الجلسة العلمية الثالثة: المشترك الإنساني في فكر الإمام عبد السلام ياسين

0 74

 بين يدي الجلسة العلمية الثالثة من جلسات المؤتمر الدولي المخصص للبعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر من خلال مشروع الإمام عبد السلام ياسين، بسطت المسيرة الأستاذة آمال الوكيلي مقدمة ذكرت فيها حاجة الإنسان إلى الرحمة في عالم احتلت فيه الموازين، مركزة على كون هذه الرحمة التي هي جوهر دعوة الإسلام هي ما شكلت أيضا جوهر المشروع المجتمعي الذي يقدمه الإمام عبد السلام ياسين.

المداخلة الأولى كانت تحت عنوان: نحو ميثاق  إنساني عالمي من خلال مشروع عبد السلام ياسين، قدم فيها الدكتور  محماد رفيع البحاثة  في أصول الفقه ومقاصد الشريعة، عرضا للتصور العام الذي يراه الإمام عبد السلام ياسين لكيفية التأسيس لميثاق ذي بعد عالمي وجوهر إنساني، وهو التصور الذي حكمته رؤية قيمية إنسانية انبنت على معالجة ذات نهج مزدوج من خلال مدخلين اثنين؛ مدخل تأصيلي ركز على زاوية التأصيل الكوني عبر جملة أصول شملت وحدة الأصل الإنساني، وميثاق عهد الفطرة، ووحدة الكرامة والعاطفة الإنسانيتين، ثم على زاوية التأصيل الشرعي في محوره الكلي المستند إلى إنسانية الخطاب الشرعي لغة و مضمونا ومقاصد، وإلى إنسانية المقاصد الشرعية التي تؤمن الحاجات الكبرى الضرورية لحياة الإنسان، وكذا إلى الأفق الحضاري المتجاوز لليومي المتطلع إلى إسماع بلاغ الرسالة الإلهية للإنسان في وجوده الدنيوي العابر إلى الآخرة، وأيضا في محوره التأصيلي الجزئي الذي يجد مستنده في الخطاب القرآني الداعي إلى  وجوب البر والإقساط للإنسانية، وضرورة النضال في سبيل المستضعفين، و شرعية الدفاع عن الإنسانية، وكذا في النموذج النبوي في عقده لحلف الفضل مثلا  لنموذج التحالف الإنساني الممكن. المدخل الثاني في معالجة الإمام عبد السلام ياسين لقضية الميثاق العالمي الإنساني سماه الباحث بالمدخل التنزيلي وفيه تحدث عن ثلاثة مستويات في واقعنا المعاصر؛ المستوى الأول هو المستوى الوطني وعرض فيه إلى الحاجة إلى دستور جامع تضعه جمعية تأسيسية، وإلى بناء مؤسسات الدولة على أرضية العدالة، وإلى ضرورة ميثاق جامع بين الفرقاء المجتمعيين عبر حوار مجتمعي واضح وصريح لا يقصي أحدا وفق قواعد ميثاقية تظهر في الغيرة الوطنية والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر وتحقيق الحرية والكرامة. أما على المستوى الإقليمي فذكر العارض أهمية توحيد المسلمين في إطار الولاية العامة على أرضية شروط النظام الشوري والنظام التربوي للفرد والجماعة والوعي العميق بواقع الاختلاف والتجزئة في الوطن الإسلامي والعربي، وبصدد المستوى العالمي ركز الدارس على ما يطرحه الإمام من ضرورة إقامة تحالف إنساني عالمي عادل يقطع مع المعايير المزدوجة في مقاربة قضايا العالم تكون مقوماته مبنية على العدالة في توزيع مقدرات العالم، والحرية الواقفة ضد الاستعباد والاستبداد العالميين للمظلومين، وعلى السلم لتجاوز الحرب والتباغض، زعلى التعارف تبادلا إنسانيا عاما ،وعلى مراعاة حقوق الإنسان، ولتحقيق ذلك على المسلمين ولوج المؤسسات الدولية  والتعاون مع الجمعيات الفاضلة الدولية لممارسة ضغط إيجابي يسمع صوت المقهورين في العالم وتحقيق فرص للإنصاف الإنساني.

ولقد وقف العارض في مختتم مداخلته عند عوائق تحول دون تحقق هذا التحالف الإنساني ممثلا أساسا في واقع ضعف المسلمين وعنف وتطرف بعضهم، وليركز على منهج الإمام في بناء التحالف يقوم على خطابي الرحمة والمحبة وخطاب تقدير الآخرين بغض النظر عن جنسياتهم وعقائدهم.

العرض الثاني تناول فيه المحامي والباحث في العلاقات الدولية مداخلة وسمت ب” العلاقات الدولية في فكر الإمام عبد السلام ياسين، انطلق فيها الباحث من التذكير بالمخاض العام الذي تحياه الأمة في هذه الظرفية العالمية العصيبة، ومن الحاجة إلى بعث الأمل فيها لتعيد حمل رسالة الرحمة للعالمين، مشيرا إلى أهمية بسط النظر في قضية العلاقات الدولية في الفكر الإسلامي المعاصر من وجهة نظر منهاجية وسطية وبإسهام تجديدي موسوعي على النحو الذي نراه عند الإمام عبد السلام ياسين.

وقف الباحث بعد ذلك عند بعض منطلقات الإمام عبد السلام ياسين في مقاربته للموضوع، والتي تتجلى في الجمع بين التشخيص والإجرائية إلماما بالواقع العام للوضع الدولي واقتراحا لخريطة حلول موجهة، مع الوعي بإشكالات جمة تعترض الموضوع من قبيل الخلط الواقع بين موقف الحكام وموقف الشعوب والحاجة إلى إنشاء تمايز بينهما يفضي إلى التعاون مع الجهات المدنية والمنظمات الحقوقية المدافعة عن الإنسان والإنسانية، ومن مثل الخلط بين مراحل التغيير في بناء مقتضيات التأسيس لعلاقات دولية تراعي الحاجيات الخاصة بكل مرحلة وسياقاتها ومساقاتها ومتطلباتها مما يفرض الارتهان إلى التدرج  والمرونة، فمرحلة البناء تستدعي توزين العامل الذاتي والوعي بالواقع، والمرحلة الانتقالية تحتاج إلى الحوار والتعاون، ومرحلة التمكين تفرض تنزيل قيم العمل المشترك بناء على ميثاق يشيع الأخلاق الكوكبية والسلم وحماية الفضاء الحيوي العام المشترك. وقد وقف الباحث عند جملة قضايا تسهم في تنمية وتطوير العلاقات الدولية على قاعدة الاحترام الإنساني، ومن ذلك قضية حقوق الإنسان والتي يجب النظر إليها ليس من منطلق الشعارات أو ردود الأفعال، وإنما لكونها دينا نتعبد بها الله خاصة بتركيز الخطاب على الحق الأعظم المغيب حق الإنسان في معرفة الله، وكذا من مثل قضية بناء ميثاق قانوني أممي جديد لحماية الإنسان بتضافر جهود المستضعفين والتعاون مع الفضلاء العالميين لتغيير قوانين المنظمات الدولية الكبرى كالأمم المتحدة التي يسيطر عليها الكبار الأقوياء، عدا ذلك هنا قضية السلم والأمن العالميين والحاجة إلى قانون دولي عادل يصلح الهيئات الدولية ذات الصلة بالمجال للاعتناء بحقوق الإنسان من دون تمييز ولا إقصاء.

السيد البشير لسيود الأستاذ الجامعي بجامعة الزيتونة سيعالج في مداخلته  قضية البعد الإنساني في التربية الروحية بين الذاتية والكوني من خلال كتاب الإمام عبد السلام ياسين الإحسان، وانطلق في هذه المعالجة من إثارة الاختلاف الكبير الموجود بين الدارسين حول قضية التصوف، ليقف عند المعالجة التجديدية التي عرضها الإمام عبد السلام ياسين والتي ارتكزت على بلورة تصور يدعو إلى التربية الروحية الإيمانية المتجاوزة للإسلام الثقافي والفكري عبر تحقيق توازن التربية لبناء الإنسان الأخلاقي الكامل، محددا لذلك شروطا على رأسها الحاجة إلى الدليل المربي الدال على الله بعرفانيته وتجسيده للنموذج الماثل، ثم الإرادة الذاتية للسالك عبر المجاهدة والمصابرة والمثابرة على التخلق الدائم، مشددا على أهمية هذه التربية الروحية في بناء الفرد والجماعات وفي تحصين الإنسان من سيطرة العولمة المادية.

لتختم الجلسة الثالثة بموضوع عن” المشترك الإنساني وضرورته للحضارة الإنسانية دراسة تحليلية في أعمال الأستاذ عبد السلام ياسين” تقدم بعرضه الدكتور بدران بن الحسن المتخصص في الحضارة ومقارنة الأديان، ولقد أكد الباحث في مقدمة عرضه أن الحاجة ماسة إلى تأكيد إنسانية الفكر الإسلامي لأن الإسلام أصلا رسالة سماوية للإنسانية جمعاء ولأهمية الموضوع في ظل الصراعات البشرية المتصاعدة وذهنيات الإقصاء المتبادلة وكذا في ظل الفوضى العالمية معرفيا وأخلاقيا ووجوديا. ليعرج الدارس إلى تناول مصطلح المشترك الإنساني من حيث المفهوم وتحديده بما هو ما يتقاسمه الناس ضرورة مما يؤدي غيابه إلى خراب الإنسان والعمران والتي تجمع عناصره في وحدة الأصل البشري، ووحدة الوجود على الأرض ثم وحدة المصير الدنيوي والأخروي. وقد أبرز الباحث أن الإمام عبد السلام ياسين ركز على تقاسم الناس لوحدة الأصل ووحدة المسير ووحدة المصير. ثم ذكر الباحث أن مكونات المشترك الإنساني تتمظهر إلى جانب ما ذكر من وحدة الأصل الإنساني ووحدة المصير الوجودي في وحدة الفطرة الإنسانية ووحدة الخبرة الحضارية والحاجة إلى التعاون لعمارة الأرض وبناء الإنسان. وفي تناوله لعواقب غياب المشترك الإنساني حذر العارض من كون هذا الغياب ذا أثر كبير في اختلال الحقائق وفقدان الإنسانية وتنامي التنازع واختلال بنيان العالم وتوازن القوى.

في الجزء المخصص لمداخلات الجمهور والحضور، عرض المتدخلون في تعقيباتهم لقضايا متعددة من قبيل:

  • انتصار الإمام عبد السلام ياسين للإنسان ولقضايا المستضعفين بتركيزه على العدل باعتباره قيمة إنسانية؛
  • أهمية فهم مستويات الخطاب في فكر الإمام عبد السلام ياسين بحسب تدرجه الزمني وتطوره واستراتيجياته؛
  • ضرورة الوعي بأهمية المشترك الإنساني وضرورة الاصطفاف بناء على هذا المشترك؛
  • –  الحاجة إلى عمل جبار لتحديد المشترك الإنساني في علاقته بمفاهيم الوجود المتعين، والوجود المشروط، والوجود على قاعدة التسوية الطبيعية، مع الحذر من تداخل المفاهيم؛
  • طرح إشكالية القدرة على التأسيس لعلاقات دولية عادلة في ظل غياب توازن القوة بين شطري العالم، ومدى واقعية الخطاب الإسلامي في المجال في ظل ضعف المسلمين؛

           في محور الردود من السادة العارضين:

أكد الدكتور محماد رفيع أن قراءة اجتهاد الإمام في ما يطرحه من قضايا كثيرة يفترض استحضار البعد الاستراتيجي في التناول المنهجي، والذي سيؤدي إلى  أن الواقع المتردي للمسلمين لا يعني التشكيك في الأصول المبشرة المستقبلية للأمة، بل يستلزم النهوض الحضاري العام المحقق للقدر المقدور من أمور التدبير الإلهي للكون ولشؤون العباد، وهذا يعني تجاوز التفكير بمنطق وشروط الفتنة، وعليه فما يعرضه الإمام عبد السلام ياسين من حديث عن الميثاق الوطني والأممي و الإنساني الجامع وجب وضعه في سياقه الواقعي والتاريخي والاستشرافي المستقبلي.

أما السيد المحامي شعيب عاهدي فذهب في معرض رده على تعقيبات المشاركين إلى أن الإمام عبد السلام ياسين تناول قضايا تؤرخ لمستقبل العلاقات الدولية من منظور كلي، مؤكدا أهمية استكشاف ما يطرحه الإمام في المجال لبناء الحوار الكوني والعدل الدولي والتراحم الإنساني.

وسيدعو الدكتور البشير لسيود إلى إعادة النظر في قضية التربية الروحية ليكون لها آثارها الاجتماعية والمجتمعية، وإلى أهمية ربط الصلة بين النخبة والمجتمع، وإلى حاجة هذه النخبة إلى تربية روحية لتتخلق السياسة ويتم الانطلاق على الروحية الكونية.

وختم السيد الدكتور بدران بن الحسن بالتذكير بأهمية مثل هذه اللقاءات العلمية روحيا وفكريا ومعرفيا، وإلى تركيز الإمام عبد السلام ياسين على إخفاقات الحضارة الغربية قيميا رغم التقدم العلمي، مبرزا في هذا الصدد حاجتنا إلى مركزة الخطاب الروحي التربوي الإيماني في مقاربتنا للمشترك الإنساني عوض التركيز فقط على العوامل المادية الواقعية المشتركة، وأن الإمام عبد السلام ياسين اعتمد مقاربة بالإحسان لقضايا الإنسان وفق خط المدرسة المنهاجية وإننا في حاجة إلى تذكير الإنسان والإنسانية بمعرفة الله ومحبة الله.