الندوة الفكرية “التغيير في نظرية المنهاج النبوي عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله”

13 ديسمبر، 2014

بمقر جماعة العدل والإحسان بمدينة سلا، افتتح فضيلة الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان كلمته بالترحم على الإمام عبد السلام ياسين والدعاء له بعلو المنزلة والرضى. ودعا الله تعالى ان يجعل هذا المجلس مجلس حلم وتوبة وإنابة. ورحب بالضيوف الكرام مشيرا إلى أن الجماعة كانت تأمل عقد فعاليات إحياء الذكرى في مكان أوسع، لكننا مازلنا نكتوي بنار الحصار.

وذكر فضيلة الأستاذ حفظه الله بأهمية إحياء الذكرى الثانية في هذا البيت الذي احتضن تأسيس جيل العدل والإحسان، وعددا مهما من رباطات ومجالس العلم والتزكية. وأكد فضيلته على أن السؤال المهم الذي نتطرق إليه اليوم هو كيف نغير ما بأنفسنا ليغير الله ما بنا، مشيرا إلى أن صاحب الذكرى لا يزعم لنفسه العصمة ولا أحد من تلامذته يدعي ذلك.

وقد أعطى المسير الدكتور محمد منار الكلمة للدكتور عبد الواحد متوكل عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان الذي تحدث عن ثلاثة محاور:

المحور الأول: دواعي اختيار موضوع التغيير

لخص الدكتور متوكل دواعي اختيار موضوع التغيير في جملة عناصر هي:

موضوع التغيير ذو أهمية بارزة في المرحلة الراهنة لأن من “ينظر إلى أحوال البلاد العربية والإسلامية اليوم، بل وإلى أحوال جل البلدان المصنفة من العالم الثالث، لاشك يجد أن الهم الكبير الذي يشغل بال هذه الشعوب، ولاسيما النخبة المهمومة بأوضاع أوطانها، من مفكرين ومثقفين وسياسيين، هو كيف يتأتى تخليص هذه البلاد من الفساد والاستبداد والتخلف وما يرتبط بهذه الأوبئة من مآس امتدت لعقود، بل لقرون في بعض البلاد؟”

تعدد وجهات النظر داخل وخارج الحركات الإسلامية، إذ إن “الحديث عن التغيير يثير تساؤلات كثيرة، ولكل أجوبته التي قد تتفق مع أجوبة الآخرين أو تختلف. من ذلك، مثلا، ماذا يعني التغيير الذي يتحدث عنه كثير من الناس؟ من أين يبدأ؟ من فوق أو من تحت، من الإنسان أو المجتمع أو النظام السياسي؟ وإلى أين ينتهي؟ ما هي أهدافه، ووسائله، وغاياته؟ وما هي الشروط الضرورية لتحقيقه؟ وكم يستغرق من الوقت والجهد؟ وما هي العقبات التي تعترضه؟ وما طبيعة هذه العقبات؟ نفسية، اجتماعية، سياسية، أم كل ذلك أم غير ذلك؟”

قلة المعرفة بفكر الأستاذ رحمه الله ورؤيته للتغيير خاصة: ترجع إلى عدة أسباب منها سياسة الحصار التي اعتمدتها السلطة الحاكمة في هذا البلد تجاه الأستاذ رحمه الله منذ أن بدأ يبسط أفكاره وتوجهه الجديد في الأعداد الأولى من مجلة الجماعة. ومنها حملات التشويه المنتظمة، عبر كل الوسائل الممكنة، لأفكاره ومواقفه وذلك منذ خطا أول خطوة نحو العمل الحركي المنظم في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات. ومنها الحرمان من التواصل مع عموم الناس، وشواهده كثيرة مثل وأد مجلة الجماعة وجريدتي الصبح والخطاب.

المحور الثاني: تنبيهات حول كتب الأستاذ رحمه الله ومنهجه في الكتابة

أشار الدكتور متوكل إلى مجموعة من التنبيهات حول كتب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ومنهجه في الكتابة:

ضرورة التحري لمعرفة ما انتهى إليه رأيه في المسألة المطروحة، وهذا يقتضي الاطلاع على أكثر من كتاب من كتبه التي ليست جزرا مستقلا بعضها عن بعض، وإنما هي مترابطة بوشائج شتى ومن ضمنها القضايا ذات الأهمية الخاصة كمسألة التغيير.

ضرورة الانتباه إلى التسلسل التاريخي لصدور مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين لأن استحضار السياق الزمني مفيد جدا لمعرفة السابق من اللاحق. وحتى عندما يكون اللاحق امتدادا للسابق، فإن مقارباته لا تتم بطريقة واحدة، ولا يكون تماثل المضامين كلياً، فربما استدرك على أمر قد فاته، أو زاده توضيحا، أو أرفد موقفا من قضية معينة بحجج جديدة. ومما يعين على الوصول إلى المعلومة الصحيحة الانتباه إلى تاريخ تأليف الكتاب لا النشر.

ضرورة الانتباه إلى منهجه في الكتابة:

إن اهتمام الأستاذ ياسين البالغ بهذه القضية جعلته ينأى بنفسه عن النسج على منوال المطارحات الفكرية الجافة، ويعتمد بدل ذلك أسلوبا متعدد الأبعاد، يناقش، ويحلل، ويعظ ويذكر، ويبث الأمل، وينبه، ويبشر. ويساعده في ذلك تمكنه من اللغة العربية التي تطاوعه للتعبير عن المراد وبالصيغة المناسبة للمقام. ولم يكن هذا المسلك منه رحمه الله اعتباطيا، أو ناتجاً عن قلة معرفة بمناهج الكتابة المألوفة، لكنه منهج اختطه لنفسه عن وعي، وإيثارا لما يسميه بالأسلوب القرآني.

المحور الثالث: الأستاذ ياسين بعيون منتقديه

رأى الأستاذ عبد الواحد متوكل أن هناك عدة دراسات حول فكر الأستاذ ياسين رحمه الله أنجزها مغاربة وغير مغاربة من بلاد عربية أو من أروبا وأمريكا وكندا. فمنهم من سلك منهجا وسطا، وحاول جهد الإمكان جمع المعطيات المطلوبة، رغم عائق اللغة بالنسبة للأجانب، وخرج بخلاصات منها ما قد يقبل أو يرد، لكنها جديرة بالاحترام لما تلمسه من صاحبها من جهد للفهم والإنصاف. لكن في المقابل هناك كتابات أخرى غابت فيها، مع الأسف، الموضوعية وغاب فيها الإنصاف. ويتجلى هذا النمط من الكتابات في إصدار أحكام جاهزة دونما تثبت أو تدقيق، والتسرع في اعتماد أو تصديق تفسيرات لا تقوم على دليل معتبر.

وختم الباحث كلمته قائلا: “إن الإنسان الذي تحركه الرغبة في الهجوم والتنقيص لا يقف عند حد، ولا يبالي بما يقذف به ولو كان غاية في السخافة. وأنا هنا لا أتكلم عن الصحافة الرخيصة، وإنما عن مجال يفترض فيه قدر مفيد من التحري والموضوعية.”

الجزء الأول من الندوة:

افتتحت منسقة الجلسة العلمية الأولى الأستاذة خديجة مستحسن بتقديم سياق هذه الندوة ” التغيير في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله”، وأهمية هذا اللقاء العلمي في الكشف عن فكر وجهود وجهاد الرجل، وضرورة الانتقال من مرحلة تقديم الشهادات في حقه إلى مرحلة التعريف بمشروعه الشامل.

د. أحمد الزقاقي: “التغيير:مفهومه ومرجعياته”

اشتملت كلمة الدكتور أحمد الزقاقي (الباحث في الفكر الإسلامي وتاريخ المذاهب الإسلامية) على بيان

أسبقية رسم منهاج العمل والنظر عند الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، وهو منهاج في نظره “لا معنى له إلا إذا كان التغيير هدفه ومقصده وغايته”. وهو منهاج يشكِّل “ثمرة اجتهاد لهذا الزمان وهذا المكان”، ومنهاج رفيق لا عنف فيه، يحدوه الهدف الأكبر وهو “اقتحام العقبة إلى الله عز وجل”، ويطلب تحرير الإنسان والأمة.

ثم تحدث الباحث الزقاقي عن “القرآن ومعادلة القلب والعقل” مشيراً إلى أن مرمى حل معادلة القلب والعقل هو تجديد مناهج التعقل والتفكير، ومنبهاً على جملة أمور منها:

1.ليس القرآن مجرد تراث.

2.ليس القلب في نظر الأستاذ مجرد عضلة صنوبرية تضُخُّ الدم،فهو أعظم من ذلك وأكثر ،إنه هو الواسطة بين العقل وتلقي حقائق الوحي.

3.كانت جنايات الاستبداد على القرآن والمستنيرين به عظيمة.

4. لا يتحمل العقل القهر كيفما كان مصدره وشكله.

5.الاستبصار بالواقع.

كما تضمنت ورقة الباحث الإشارة إلى أن النجاح في عملية التغيير يتوقف على فقه الواقع وفقه التاريخ، وأن سوء فهم التاريخ من شأنه أن يجعل التاريخ واسطة وحجابا بيننا وبين القرآن، وأن سوء قراءة التاريخ ينم عن أزمة وعي تاريخي تُلقي بظلالها على الواقع الراهن. ثم بين الدكتور الزقاقي أن التَّتبُّع المُستقصِي لأقوال الأستاذ عبد السلام ياسين وأعماله يؤكد أن جوابه في الموضوع ليس عاما فضفاضا، بل أحاطه بمجموعة من التفاصيل والجزئيات يفضي استقراؤها إلى رسم قواعد كلية تتأسس عليها التربية الإيمانية، منها:

التربية الإيمانية هي “التزكية التي تصقل الفطرة وتُسْكِنُ في النفس مخافة الله”.

التربية الإيمانية هي طريق الحكم الراشد، طريق الشورى والعدل.

تقتضي التربية الإيمانية وضع “خِطَّة عملية” شاملة ومتماسكة ترسخ التَّهمُّم بالمصير الأخروي في معمعان التدبير التنظيمي والحركة السياسية..

أما عن مسألة تدبير علاقة الدعوي بالسياسي، فقد تم التنبيه على رهانات ومطالب ومحاذير ومزالق، منها:

رهان استقلال الدعوة ومضاء إرادتها لإحداث التغيير الجذري الشامل.

رهان حياة الدعوة بعد الوصول إلى الحكم بحياة الإيمان والإحسان.

مطلب استظهار الإسلاميين بذوي الكفاءات والتخصصات من كل نوع وفي كل ميدان.

رهان التماسك التنظيمي والسلوك الأخلاقي النموذجي والإشعاع الروحي.

محذور تحول الدعوة إلى جزء من هيكلية سياسية محضة.

محذور انصراف الدعوة بكليتها لتسيير دفة الحكم.

محذور أن يُغذِّيَ الإسلاميون الناس بالوعود والهتاف.

محذور الانهماك في الإدارة والضعف أمام دَوْلابِها اليوميُّ.

محذور أن يسْرِق الخبراءُ من خارج الدعوة المفاتيحَ فيصبح الأمر دولة بلا دعوة.

د. عبد العلي المسؤول: ” التغيير عند الأستاذ عبد السلام ياسين : موضوعه ومقاصده”

تحدث د. عبد العلي المسؤول (أستاذ التعليم العالي، الدراسات القرآنية بجامعة محمد بن عبد

الله المغرب) عن كون نظرية التغيير عند الأستاذ عبد السلام ياسين نظرية متكاملة مستقاة من كليات القرآن الكريم، ومن التطبيق العملي للسنة المشرفة، ومما أنتجه الفكر البشري، وما عرفه تاريخ الأمم والملل والنحل من أحداث ووقائع وطبائع.

وهي نظرية تروم إعادة بناء الأمة على أصولها، مستحضرة مقصدي العدل والإحسان في كل عملية تغييرية، إذ الشريعة جاءت آمرة بهما، وكانت الآية الجامعة لهما أجمع آية في الذكر الحكيم : (إن الله يأمر بالعدل والإحسان).

وأشار الباحث إلى أن الناظر فيما خطَّه الأستاذ رحمه الله تعالى في مكتوباته يخلص إلى أن محور التغيير وموضوعه عنده هو الإنسان الذي يراد تغيير سلوكه وأخلاقه وإرادته وعقله، كي ينهض بأعباء الدعوة والتعبئة والبناء، بل إن تغيير الإنسان عنده أسبق وآكد من تغيير السياسات والهياكل، فالتغيير الأول عنده أصلي والثاني تبعي.

ثم إن المقصد الأساس من التغيير عند الأستاذ ياسين هو تحقيق العبودية لله تعالى، وتحرير الإنسان، وإسعاد البشرية في العاجل والآجل معا. وأما مستقبل الأمة فيتهددها نظام الحكم العاض والجبري، وإصلاح ذلك يكون باختيار الأمة من يحكمها ويسوسها، عملا بمبدأ الشورى.

د. زبير خلف الله باحث تونسي أستاذ في جامعة أروبا الإسلامية

أكد الباحث في البداية على وجود كتابات عديدة في التغيير سقطت في البعد اﻻبستمولوجي. أما كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين فهي مقاربة عملية تقوم على أسس مبدئية مستمدة من الكتاب والسنة ومن قراءة الواقع…

واشتملت ورقته على ثلاثة محاور هي:

– 1-محور التغيير وأبعاده : أكد الباحث على أن الإمام ينظر إلى الواقع وإلى التغيير، ويعالج الالتباس الذي يلف مفهوم التغيير في علاقته بمفاهيم أخرى مثل الثورة. حل الامام هذا الالتباس باستخدام مفهوم القومة المشتق من فعل قام. وأشار إلى أن فكر الإمام رحمه الله هو فكر عالمي.

2- محور التغيير، وسائله وآلياته: ذكر مجموعة من الآليات منها اﻻستناد إلى:

مرجعية واقعية هي التجربة النبوية –

سلمية الخطاب ووسطية الفكر وهذه آلية قرآنية وهي قوة-

التمحور على المبادئ ..ولهذا المشروع سيستمر في المستقبل

اﻹصرار على التغيير..مهما كانت الظروف

استراتيجية التغيير ..وهي التخطيط الواعي لمنهجية التغيير

استراتيجية التوسع واﻻنتشار..

الميثاق التغييري على ضوء تجربة الرسول

آلية المرونة…

3—أما المحور الأخير من ورقة الباحث فكان حول مفهوم اﻷمة على ضوء نظرية المنهاج النبوي.

متعلقات:

المحور الثاني من الندوة الفكرية: “التغيير .. قضايا راهنة”

فعاليات الندوة الفكرية: الكلمة الإفتتاحية للدكتور عبد الواحد المتوكل

فعاليات الندوة الفكرية: مداخلة الدكتور أحمد زقاقي

0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

اتصل بنا

اتصل بنا


© Copyright 2019. All Rights Reserved.

Log in with your credentials

Forgot your details?