الأسس القرآنية لمجالات الإحسان في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين

0 1٬157

✍🏽 أ.م.د. أميد نجم الدين جميل المفتي

كلية العلوم الإسلامية/جامعة صلاح الدين أربيل-إقليم كوردستان العراق

omedmufty@gmail.com

 

المقدمة

الحمد لله المنعم إلى الخلق والمحسن إليهم، والصلاة والسلام على من هو في أعلى مراتب الإحسان، سيِّدنا رسولِ الله، وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

أمّا بعد: فإن الله خلق الخلق، وأسبغ عليهم نِعمه وإحسانه، فأرسل الرّسل وأنزل الكتب، وبيّن طريق السعادة لهم. والدّين الإسلامي من الأديان السماوية التي اهتمت بالإحسان اهتماماً بالغاً، لأنّه أساس تمييز الصّالح المُتَّزن عن العاصي المنحرف، فأخذ هذا الموضوع من أصلي التشريع الإسلامي (القرآن والسنة) مأخذاً عظيماً، فهناك العشرات من الآيات القرآنية تخصّ هذا المبحث القيِّم، ورسول الإسلام (صلّى الله عليه وسلّم) وضع المبدأ والأساس لتوضيح هذا المحور النّفيس، فقسّم (صلّى الله عليه وسلم) عموم الدّين إلى الإيمان والإسلام والإحسان[1]، فصار الإحسان ثلث الدّين، بل مطلوب في الثلثين الآخرين، لأنهما بحاجة إلى الإخلاص والجِدِّ والإتقان في القول والعمل، ولذلك بيّن (صلّى الله عليه وسلّم)  أنّ الإحسان فرضه الله على كلِّ شيءٍ[2].

وانطلاقاً من هذا الاهتمام فإنّ هذه المرتبة السامية شغلت عقول العلماء والمفكرين، نظراً لتوقّف تهذيب النّفس وتنقيح العمل عليها، ففصّلوا فيها واستنبطوا الكثير حولها، بياناً منهم لأهميتها، وتسهيلاً لسالكي طريقها. ولا غرابة من تسمية هذه الغاية النبيلة باسم علم السلوك أو التصوف أو الزهد والرقائق أو غيرها، بياناً لشرف المسمّى، ولكن الأهمّ من كلّ هذا: الغوص فيها، والتّلذّذ بلذَّة القرب من المعبود، بابتغاء المسلك الموصل إليها.

ولعلّ مسلمي هذا العصر من أكثر الناس حاجة إلى الإحسان، فهماً وتطبيقاً، نظراً لاستيلاء الحياة المادية وطغيانها على جميع مرافق الحياة، وكثرة أهل الأهواء والمضلِّين، ولكن الإسلام لم يفقد رجاله الصادقين المخلصين، ونحن من خلال هذه النافذة المباركة، نقف عند فكر الأستاذ المربي والمفكر المعاصر الشيخ عبد السلام ياسين، ونبيِّن الأسس القرآنية لمجالات الإحسان في فكر هذا الأستاذ الجليل من خلال مكتوباته، هذا الأستاذ الذي استلهم أفكاره من نصوص القرآن ومنهاج النبوة (على صاحبه أفضل الصلاة والسلام)، ومنهما معينه، وعليهما اعتماده.

وقد استدعى الأمر منّا أن نقسم بحثنا إلى ثلاثة مباحث، مسبوقة بالمقدمة ومختومة بالخاتمة؛ فالأول من المباحث لخّصنا فيه مبحث الإحسان في القرآن، والثاني خصّصناه لبيان الإحسان في منهاج النبوة (على صاحبه أفضل الصلاة والسلام)، ثم يأتي الثالث والأخير من هذه المباحث، وهو لبيان مجالات الإحسان في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين، وذلك من خلال مختلف كتبه العلمية. أملنا كبير أن ينال البحث رضا الدارسين، ويكون باكورة أعمال أوسع، للاهتمام بأهل الفكر والعلم والصَّلاح من الأمة الإسلامية، ونشر أفكارهم الفياضة بين المسلمين. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?
Reload Reload document
| Open Open in new tab

تحميل [409.91 KB]

 

المبحث الأول: الإحسان في القرآن الكريم

تنوعت مباحث الإحسان في القرآن الكريم، فوردت مادة (حسن) فيه بجميع صيغها مائة وثلاث وتسعين مرةً[3]، وباستقراء النصوص القرآنية نرى أن معانيها تدور حول: الجمال، والطيِّب، والإتقان، والإجادة، والإحكام، والمبالغة في أداء الطاعات كمّاً وكيفاً، والشيء المرغوب فيه، والنصر والغنيمة، والقول المعروف، والبِرّ، وغيرها[4]، ومن حيث الحكم الشرعي فإنّ الإحسان القرآني يرد بعد أمور واجبة، أو مندوبة، أو مباحة[5].

والإحسان عموماً مطلب قرآني، إذ أمر الله به بعد العدل في قوله: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ“النحل:90، ولم يكتف بهذا العرض الموجز، بل تطرّق إلى أنواع متعدِّدة منه، مثل: الإحسان إلى الوالدين، والأقارب، واليتامى، والمساكين، والجار، وابن السبيل، والسائل، والأبناء، والزوجات، وإلى ما ملكت اليمين[6]، وهناك من أنواع الإحسان القرآني: إحسان الله إلى المخلوقات، وإحسان الإنسان إلى نفسه وما حوله[7]. وباعتبار الصيغة القرآنية، فهناك الإحسان الوارد على صيغة الإخبار والدعوة إليه، وهناك نصوص النهي عن ضدّ الإحسان من الإساءة[8]. وأيضاً هناك إحسان في مجال العبادات، وإحسان في المعاملات المالية، وإحسان في الأحوال الشخصية، وإحسان في القضاء، وإحسان في مجال الدعوة إلى الله، وإحسان في مجال البر والصلة، وإحسان في السِّلم والحرب[9]. وكذلك تطرَّق القرآن إلى ثمار الإحسان وثواب المحُسِن، فهناك الثّواب الدّنيوي للمحسن بغض النّظر عن معتقده، لأنّ القاعدة القرآنية: “هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاّ الإِحْسَانُ” الرحمن:60، وهناك الثواب الأخروي أو كلا الثوابين للمؤمن بحياة الآخرة[10].

فمن خلال ما سبق نستطيع أن نقول إنّ القرآن الكريم أشبع القول في الإحسان كمفردة وكموضوع، ووضع الأساس له، فبيَّن المفهوم منه، وذكر أنواعه المختلفة إيجازاً وإطناباً، ووضَّح صفات أهله، ثمّ أردف كلّ هذا ببيان ثماره وما يجنيه المُحسن.

 

المبحث الثاني: الإحسان في منهاج النبوة (على صاحبه أفضل الصلاة والسلام)

رسم النّبي (صلّى الله عليه وسلّم) معالم الإحسان في حديثين من جوامع كلمه (صلّى الله عليه وسلّم)، وهما: قوله (صلّى الله عليه وسلّم): “إنّ الله كتب الإحسان على كلِّ شيءٍ”[11]، وقوله (صلى الله عليه وسلم): “الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك”[12]. فنستطيع أن نجمع جميع الأحاديث الواردة في الإحسان تحت أحد هذين المبدأين. يقول الإمام النّووي عندما يشرح الحديث الأول: (وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد الإسلام”[13]، وقال عن الحديث الثاني أيضاً: “… هذا من جوامع الكلم التي أوتيها (صلّى الله عليه وسلّم)… “[14].

ومن خلال هذين المبدأين نستطيع أن نرسم للإحسان أقسامه في الإسلام، فهناك: إحسان متعلق بعلاقة العبد مع الله، وهو الذي بيّنه المبدأ الثاني: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. وإحسان في التعامل مع النفس والناس، فضلاً عن كيفية التعامل مع الله، والذي رسمه المبدأ الأول: “إنّ الله كتب الإحسان على كلِّ شيءٍ”.

وقد قرّر النّبي (صلّى الله عليه وسلّم) بسنته القولية والفعلية والتقريرية المدلولات التي وردت في كتاب الله حول الإحسان، فضلاً عن ذلك أثبت (صلّى الله عليه وسلّم) تعريفاً جامعاً مانعاً للإحسان، ولم يكتف بالتعريف، بل أوضح أنّ المحسن الحقيقي والإحسان الحقيقي هو من الله تعالى، فيقول (صلّى الله عليه وسلّم): “إنّ الله محسنٌ يحبّ الإحسان إلى كلّ شيء …”[15]، وكذلك وضع المبدأ الأساس للإحسان بقولين من مجمل الكلام من حيث الكلمات، ولكنهما من أوسع العبارات من حيث المدلول والمفهوم، حتى كتب ابن تيمية عن حديث الإيمان والإسلام والإحسان مئات الصفحات[16].

نستطيع أن نقول ملخّصاً: لمّا كان الإحسان بمعنى الإخلاص والإتقان والبِرّ عموماً، فإنّ السنة النبوية (صلّى الله عليه وسلّم) كثيراً ما تهتم بهذه الأمور في حياة المسلم، وتحاول تقريرها في كيان المسلم والجماعة المسلمة، لتوقّف صلاح العبد والمجتمع عليها. والبحث في تفاصيل هذه الأمور يحتاج إلى أطاريح وبحوث مفصّلة، لا يلائم مثل هذه الدراسة.

  

المبحث الثالث: مجالات الإحسان في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين

لم يخرج فكر الأستاذ عبد السلام ياسين في تحليل مفردة الإحسان وبيان المسائل الإحسانية عن القرآن والسنة النبوية الشريفة (على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام)، فجُلّ كلامه مستلهم من نصوصهما، إمّا نصّاً أو مفهوماً، أو وصل إليه من خلال التفكّر والتعمّق فيهما.

وقد تحدّث الأستاذ عن الإحسان في مجالات متعدّدة، بدءاً من التّعريف به، ثمّ كيفية تجسيده في حياة المسلم، وأهميّته ومكانته في الدِّين، وكذلك توضيح مقاماته وصفات أهله، وغيرها من المباحث والمحاور المتعلّقة. ويمكننا هنا أن نجمع أُسس الكلام حول الإحسان ومحاوره لدى الأستاذ في النّقاط الآتية:

  1. المفهوم والأنواع: أوّل ما نبدأ به من كلام الأستاذ التّعريف بالمصطلح وبيان المفهوم منه، فمن معانيه عنده: الإتقان، وتحسين العمل والصِّدق والدِّراية فيه، ومراقبة الله ذي الجلال، والحكمة، والمداراة، والإحسان إلى الناس. يقول الأستاذ: “… إن الإحسان بمعنى الإتقان والدِّراية…”[17]، ويقول عندما يتكلَّم عن أهل الحديث: “… إنّ أهل الحديث “رضي الله عنهم” هم أهل الإحسان بالمعاني المتعدِّدة للكلمة: إحسان في العبادة، وإتقان لصناعتهم الجليلة، وإحسان للخلق كافةً بما حفظوا عليهم من هذا الدين…”[18]، ويقول في موضع آخر عن مقام الإحسان وتعريفه عندما يشرح كلام الشيخ الكيلاني عن الصّحبة: “… التعلّق بخالق الدّنيا والآخرة… وهذا هو مقام الإحسان”[19]، وقال أيضاً: “الإحسان بواعث تسمو بالهمة، وخير يبذل، ووضع للأمور مواضعها حكمة وإتقاناً ومداراةً وسياسةً، يكنفها الصدق”[20]، وبيّن في موضع آخر حاجة المرء إلى الإحسان وإن لم يكن ملتزماً ومتديّناً، لأنَّ سرّ النجاح والفلاح الدنيوي والأخروي عليه، وذلك بجامع حاجتهما إلى الإتقان والإخلاص، يقول الأستاذ: “… الإحسان، أي: الدِّقة والإتقان فيما ننجزه من عمل، الدِّقة في أوصافه الإحسانية من حيث الإيمان، ومعيار هذا موافقته لأمر الله ورسوله، ثمّ الدقة في مواصفاته العملية ليكون ملائماً للهدف المرجو منه، دنياً وآخرةً”[21]، وقال في موضع آخر: “والإحسان أن تحسن عملاً، وتتقن الفنون البشرية المتاحة المسخرة، لتمتَدَّ يَدُ القوة المعدَّة سبباً واصلاً بين السماء والأرض، دعاءً عملياً، واستفتاحاً ميدانياً لأبواب النّصر”[22].

ومفهوم الإحسان موضوعياً أجمعه الأستاذ في: إحسان في علاقة العبد مع الله، وآخر في علاقته مع نفسه، والثالث فيما بينه وبين الناس. يقول الشيخ: “لفظ “الإحسان” يدلّ على معاني ثلاثة، ورد بها القرآن ووردت بها السنة: 1- الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. 2- الإحسان إلى الناس، كالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والمسلمين وسائر الخلق أجمعين.3- إحسان العمل وإتقانه وإصلاحه،سواء العمل العبادي أو العادي أو المعاملاتي”[23]. ثمّ يردف هذا بقوله: “مجموع هذه الدلالات يعطينا مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، يعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء”[24]. ويقول: “… ما الإسلام شيء، بل حركة. ما الإيمان خفايا، بل علاقة حيَّة بين العبد وربه رحمة، وبينه وبين الكون حكمة. ما الإحسان سبح في عالم الروح، بل تحسين مستمر متصاعد للعمل الصالح”[25]. ويقرن الشيخ بين الإيمان والإحسان في التعريف، فقال عنهما: “…عن الإيمان والإحسان نبحث، فنجد أنهما عقد بالقلب، يتبعه نطق باللِّسان، وعمل بالجوارح”[26].

وذكر الأستاذ للإحسان أنواع عدّة، منها: الإحسان الذي يحتاجه المجتمعات لتحسين أدائها، ولتنشئة الجيل الصالح الذي ينتفع منه الناس جميعاً، وهو المتمثّل في الإحسان بين الزوجين، من الطرفين حيناً، أو من أحدهما للآخر حيناً آخر، يقول الشيخ: “الحياة الدنيا دار بلاء، يخفّف وطأة البلاء تعاون المرأة والرجل المؤمنَين على الصّمود أمام الشّدائد وعلى اقتحام العقبة بالعدل في الغُنْم والغُرم، وبالإحسان والبِر والتسامح والإسعاف الحنون والمودة والرحمة، تشُدُّ المرأة عضُدَ الرّجل وإن اقتضى الأمر تنازلها عن بعض حقوقها تكرماً منها، ويعترف الرّجل بفضلها فيسابقها إلى الإحسان”[27]، وفي شأن الإحسان إلى الزوجة، يقول: “تُعامَل بالإحسان، إحسان الرجل الروحيُّ يفيض عليها رِفقاً وعطفاً ومحبةً ووداً، وهي تتكرّم فتصبر وتتحمّل وتكافئ الإحسان بإحسان[28]، ويقول عن إحسان المرأة: “… أقرب الناس وأولاهم بإحسان المرأة زوجها، لا تكلّفه ما لا يطيق، ثمّ يفيض خيرها”[29]، وكذلك على المجتمع أن يتحلّى بالإحسان والعطف الّذي تتحلّى بهما المرأة، حيث قال الشيخ: “هذا الاستعداد الفطري عند المرأة للإحسان والعطف ورعاية الضعيف والمحروم ينبغي أن تتوج في المجتمع الإسلامي بالإحسان الروحي لكي يسد هذا الإحسان الفردي والمنظم ثغرات لا يسدها عدل الدولة البعيد عن ساحة البلاء، المُجَرَّد لعمومه وبعده عن المشاعر الإنسانية التي تئن لأنين المريض وتقاسم الآلام مع البائس في المكان والزمان والأزمات العينية والضرورات الطارئة”[30].

  1. تفاوت درجات الإحسان: يتفاوت حظّ العباد من الإحسان وذوقه، نظراً لتفاوت درجاتهم في حبّ الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، وصدقهم، يقول الشيخ: “… ثمّ يتفاوت المؤمنون في ذوق الإيمان والإحسان على حسب حبِّهم للهِ ورسوله، وذِكرِهِم، وصِدقهم، وتجرُّدِهِم …”[31]. فالإحسان الذي هو الكمال لا ينال بالتمنّي فقط، بل يتوقَّف على قابليات العبد وجهده واستعداد تلقيه، يقول الشيخ: “القابليات للكمال الإحساني متفاوتة عند العباد، فمنهم من لا استعداد له لتجاوز الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء كما جاء في الحديث، يتقن أعماله العبادية والجهادية والمهنية حتى يكون نموذجاً، وهذا إحسان ينتظر من كلّ المؤمنين، ومن العباد من يكون إحسانه مع إحسان الإتقان موقفاً دائماً أمام الله عز وجل، ذكراً لجلاله وحضوراً معه ومع أمره وشريعته، وشوقاً إلى النظر إلى وجهه، وحباً للقائه والموت في سبيله، أولياء الله درجات، والولاية الكبرى، ولايةً فتح البصائر ونورانية الشهادة بين الناس بالقسط درجة خاصة يصطفي الله لها من يشاء من عباده”[32].
  2. طريق نيله: حدّد الأستاذ ثلاث طرق لنيل الإحسان، وهي: “… سماع وقَبُول وتربية…”[33]، فيحتاج من يبتغي طريق الإحسان إلى أن يعرف، ثمّ يقوم بتحويل ما سمعه وعرفه إلى التطبيق والعمل المعبَّر عنه بالقبول، ثمّ بعد هاتين المرحلتين تأتي التربية الإحسانية التي هي الكمال والقمّة، وتسهيلاً للسموّ إلى هذا الكمال وطيِّ هذه الطرق على وجهها، حدَّد لنا الأستاذ التلقّي والتأسّي بأهل الإحسان الذين نالوه بالجهد، وهم الذين يقولون عن الدراية، وقد سمّاهم الشيخ عبد السّلام (أهل الطريق)، من الأتقياء والأولياء الصالحين، أهل التخصص لهذه المرتبة السامية، إذ قال، عندما يتحدّث عن الشيخ حسن البنا: “…لكن التربية القلبية التي تُرَسِّخُ الإيمان، وتسمو بالروح لمعارج الإحسان، تلقاها على يد أهل الطريق، كما تلقّاها الغزاليُّ وما لا يُحصى من علمائنا العاملين”[34]. ولا بدَّ لطالب الإحسان أن يغض الطرف عن مستواه العلمي، يقول الشيخ عندما يتكلم عن الصلة بين الصوفية وتلامذتهم من الفقهاء: “… وكذلك من أعيان الفقهاء من جميع المذاهب، تجد الفقيه بعد استكمال طلبه للعلم أو أثناء الطلب، يلتمس ولياً مرشداً يصقل قلبه بالإحسان. هذا الإمام السيوطي جامع علوم عصره المتبحر المتفنن الذي نازع معاصريه الزعامة وقارعهم بعناده واعتداده بنفسه، يلجأ إلى المشايخ الشاذلية، يتخذهم قدوة وأدلة…”[35]، ثم بيّن أن من أراد السمو في الجانب الإحساني فلا بدّ أن يكون له إلمامٌ بالعلماء الأعلام، يقول الشيخ: “رحم الله علماءنا، إن تأسينا بهم في الاعتصام بالإيمان والإحسان فلن يبعدونا عن القرآن …”[36]. ويتحدّث في موضع آخر عن الموضوع نفسه، ويقول: “… فإذا شهد الإنسان أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ووفَّى بحق هذه الشهادة، فقد دخل في الديِّن وكان مسلماً. ثمّ إنْ عبد الله عز وجل وفتح الله قلبه للإيمان انتقل من مراتب الإسلام إلى مراتب الإيمان. ثم إن نوَّر الله ذلك القلب وحلاه بمعرفته ارتفع الإنسان إلى مقامات الإحسان والإيقان والكمال”[37]. وكثيراً ما يهتم الشيخ بأقوال أهل الإحسان والسلوك من القدماء والمعاصرين، منهم: الشيخ عبد القادر الكيلاني، والإمام الغزالي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ حسن البنا، والشيخ سعيد حوى، وغيرهم. فمثلاً عندما يتكلّم عن أهمية أخذ الإحسان عن أهله الذين سمّوا في المجتمعات المسلمة بأهل الطريقة يقول: “…لكن التربية القلبية التي تُرَسِّخُ الإيمان، وتسمو بالروح لمعارج الإحسان، تلقاها على يد أهل الطريق، كما تلقاها الغزاليُّ وما لا يُحصى من علمائنا العاملين”[38]. وعندما تكلّم عن الصّحبة وأهميّتها، يستدلّ بقول الشيخ الكيلاني، ويصفه بـ: “… أحد الخبراء بالتربية والآداب الإحسانية من رجال هذه الأمة…” ووصفه بعد هذا بالحكيم المربي[39]. وكذلك يشجّعنا لدراسة أسلافنا الكرماء من أهل العلم والإحسان لبناء المستقبل المشرق، حيث قال: “… إننا في بحثنا عن المنهاج الإحساني لا نستطيع أن نتخطى تاريخنا، العبرة بالتاريخ سمة يتحلّى بها أولو الأبصار، وفهم تاريخنا ذكرى، وما يذّكّر إلاّ أولو الألباب…فقه أئمة التربية الصّوفية ثروة لا غنى عنها، لأنه فقه قلوب تغذّت بذكر الله، وتفتّحت لنور الله، وفقه الفقهاء المذهبيين ثروة، وأثل لنا المحدثون علماً شامخاً، وأسس الأصوليون صرحاً عليه كان مدار فهم الشريعة، ولا غنى لنا عن كلّ هذا في مستقبل الإسلام. لكن هذه الكنوز تبقى غامضة المغزى ضبابية الدلالة، إن لم نتابعها كيف نشأت، وفي أية تربة نبتت، وبأيّ مياه سقيت، وأية أيدٍ تناولتها، وأية جهةٍ رعتها، وفي أية حدود استطاعت أن تزدهر، وإلى أيّ مَدى وتحت أية ضغوطٍ اضطرّت أن تنكتم،… إنْ قَفَزْنا فوق تاريخنا فاتتنا العبرة وفاتنا الاستبصار واختلط علينا اللّبّ والجوهر، بالقِشر والأعراض. وبفوات ذلك نرتطم بالواقع الذي نريد أن نغيره، بَدْءاً بواقع أنفسنا التي نريد أن تكون محسنةً”[40]. وفي مكان آخر يذكر الشيخ متطلبات التربية الإحسانية، وهو دمج جهاد النفس مع جهاد العلم والعمل، فلا إحسان من غير جهاد النفس والعلم والعمل معاً، حيث قال: “ينبغي للتربية الإيمانية الإحسانية أن تربط جهاد النفس لترويضها على الحق بجهاد العلم والعمل”[41]، ويقول: “… هذا الإحسان الإتقاني يريد علوماً كونيةً مستندةً إلى العلم بالله والعلم بشريعة الله، وإلاّ كان كبعض أعمال البشر الكافرين، الدُّنيا مولِده ومقبرته”[42].
  3. الإحسان والحاجة إليه في مجالات الحياة المتعددة: الإحسان مطلب ضروري لإنجاح العمل وإنجازه على أتمّ الوجه وأكمله أياً كان هذا العمل، اقتصادياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو غيرها من النواحي الحياتية، فإنجاز المهام في الحياة يتوقّف على: الوضوح، والإحسان والإتقان. حيث قال: “والقدرة على إنجاز مهماتنا التاريخية تريد منا: 1- الوضوح في كلّ الخطوات. فلا نعمل في إطار مغلق على أنفسنا مهما كانت دواعي التستر. ولا نعمل في إطار مغلق عن الشعب، فإن الدعاية الداخلية والخارجية ضدنا تلفق علينا الأباطيل. يجب أن نعرف أننا مع الله ورسوله وبالتالي مع المستضعفين، نريد عدلا للناس كافة، وتقسيم أرزاق، وتقسيم أموال، بعد إنتاج أرزاق وأموال. 2- الإحسان: أي الدِّقة والإتقان فيما ننجزه من عمل، الدِّقة في أوصافه الإحسانية من حيث الإيمان، ومعيار هذا موافقته لأمر الله ورسوله. ثمّ الدِّقة في مواصفاته العملية ليكون ملائماً للهدف المرجو منه، دنياً وآخرةً. يحب الله الإحسان، الإحسان بمعيار الصّواب الديني ومعيار الصلاحية التقنية. فإن اكتفينا بصلاح النيات ولم نعط لأعمالنا ما يؤهلها لسد ثغرات العجز التكنولوجي، والإداري، والتنظيمي، والسياسي، والاقتصادي، فيليق بنا أن ننزوي في ركن هادئ من أركان التاريخ”[43].

وقد وقف الأستاذ عند دور الإحسان في الواقع الاقتصادي للمجتمعات وقفة متأنية، وبيّن أنّ الإحسان ميزة النّظام الاقتصادي الإسلامي ولا يوجد في غيرها من النّظم الاقتصادية، إذ فتوى المفتين وتحذير عقلاء المجتمع لا يكفيان لمنع الشّحّ والاحتيال والتّنافس بين النّاس مثلاً، ولكن التربية الإحسانية الموجودة في الإسلام كفيلة بذلك، فلذلك البنية الاقتصادية المتينة بحاجة إلى الإحسان، يقول الأستاذ: “… التربية الإيمانية الإحسانية وحدها كفيلة بالنفاذ إلى الأعماق الداخلية، حيث منبع الخير والشر في الفرد، منه تخرج إلى المجتمع صلاحاً أو فساداً، عدلاً أو جوراً، عمراناً أو تخريباً. فها هي ذه أدوات معالجة الاقتصاد من وجهة إسلامية، معايير كمية مادية، وأخرى قانونية شرعية، وأخرى نفسية تربوية، ومن تفاعل الحقائق التي تتناولها هذه المعايير ينتج المذهب الإسلامي في الاقتصاد، فلا يمكن مقارنته بالمذاهب البشرية، لغياب العنصر النفسي الأخلاقي التربوي في تركيبها، وخاصة لتنافي قانونها الأرضي مع قانون السماء الشرعي”[44].

وفيما يتعلق بالحرية الاقتصادية في الشريعة الإسلامية، فللإحسان أيضاً دوره الفعال، لأنّ الإسلام أعطى الحرية للاقتصاد، ولكن داخل دائرتين، هما: دائرة الحلال والحرام، ودائرة الإحسان. يقول الشيخ: “يتعهّد الإسلام بإعطاء الحرية الاقتصادية للأفراد داخل دائرتين، لا يسمح للفرد بتعديهما، الدائرة الأولى هي حدود الله المتمثلة في أحكام الواجب والمحرم، في البواعث الحافظة لمقاصد الشريعة …أمّا الدائرة الثانية التي لا تخنق الحرية لكن تصعدها لتستعلي على الأنانية، فهي دائرة الإحسان، وهو أن يعبد المؤمن الله تعالى كأنّه يراه، أي: أن يراعي وجهه الكريم في كلّ ما يأتي وما يذر من أعمال، ليكون سعيه في الأرض ابتغاءً لوجه الله عز وجل”[45].

  1. ثمار الإحسان: يتجلّى من الإحسان ويشعّ منه الصفو والجلاء والفطرة السليمة، ويزيد الله الهداية للذين تحلّوا به جزاءً منه سبحانه. حيث قال الشيخ: “قومة الإحسان التي تزيح عن وجه الفطرة وعن صفحة القلب ما علق بها في الماضي، وما يعلَقُ بها في المعافسات اليومية، من غيْن الذنْبِ ومُلاحاة الخلق ومغريات الشهوات”[46]. وعلى هذا فالإحسان لا يقتصر على القلب والباطن، بل له آثاره وثماره وتجسده في جميع التصرفات، يقول الشيخ: “ويتجسد الإحسان القلبي في مظهرين يسمّيان لغةً وشرعاً إحساناً. أحدهما: البِرُّ والعطاء والسخاء والمواساة والإسعاف والعطف والحنان. والآخر: إتقان العمل،كلّ عمل. إتقانه نيةً ليتقبله الله الذي إنّما يتقبل من المتّقين، وإتقانه إنجازاً وتنظيماً ليحصل الأثر النفسي في العبادة الفردية والأثر السياسي الاقتصادي الاجتماعي في العبادات الجهادية”[47]. فضلاً عن كلِّ هذا، فالإحسان من أسباب الفَرَجِ وفتح البصيرة والتلقّي عن الله، إذ يقصُّ لنا القرآن في قصّة سيّدنا إبراهيم (عليه السلام) هذه الحقيقة، يقول الشيخ في هذا المبحث: “ننتقل من ميدان مصارعة الباطل إلى ميدان التلقّي عن الله تعالى، فالثبات في ذلك الميدان ثمن لولوج هذا الميدان. قال الله تعالى لإبراهيم بعد أن استعد إبراهيم (عليه السلام) لتنفيذ ما أمر: “فناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. إنّا كذلك نجزي المحسنين” الصافات: 105، فجعل سبحانه تصديق الرؤيا من سمات الإحسان…والرؤيا الصالحة رؤياً يراها المؤمن أو ترى له، غير الأحلام المشتركة بين البشر، الرؤيا الصالحة جزء من النبوة، هي وحي من الله للعبد الصالح، تشجِّعه على سلوك الطريق إلى الله…”[48].
  2. مكانة الإحسان: للإحسان مكانة مرموقة في الدين، وكفاه مدحاً أمْرُ الله به، حيث قال: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” النحل:90. يقول الشيخ في هذا الصّدد: “… يتبع الإحسان العدل كما تتبع النافلة الفرض، وتتبع صدقة التطوع الزكاة الواجبة، تكملها وتسد حواشي الحاجة. فإذا كفت الزكاة لإقامة العدل، وهو الحدّ الأدنى من قسمة الأرزاق، وإلاّ تأكّد الإحسان واقتربت درجة التطوّع من درجة الإلزام”[49]، ويقول أيضاً: “إنّ هدف العدل، وهدم الحواجز الطبقية، وتقريب الشقة بين الأغنياء والفقراء في اتجاه أكبر قدر ممكن من المساواة في القسمة، أهم ما يجب أن تتصدّى له الدولة الإسلامية. هذا الهدف الاجتماعي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد وتنظيمه، وازدهاره، وتوزيع الأرزاق بواسطته. أمّا الإحسان، وهو المحسن اللاحق بالعدل، المكمل له، فهو من شأن الدعوة، والتربية، ومخالقة المسلمين بعضهم بعضاً بالخلق الحسن، وتعارفهم، وتباذلهم، وتواسيهم، وتكافلهم. ولكل هذا السلوك آداب مستحبة، ودقائق من الرعاية والعناية، تمهِّد لتسود الألفة بين المسلمين…”[50]. ويقول في موضع آخر: “… الإحسان رتبة في الدين ودرجة في التقوى، لها الأهمية القصوى…”[51]، وقال أيضاً: “الإسلام تأسيس للأركان، والإيمان بناء وتشييد، والإحسان هو القبة، ومن مجموع الإسلام والإيمان والإحسان يتكون الدين، الدين مراتب ودرجات”[52]. ويذكر أيضاً أن للمسلمين غاية اجتماعية متمثلة في (العدل)، وغاية شخصية، وهي الإحسان[53]. وقال عن أهمية العدل والإحسان: “بالعدل والإحسان تتقدّس الأمة، وبرذائل الظلم والنفاق والشعارات الدعِية تترذلذ”[54].

وكذلك الإحسان ركنٌ لتجديد الإيمان، لأنّ أسباب تجديد إيمان العبد أمران، وقد ذكرهما المصطفى (صلّى الله عليه وسلم) في أحاديثه الشريفة، وهما: الصّحبة، والعبادة بأنواعها. وذكر الأستاذ ركناً ثالثاً استنبطه من أصلي التشريع، وهو: “صدق الرجوع إلى الله تعالى، وصدق النية، وإخلاص العبودية له اعترافاً وطاعةً. وأعلى الصّدق صدق طلب وجه الله عز وجل. فذلك هو التطلّع إلى مقامات الإحسان والإيقان. وما يُلَقّاها إلاّ ذو حظٍ عظيمٍ”[55]، بل نصيبنا من الدّرجات العُلى مرهونٌ بمقدار رسوخنا في مرتبة الإحسان، إذ يقول: “… الإحسان درجة فوق الإيمان والاهتداء بالقرآن والاسترحام به والاستدلال بآياته الحكيمة وآيات الله في الكون، لايحق لنا منه نصيب إلاّ بمقدار ما معنا من إحسان”[56].

  1. الإحسان غاية ينالها الخواص: الإحسان غاية في حياة المسلم، ولا بدّ أن يحتفظ المسلم بمكانة الإحسان الريادية، يقول الشيخ: “الإحسان والإيمان، يتحلّى بهما الفرد المجاهد الطالب ربه، هو الغاية. في أعلى سلم المطالب -مقاصد الشريعة- …”[57]، ويقول: “… الإحسان غاية الغايات ومحط نظر ذوي الهمم العالية من الرجال …”[58]، وقال: “… إن كان الإحسان رائداً فلا مخافة من الزيغ”[59]. بل هو من خصوصيات عباد الله المقربين، وإن كان عموم الناس مكلفين به، إلاّ أن الغوص فيه وكشف دقائقه من شأن المقربين المخلصين، أو من شأن مَن هم ذو حظٍ عظيمٍ، يقول الشيخ: “الإحسان درجة خاصة واصطفاء، ينبغي أن يتوق إليهما كل المؤمنين، لكن تعيين أصحابهما ليس من اختصاص البشر”[60]، ويقول: “… التطلُّع إلى مقامات الإحسان والإيقان، وما يُلَقّاها إلاّ ذو حظّ عظيم”[61]. وكذلك مقامات الإحسان ودقائقها لايفهمها إلاّ الخواص، يقول الشيخ: “فالمخاطب بمقامات الإحسان والعرفان والتقرّب من الله هم كافة المؤمنين ولا يفهم هذا الخطاب ولا يستجيب له إلاّ من خصّهم الله برحمته. أمّا المخاطب بالعدل، بالكرامة، بالخبز، بالصحة، بالمدرسة، بالهمّ اليومي، فهم عامة بني الإنسان”[62]. وكذلك لا إحسان إلاّ لمن تأهل إلى المراتب العليا وله استعداداته، حيث يقول الشيخ: “لكلمة إسلام معنى عام يشمل في مدرجته كل معاني العبودية لله تعالى، وله معنى خاص عندما يطلق على درجة من درجات العبودية. إنه لا بد لنا من تصنيف الناس في مجتمعاتنا الإسلامية لنعرف أين كل واحد من هذا السلم المرتقي من إسلام لإيمان لإحسان. ثم لا بد لنا عند التربية أن ننتظر ثمرة التربية، وهي ارتقاء أصحابنا من إسلام لا يتميز عن عامة الناس، إلى إيمان يتكامل فيؤهلهم للدخول في الصف، ثم يتكامل فيؤهلهم للجهاد في الصف، ثم ترق ثالث يرفع ذوي الاستعداد من رجال الصف إلى مرتبة الإحسان”[63]. ويقول عن أهمية الإحسان، خصوصاً في هذا العصر: “هذا التماسك الموروث بالانتساب القلبي، بالتحاب في الله، والخلة في الله، والتواصي بالحق والصبر، هو كان ولا يزال روح الأمة ومناط وجودها وبقائها ومنعتها على الفتن. في عصرنا توشك هذه العروة القلبية أن تتلاشى. لذلك يكون المطلب الإحساني أسبق المطالب في سلم الأولويات، ويكون طب القلوب أهم علم، وتطبيقه أهم عمل”[64].
  2. صفات أهل الإحسان: لا يصل العبد إلى مرتبة الإحسان إلاّ بعد التحلِّي بصفات أهل الإحسان، ومن خلالها يعرف العبد مكانته من هذه المرتبة وقربه من الكمال، ومن هذه الصفات: نبذ الكبرياء والأنانية في القلب، وعبادة الله على المحبة لا الخوف والرجاء، وحبّ الخير للناس والشفقة في حقِّهم، وبذل الجهد لهداية الناس إلى صراط الله. يقول الشيخ: “الإحسان من شرائطه ذبح الكبرياء الزائفة والأنانية المتعالية، لتكوني ذليلة على المؤمنات عزيزة على الكافرات، ذليلة بمعنى الملايَنة والمحبة التي تغطي على الهفوات، لا الذل بمعنى سقوط الهمة والارتماء على عتبة القوة والمال والشهوة…”[65]. ويقول: “… عبودية الخوف والرجاء شرعٌ نحن مطالبون به، لكن عبودية المحبة – وهي درجة فوق الأولى- هي وحدها معيار انتقال المؤمن من مراتب الإسلام إلى مراتب الإيمان والإحسان”[66]. وبيّن صفات من آتاه الله الإحسان، بقوله: “إذا منح المولى عزّ وجل العبد نصيباً من الإحسان والإيقان،كان من الشّفقة على الخلق وحبّ الخير لهم، والحرص على أن يهديَ الله به ولو رجلاً أو امرأةً، بحيث يكاد يبْخَعُ نفسَه أن لا يكونوا مؤمنين. أمّا المُعْجَب بنفسه المتعالي على أبناء جنسه فَيَحْسِبُ البغضَ في الله -وهو من الإيمان- أن ينسِف الجسورَ بينه وبين الخلق، ويُكَفِّرَ، ويكفَهِرَّ في غير مواطن ذلك”[67]. ويقول أيضاً: “إنّ التفريع الفقهي والرعاية الورعة الخائفة الوجلة لحرمة الشرع وأمره ونهيه، اهتمام أساسي للمحسنين. ومن رام الصعود إلى مراتب الإحسان دون أن يُحكم إسلامه الظاهر، وإيمانه الباطن خلقاً وطاعة، وأدباً مع الله والناس، وأداءً للحقوق،كان كمن يبني على غير أساسٍ، وسقط على أم رَأسه. المؤمن المحسن قريبٌ من القرآن ومن الحديث، يشعر بذلك قلبه، ويطمئن إليه عقله، ويلين له جِلده، وتُطاوع جوارحه”[68].
  3. الإحسان وعاء الفضائل في التربية: التربية الإحسانية هي التربية المهمة في حياة المسلم، إذ هي الوعاء لجميع الفضائل من الأقوال والأفعال والأحوال، يقول الشيخ: “لا ننس أن التربية الإيمانية الإحسانية شيء آخر غير التدريب. غير التدريب الفكري. غير التدريب الحركي. غير التعليم السطحي. غير التنشيط الجماعي. غير كل هذه الجزئيات، ممّا لا بدّ منه، وممّا يتوسع فيه الناس حتى يصبح هو التربية في نظرهم. الغاية أن يعرف العبد ربه، بأن يتقرب إليه حتى يحبه سبحانه، ويكرمه بما يكرم به أولياءه. وكلّ القربات من أقوال، وأفعال، وأحوال، وأخلاق، في جوف هذه الغاية، وفي طريقها، ومن شروطها. بضابط الكتاب والسنة والاتباع. وكل مايسميه لسان الاصطلاح تربية دون أن يحقق هذه الغاية فليس التربية التي نقصدها”[69]. ويقول أيضاً: “الشخصية الإيمانية الإحسانية حزينة لله على نفسها، باكية تائبةٌ راجعةٌ على الدوام إلى التفكر، لكنها بمقتضى الاعتدال الوارد في قوله تعالى من صفات الذين يحبهم سبحانه ويحبونه: “أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ” سورة المائدة:54 تلين للناس، وتبتسم، وتبشر، وتيسر …”[70].
  4. الالتزام الإحساني التزام قلبي للحياة الدنيا وما بعدها: استنبط الأستاذ من الالتزام بالإحسان نكتة دقيقة، وهي: أنّ الالتزام الإيماني الإحساني التزام فكري عاطفي بعيد المدى للحياة وما بعدها، لا يشبهه الالتزامات الأخرى الدنيوية التي هي قصيرة الأمد، إذ يقول الأستاذ: “الالتزام الإسلامي الإيماني الإحساني ليس كالالتزام السياسي، فهذا لا يحتاج إلاّ لتربية الفكر. أمّا الدخول مع المؤمنين فيريد اندماجاً عاطفياً وفكرياً وحركياً في جسم الجماعة، اندماجاً لا ينقطع بانتهاء الحياة الدنيا بل يمتد إلى الحياة الأبدية”[71].

 

الخاتمة

نستطيع بعد هذه الجولة العلمية، أن نصل إلى الأمور الآتية:

  1. الإحسان غاية مقدسة في جميع الأديان، وموضع اهتمام الدِّين الإسلامي على وجه الخصوص، فهناك عشرات من الآيات القرآنية حوله ومن حيثيات متعدِّدة، فضلاً عن مئات من الأحاديث النبوية الشريفة (على صاحبها الصلاة والسلام) حول محاور مختلفة منه.
  2. الإحسان مطلب قرآني، وهو في مدلوله القرآني بمعنى: الإخلاص، والبِرّ، والإتقان، والجمال، وصفاء القول والعمل. وذكر القرآن أنواعه، وصفات أهله وثوابهم، وتطرق إلى ثماره الدنيوية والأخروية، وأشار إلى حكمه الشرعي الذي هو بين الوجوب والاستحباب والإباحة حسب المسائل المختلفة، ولا يخرج معنى الإحسان في منهاج النبوة (على صاحبه أفضل الصلاة والسلام) عن معناه القرآني، إلاّ أن السنة وضعت المبدأ العام له، وعرّفته، وفصّلت في مباحثه وفروعه الكثيرة.
  3. لا زال أهل الفكر والتقوى من المسلمين والموحِّدين المخلصِين على إلمام بمباحث الإحسان، ويشحذون الفكر باستنباط الكثير من معالمه وثماره، يستلهمون من المنبع وأصلي التشريع، وينيرون الدرب للسالكين الذين يبتغون رضوان الله وقربه، ويريدون خير الدارين، ولا يمكن الاستغناء في هذا المبحث القيّم عن فكر وتجارب وكتبِ أستاذ ومفكرٍ إسلامي معاصرٍ، وهو الأستاذ الشيخ عبد السلام ياسين، الذي رفع العلم في هذا الميدان، وبيَّن من خلال مؤلفاته الأسس القرآنية لمجالات الإحسان، فوضَّح المفهوم والأنواع، وتطرَّق إلى مكانته وأهميته، فضلاً عن بيان حاجة الأمم إليه في مجالات الحياة المختلفة، ووقف أيضاً عند صفات أهله، وثماره الدنيوية والأخروية، وتركَّز على تجارب أسلاف الأمة الإسلامية في هذا الميدان، ونقلها لنا بإخلاصٍ وأمانة، وبيّن أنّه من خلال هذه التجارب يُسهّل للسالك طرق نيل الإحسان وسبل الحصول عليه.
  4. من معاني الإحسان عند الأستاذ: الإتقان، وتحسين العمل والصِّدق والدراية فيه، ومراقبة الله ذي الجلال، والحكمة، والمداراة، والإحسان إلى الناس. ومفهوم الإحسان الموضوعي جمعه الأستاذ في: إحسان في علاقة العبد مع الله، وفي علاقته مع نفسه، والثالث فيما بينه وبين ما حوله.
  5. للإحسان ثلاث مراتب عند الأستاذ، وهي: السَّماع، والقبول، والتربية. فعلى السالك له أن يسمع ويتعلّم، ثمّ يحوِّل ما سمعه إلى العمل ويقبله عملاً، ثمّ يصل إلى التربية الإحسانية. وبيّن أنّه في هذه المراحل يحتاج العبد السالك إلى القُرب من أهل الإحسان والتأسي بسلوكهم وأحوالهم، والاتصاف بمواصفاتهم.
  6. ذكر الأستاذ أن هناك تفاوتاً في حظّ العباد من التذوق الإحساني ونيل مدارجه، نظراً لاختلاف درجاتهم في حبّ الله ورسوله (صلّى الله عليه وسلّم)، وصِدقهم، وذِكْرهم لله، واتباعهم لله ورسوله (صلّى الله عليه وسلّم). أي راجع إلى: قابليات العبد وجهده واستعداد تلقيه.
  7. بيّن الأستاذ أن عموم المجتمع البشري يحتاج إلى الإحسان لتحقيق الرفاهية والسموّ، فلا يمكن الاستغناء عن الإحسان في مختلف ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، فهو مطلب ضروري في تطوير العمل وإنجازه على أتمِّ الأوجه وأكمله، أياً كان هذا العمل، بغض النظر عن التزام العامل بالدين، فلا يخصّص التحلِّي بالإحسان بالمؤمن الملتزم، ولكن الفرق بين المتديِّن وغيره في المسألة، هو: أن الإحسان بعيد المدى في حقّه، لدنياه وأخراه، لأنّه التزام عاطفي فكري يغاير الالتزامات الدنيوية المحضة. بل الإحسان غاية في حياة المؤمن المجاهد الطالب لربه، فلا يمكنه الاستغناء عنه لجلب محبة الله وقربه، ومرتبة الإحسان مرتبة خواص عباد الله الصالحين المتقين.
  8. للإحسان عند الأستاذ ثماره الدنيوية والأخروية، ويتجسد الإحسان في مظهر البر والعطاء، وإتقان العمل وإنجازه على الأكمل لدى المؤمن. فضلاً عن هذا فهو ركن لتجديد الإيمان وتحقيق العدل وتكميله. بل هو وعاء للفضائل في مسلك التربية للفرد والمجتمع، لأنّ التربية الصادقة عند الأستاذ هي التي يبتغى بها تحقيق الإحسان وترسيخه في كيان الفرد، وكلّ القربات من الأقوال والأفعال والأحوال والأخلاق في جوف الإحسان وفي طريقه ومن شروطه.
  9. صفات أهل الإحسان عند الأستاذ هي صفات عباد الله المقربين الصادقين، من نبذ الكبرياء والأنانية، وعبادة الله على المحبة، وحبّ الخير للناس والشفقة عليهم وإليهم، وعلى أدب مع الله والناس، وهو يبذل الجهد لهداية الناس إلى السعادة التي تنال باتباع صراط الله المستقيم. والمؤمن المحسن قريب من القرآن الكريم والسنة الشريفة (على صاحبها الصلاة والسلام)، ويعرف ذلك ويحس به قلباً وقالباً، فيهتز قلبه وتسكن جوارحه لطاعة الله.

 

 

المصادر والمراجع

– بعد القرآن الكريم.

  1. ابن حنبل، الإمام أحمد، المسند، ومزيلة بأحكام شعيب الأرناؤوط، القاهرة، مؤسسة قرطبة.
  2. أبو الفتوح، د. محمد حسين، قائمة معجمية بألفاظ القرآن الكريم ودرجات تكرارها: بيروت-لبنان، مكتبة لبنان، 1990م.
  3. الأصفهاني، الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، دمشق، دار القلم.
  4. البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، صحيح البخاري، تحقيق: البغا، د. مصطفى ديب، بيروت-لبنان، دار ابن كثير، ط3، 1987م.
  5. الرازي، فخر الدين، تفسير الفخر الرازي، بيروت-لبنان، دار الكتب العلمية، ط1، 2000م.
  6. الصنعاني، أبو بكر عبد الرزاق بن همام، مصنف عبد الرزاق، تحقيق: الأعظمي، حبيب الرحمن، بيروت-لبنان، المكتب الإسلامي، ط2، 1403هـ.
  7. عبد الباقي، محمد فؤاد، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، القاهرة، دار الحديث، مطبعة دار الكتب المصرية 1364هـ.
  8. عصر، صبحي عبد الرؤوف، المعجم الموضوعي لآيات القرآن الكريم، القاهرة، دار الفضيلة،1990م.
  9. الغامدي، أحمد بن سعد بن أحمد آل غرم، الإحسان في ضوء الكتاب والسنة النبوية -دراسة موضوعية-، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الكتاب والسنة، جامعة أم القرى – كلية الدعوة وأصول الدين، 1422 هـ.
  10. قاسم، رياض محمود جابر، الإحسان في ضوء القرآن والسنة المطهرة، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير،جامعة أم درمان الإسلامية، كلية أصول الدين والتربية، 1990م – 1410هـ.
  11. القرداغي، د. علي محيي الدين، الإحسان، موقع الشيخ في الإنترنت، تأريخ الزيارة (28/8/2012)، qaradaghi.com)).
  12. النووي، الإمام يحيى بن شرف، شرح النووي على صحيح مسلم، بيروت ـ لبنان، دار إحياء التراث العربي، ط2، 1392 هـ.
  13. النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، تحقيق: عبد الباقي، محمد فؤاد، بيروت ـ لبنان، دار إحياء التراث العربي.
  14. ياسين، عبد السلام، الإحسان، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1998.
  15. ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، مطبوعات الهلال وجدة ، الطبعة الأولى، 2000.
  16. ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، الطبعة الأولى 1989.
  17. ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر بيروت، الطبعة الأولى، 2009.
  18. ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1996.
  19. ياسين، عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، مطابع إفريقيا – الشرق، الطبعة الأولى 2001.
  20. ياسين، عبد السلام، سنة الله، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء، الطبعة الأولى 2005.
  21. ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1996.
  22. ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000.
  23. ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد، مطبوعات الأفق البيضاء، الطبعة الأولى 1995.
  24. ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، الطبعة الأولى 1989.
  25. ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، بيروت، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1431هـ/ 2010.
  26. ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الطبعة الثانية 1989.
  27. ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، دار الخطابي للطباعة والنشر الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1989.

 

 

[1] وذلك في حديثٍ طويلٍ أخرجه الشيخان عن أبي هريرة (رضي الله عنه)، والذي اشتهر بحديث جبريل (عليه السّلام)، وقد بيَّن فيه (صلى الله عليه وسلم) معنى الإحسان، عند جوابه (صلّى الله عليه وسلّم) لسؤال جبريل (عليه السلام) عن الإحسان، حيث قال: (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، صحيح البخاري، تحقيق: البغا، د. مصطفى ديب، بيروت-لبنان، دار ابن كثير، ط. 3، 1987م، 4/1793 برقم(4499)، والنيسابوري، الإمام مسلم، صحيح مسلم، 1/36 برقم (8).

[2] ونصّه: (إن الله كتب الإحسان على كلِّ شيءٍ). والحديث أخرجه الإمام مسلم والإمام أحمد عن شداد بن أوس (رضي الله عنه). النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، تحقيق: عبد الباقي، محمد فؤاد، بيروت-لبنان، دار إحياء التراث العربي، 3/1548 برقم (1955)، وابن حنبل، الإمام أحمد، المسند، ومزيلة بأحكام شعيب الأرناؤوط، القاهرة، مؤسسة قرطبة، 4/125 برقم (17179).

[3] ينظر: عبد الباقي، محمد فؤاد، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، القاهرة، دار الحديث، مطبعة دار الكتب المصرية 1364 هـ، 202 – وما بعدها، مادة (حسن)، والغامدي، أحمد بن سعد بن أحمد آل غرم، الإحسان في ضوء الكتاب والسنة النبوية – دراسة موضوعية -، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الكتاب والسنة، جامعة أم القرى – كلية الدعوة وأصول الدين، 1422 هـ، 1/23- وما بعدها، وأبو الفتوح، د. محمد حسين، قائمة معجمية بألفاظ القرآن الكريم ودرجات تكرارها: بيروت – لبنان، مكتبة لبنان، 1990 م، 5، و43.

[4] ينظر: الرازي، فخر الدين، تفسير الفخر الرازي، بيروت- لبنان، دار الكتب العلمية، ط 1،2000م، 20/83، والغامدي، الإحسان، 23- وما بعدها، وقاسم، رياض محمود جابر، الإحسان في ضوء القرآن والسنة المطهرة، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير، جامعة أم درمان الإسلامية، كلية أصول الدين والتربية، 1990 م – 1410 هـ، 335.

[5] فالواجب مثل وروده في حقِّ الوالدين،كما في قوله تعالى: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً…” الإسراء:23، والإحسان الذي هو بمعنى الاستحباب قد نراه في الجانب الاقتصادي من التشريع، لأنّ الإحسان بمعناه الخاص بغير الفروض يمثل مبدءاً عاماً وقاعدة كلية للجانب التّطوعي الذي يمتاز به الاقتصاد الإسلامي دون الاقتصاد الوضعي، لوجود الثواب الأخروي والجانب الديني في الاقتصاد الإسلامي، وأيضاً نلاحظه في الوقف والصدقات المندوبة، أو كما في العفو عن الناس، يقول عز وجل: “الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (آل عمران:134). تنظر التفصيلات في: الرازي، فخر الدين، تفسير الفخر الرازي، بيروت-لبنان، دار الكتب العلمية، ط1،2000 م، 20/83، والقرداغي، د.علي محيي الدين، الإحسان، موقع الشيخ في الإنترنت، تأريخ الزيارة  (28/8/2012)، www.qaradaghi.com)).

[6] ينظر: عصر، صبحي عبد الرؤوف، المعجم الموضوعي لآيات القرآن الكريم، القاهرة، دار الفضيلة، 1990 م، 186 – وما بعدها.

[7] فمن إحسان الله: إرسال الرسل والكتب، وخلقه للإنسان في أحسن صورة، والعفو للعاصي التائب، وغيرها، ومن الإحسان إلى النفس: الإحسان في الاعتقاد، والقول، والفعل، وكذلك باطناً وظاهراً. وإلى الخلق يكون: بالقلب، واللسان والجوارح، وإلى القريب، والبعيد، والكافر والمسلم وأهل الكتاب، وإلى الحيوان والجماد.  ينظر: الأصفهاني، الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، دمشق، دار القلم، 1/236، مادة (حسن)، والغامدي، الإحسان، 163 – وما بعدها، وقاسم، الإحسان، 23 – وما بعدها.

[8] ينظر : الغامدي، الإحسان، 107 – وما بعدها.

[9] ينظر : قاسم، الإحسان، 93 – وما بعدها.

[10] فمن: الثواب والثمار الدنيوية: الرضا والسعادة والنجاة وتفريج الكربات، وغيرها. أمّا الأخروية فمنها: عفو الله، والأمن من الفزع، والتمتع بنعيم الجنة، وغيرها. ومن الثمار الدنيوية والأخروية معاً: محبة الله للمحسن، ومعيته له، وقرب رحمته منه. ينظر للتفصيل: قاسم، 281 – وما بعدها.

[11] أخرجه الإمام مسلم والإمام أحمد عن شداد بن أوس (رضي الله عنه). النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، 3/1548 برقم (1955)، وابن حنبل، الإمام أحمد، المسند، 4/125 برقم (17179).

[12] أخرجه الشيخان عن أبي هريرة (رضي الله عنه). البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله، صحيح البخاري، 4/1793 برقم (4499)، والنيسابوري، الإمام مسلم، صحيح مسلم، 1/36 برقم (8).

[13] النووي، الإمام يحيى بن شرف، شرح النووي على صحيح مسلم، بيروت – لبنان، دار إحياء التراث العربي، ط2، 1392 هـ، 13/107.

[14] النووي، يحيى بن شرف، نفسه، 1/157.

[15] الصنعاني، أبو بكر عبد الرزاق بن همام، مصنف عبد الرزاق، تحقيق: الأعظمي، حبيب الرحمن، بيروت-لبنان، المكتب الإسلامي، ط2، 1403 هـ، 4/492 برقم (8603). وقد أخرجه عن شداد بن أوس (رضي الله عنه).

[16] وذلك في كتابه الموسوم: (الإيمان الأوسط) أو: شرح حديث جبريل في الإيمان والإسلام والإحسان، وقام بتحقيقه ودراسته كأطروحة مقدمة للدكتوراه الشيخ الدكتور: علي بن بخيت الزهراني، إلى جامعة أم القرى، سنة 1420 هـ، وطبعته دار ابن الجوزي.

[17] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج2، 484.

[18] ياسين، عبد السلام، نفسه، 39.

[19] ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد، 148.

[20] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 238 .

[21] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 219.

[22] ياسين، عبد السلام، سنة الله، 18.

[23] ياسين، عبد السلام، الإحسان، 17.

[24] ياسين، عبد السلام، نفسه: 17.

[25] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، 313.

[26] ياسين، عبد السلام، نفسه، 25.

[27] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 76.

[28] ياسين، عبد السلام، نفسه، 238.

[29] ياسين، عبد السلام، نفسه، 216.

[30] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 216.

[31] ياسين، عبد السلام، نفسه، 66.

[32] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 42.

[33] ياسين، عبد السلام، الإحسان، 81.

[34] ياسين، عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، 127.

[35] ياسين، عبد السلام، الإحسان، 47.

[36] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، 75.

[37] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، 35.

[38] ياسين، عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، 127.

[39] ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد، 147. وينظر: ياسين، عبد السلام، الإحسان، 71، و85، و338، و345، وياسين، عبد السلام، سنة الله، 258، و ياسين، عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، 101.

[40] ياسين، عبد السلام، سنة الله، 218.

[41] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 21.

[42] ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، 111، وياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 218.

[43] ياسين، عبد السلام، نفسه، 219.

[44] ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد، 95.

[45] ياسين، عبد السلام، نفسه، 115.

[46] ياسين، عبد السلام، العدل، 323.

[47] ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، 111، وياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 218.

[48] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 183.

[49] ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد، 50-51.

[50] ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد، 147.

[51] ياسين، عبد السلام، الإحسان، 18.

[52] ياسين، عبد السلام، العدل، 323.

[53] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، 244.

[54] ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، 163.

[55] ياسين، عبد السلام، العدل، 513.

[56] ياسين، عبد السلام، من القرآن والنبوة، 148.

[57] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، 59.

[58] ياسين، عبد السلام، الإحسان، 18.

[59] ياسين، عبد السلام، نفسه، 75.

[60] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 43.

[61] ياسين، عبد السلام، العدل، 513.

[62] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 351.

[63] ياسين، عبد السلام، نفسه، 23.

[64] ياسين، عبد السلام، الإحسان، 24.

[65] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 8.

[66] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 175.

[67] ياسين، عبد السلام، العدل، 513.

[68] ياسين، عبد السلام، الإحسان، 116.

[69] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 183.

[70] ياسين، عبد السلام، الإحسان، 316.

[71] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، 362.