ‌كَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْ‌قَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرً‌ا” الفرقان:1.

وهذا التوصيف نجد له سندا في آراء المفسرين، القدامى منهم والمحدثين، كما عند ابن كثير رحمه الله، وهو من القدامى، حيث يقول موضحا معنى الفرقان أنه “يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام”[6]. وعند ابن عاشور رحمه الله أيضا، وهو من المحدثين، حيث يقول موضحا معنى الفرقان: “القرآن، وهو في الأصل مصدر فرق، كما في قوله: “وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْ‌قَانِ” الأنفال:41، وقوله: “يَجْعَل لَّكُمْ فُرْ‌قَانًا” الأنفال:29. وجعل علما بالغلبة على القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل لما بين من دلائل الحق ودحض الباطل… وإيثار اسم الفرقان بالذكر هنا للإيماء إلى أن ما سيذكر من الدلائل على الوحدانية وإنزال القرآن دلائل قيمة تفرق بين الحق والباطل”[7].

الصفة الثانية: إنه برهان

ومعنى كون القرآن برهانا “أن نحكم بكلام الله الأزلي على عقل البشر المخلوق العبد الخاضع لتطورات الزمان والمكان. معناه أن يجلس العقل مجلس التلميذ يستهدي الوحي ويستنير به. ومعنى كون القرآن برهانا، ومعنى كونه نورا مبينا، أن كلام الله هو المرجع، به يبرهن على الهدى والضلالة، على الصلاح والفساد، على إصابة العقل وخطئه، على سلامة الفهم وعلته”[8].

إن وصف القرآن بالبرهان تدل عليه الآية الكريمة: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْ‌هَانٌ مِّن رَّ‌بِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورً‌ا مُّبِينًا” النساء:174.

إن هذا المعنى الذي ذهب إليه الأستاذ عبد السلام ياسين هو نفسه الذي نجده عند المفسرين مثل الطبري الذي يبين أن المقصود بالآية هو “يا أيها الناس من جميع أصناف الملل، يهودها ونصاراها ومشركيها، الذين قص الله جل ثناؤه قصصهم في هذه السورة “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْ‌هَانٌ مِّن رَّ‌بِّكُمْ“، يقول: قد جاءتكم حجة من الله تبرهن لكم بطول ما أنتم عليه مقيمون من أديانكم ومللكم ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي جعله الله عليكم حجة قطع بها عذركم ، وأبلغ إليكم في المعذرة بإرساله إليكم، مع تعريفه إياكم صحة نبوته، وتحقيق رسالته “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورً‌ا مُّبِينًا“، يقول: وأنزلنا إليكم معه “نورا مبينا”، يعني: يبين لكم المحجة الواضحة، والسبل الهادية إلى ما فيه لكم النجاة من عذاب الله وأليم عقابه، إن سلكتموها واستنرتم بضوئه”[9].

وينتقد الأستاذ عبد السلام دعوة الحداثيين إلى قراءة جديدة للقرآن الكريم بمناهج بشرية حديثة. وهؤلاء في نظره إنما ينزلون بالقرآن من مستوى ربانيته وقداسته إلى مستوى التفكير البشري. والرد على هؤلاء إنما يكون بالقرآن نفسه، لأنه هو البرهان على الخطأ والضلال.

الصفة الثالثة: إنه إحسان

يعتبر حديث جبريل عليه السلام عن الإحسان “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”[10] حديثا محوريا في نظرية المنهاج النبوي. ويعني الإحسان مصير الإنسان في علاقته مع الله عز وجل، وهو أعلى مراتب الإيمان، كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث. وهذه المراتب تدلنا على مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، تعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس، وحتى بالأشياء…

ويعني كون القرآن إحسانا “الاهتداء بالقرآن والاسترحام به والاستدلال بآياته الحكيمة وآيات الله في الكون لا يحق لنا منه نصيب إلا بمقدار ما معنا من إحسان. أي من تعلق بالله جل جلاله واستماع لكلامه مستحضرين من يخاطبنا وما يريد منا وما يريد بنا وإلى أي مصير يصيرنا. وبهذا يكون محور حياتنا هذا الموقف الإحساني، وتكون قبلتَنا الله جلت عظمته…”[11] وهذا ما يستنتج من قوله سبحانه: “تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَ‌حْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ” لقمان:2-3.

قال الإمام القرطبي رحمه الله موافقا هذا المعنى: “والمحسن الذي يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه. وقيل: هم المحسنون في الدين وهو الإسلام؛ قال الله تعالى: “وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّـهِ” الآية”[12].

إن هذه الصفات التي استنتجها الأستاذ عبد السلام ياسين للقرآن الكريم سيكون لها أثر كبير في بيان موقع العقل في القرآن الكريم وفي توضيح العلاقة بينهما. وهذا ماسيبينه البحث لاحقا.

2- تعريف العقل

يعتبر العقل حديث الناس اليوم، كما هي العقلانية أيضا. وقد تجاذب الموضوع عدة أطياف من المفكرين الإسلاميين قديما وحديثا. وسنبدأ هذه الفقرة بخلاصة لما جاء في الموضوع.

وردت مادة “عقل” في القرآن في صيغة فعل (يعقلون، تعقلون، يعقلها، نعقل، عقلوه…) 49 مرة منها: 34 مرة في القرآن المكي، و15 مرة القرآن المدني. وهذا الورود في صيغة فعل له دلالته التي لا ينبغي تجاوزها.

إن العقل في المعجم العربي مشتق من الفعل الثلاثي عقل، و”العين والقاف واللام أصلٌ واحد منقاس مطرد، يدلُّ عُظْمُه على حُبْسة في الشَّيء أو ما يقارب الحُبْسة. من ذلك العَقْل، وهو الحابس عن ذَميم القَول والفِعل”[13].

وفي لسان العرب، العقل: الحِجْرُ والنُّهَى، ضدُّ الحُمْقِ. رجلٌ عاقلٌ وهو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عَقَلْت البعيرَ إذا جمعت قوائمه. والعقلُ: التثبُّت في الأمور. والعقل: القلبُ، والقلبُ العقلُ، وسُمِّيَ العقلُ عقلاً لأنه يَعقِلُ صاحبَهُ من التورط في المهالك، أيْ يحبسه. وقيل: العقل هو التمييز الذي يميز الإنسان من سائر الحيوان. ويقال: لفلان قلبٌ عقولٌ، ولسان سئول. وقلبٌ عقول: فَهِمٌ؛ وعَقَلَ الشيءَ يَعقِلُهُ عَقلاً: فهِمَهُ[14].

وتجدر الإشارة إلى أن أول ما وصلنا مجموعا في كتاب عن العقل في الفكر الإسلامي هو كتاب العقل وفهم القرآن[15] لأبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي (ت 243 هـ).

يرى المحاسبي أن العقل “غريزة يولد العبد بها، ثم يزيد فيه معنى بعد معنى بالمعرفة بالأسباب الدالة على المعقول”[16]. ويعتقد أن كمال العقل إنما يحصل حين يجتمع للإنسان ثلاث خصال هي “الخوف من الله، وقوة اليقين به وبما قال وبما وعد وتوعد، وحسن البصر بدين الله والفقه في الدين… لأنه قد يكون قوي اليقين وليس يُحسن البصر بالدين، ويكون بصيرا بالدين لا خائفا ولا قوي اليقين”[17].

وعرفه ابن سينا بأنه “الشيء في الإنسان الذي تصدر عنه الأفعال، ويسمى نفسا ناطقة؛ وله قوتان:

– إحداهما معدة نحو العمل، ووجهها إلى البدن، وبها يميز بين ما ينبغي أن يفعل وما لا ينبغي أن يفعل، ويحسن ويقبح من الأمور الجزئية، ويقال له العقل العملي، ويستكمل في الناس بالتجارب والعادات.

– والثانية قوة معدة نحو النظر والعقل الخاص بالنفس، ووجهها إلى فوق، وبها ينال الفيض الإلهي”[18].

أما ابن حزم فقد جعل العقل “القوة التي تعين النفس المميزة على نصر العدل، وعلى إيثار ما دلت عليه صحة الفهم”[19]. ويرى أن المراد بالقلب في قوله تعالى: “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” ق:37 هو “العقل؛ وأما المضغة المسماة قلبا فهي لكل أحد متذكر أو غير متذكر. ولكن لما لم ينتفع غير العاقل بقلبه صار كمن لا قلب له. قال تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا” الحج:46. وقال بعض السلف الصالح: “ترى الرجل لبيبا داهيا فطنا ولا عقل له. فالعاقل من أطاع الله عز وجل””[20].

إن ابن حزم هنا يربط العقل بحسن السلوك مع الله عز وجل وباتباع طريق الهدى والرشاد. ومنه أيضا قوله تعالى: “وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” النحل:78.

هذه الآية وردت في سياق ذكر الدلائل على انفراد الله بالتصرف، وعد نعم سبحانه وتعالى على الناس. وكل هذا من أجل الإيمان به والتسليم له. وإذا علمنا أن الآية مكية فإن الخطاب هنا يكون موجها إلى الناس عموما وبإطلاق، وتخصيصا أهل مكة الذين لم يكونوا قد آمنوا بعد.

والمقصود بالآية أنه عز وجل “أوجد فيكم إدراك السمع والبصر والعقل، أي كونها في الناس حتى بلغت مبلغ كمالها الذي ينتهي بها إلى علم أشياء كثيرة، كما دلت عليه مقابلته بقوله تعالى لا تعلمون شيئا، أي فعلمتم أشياء”[21]. وقد ذكرت حاستا السمع والبصر لأنهما ينقلان إلى الفؤاد مدركاته، وهو مقرها. وقد ذهبت التفاسير إلى أن المراد بالفؤاد العقل. وقد ورد معنى العقل في القرآن الكريم بلفظ “اللب” و”القلب”.

وفي السياق نفسه يميز طه عبد الرحمن بين مستويات ثلاثة للعقل:

– العقل المجرد: وهو “عبارة عن الفعل الذي يطلع به صاحبه على وجه من وجوه شيء ما؛ معتقدا في صدق هذا الفعل، ومستندا في هذا التصديق إلى دليل معين”[22]. ويحيلنا إلى التراث الإسلامي حيث هذا المصطلح متداول.

ويوضح أن العقل المجرد لا تظهر حدوده في الممارسة العقلانية الإسلامية العربية بقدر ما تظهر في الشعبة الإلهية من شعب المعرفة التي اشتغلت بها هذه الممارسة[23].

– العقل المسدد: وهو “عبارة عن الفعل الذي يبتغي به صاحبه جلب منفعة أو دفع مضرة، متوسلا في ذلك بإقامة الأعمال التي فرضها الشرع”[24].

وإذا كان العقل المجرد قد عرف بمحدوديته، فإن العقل المسدد عرف بآفاته التي “لا تظهر في الممارسة العقلانية بقدر ما تظهر في الممارسة الفقهية والسلفية منها”[25].

– العقل المؤيد: وهو “عبارة عن الفعل الذي يطلب به صاحبه معرفة أعيان الأشياء بطريق النزول في مراتب الاشتغال الشرعي، مؤديا لنوافل، زيادة على إقامة الفرائض على الوجه الأكمل”[26]. من هنا عرف العقل المؤيد بكمالاته. وصفة الكمال هذه لا تظهر في الممارسة العقلانية بقدر ما تظهر في الممارسة الصوفية.

أما الأستاذ عبد السلام ياسين فسيكون أكثر دقة وتوضيحا عندما يقسم العقل نوعين ويقول: “إن العقل عقلان. ما نسميه عقلا لغة وتعريفا للملكة المشتركة بين البشر ليس هو مسمى العقل في القرآن. العقل في القرآن فعل حاسة باطنة في الإنسان تسمى القلب. العقل تلق لحقائق الوحي بواسطة القلب. والفقه في القرآن علم ينشأ في باطن الإنسان في قلبه. والتفكر حركة قلبية تتدبر الكون استدلالا على الله”[27].

– عقل مشترك بين جميع البشر، أيا كانت عقيدته وشريعته وهويته؛ فهو الآلة المشتركة.

– عقل عناه القرآن الكريم في كثير من آياته؛ فهو المستنير بالوحي والإيمان.

قد يبدو هذا التفريق لدى كثيرين دون فائدة، لكن ما دمنا نتكلم داخل الفكر الإسلامي فالتفريق له أهميته كما سيظهر لاحقا، إذ ترتبط نتيجة إعمال العقل بنوع العقل؛ فإذا ما اكتفى الإنسان بالعقل “الآلة المشتركة” فقط، فإنه لن يستمع إلى الوحي. وهذا ما تقصد إليه الآية الكريمة: “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنس، لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّايَسْمَعُونَ بِهَا أُولَـٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أُولَـٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” الأعراف:179.

وفي مقارنة فريدة يبين الأستاذ ياسين منابع استمداد العقلين:

– يأخذ العقل الآلة علومه عن الكون بواسطة الحواس، وبواسطة البديهيات الفطرية، ثم بواسطة المنطق الناشئ، لديه من استقراء الثابتات والمترابطات والمستلزمات.

– ويأخذ العقل الكامل عن الوحي ما هو من عالم الغيب، وعن المدارك المشتركة ما هو من عالم الشهادة.

هكذا يحاول الأستاذ عبد السلام ياسين إقناع قارئه بضرورة الرجوع إلى الوحي وإخضاع العقل له.

 

 

المبحث الثاني:

القرآن وزمان العقلانية

يحاول هذا المبحث الإجابة عن علاقة العقلانية بالقرآن كما يراها الأستاذ عبد السلام ياسين، وذلك بعد بيانها وبيان أصولها وغاياتها.

1- زمان العقلانية

في المعجم الغربي عُرّف العقل بتعريفات متعددة تشترك كلها في إعطائه صبغة معرفية إبستيمية. وقد حددت وظيفته فيما هو حسي فقط… هذه التعريفات تطورت من قبل ثلة من الفلاسفة في مقدمتهم الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون (Francis Bacon) صاحب المنهج التجريبي (1627) الذي أرجع مسؤولية ارتكاب الأخطاء وتشويه الحقائق إلى الجانب الفطري من العقل، ثم مواطنه جون لوك (John Locke) (1704) الذي زعم أن الإنسان يولد بعقل خال من الأفكار، وأن أفكاره يكتسبها من خلال التجربة والخبرة، وبعد ذلك الفيلسوف السكوتلندي دافيد هيوم(David Hume)  (1777) الذي أنكر فطرية مبدأ السببية والرابطة الضرورية بين السبب والمسبب معتبرا أن الربط بينهما شكلي ناجم عن الإلفة والعادة…

وتمثل العقلانية أهم مظهر من مظاهر الوعي الأوربي. وعندما تذكر العقلانية (rationalisme) يذكر زعيمها الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت René Descartes (1596-1650) الذي كتب في ذلك مجموعة من الكتب منها مقالة عن المنهج، وتأملات ميتافيزيقية، ومبادئ الفلسفة.

ويعتبر كتاب مقال عن المنهج أوضح ما عرف عن ديكارت في تفصيل فلسفته العقلانية، وعنوانه الكامل هو مقال عن المنهج لإحكام قيادة العقل والبحث في العلوم. وفي هذا الكتاب نكتشف القواعد الأربع المشكلة لمنهجه العقلي، وهي:

“القاعدة الأولى: ألا أقبل شيئا ما على أنه حق ما لم أعرف يقينا أنه كذلك: بمعنى أن أتجنب بعناية التهور والسبق إلى الحكم قبل النظر، وألا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل أمام عقلي في جلاء وتميز، بحيث لا يكون لدي مجال لوضعه موضع الشك”[28].

ويذكر ديكارت في موضع آخر أن النتائج التي تستنبط من مبدأ غير بديهي لايمكن أن تكون بديهية مهما يكن الاستنباط من حيث صورته صحيحا[29].

وتعتبر هذه القاعدة أخطر هذه القواعد الأربع على الإطلاق، حيث يتكئ عليها كثيرون في نبذ كثير من المقتضيات الدينية التي يعجز العقل عن إدراكها. يقول يوسف كرم موضحا خطورتها: “وقد تذرع الكثيرون بهذه القاعدة لنبذ الدين لما يعول عليه من أحداث تاريخية تتعلق بنزول الوحي، وما يتضمن من عقائد تفوق إدراك العقل، وقالوا إن هذه عبارة عن إعلان حرية الفكر وإسقاط كل سلطة”[30].

القاعدة الثانية: “أن أقسم كل واحدة من المعضلات التي سأختبرها إلى أجزاء على قدر المستطاع، على قدر ما تدعو الحاجة إلى حلها على خير الوجود”[31].

القاعدة الثالثة: “أن أسير أفكاري بادئا بأبسط الأمور وأسهلها معرفة كي أتدرج قليلا قليلا حتى أصل إلى معرفة أكثرها ترتيبا، بل وأن أفرض ترتيبا بين الأمور التي لايسبق بعضها الآخر بالطبع”[32].

القاعدة الرابعة: “أن أعمل في كل الأحوال من الإحصاءات الكاملة والمراجعات الشاملة ما يجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئا”[33].

هذه الفلسفة العقلانية التي أسست على يد ديكارت لم تقف عنده[34]، بل واصلت سيرها وتأثيرها وتأثرها مع الفلاسفة اللاحقين، ويذكر التاريخ هنا اسبينوزا ومالبرانش ولايبنتز وغيرهم.

وجاء الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (Emmanuel Kant) (1804) فميز بين مستويات ثلاثة للإدراك هي: الحدس، والفهم، والعقل. وتتم معرفة الأشياء في نظره من خلال الحدس أولا، ثم يتم تصنيف المعطيات وفق مفاهيم أو أسماء، وهي أصناف ذهنية يولدها العقل نفسه ليميز المظاهر المختلفة للأشياء، ثم ترتبط هذه الأصناف الذهنية بعضها ببعض من خلال مجموعة من المبادئ العقلية، سابقة للخبرة الإنسانية ومتعالية عن التجربة الحسية…

ويلاحظ لؤي صافي على محاولة كانط هذه ملاحظتين مفادهما:

الأولى: “إن كانط استطاع إثبات امتلاك الإنسان لقوة عقلية ذات مبادئ ضرورية ثابتة بالإشارة إلى وجود عقلي مفارق للمادة ومجرد عن المحسوس من ناحية ليعود لينفي العلوي…”.

الثانية: “إن كانط ينكر قدرة العقل النظري على الوصول إلى معرفة راسخة للحق العلوي ويؤكد لزوم مفهومي الله واليوم الآخر لتأسيس عقل أخلاقي عند الحديث عن عقل عملي…”[35]

لقد كانت العقلانية في الفكر الغربي ممهدة لظهور الحداثة. ويمكن إجمال أهم صفات العقلانية في جعل العقل هو المرجع الوحيد في تفسير كل شيء في الوجود، حيث يمكن الوصول إلى المعرفة عن طريق الاستدلال العقلي وبدون لجوء إلى أية مقدمات تجريبية، والعقائد الدينية ينبغي أن تختبر بمعيار عقلي، من هنا كان رفض المعجزات. وهذا يناقض ما ذهب إليه الفكر الإسلامي الذي اعتمد في توصيفه للعقل على القرآن الكريم.

وينتقد طه عبد الرحمن العقلانية، كما تعتمدها الحداثة الغربية والمستوردة من الغرب، من جهة المقاصد كما من جهة الوسائل:

من حيث المقاصد، يرى طه عبد الرحمن أنها تتصف بثلاث صفات:

أ- النسبية: ويقول عنها: “إذا كان من المقاصد أن تكون قوانين العقل مشتركة وواحدة عند العقلاء جميعا، فإن واقع المنهج العقلي العلمي يشهد بغير ذلك… وإذا كانت طرق العلوم بمثل هذا التكاثر والاختلاف، فإن إنشاء خطاب علمي عن العقل الإنساني بوصفه حقيقة واحدة مشتركة بين الناس لا يمكن اعتباره مقصدا من المقاصد التي يتوخاها العقل العلمي الحديث”[36].

ب- الاسترقاقية: ويوضحها طه عبد الرحمن بقوله: “إذا كان من المقاصد النافعة أيضا أن تؤدي المناهج العلمية إلى تحرير الإنسان وتوسيع إمكانات وآفاق إسعاده، فإن إمعان النظر في الأحوال التي تتقلب فيها المناهج التقنية تظهر لنا أن هذه الآمال الزاهية بعيدة كل البعد عن التحقق؛ والسبب في ذلك أن هذه التقنيات توالدت وتكاثرت على جميع المستويات وفي كل الاتجاهات، منشئة بذلك كونا تقنيا خاصا يحتوي الإنسان احتواء، ويستحوذ على إرادته وتغيب آفاقه عن عقله، أو إن شئت قلت، يسترقه، بعد أن كان يمني النفس أن يسخر له الكون تسخيرا”[37].

هذه التقنيات تسير وفق منطق خاص يقوم في نظر طه عبد الرحمن على مبدأين اثنين:

– مبدأ عقلاني: ومقتضاه أن كل شيء ممكن اعتمادا على العقل.

– مبدأ لا أخلاقي: ومقتضاه أن كل ما كان ممكنا وجب صنعه، وهذا ما يفتح الباب نحو التحلل من الموانع الأخلاقية.

ج- الفوضوية: ومفادها أن “إذا كان من المقاصد النافعة كذلك أن يؤدي المنهج العلمي إلى النظام والترتيب والوصل، فإن النظر في تاريخ العلم يبين أن النظريات العلمية لا تنمو نموا مطردا ولا يركب بعضها بعضا ركوب الطبقات بعضها فوق بعض، متجهة خطوة خطوة إلى تحقيق كمال المعرفة، وإنما أن بعضها قاطع عن بعض، بحيث تقوم بينها علاقات تباين وتهادم، لا علاقة تكامل وتساند… ولما كانت هذه المناهج العقلية العلمية المتداولة تؤدي إلى تضارب النظريات العلمية فيما بينها، بطل الادعاء بأن طلب النظام والتكامل يشكل مقصدا حقيقيا لهذه المناهج”[38].

من خلال هذه الصفات الثلاث لمقاصد العقلانية يستنتج طه عبد الرحمن أن العقلانية العلمية تجلب مقاصد ضارة، من هنا فهي مخالفة لتحقيق النفع الذي يمثل الركن الأساس ومقصد العقلانية الأسمى. وإذا كان هو حال المقاصد، فإن الأمر مع الوسائل أبين وأوضح…

بعد هذا الوصف للعقلانية الحديثة والبحث في مقاصدها ووسائلها يقرر طه عبد الرحمن أنه، بناء على ما سبق، لا يسلم للمتخلق بأخلاق الدين الإسلامي الاندفاع في الأخذ بكل مناهج العقل ونتائج العلم التي جاء بها النمط المعرفي الحديث الذي يقوم على أصلين هما: “لا أخلاق في العلم” و”لا غيب في العقل”[39].

إن غاية طه عبد الرحمن مما سبق بيان كيف أن الإنسان باسم الحداثة يغفل عما يضره وينفعه، بل يقدم قليل النفع، أو ما لا شك في ضرره، على كثير النفع. وهذه عين الغفلة. وبهذا، فإن الإنسان الحديث أصبح جهولا باسم الحداثة والعقلانية، انحدر إلى درك البهيمية وهو يحتج في ذلك بالعقلانية.

يجعل طه عبد الرحمن العقلانية الركيزة الأساس للحداثة، وهي كذلك ولا شك. وكل مشاريع النهوض الإسلامية تجعل من العقلانية ركيزة أيضا، بل قد تكون هي عمود هذه النهضة. ويوضح هنا:

أ- “أن كل من تولى النظر في وسائل النهوض بواقع العالم الإسلامي والعربي لم يتردد في أن يجعل العقلانية على رأس هذه الوسائل، مشيدا بفضائل وفوائد المناهج العقلية في تحصيل المطلوب من التقدم والتحضر”[40].

ب- “أن التعلق بالعقلانية تساوى فيه من تمسك بأخلاق الدين الإسلامي ومن يميل عن هذا الدين مبتغيا العمل بأخلاق أخرى وكذا من ينزل منزلة بين هذين الطرفين”[41].

فما رأي الأستاذ عبد السلام ياسين؟

2- موقف الأستاذ عبد السلام ياسين من العقلانية

يلاحظ الأستاذ ياسين أن هناك خلطا لدى المغربين من بني جلدتنا، ويتجلى في استعمالهم للفظ واحد هو “العقلانية للدلالة على التفكير العقلي rationalité والعقلانية rationalisme وكلما تكلموا استلوا في وجه خصمهم الحجة العلمية المزعومة: تتكلم عن الغيب، عن أمر غير عقلي، عن الله! إذن لست عقلانيا! إذن فأنت ظلامي لايؤمن بالعقل! ومن ثم لا تستحق سوى التشهير و الإدانة”[42]. من هنا، فإن العقلانية في نظر هؤلاء هي معاداة كل ما هو من الدين. إن مفهوم العقلانية عند بني جلدتنا يعني تأليه العقل وتسييده ليكون هو الحاكم والآمر الناهي.

كما أن تاريخ الفكر الإسلامي يشهد على كثير من العلماء نزوعهم للعقلانية ويحبون أن يوصفوا بها، ويسعون جاهدين إلى تأكيد أن الإسلام هو دين العقل ويدعو إلى العقلانية، ويؤصلون لذلك من القرآن الكريم، محرفين بذلك كلام الله عن مواضعه. لا يدركون أن مادة “عقل” التي ذكرت في القرآن خمسين مرة ما منها لفظة تدل على الآلة المشتركة.

إنهم يخشون أن يوصفوا بغير ذلك إن هم آمنوا بالمغيبات، ويعتبرون ذلك منقصة في شخصيتهم وعلمهم. يقول الأستاذ ياسين موضحا أسباب ذلك: “ما من إنسان يريد أن يكون “على مستوى العصر” يرضى أن يوسم باللاعقلانية. ومما يزيدُ المتفرنجين والملحدين جرأةً على الدين، وَوَلُوعاً بالسخرية من الغيب، وممن يومن بالغيب، أنه نشأت بين المسلمين في عصور انحطاطهم خرافاتٌ هي عينُ التنكر للدين، مثلُ عبادة القبور، ونسبةُ التأثير للعزائم، والشعوذةُ، والحجُّ للمغارات، والكهانةُ، وما إلى ذلك. فيبدو المومن بالغيب الحق من جِنٍّ، ومعجزة للأنبياء، وكرامةٍ للأولياء وكأنه من جملة المخرفين”[43].

ويحكي الأستاذ ياسين عن دفاعهم عن الإسلام فيضفه بكونه دفاعا من “مواقع انهزامية، فيقولون: إن الوحي معقول، وما آمن المومنون بالوحي إلا من خلال عقولهم. ويستدل مثل هؤلاء الكتاب بما ورد من إثبات مزايا العقل في القرآن”[44]. ويعلق الأستاذ ياسين على موقفهم هذا ناقدا: “ولو قرأوا القرآن لعلموا أن الله عز وجل حين أمرنا بالتفكر في خلق السماوات والأرض، ما دفعنا إلى حَلَبَةِ الاستنتاج العقليِّ. إنما دفعنا لننبهر بعظمة آيات الله فنخضَع. فإذا جاءنا رسولٌ مُؤَيَّد بالمعجزات وبالوحي جلسنا مجلس التلميذ لنسمع. وما هلك من هلك من مكذبي الرسل إلا لأنهم وزنوا بعقولهم الكليلة ما جاء به الوحيُ”[45].

إن هذا النوع من التفكير يبين إلى أي حد وصل التسطيح الفكري بالإنسان المعاصر الذي أصبح لا يؤمن إلا بالماديات والمحسوسات بدعوى العقلانية.

إن الأستاذ عبد السلام ياسين يرفض انهزام المسلم أمام طغيان الحضارة المادية العقلانية رغم بهرجتها وإغراءاتها. كما أنه لا يبالي بهذه العقلانية ما دامت عقلانية تقصي الإيمان. بل إنه لا يرى قيمة إضافية للمؤمن تضيفها هذه العقلانية. وهذا موقف يعبر عن الاعتزاز بالانتماء العقدي في زمن طغت فيه العقلانية وأصبحت سيفا يشهر في وجه كل مؤمن بالدين والوحي، وفي زمن الأمة الإسلامية أمه منحطة مهزومة.

ولا يفوت صاحب نظرية المنهاج النبوي أن ينبه قارئه إلى أن العقلانية نوعان:

– عقلانية فلسفية: وهي التي نحن بصدد الحديث عنها، وهي المقصودة…

– عقلانية علمية: وهي العقلانية التجريبية العلومية التي حققت التقدم الصناعي لأوربا وازدهارَ العلوم والفنون وتنظيمَ الحياة والديمقراطيةَ… كل هذا مقابل انحطاط شامل وعلى جميع المستويات في بلاد المسلمين. وهذا ما يدفع كثيرا من مفكري المسلمين المعاصرين إلى التظاهر بمظاهر العقلانية في خطاباتهم وكتاباتهم خوفا من رميهم بالتخلف، فيؤصلون للعقل من القرآن. أما المثقف المغرب فقد سحب “اندهاشه على كل إفرازات العقل المعاشي، وأضفى القداسة على الفلسفة الشاركة الوجودية المادية المنكرة للوحي الشامتة بالدين”[46].

إن العقلانية الفلسفية تتقوى بالعقلانية العلمية التجريبية لتؤكد نبذها للدين والوحي، وتنشر وتأليهها للعقل ولائكيتها ولادينيتها. وهذا ما لا يتفطن إليه كثير من أبناء المسلمين. يقول موضحا ذلك: “باقتران الكفر الفلسفي مع ازدهار العلوم، وتوسع الكشوفات، ووفرة الخيرات تنطمس في عين المبهور بالأشياء، وحضارة الأشياء، والسيطرة على الأشياء كل آفاق المعرفة، وتنغلق عليه حلقة الفكر الوضعي، فلا يسمع المغرب غير نغمة واحدة، ولا يبصر ولا يتكلم ولا يبالي. انغلقت به الفكرة الوضعية العقلانية الفلسفية المادية عن سماع خبر الغيب ووجود الله وبعثه الرسل عليهم السلام، وعن سماع خبر الآخرة وما أعد الله فيها من نعيم للمومنين، ومن خزي ونكال للكافرين…”[47]

إن الحديث عن العقلانية لا بد وأن يردف بالحديث عن الحداثة، وذلك لأن الحداثة انعكاس للعقلانية بنوعيها: العلمية والفلسفية. ويصفها كما يصفها جان بودريار بأنها “نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية”[48]. وعليه، فإن الحداثة ليست مفهوما أو نظرية بقدر ما هي نمط حضاري يعبر عن أفكار ومعتقدات نابعة من التأثيرات الواقعية، ويمثل “أخلاقا شرعية للتغيير، متخلية عن القديم منادية على الجديد، يدفعها مبدؤها دوما أبعد، وإلى أن تستهلك أكثر وإلى أن تصبح إيديولوجيا التغيير من أجل التغيير”[49].

أما الأستاذ عبد السلام ياسين فيرى أن لفظة الحداثة “أصبحت رائجة في فرنسا الظافرة منذ الخصام الأدبي بين أنصار الجديد وأنصار القديم في القرن السادس عشر. منذ ذلك الحين، أضحت الحداثة الضاربة بجذورها في عصر النهضة التي أيقظت أوربا من سباتها الوسطي منهج الحياة والتفكير والحكم، معلما يسترشد به الإنسان الأوربي، أسلوبا اجتماعيا وثقافيا للحياة مناقضا لعصر وسيط أصيل ولعالم خارجي محكوم عليه بالهمجية ثم بالاستعمار والتخلف والإذلال. فتجاوز العالم الخارجي واحتقاره بل الاعتداء عليه عواطف حركت ومازالت تحرك الحداثة ضد عالم منبوذ لا يستحق التمتع بالكرامة الحديثة”[50].

وبما أن الحداثة انعكاس للعقلانية الغربية، علميتها وفلسفيتها، فإن الموقف منه هو نفسه الموقف من العقلانية. لا يمكن ان ينكر ما حصل من تقدم في الغربي على كافة الأصعدة، مقابل تخلف للمسلمين على كافة الأصعدة أيضا، لكن لا يمكن التخلي عن الوحي والدين والانجرار وراء اللائكية والإلحاد المضنم في العقلانية الفلسفية بدافع الحداثة. وهنا نصادف أنفسنا أما إشكال هو كالتالي: كيف يتعامل القرآن مع العقل والعقلانية؟ وما وظيفة العقل إذن؟

 

المبحث الثالث:

العقل والقرآن: أية علاقة؟

يعتبر هذا المبحث المحصلة الرئيسة لهذا البحث، حيث به سنجيب عن إشكال العلاقة بين العقل والقرآن في نظر الأستاذ عبد السلام ياسين. هل العلاقة بينهما علاقة نفور وإقصاء كما هو سائد؟

يجيب الأستاذ ياسين عن هذا الإشكال انطلاقا من محددين هما محور الحديث في هذا المبحث: القرآن هو البرهان، والإقناع الدعوي. وبهما يجيب عن وظيفة العقل ومكانته في نظرية المنهاج النبوي. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإجابة إنما جاءت في سياق حديث الأستاذ ياسين عن وظيفة العقل في دولة القرآن وسبل التعامل مع العقلانية والعقلانيين.

1- القرآن هو البرهان

يقول الأستاذ ياسين: “سيطرح السؤال في دولة القرآن عن وظيفة العقل وحدوده، عن علاقته بالوحي المنزل ومكانه منه. وهنا أيضا يجب أن يكون البرهان في الجواب هو القرآن لا من تحدث باسمه فأخطأ، ولا من اجتهد فقصر، ولا من حرف وخان”[51].

وهنا يردنا إلى تاريخ المسلمين؛ فهو بالنسبة إليه كاشف للمستقبل. حيث يشير إلى ما عانته من تعسف واستبداد كانا سببين في خنق عقلها وخمولها وفقدانها المبادرة والاستقلال بالفكر والتدبير، وقد زكى هذا ما كان عليه علماء القصور من انحياز للسلطان وتملق له.

يؤكد الأستاذ أن التاريخ من صنع البشر، وبالتالي لا يمكن أن يكون حاكما. أما القرآن فهو كلام الله عز وجل. لذا فهو شاهد على هذا التاريخ بما فيه من أخطاء، وبرهان على صواب الفعل وخطئه. إن القرآن هو الذي يحدد مسئولية الإنسان في التاريخ وفق أوامر الله عز وجل. من هنا، فإن القرآن هو الذي ينبغي أن يكون البرهان على مكانة العقل ووظيفته. وإنما تتحدد قيمة ما ينتجه العقل بالقرآن.

من هنا فإن العقل البشري “لا يرتفع بالإنسان من حيوانية “الإنسان الصانع” إلى كرامته الآدمية إلا إن تتلمذ العقل للوحي المنزل على الرسل عليهم السلام، وخدم مقاصد الشريعة ومشى في ركابها لا في ركاب الهوى والأنانية الفردية أو الطبقية، بورجوازية كانت أو نمنكلتورية”[52].

وقد سبقت الإشارة إلى أن الأستاذ ياسين يتحدث عن نوعين من العقل، هما: الملكة المشتركة بين البشر ليس هو مسمى العقل في القرآن. والعقل في القرآن فعل حاسة باطنة في الإنسان تسمى القلب.

إن الأستاذ عبد السلام ياسين هنا يدعو إلى الجمع بين هذين من العقل ويحذر من إقصاء أحدهما، لأن ذلك لا يعدو أن يكرر ما حدث في تاريخ المسلمين وتاريخ النصارى. فالأول أنتج استبدادا وتخلفا، والثاني أنتج لائكية وإلحادا. يقول: “يحدث للعقل المومن بالله المصدق للوحي عور إذا أغمض عن المدارك المشتركة، وعجز عن التعلم من الكون، وترك آلته للإهمال والصدإِ. فيفوته ركب الحياة الدنيا، ويقعد مع القاعدين العاجزين. وذلك نقص من حقه، وقصور عن فهم رسالة الوحي الذي أنبأ بأن الله سخر لنا الكون وأمرنا أن نسير في الأرض ونستعمرها وندافع ونجاهد، وكل ذلك ممتنع إن لم نسخر بإرادتنا واجتهادنا وتعلمنا هذه الآلة العجيبة المسماة عقلا. ويصيب العقل المشترك، الآلة عاهة العمى الكلي. لا يبصر معها البصر المعتبر على أفق الأبدية وهو البصر بالله وبأمر الله وبالدار الآخرة وما يسعد الإنسان هنا وهناك… ويضل العقل الأعمى المعرض عن الوحي فلا يهتدي سبيلا إلى الغاية الوحيدة المعتبرة على سلم الأبدية والخلود في الجنة أو النار. لا يهتدي سبيلا إلى سعادته الأخروية وإن كان بصيرا بسبل رخائه المادي في الدنيا”[53].

2- الإقناع الدعوي

تنتقد نظرية المنهاج النبوي مراقبة العقل والحد من حريته، لأن هذا سيؤدي به إلى أحد أمرين:

– إما إلى ثورة وتمرد، وقد حدث هذا في تاريخ النصرانية، وتجلى بداية في التمرد على الكنيسة ونبذ الدين وكل ما يرتبط به.

– إلى سكون وذبول، وقد حدث هذا في تاريخ المسلمين بعد الانكسار التاريخي حسب الأستاذ ياسين؛ إذ تحولت الخلافة إلى ملك وساد الاستبداد واغتيل الرأي الحر وخنق العقل وسد باب الاجتهاد.

من هنا، فإنه لا “يبقى إلاَّ مُراوَدَتُهُ بالإقناع حتى يتجاوز العتبة التي في أسفلها يكون خادما للهوى المتجدد والنزعات المتلونة، ومن فوقها يتنفس نسيم الإيمان ويصبح عبداً للرحمن… على العقل أن يجالس القرآن والداعيَ ويتلمذ له و”يسمع”. فالسماع بهذا المعنى القرآني هو مصدر العلم. ثم يتسرب الإيمان للقلب، ويتسع القلب ليكون وعاء صالحا لاستيعاب القرآن ورسالة القرآن”[54]. وبهذا يرتفع العقلاني من حضيض الغفلة إلى نور القرآن وإحسانه.

إن الإقناع الدعوي، في نظرية المنهاج النبوي، يبدأ بصحبة في الله. وهي مدرسة الجهاد ومحضن الإيمان، فيها يولد في عالم الإيمان ويتدرب على الجهاد عبر شعب الإيمان: محبة الله ورسوله، والحب في الله عز وجل، ومحبة المومنين وإكرامهم، والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه، والتأسي به في بيته، والإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق، والزواج بآدابه الإسلامية وحقوقه، القوامة والحافظية، وإكرام الجار والضيف، ورعاية حقوق المسلمين والإصلاح بين الناس، والبر وحسن الخلق[55].

وهكذا يظهر أن تصور الأستاذ عبد السلام ياسين للتعامل مع العقلانية تصور منفتح، يهتدي بهدي النبوة، من خلال دعوته إلى الصحبة الحانية والرفيقة. فلا مجال للإقصاء أو الاحتواء.

 

خاتمة

تتضمن هذه الخاتمة أهم نتائج البحث وبعض التوصيات:

أولا: نتائج البحث

– لقد تبين من خلال هذا البحث أن موضوع العقل والقرآن حظي باهتمام كبير في نظرية المنهاج النبوي، ولا يخلو كتاب من كتب الأستاذ عبد السلام ياسين من الحديث عن القرآن والعقل، وذلك إما منفردين أو مرتبطين. ولا ريب في ذلك مادام الكاتب يتوجه إلى مختلف نخب عصره.

– يعرف الأستاذ ياسين القرآن انطلاقا من القرآن نفسه، فيصفه بأنه فرقان، وبرهان، وإحسان. وهذه الصفات هي التي تحكم نظرته إلى العقل والعقلانية. وهنا يتجاوز التعريفات المدرسية.

– يقسم الأستاذ عبد السلام ياسين العقل إلى نوعين: عقل معاشي هو الآلة المشتركة بين جميع البشر، وهذا العقل هو الذي يخترع ويدبر الأمور المعاشية. وعقل هو المتلقي لحقائق الوحي ونوره ويهتدي بهديه. وهذا هو العقل المقصود في القرآن. إن  مادة عقل في القرآن لا تعني العقل المعاشي المشترك بين جميع البشر. من هنا يدعو الأستاذ ياسين الإنسان المؤمن على الجمع بين هذين النوعين، ويحذر من الاقتصار عللا أحد دون الآخر، لما لذلك من عواقب سيئة على حياة الإنسان دنيا وأخرى.

– تعتبر العقلانية نتاج فكر غربي لا يؤمن بالله، وقد استقدمت على بلاد المسلمين من قبل مسلمين مغربين منبهرين بما تحقق من تقدم في الغرب.

– تميز نظرية المنهاج النبوي بين عقلانيتين: عقلانية علمية تجريبية هي التي تخترع وتدبر الأمور المعاشية الحياتية وتحقق التقدم الدنيوي. وعقلانية فلسفية هي التي تؤله العقل وتجعله المرجع الأول للإنسان، فلا دين مع هذه العقلانية إلا دينها. وهذه العقلانية تعزز موقفها بما تحققه العقلانية العلمية من تقدم وعلوم وإنجاز على مختلف الأصعدة.

– إن التعامل مع العقلانية في نظر الأستاذ عبد السلام ياسين لا يمكن أن يكون بمراقبة العقل والحد من حريته، فهذا سيكرر ما وقع في تاريخ المسلمين من ذبول وسكون وما حدث في تاريخ الأوربيين من تمرد وثورة على الدين. لذا يقترح صاحب نظرية المنهاج النبوي أن توزن العقلانية بميزان القرآن، لأنه هو البرهان، وأن تكون المراودة بالإقناع هي المنهج في التعامل مع العقل والعقلانيين. وهذا الإقناع الدعوي يتم بصحبة حانية ورفيقة، ترفع العقلاني من حضيض الغفلة إلى نور القرآن وإحسانه.

ثانيا: توصيات البحث

– يفتح موضوع العقلانية في الفكر الإسلامي عموما، وعند الأستاذ عبد السلام ياسين خصوصا، آفاق واسعة للبحث. ومهما قيل فيه فإن الموضوع يبقى قابلا للأخذ والرد بحكم طبيعته. لذا يدعو الباحث إلى مزيد بحث في الموضوع، خاصة على ضوء نظرية المنهاج النبوي.

– إحداث مركز بأوربا يعنى بدراسة نظرية المنهاج النبوي يتولى عقد ندوات وموائد مستديرة وطباعة كتب بمختلف اللغات في موضوع العقلانية خاصة، وموضوعات النظرية المنهاجية بصفة عامة.

– إحداث جائزة عالمية حول نظرية المنهاج النبوي تستهدف الباحثين المتخصصين لسبر أغوار النظرية.

والله أعلم بالصواب.

 

 

لائحة المراجع المعتمدة في هذا البحث

1- ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، دار الحديث، القاهرة، 1984.

2- ابن سينا، عيون الحكمة، تحقيق عبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت، 1980.

3- ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، دار سحنون، تونس، د.ت.

4- ابن فارس، مقاييس اللغة، تحقيق الشيخ عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 1402-1981.

5- ابن كثير، إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي، تفسير ابن كثير، دار طيبة، 1422- 2002.

6- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط1، 1990.

7- الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق الشيخ أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، ط1، 1999.

8- الطبري، محمد بن جرير، تفسير الطبري، دار المعارف، د.ت.

9- أبو حامد الغزالي، المستصفى في علم الأصول، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ط1، 1413-1993.

10- القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، دار الفكر، د.ت.

11- المحاسبي، العقل وفهم القرآن، تحقيق حسين القوتلي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1971.

12- بودريار، جان، الحداثة، في إشكاليات الفكر المعاصر، ترجمة محمد سبيلا، منشورات الزمن، الكتاب الخامس عشر 2009.

13- ديكارت، رونيه، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، مراجعة محمد مصطفى حلمي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط3 .

14- ديكارت، مبادئ الفلسفة، ترجمة عثمان أمين، القاهرة، 1960.

15- صافي، لؤي، إعمال العقل.. من النظرة التجزيئية إلى الرؤية التكاملية، دار الفكر، دمشق ط1، 1998.

16- طه عبد الرحمن، العمل الديني وتجديد العقل، المركز الثقافي العربي، البيضاء المغرب، ط3، 2000.

17- طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق.. مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربي، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط1، 2000.

18- يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، ط 5،د.ت.

19- كوتنغهام، جون، العقلانية فلسفة متجددة، مركز الإنماء الحضاري، حلب، ط1، 1997.

20- ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، مطبوعات الهلال، وجدة، ط1، 2000.

21- ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1431-2010.

22- ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ط2، 1410-1989.

23- ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1430-2009.

24- ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1994.

25- ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال، د.ت.

-26Jean Marie Domenach, Approches de la Modernité, Paris, Ecole Polytechnique 1986.

 

[1]  الغزالي، أبو حامد، المستصفى في علم الأصول، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ط1، 1413-1993 ص:81.

[2]  الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول،  تحقيق الشيخ أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، ط1، 1999م، 1/85.

[3]  نفسه.

[4] حسب معطيات الباحث ليس هناك من اعتنى بتعريف القرآن بالقرآن.

[5] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1431-2010، ص:17.

[6] ابن كثير، إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي، تفسير ابن كثير، دار طيبة، 1422هـ- 2002م، 6/92.

[7] ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، دار سحنون، د.ت، 19/317.

[8]– ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص:19.

[9]– الطبري، محمد بن جرير، تفسير الطبري، دار المعارف، د.ت، 9/174.

[10] رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإسلام  1/27.

[11] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص:25.

[12] القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، دار الفكر، د.ت، 14/47-48.

[13] ابن فارس، مقاييس اللغة، تحقيق الشيخ عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 1402هـ 1981م، مادة “عقل”.

[14] ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط1، 1990 مادة “عقل”.

[15] يشتمل على كتابين هما: الأول: كتاب ماهية العقل ومعناه، والثاني: كتاب فهم القرآن ومعانيه.

[16] المحاسبي، العقل وفهم القرآن، تحقيق حسين القوتلي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1971، ص:205.

[17]– نفسه ص:221.

[18]– ابن سينا، عيون الحكمة، تحقيق عبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت، 1980، ص:42.

[19]– ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، دار الحديث، القاهرة، 1984، ص:7.

[20]– نفسه.

[21] ابن عاشور، التحرير والتنوير، 15/233.

[22] عبد الرحمن، طه، العمل الديني وتجديد العقل، المركز الثقافي العربي، البيضاء المغرب، ط3، 2000، ص:17.

[23] يراجع المرجع السابق ص:21.

[24] نفسه ص:58.

[25] نفسه ص:67.

[26] نفسه ص:121.

[27] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال، د.ت، 7.

[28] ديكارت، رونيه، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، مراجعة محمد مصطفى حلمي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط3، 1985، ص:190-191.

[29] ينظر ديكارت، مبادئ الفلسفة، ترجمة عثمان أمين، القاهرة، 1960، ص:59.

[30] كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، ط5،د.ت، ص:64.

[31] رونيه ديكارت، مقال عن المنهج، ص:191.

[32] نفسه.

[33] نفسه ص:192.

[34] للاطلاع على الانتقادات الموجهة لهذه القواعد الديكارتية ينظر مثلا جون كوتنغهام، العقلانية فلسفة متجددة، (مركز الإنماء الحضاري، حلب، ط1، 1997)، ص:53 وما بعدها.

[35] راجع صافي، لؤي، إعمال العقل.. من النظرة التجزيئية إلى الرؤية التكاملية، دار الفكر، دمشق ط1، 1998، ص:51-54.

[36]– عبد الرحمن، طه، سؤال الأخلاق.. مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربي، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط1، 2000، ص:65.

[37]– نفسه.

[38] نفسه ص:66.

[39] ينظر سؤال الأخلاق ص:92 وما بعدها للاطلاع على توضيحات أكثر لهذين الأصلين.

[40] نفسه ص:60.

[41] نفسه.

[42] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، مطبوعات الهلال، وجدة، ط1، 2000، ص:175.

[43] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1430-2009، ص:122-123.

[44] نفسه ص:124.

[45] نفسه.

[46] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص:42.

[47] نفسه ص:43.

[48] بودريار، جان، الحداثة، في إشكاليات الفكر المعاصر، ترجمة محمد سبيلا، منشورات الزمن، الكتاب الخامس عشر 2009، ص:189.

[49] Jean Marie Domenach, Approches de la Modernité, Paris, Ecole Polytechnique 1986 p 14.

[50]  ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص:44-45.

[51] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص:19.

[52] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط 1، 1994، ص:42.

[53] ينظر ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:8-9.

[54] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص:24.

[55] ينظر ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ط2، 1410-1989، ص:137-145.