الأساس القرآني لنقد الحداثة عند الأستاذ عبد السلام ياسين

0 359

د. عبد الرحمن عبيد حسين/جامعة العلوم الإسلامية الماليزية

 

مقدمة

كان العالم الإسلامي عرضة لتأثيرات فكرية متعاقبة بعد زوال الدولة العثمانية آخر معاقل الإسلام، ابتداءً بتعاليم الثورة الفرنسية، مروراً بالماركسية اللينينية والوجودية وانتهاءً بتأثيرات الحداثة وما بعد الحداثة، وفي كل مرحلة من مراحل المواجهة والتحدي برز علماء ومفكرون انبروا لها عن وعي كامل لمتطلبات المرحلة، وكان الأستاذ عبد السلام ياسين واحداً من هؤلاء المبرزين الذين شهدت لهم أعمالهم ومؤلفاتهم بجهد دؤوب وقراءات فكرية عميقة، فكتابه (الإسلام وتحدي الماركسية اللينينة) بصمة في جدار الممانعة لحقبة مريرة من أحقاب الفكر الديني في مواجهة الإلحاد الشامل، وكتاباه (الإسلام والحداثة) و(الإسلام والقومية العلمانية) مواكبة واعية لحقبة أخرى تبنى فيها مفكروا القومية والاشتراكية (نداءات الغرب المؤليك لبني إسماعيل) بغية تفسير النصوص الدينية نفسها بمناهج فيلولوجية وسوسيولوجية وفلسفية محدثة، وكانت محصلة هذه القومة العلمية والعملية والمجاهدات على شتى الأصعدة الفكرية والدعوية برنامجاً متكاملاً وضع الأستاذ عبد السلام ياسين تصوراته في مجموع مؤلفاته التي يتشكل منها نظرية المنهاج النبوي.

والمنهاج الذي يقدمه الأستاذ فريد في مركزيته القرآنية الذي سر إعجازه التحدي القائم منذ عهد الرسالة وهو التحدي الذي يسعى ملاحدة العصر إلى قرنه بمرحلة زمنية ولت وأفلت، وفريد في وجهته إلى النزعة الأعرابية السائدة في العالم الإسلامي، وفريد في تقعيده لمفاهيم دعوية وسياسية، وأبدع الأستاذ أحمد ياسين كثيراً من المصطلحات والمفاهيم الفكرية والتربوية في معرض ردوده على دعاوى الحداثة والفكر الغربي، وحرص على استلهامها من نصوص القرآن الكريم، ووضعها في سياقات فكرية متراصة ومتسقة دعماً لمركزية القرآن وحضوره الدائم في نظرية المنهاج، وإخراجاً لهذه المفاهيم والرؤى من دائرة التأصيل التجريدي إلى ساحة العمل البناء؛ وقد أنضجت الممارسة الدعوية والقراءات المتواترة للفكر الغربي ونقده تعاليم هذه المنهاج، وصاغت منه نظرية فكرية بديلة عن دعاوى التلفيق الثقافي.

وكانت التطورات التي طرأت على الفكر الإسلامي ابتداءً من مرحلة ما بعد الاستقلال عن الاستعمار القديم قياسية وضخمة ضخامة التحديات التي واجهته، وشكلت الحداثة ومعطياتها من العولمة، ووحدة الأديان، والتعددية السياسية، وفلسفة التأويل، واقتصاديات السوق المفتوح كبرى هذه التحديات، ومن ثم كانت الكتابات النقدية حولها من الأهمية بمكان. وعنيت نظرية المنهاج النبوي عناية خاصة بنقد الحداثة ومفرزاتها، وعلى مراحل زمنية متلاحقة، بدأ بمحاولة أسلمة الحداثة، وانتهى باقتحام العقبة الذي يحول شحنة الاحتقار المحتقنة في الثقافة الغربية تجاه مستعمراتها السابقة إلى احترام تفرضه الأمم القادرة على الاحتفاظ بهويتها الثقافية ونيل نصيبها الوافر من التقدم الصناعي والعلمي والتنظيمي الذي تتباهى به الحداثة، ومنطلق هذا الاقتحام القرآن الكريم بما يحمله من أسس معرفية، فكان تفسير الأستاذ ياسين للقرآن الكريم أساساً لنقد الحداثة.

وبناءً على هذه المعطيات سيتم تقسيم هذه الورقة إلى ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: مفاهيم ورؤى قرآنية في نظرية المنهاج النبوي

المبحث الثاني: النقد القرآني للأستاذ عبد السلام ياسين لأبرز قضايا الحداثة

المبحث الثالث: نقد الحداثة ونظرية المنهاج النبوي

وتوصل البحث إلى مجموعة من النتائج أهمها أن نقد الأستاذ ياسين للحداثة مؤسس على توجيهات قرآنية ومدعوم بتحليل عقلاني رصين اكتمل بعد قراءة واعية لمؤلفات المفكرين الغربيين والإسلاميين على حد سواء، ونقده موزع في مجموع مؤلفاته وليس محصوراً في كتاب (الإسلام والحداثة)، وهذا النقد مشفوع على الدوام بقيم تربوية، وتوجيهات أخلاقية، ودراسة متأنية للتاريخ الإسلامي القديم والمعاصر، ودعوة مفتوحة لدراسة القيم الإسلامية الخالدة، وهذا التنوع أكسب النقد حيوية وجمالاً في الأسلوب وقوة في العرض لا نلحظه في الدراسات المعاصرة للحداثة والمتميزة بجفافها وجفائها وقلة الإقبال عليها!، كما توصل البحث إلى أن قاعدة نقد الجانب الفلسفي للحداثة عند الأستاذ ياسين موصولة العرى بأسس المعرفة المستقاة من نصوص القرآن الكريم.

والمنهج المتبع في إعداد هذه الورقة منهج وصفي، قائم على استقراء آراء الأستاذ ياسين في مؤلفاته المتعددة، وتحليل هذه الآراء تحليلاً علمياً في حدود نقد الأستاذ للحداثة ومفرزاتها دون الاستطراد إلى قضايا وموضوعات أخرى فكرية وتربوية واجتماعية عالجها في كتبه.

المبحث الأول: مفاهيم ورؤى قرآنية في نظرية المنهاج النبوي

المطالعة في كتب الأستاذ عبد السلام ياسين مطبوعة بالاسترسال كما أن الأفكار في تلك المؤلفات مسترسلة ونابضة بالحياة، فلا يجد المرء نفسه إلا وقد قطع شوطاً طويلاً في القراءة دون أن يلتفت إلى هدفه المرجو من هذه المطالعة وهو استخلاص فكرة عن قضية واحدة ومحددة الأبعاد، لسبب بسيط هو أن تلك الفكرة محاطة من كل حدب وصوب بقيم تربوية، وتوجيهات سلوكية، ومعالجة فذة لقضايا راهنة عاشها وعاشها معه جيل من المثقفين الإسلاميين، وفيها استنطاق للتاريخ الإسلامي، وتحليل لآراء الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسيين… وبصورة أوجز محاطة بالمنهاج النبوي! إلا أن هذا المنهاج ليس سباحة في عالم التنظير[1]، وفي خضم هذه القراءة تتواثب مصطلحات ومفاهيم جديدة ابتدعها قلمه السيال، وهي بدورها مصطلحات واقعية، متولدة عن دراسة متأنية لواقع المسلمين والفكرين الغربي والإسلامي.

ويقتضي التعامل مع مفردات أي قضية علمية تكييف مجموعة من المصطلحات والمفاهيم الخاصة بها، ولا يكاد يخلو مقال علمي أو كتاب من مجموعة منها، ويختلف الباحثون في تكييفها فقد تجد مقالاً صغيراً محشواً بكم هائل من المصطلحات والمفاهيم ذات الصلة منها والحشوية أيضاً، وتظهر قوة المصطلحات والمفاهيم إذا تكررت في نسق واحد ومحدد في مجموعة من المؤلفات وضعت في فترات زمنية مختلفة، والشيخ عبد السلام ياسين صاحب رؤية خاصة في الفكر والدعوة، وقد طوع سلسلة من المفاهيم خلال مسيرته الدعوية الطويلة تدل على قدرة في بلورتها ووضعها في سياقاتها الفكرية المناسبة، وصاغها في إطار فكري متماسك ينصب في نهاية المطاف في خدمة نظرية المنهاج النبوي، ونعرض هاهنا بعضاً من هذه المصطلحات والمفاهيم.

رأس المفاهيم القرآنية عند الأستاذ هو اقتحام العقبة[2]، هذا الاقتحام يحل الإخوة الإنسانية محل الصراعات الطبقية، بعد مواجهة طبيعية بين المؤمن الساعي لتغيير سلوكه، والجماعة الساعية لتغيير واقعها، والأمة الساعية في مسيرتها التاريخية وبين العقبة التي تنتهي باقتحامها[3]، وهذا الاقتحام هو صعود في درجات الإسلام والإيمان والإحسان[4]؛ وفك الرقبة هو أول دليل على عزيمة المؤمن في اقتحام العقبة، وفك الرقبة دعوة مفتوحة لتحرير الإنسان، وقربة إلى الله وعمل صالح، ونشر، وتزكية للنفوس المحرِّرة والمحرَّرة معاً.[5]

ومن هذه المفاهيم (العقل المعاشي) وهو العقل الذي يحكم شؤون المعاش بحذق بعيداً عن تعاليم الوحي، وقد بلغ ذكاء العقل المعاشي أقصى مداه التكنولوجي إلى حد الآن في الصناعة التواصلية، والتكنولوجية المعلوماتية الإعلامية[6]، وللعقل المعاشي العلومي مجال واسع للتفكير والتدبير المنطقي في نطاق الكونيات، ومتى حاول هذا العقل أن يقتحم ما فوق طوره هام في بحور الفلسفة والأطروحات والتقديرات[7]، والعقل المعاشي مشترك بين الكافرين والمؤمنين يسيطر بمنجزاته العلومية الصناعية؛ ولهذا العقل صولة في العالم وحضور ماثل تجسده الاختراعات والمصنوعات والصواريخ، يملأ ذلك أعين الناس وآذانهم، ويسكن هواجسهم[8]. وعقلنة العقل المعاشي بالتعقل الإيماني. يراها الأستاذ تأهيلاً ضرورياً لطاقات العقل والساعد والخبرة كي نكسب في السوق العالمية التنافسية[9]. ولم يقص الوحي العقل المعاشي المدبر للشؤون الحياتية، بل نصبه أميراً في مجالاته المشتركة بين البشر عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار في مسألة تأبير النخل : “أنتم أعلم بأمور دنياكم”.[10]

ومن هذه المفاهيم (القومة)، وهذا المفهوم مستلهم من القرآن الكريم، وتحديداً من قوله تعالى: “وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا” (الجن: 19)، وقوله تعالى: ” فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” (الروم: 29)، وقوله عز من قائل: “شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ” (الشورى: 11)،  والقومة قضية أجيال للنهوض بالأمة من نكستها التي دامت قروناً، ويقع العبء الأعظم من القومة على الجيل الأول من حملتها في وضع الأساس المتين الذي تقف عليه الأجيال القادمة، بعيداً عن الشعارات البراقة والزائفة[11]. ورجال القومة من هذا الجيل لا بد أن يكونوا قرآنيين نبويين، من الأمة وإليها ومعها، ولا شك أنهم نخبة ولكن هذه النخبة عليها تحويل الجماعة كلها إلى نخبة لا أن ينصبوا أنفسهم أوصياء على الأمة ويجهزوا أنفسهم حكاماً أبديين للغد.[12]

والقومة منهج قائم على سبع نقاط، وهي: قومة الداعي تبتدئ بقومة الرسول في قومه، بالرفق والتيسير. 2. القومة هدفها إحلال العدل محل الجور. 3. إقامة الصلاة. 4. تطهير الفطرة مما علق بها من الشوائب. 5. إقامة حدود الله. 6. تحكيم مبدأ الشورى. 7. إقامة الوحدة[13]. ولن تدور رحى القومة وآلياتها، ولن يستقيم سيرها، إذا كان الأساس الاقتصادي خرباً.[14]

والقومة تعني نهضة وتغييراً للمنكر، وتعني جهاداً منظماً، ولا جهاد بدون تربية الأمة وتعبئتها للجهاد المرير الطويل[15]. نجد الفهم الجامع، والقومة الشاملة، عند معلم البشرية محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته في حدود بشريتهم وأخطائهم وذنوبهم التي يستغفرون منها ويتوبون … فإن جئنا بمثالية نظرية للقومة غائبين عن الواقع الممانع وعن النقص فينا فلن تكون قومة، والقومة مجهود، القومة مراحل، القومة مهمة أجيال.[16]

ومن هذه المصطلحات (المهيع)، والهيعة كلمة تجمع معاني الحركة والفزع والجبن والضعف والجزع والضجر والحيرة. وهذه المواصفات تنطبق على الفاشلين من الساسة المناضلين القوميين، اللبراليين والرجعيين، وأحلافهم من المنافقين والمشركين أمام صعود الدعاة إلى دين الله الخالص. والسياسة مهيع بكل هذه المعاني، مع الناس وضد الناس وفي زحمة الناس يجري المناضل والزعيم خلف ميتافزيقا إيديولوجية، أو خلف أهداف واقعية. خلف التنمية والتحرر وحقوق الإنسان والديموقراطية والحضارة وكسب التكنولوجيا والسيطرة على الطبيعة والقوة والاكتفاء الغذائي وما بين يَدَي هذا وخلفه[17]. ومهيع الحضارة الغربية هو المستنقع الذي يرى المتغربون من أبناء العالم الإسلامي أنه المنجى والخلاص[18]. ومثلهم الذين جروا في مهيع الأمازيغية والقومية العربية.[19]

 

المبحث الثاني: النقد القرآني للأستاذ عبد السلام ياسين لأبرز قضايا الحداثة

استخلاص نظرية معنية بالحداثة ونقد الحداثة في كتب الأستاذ عبد السلام ياسين يعني حصار فكر واقعي متسلسل وهادر ينطلق من واقع معاش بحرقة وألم، وتقييد قلم مسترسل في معالجة هذا الواقع بطريقة الداعي الحكيم وأسلوب المربي الذي وضع نصب عينيه إعداد جيل من حملة راية العدل والإحسان، ثم (تحرير) هذا الحصار والقيد في صفحات علمية نائية في غربتها عن الواقع، وقاصية في فردانيتها عن الجماعة، ولاهية في أكاديميتها عن الدعوة ودعوات المربي، هذه النظرية تعني تجريد مؤلفات الأستاذ من كل تلك المعاني ـ الحيوية والخلاقة والمحلقة في أفق الإيمان ـ التي تتسق منها مجتمعة حبات سبحة حاكها عقل وقلب رجل وهب نفسه، وفكره، وحياته لإحياء دعوات العدل والإحسان!

ولما كانت عملية التجريد هذه إجحافاً بحق كل تلك المعاني النبيلة فقد جهدنا جهد المقل في استقصاء شيء من آراء الأستاذ في حقل الحداثة ونقدها. وأول ما يلفت انتباهنا في دراسة الأستاذ لقيم الحداثة ومفرزاتها الثقافية والاقتصادية هو شجاعته الكبيرة في العرض والتحليل، تلك الشجاعة التي تنقص الكثير من الأبحاث الرصينة والملفوفة بأحزمة (الأمان والخوف)، والسابحة في تجلياتها التجريدية، فتعرض عن ذكر الأشخاص والوقائع وتبتعد بخطى ثابتة عن التاريخ (الماضي والحاضر والمستقبل)، هذه الشجاعة تعطي الفكرة روحاً، فتنتقل من صفحات الكتب إلى مكاتب المفكرين وأقبية العمال وأروقة الجامعات، وساحات المساجد.

نقد الحداثة يعني عرض المناهج التي نمت في الفضاء الفكري للفلسفة الوضعية، التي دانت للعقل البشري بوصفه مرجعية مطلقة، جاعلة من العلم المادي معياراً مطلقاً كذلك، ومدرجة الدين والفكر الديني في خانة الخرافة، ويعني في الوقت نفسه، لتناوله الفكر الديني وتفاعله مع معطيات الحداثة، عرضَ الأسس التي حفظت للدين كيانه وأكسبته المرونة على تمثل الثقافات والقيم الوافدة، وإخضاعها لعمليتي هضم وتمثل تمنعان ذوبان الهوية الدينية، وتعطيان الفكر الديني قوة البقاء والتدافع في آن معاً.

وأول ما وافانا من الغرب بعد حركات الاستقلال عن الاستعمار القديم والخروج بدمار هائل من هامش الحرب العالمية الثانية كان الجدلية الماركسية اللينينية التي قويت شوكتها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وواكبتها حركة ترجمة جارفة للأدبيات الروسية والأعمال الفكرية لكبار منظري الفكر الشيوعي، وركبت الجدلية المادية الثورية التي كانت زهرة الفلسفة وثمرتها وتتويجاً للمقدمات الدكارطية والجدلية الهيغلية والمادية الفيورباخية[20] متن العاطفة الوطنية التحررية وفجرت الحقد الطبقي، وجعلت دولة ألبانيا المسلمة على سبيل المثال جحيماً في جهنم الشيوعية وافتخر أنور خوجا بأن دستور بلده هو الوحيد في العالم الذي ينص على أن مذهب الدولة هو الإلحاد![21]

ويرى الأستاذ ياسين أن خطاب اليساري الماركسي ونظيره الليبرالي لا يختلفان من حيث المبدأ، فكلاهما يستقي من منهل الحضارة الغربية (حظيرة الأسياد)، فورد الليبرالي هو الديمقراطية والتعددية والحرية والتنمية والسوق الحرة… وباختصار اللحاق بالركب الحضاري، في حين أن ورد اليساري هو محاربة العقلية البرجوازية الفردية، والدفاع عن سيادة القيم الاشتراكية[22]، وكلاهما يحارب تاريخه وحضارته ولغته وثقافة ودين مجتمعه.

ومواجهة الحداثة وفق رؤية الأستاذ ياسين قومة تتم عبر مراحل من أسلمتها، وأول خطوة لأسلمة الحداثة هي أن نتحول من مستهلكين للحداثة، مسخرين لها أشبه بالمزابل التي تلقى فيها النفايات الملوثة والفئران التي تجرب عليها الأدوية المشبوهة إلى زبائن يقظين يحاسبون الحداثة على ماضيها[23]، والخطوة الثانية هي في اقتحام العقبة التي تصيرنا لاهثين وراء الحداثة هدفنا اللحاق بها، واقتحامها يقتضي منا امتلاك الوسائل العلمية والتقنية من أجل تكييفها لغايتنا الاجتماعية: العدل والإحسان[24]. وهذا الاقتحام حوّل ثقافة الاحتقار والازدراء التي شحنت بها الثقافة الغربية تجاه مستعمراتها إلى احترام تفرضه الأمم القادرة على الاحتفاظ بهويتها الثقافية والأخذ من الحداثة بنصيب وافر في مجال التقدم التكنولوجي والعلمي والتنظيمي، وضرب الأستاذ ياسين على ذلك مثلاً دولة ماليزيا[25]. ومن هنا كان لزاماً على المسلمين استرداد العقل العلمي التجريبي الذي كان بين يدي أجدادنا وشيدوا به صرح العلوم، وأن نستثمر هذه العقلية في نفع البشرية ودعم أواصر الأخوة الإنسانية لا لبث القطيعة والتدمير.[26]

وأسلمة الحداثة تعبير استخدمه الأستاذ منذ سنة 1978[27]، ومنذ ذلك الوقت أصبحت تعبيراً رائجاً في المؤلفات الفكرية، واستلهم الأستاذ صورة (الصياد الباسل) من قصة إبراهيم مع النمرود التي وردت في القرآن الكريم، وتعبير الصياد الباسل تعبير توراتي أطلقته على النمرود الظالم الذي أصبح مثالاً للصيادين الذين حكموا بلاد ما بين النهرين فيما بعد، ومنهم الطاغية الممقوت الذي صب الأسلحة الكيمياوية على شعبه الأعزل، صورة هذا الصياد تتطور بفعل التقدم التكنولوجي في زمن الحداثة، لقد مارس الغرب الحداثة فكراً وسلوكاً باعتبارها ثورة على ماضيه المقيت، ماضي مؤامرة حاكتها الكنيسة والأمراء الخاضعون لها، الحريصون على الامتيازات التي منحها لهم النظام الإقطاعي المستعبد للبشر، المسخِّر لهم أقناناً في خدمة السيد النبيل[28]. إن كتاب الإسلام والحداثة للأستاذ ياسين مسح تاريخي لمسيرة النهضة الغربية وتسليط ضوئي مكثف على المراحل التي تم فيها تهميش الدين واستبعاده من دوائر المجتمع، فإخلاء السبيل أمام العقل تم بمجازر متتابعة كحروب نابليون الدموية، وصاحب هذا الإخلاء مقدمة للحروب الاقتصادية التي نشهد اليوم ذروتها، وتقمصت التكنولوجيا المعاصرة لبوس الآلهة، وهنا التمس الأستاذ التشابه بين العجل الذهبي الذي أغرى بني إسرائيل بنبذ المعبود الحق وبين التكنولوجيا التي أغرت أتباعها بنبذ كل إله سواها! [29]

وتأتي دعوته لأسلمة الحداثة مقابل دعوات انهزامية نادى بها الليبراليون، فالشرفي مثلاً يرى أن: “التوفيق الزائف بين القرآن والعلم الحديث يؤدي إلى إضفاء النسبية ويسيء إلى الدين، إذ يكرس في الواقع العقلية اللاعلمية، ويكون بإيهامه باحتواء القرآن الكريم على العلوم الحديثة تعبيراً عن سلوك تعويضي لعدم المساهمة في إنتاج هذه العلوم، ومن ثَمَّ فهو يدعم الجهل والوهم والتخلف”[30]، ويصف مخالفي منهج الليبراليين وفكرهم – كمالك بن نبي وصبحي الصالح – بأنهما “نماذج للنزعة المحافظة التي أدانت النقد العلمي وعدته تلمذة للمستشرقين”.[31]

وليس غريباً أن الحداثة في العالم العربي خاصة والإسلامي عموماً مسيسة من قبل مفكرين كانوا قوميين ذوي ميول يسارية/ماركسية على النمط الشرقي، وجدوا في تحديث أبنية الفكر الإسلامي منقذاً من السير في طريق مسدود، ففشل القومية العربية، وفشل عدة أشكال من الأنظمة القومية العلمانية – على حد تعبير جون اسبوزيتو – أبرز قضية أساسية وهي قضية الذاتية التي تجد التعبير عنها من خلال إعادة التأكيد على أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للهوية والإيديولوجيا.[32]

ويؤكد برنارد لويس هذه المقولة: “جربت كثير من البلدان الإسلامية نوعاً أو آخر من المؤسسات الديمقراطية التي أدخلها في بعض هذه البلدان إصلاحيون مجددون من أهل البلاد، كما هو الحال في تركيا وإيران، وأنشأها في بعضها الآخر الإمبرياليون المغادرون ثم خلفوها وراءهم، كما هو الحال في عدد من البلدان العربية، وباستثناء تركيا فإن السجل حافل بالفشل، فقد أسفرت الأحزاب والبرلمانات التي أنشئت على النمط الغربي في معظم الأحوال عن قيام نظم استبدادية فاسدة حافظت على بقائها عن طريق القمع وعمليات غسيل المخ، والنموذج الغربي الوحيد الذي نجح عملياً في تحقيق أغراضه هو ديكتاتورية الحزب الواحد”.[33]

وشتان ما بين دعوة الأستاذ ياسين وبين مثل هذه الدعوات المنخلعة عن تراثها ومعتقدها وحضارتها وتاريخها، والتي تغيب عن حقل الدراسة دعاوى الحداثة التي تنسخ الخصوصيات الثقافية للأمم، وتعمل على تغييب وعيها بالتاريخ من جهة، ولأنها، من جهة أخرى، أفرغت الحداثة من أبعادها السياسية والاقتصادية التي أنهكت المجتمعات الإسلامية، لتحمّل المؤسسة الدينية المقصية أصلاً عن الأطر السياسية الحاكمة مسؤولية تخلف الواقع التعليمي، وقصورها عن التفاعل مع المستجدات على كافة الأصعدة.

ومعطيات الحداثة تتمثل في جملة دعاوى متضايفة ومتداخلة من: العولمة كنظرية عامة، أو الكوننة كسيرورة تستهدف تحقيق غايات معينة، والتعددية الديمقراطية، ووحدة الأديان، وفلسفة التأويل والنص المنفتح على معان لا حصر لها، واقتصاديات السوق المفتوح، وغيرها من القضايا المعاصرة. ومن الثابت، طبقاً للشواهد التاريخية، أنه حال إقرار وانتحال الفكر الديني لمعطيات الحداثة ومقدماتها الفلسفية حول الحقيقة وطبيعتها ووسائل إدراكها، فإنه يكون قد فقد شرعيته الذاتية وناقض مسلماته الأولية، ونسخ فعالية التجربة الدينية.

وقد كان الإسلام ولا يزال تحدياً كبيراً للثقافة الغربية بما تنطوي عليه تلك الثقافة من أبعاد فلسفية ودينية، وعالج المفكرون والفلاسفة الغربيون بمناهجهم المختلفة الإسلام معتقداً وسلوكاً، فتارة بمنهج وضعي يضع الإسلام إلى جوار بقية الأديان في خانة التراكمات الثقافية المتولدة عن أوضاع تاريخية واجتماعية لازمتها منذ بداية تأسيسها، وتارة بمنهج متشنج وموتور جعلت الإسلام مجرد نحت مشوه عن اليهودية والمسيحية، وتارة بمنهج يتخذ سمة الموضوية ولكنه في الوقت نفسه يعاني من ثغرات علمية.

وقد ناقش الأستاذ ياسين قضية تصدير الغرب للديمقراطية الجديدة في عاصفة الحداثة التي تدور زوابعها في العالم أجمع، وهو تصدير تطغى عليه براغماتية سياسية واقتصادية، ففرنسا مثلاً نظرت إلى حكم الجنرالات الثلاث في الجزائر على أنه صورة لنظام سياسي متطور، وكذلك ينظر الغرب إلى صيغة (التناوب التوافقي) في السياسة المغربية على أنها حداثية وهي ليست سوى حلقة من مأساة ملهاوية وقحة[34]. ولما كانت قضية الفصل الكامل بين الدين والدولة من مفرزات الحداثة فقد وله أتباع الحداثة في العالم الإسلامي بحقيقة هذا الفصل واستماتوا في الدعوة إليه، مع أن الغرب المؤليك سلمياً يقر بالدين السائد في أرجائها، بل إن دساتير بعض هذه الدول تمنع الوظائف الرئاسية عمن ليس كاثوليكياً أو بروتستانتياً[35]. وحول الغرب بدهاء اللائكية إلى حصان طروادة لإعدام النظام المعياري الإسلامي لأنه عاجز وحاجز أمام عجلة التطور[36]. ويستعير الأستاذ ياسين مصطلح (القديسة لايكيية) في إشارة إلى المثقفين المسلمين المتمسكين بمذهب اللادينية، وتقترح القديسة لاييكية إقصاء الإسلام من ساحة الحكم كما أقصيت الكثلثة بفعل الثورة الفرنسية.[37]

لا شك أن الأستاذ ياسين عندما يتعرض لمفرزات الحداثة وسمومها فإنه يضع بين يدي القارئ الحصيف الأسس المتينة التي حفظت للدين قوامه وبنيانه وهيأت له المكانة التي يقدر منها على مواجهة وتحدي ومغالبة الثقافات والفلسفات الدخيلة والهيمنة عليها، والفكر الديني المعاصر قادر على مقارعة التحديات، فثراء الفقه وأصول الفقه بالأدلة وإمكانات الاجتهاد والاستنباط يغطي الحاجة إلى تقنين المعاملات الدولية، وإنصاف الأقليات، ووضع برنامج لحقوق الإنسان، وغيرها من القضايا الاقتصادية والسياسية والعلمية، والتي تقع أعباؤها على كاهل أهل الاجتهاد من المجاهدين العاملين[38]. ومما يحفظ لحمة الوحدة الفكرية للمسلمين أن يفقهوا حديث الفرقة الناجية والفرق الهالكة فقهاً قائماً على تصحيح المفاهيم السياسية العملية الخاصة بالخلاف مع المذاهب والفرق الإسلامية المتعددة[39]، فمن أجل التواصل مع الحداثة التي تحكم عليك بأحكام مسبقة ومضادة، ينبغي امتلاك أذن متحررة ومستعدة للاستماع إلى صوت الآخر.[40]

ولزام على الإسلاميين الواعين في قومتهم الواعية أن يتخذوا مواقف ثابتة، مع الاحتفاظ بالمرونة المرحلية فلا يدخلوا في خصومات مع التاريخ الإسلامي الماضي والحاضر، وأن يفهموا أحداث التاريخ في سياقاتها وظروفها التي صاحبت انتزاع الحكم من يد المسلمين، وأن لا يدفعهم التقليد الأعمى لفتاوى علماء سابقين أن يقبلوا الفتنة باسم درء الفتنة![41]

ويستشهد الأستاذ ياسين بكلام أمير الريف المجاهد ابن عبد الكريم الخطابي الذي قدم فهماً واضحاً لمعاني المعتقد وتأثيره في عقول الجماهير: “الشعب في رأيي هو الشعب المؤمن بعقيدته، لأنه يعرف نفسه وشخصيته وقيمته وحقوقه”[42]، فقد استبعد هذا الأمير، وهو المتفقه في بداياته على الفكر القومي والأتاتوركي، كل ما هو دخيل على الثقافة الدينية الأصيلة. لأنه “لم يكن لقيطاً من لقطاء الثقافة المطحونين في طاحون الاستعمار الاستحمار ليتلمس نقطة ارتكاز ايديولوجية أجنبية عن دينه  ودين شعبه”[43]، وبهذا الإيمان دخل الخطابي مع 400 مجاهد في معركة أنوال الشهيرة 1925 مع الإسبان قتل فيها 18000 قتيل إسباني، وهو مجموع الذخيرة التي كانت معهم! كل جندي بطلقة![44]

شكلت الحداثة ولا زالت مفرزات ما بعد الحداثة تشكل تحدياً للفكر الإسلامي، حيث اختلطت المباحث العلمية بتوجهات سياسية بعيدة عن ساحة العلم والمعرفة، وظهرت نظريات سرطانية تؤكد الصدام المحتوم بين الأديان والحضارات، وراجت هذه النظريات بين المثقفين رواج السلع الرخيصة في سوق شعبية، وينعى الأستاذ ياسين سطوة هذه النظريات وسيادة مؤلفاتها الهانتنغونية على الآراء الفلسفية العميقة لأرنولد توينبي وغيره، فهذه النظريات التنبؤية هي التي مهدت لضربات استباقية تخاف من يقظة المارد النائم.[45]

والقرآن الكريم هو الشعلة التي تضيء لنا دروب الحداثة الموحشة، وتضع بين يدينا دستوراً خالداً نحكتم إليه، فالقرآن نور بين ظهرانينا يسعى يضيء لنا المنهاج[46]، قال تعالى: “وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ” (الشورى: 52-53)، والتاريخ خير شاهد أن القرآن ليس كتابا حالماً يحلق في سماء اليوتوبيا، بل الومضات التاريخية هنا وهناك تؤكد قابلية القرآن للتطبيق[47]، والمفاتيح التي يمكن أن تحطم كل قفل مستغلق هي مفاتيح الرحمة والحكمة، فالرحمة تجمع كل معاني الغيب الربانية والقدرية والقلبية والملكوتية والأخروية، والحكمة تجمع كل ما تدركه الحواس ويعالجه العقل وتأمر به الشريعة.[48]

 

المبحث الثالث: نقد الحداثة ونظرية المنهاج النبوي

مما لا شك فيه أن ما سقناه في المبحث الثاني من نقد للحداثة كان مبعثراً في مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين، ونظرية المنهاج النبوي مبناها تلك المؤلفات، فما معنى أن نخصص مبحثاً لبيان الصلة بين نقد الحداثة ونظرية المنهاج النبوي إذن؟ والجواب على ذلك سهل سهولة القراءة في مؤلفات الأستاذ، وهو أن نقد الحداثة جزء لا يمكن بدونه فهم نظرية المنهاج النبوي. فكما هو معلوم تهدف نظرية المنهاج إلى إحداث تغيير شامل في الفكر والواقع، وهو مستلهم من التغيير الذي أحدثته البعثة النبوية في شبه الجزيرة العربية فأخرجتها من حال إلى حال، من القرية الكبيرة إلى الحضارة العالمية! وتغيير هذا الواقع يعني تصحيح المفاهيم وتقييم اعوجاج الفكر، وكانت الحداثة بمفرزاتها وسمومها مصدراً لا ينضب للمفاهيم الخاطئة والنظريات المستوردة.

ومعلوم كذلك مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي، فكيف كان القرآن الكريم قاعدة ينطلق منها الأستاذ عبد السلام ياسين في نقده للحداثة؟ لمعرفة تفاصيل هذه القضية لا بد من تسليط الضوء على مسألة هي محور خطير في نظرية المنهاج: القرآن مصدر للمعرفة الإنسانية. ينطلق القرآن الكريم من مسلمة مفادها أن الوحي الصادق هو المصدر الأساس للمعرفة الحقة، مقرراً أن العقل البشري وسيلة من وسائل المعرفة إضافة إلى الحواس والتجربة، بل إن هذه الوسائل هي من لطف من ألطاف الله أمدَّ بني آدم بها ليهتدوا بها إلى طريق الإيمان، فالحواس والعقل من نعم الله تسير وفق إرادة الله وحكمته وعنايته. ويركز القرآن الكريم على وسيلة التفكر والنظر في مخلوقات الكون لتكوين نظرة سليمة عن الوجود وعلاقة الإنسان بالكون من حوله، وللفصل بين ما هو حق وما هو باطل متوارث أقرتها الأجيال فصارت من جملة الحقائق الثابتة، ووصف معطلي عقولهم عن النظر بأنهم أسوأ من الأنعام التي لا تعي ولا تفكر. قال تعالى:

“أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ” (الغاشية: 17-20). وقال: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ” آل عمران: 190. وقال: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ” (الزمر: 21). وقال: “يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ” (النور: 44).

فهذه المخلوقات التي نبصرها ولا نرى فيها جانب المعجزة لطول الألفة والاعتياد عليها حتى صارت جزءاً من حياتنا العادية لا يمكن أن نتصور وجودنا بدونها هي في الحقيقة معجزة كونية تتكرر كل يوم، إذا تمعنا فيها ورأينا فيها القانون الذي لا يعرف التبديل والتحويل لما ترددنا في إثبات الخالق القدير، فكيف يمكن للكواكب والأفلاك أن تنتظم انتظامها البديع، وتسير في مدارتها دون أن تخرج عنها لأحقاب طويلة دون أن يكون وراء هذا الإحكام خالق عالم قادر؟

والأستاذ عبد السلام ياسين لا يرى أن المظاهر الكونية دليلاً حاسم وحسب، بل يرى أن التفكير الصحيح هو الذي يتجه إلى استكشاف السنن الكونية: “التفكيرُ تفتُّح هذه الملكة العقلية العجيبة على الكون، وتلمذتها له، واستقصاء شؤونه بالدراسة والتحليل والتركيب، وتأصيل العلوم الكونية. ومن هذا النشاط العقلي تنشأ العلوم الكونية، وعليه مدارُ تقدم الإنسان في مضمار الحضارة”[49]. فالتفكير الخلاق يبتدأ بالتلمذة على الكون ليستكشف فيها العلوم الكونية التي عليها مدار التقدم الصناعي والتكنولوجيا؛ وهذه العلوم الكونية، كما يراها الأستاذ، ليست رجساً من عمل الشيطان، ولا وليدة العقل الغربي بل هي: “أسرار أودعها الخالق البارئ سبحانه في خبايا المادة وتلاحمها الفيزيائي، وتفاعلها الكيماوي، وقوانينها الرياضية في الذرة والأجرام السماوية، وفي الماء والهواء، وفي المعدن والأحياء، وفي النبات والحيوان”[50]؛ ولكن الفكر الغربي الماكر أفرغ تلك العلوم من مضامينها الإيمانية، وسكت عنها، فأورث هذا السكوت كفراً بواحاً: “فكيف التحفظ مما في باطن هذه العلوم الكونية المصوغة صياغة موضوعية من جراثيم الجهل بالله، والتجهيل به ؟ الصياغة الحديثة للعلوم الكونية لا تتحدث من قريب ولا من بعيد عن إله موجود أو غير موجود. لا تتحدث عن شيء لا يراه مجهرها، ولا تكشف عنه اختباراتها المدققة المرققة. ولا هي تحارب الدين أو تلمح إلى الدين. لا تفعل ذلك عيانا ونطقا، لكنها بصمتها وتجاهلها إنما تسقي من تعاطاها على الخواء العلقمَ السام”[51]؛ ويرى الأستاذ ياسين أن وظيفة الفطرة أن تقف مذعنة أمام سلطان المظاهر الكونية: “ولأن خطابنا القرآنيَّ المنهاجيَّ يلتقي بالفطرة السليمة عند المسلم والمسلمة نُكوِّنُ رحمة إحيائية… ويَكُون وقوفُنا موقف التلميذ النابه المتلقي بقصد التنفيذ أمام كتاب الله وسنة نبيه، وأمام آياته الكونية ووضعه للأسباب، وضوحاً منهاجياً رائده عمل الأنبياء عليهم السلام، وحاديه الحِكمةُ ضالَّةُ المومن”[52]. أما الملحد المتفرعن وإن خفت غلواء كبره إلا أنه ماضٍ في إلحاده: “رغم تراجع العقل الباحث عن فرعونيته لا يزال يعيش على المسلمة الدوابية الكفرية. طمس الله القلوب، وطبع عليها، وأصم أذنها عن سماع الحق من مصدر الوحي، وأعمى عينها عن أن تبصر دلائل الخالق في الخلق”.[53]

ودعا القرآن الكريم إلى التفكر في التجارب التاريخية للأمم السابقة فإن التجربة من وسائل المعرفة الحقة، وإذا تكررت هذه التجربة اكثر من مرة فهذا دليل على صحتها وبرهان على صدقها، والنقل المتواتر لهذه التجارب يكسبها المصداقية، لهذا ركز القرآن الكريم على الأمم السابقة التي كفرت ونزل بساحتها العذاب، وكانت قريش ومن حولها من القبائل على علم بأمر تلك الأمم، وقد أدرجتها في أمثالها وقصصها، ولكنها لم تنظر في علة هلاكها ونقمة الخالق عليها، بل حولتها إلى أقاصيص يرويها القصاصون في ليالي السمر والشراب! فأعاد القرآن على مسامعهم سرد هذه القصص بطريقته الخاصة التي تقرع أسماعهم، وتنعى عليهم قلة عقلهم وقصور أفهامهم، قال تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج: 46). وقال: “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” يوسف: 111. وإذا كانت أماكن هذه التجارب المروعة قريبة من طرق قوافل قريش فإن العبرة تكون أوضح، والصيحة تكون مدوية! قال تعالى: “وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” (الصافات: 133-138).

والأستاذ ياسين يتحدث بعمق عن التجارب البشرية، ومدى صحة اعتمادها وسيلة أو مصدراً من مصادر المعرفة، وقد خصص كتابه الإحسان لينافح عن التجربة الصوفية التي أكدت الخبرات التاريخية المتواصلة صحة اعتمادها وسيلة للمعرفة (بغض النظر عن كون هذه المعرفة فردانية خالصة، ومستغلقة على التعبير، وغير قابلة للتعميم والمداولة) وفي هذه الكتاب نصوص لا حصر لها تؤكد ضرورة النظر في التجربة التاريخية بوصفها وسيلة من وسائل المعرفة الحقة.[54]

وفي هذا السياق فإن القرآن الكريم يجعل التفريق بين الحق والباطل وسيلة من وسائل المعرفة، فربما توارثت بعض الشعوب تراثاً فاسداً من المعتقدات والعادات والطبائع، وهذا التوارث (المتواتر) لا يكسبها شيئاً من المصداقية، قال تعالى: “وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ” (الأنبياء: 16-18)، فإن كان هذا التراث باطلاً فإنه لا يلبث أن يفقد مصداقيته تحت محك التجربة، فلا بد من عرض هذه المعارف مجدداً على الحقائق التي ثبتت بطرق لا تقبل الشك بوسائل معرفية أخرى. وبعد التفريق بين الحق والباطل لا بد من وضع حد لعمليات التدليس والاحتيال التي تمارسها وسائل الإعلام أو بعض الكتب ذات الصبغة الفكرية والتي تخلط الحق بالباطل وتعرضه في ثوب جديد، أو تستكبر عن اتباع الحق وتتبع الهوى، كما قال تعالى: “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ” (الجاثية: 23).

ويرى الأستاذ ياسين أن سوء التقدير وعدم التمييز بين المعتقدات الموروثة الحقة والفاسدة يقف حاجزاً أمام الإيمان: “يُصبح التضامن الإيماني والتواصل عرقلة وانتكاسا إن كان التقليد للآباء والأجداد أعمَى لا يقدُرُ قدْرَ الخطإ والصواب. وذلك حين ينتصب شبح الآباء والأجداد حاجزاً بين الأجيال الناشئة وبين مصدر الوحـي، وحين تتحجر الأجيال الصاعدة على وضع موروث تنبطح أمامه عاجزة عن تحقيق عبوديتها لله عز وجل في الزمان والمكان المتغيرين المتقلبين”.[55]

وفي حديث القرآن الكريم عن وسائل المعرفة، أثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ وشاهد لا سلطة له في تغيير النص أو النقص منه أو الزيادة عليه، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” (المائدة: 67). وقال: “وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ” (الحاقة: 44-48).

إلا أنه في الوقت نفسه لم يلغ وظيفة العقل البشري، ولم يسلبه قدرته على النظر والتفكير التأويل واستكشاف الجديد، فالوحي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة يشكل الأساس الأول من أسس نظرية المعرفة، وهو الأساس الذي لا يعتوره الخطأ والارتياب، قال تعالى: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا” (النساء: 82-83).

فأشارت الآية الكريمة إلى قطعية هذا الأساس الأول من أسس المعرفة وأنه لا اختلاف فيه بمعنى لا تعارض ولا تناقض وتضارب بين آياته، ثم جعلت سلطة الرسول بعد القرآن الكريم في فض اختلافات المؤمنين، وأضافت إلى هذه السلطة سلطة الاستنباط المبني على علم صحيح، فتركت فسحة كبيرة للعقل المؤمن المسترشد بهدي القرآن والسنة الصحيحة لكي يستكشف ويتأمل ويتدبر.

ويؤكد الأستاذ ياسين أن: “العقل آلة زائغة فاشلة إن اشتغلت بالأثر عن المؤثر، ووقفت عند مظاهر الخلق، تقبل ببلادة التفسير العقلاني الذي يقول إن كل هذا لا معنى له. فمن يزعزع العقل المتحجر على ماديته من هذه المواقع المحصنة؟الجواب أن دعوة الرسل وخطاب الله عز وجل عباده في القرآن يعتمدان على إثارة كوامن الإنسان التي خلقها سبحانه قبل العقل ومن وراء العقل وفوق العقل في طيات الكائن البشري حتى يميل المعنى الإنساني المسمى قلبا إلى “سماع” الحق”.[56]

ومن الآيات الملفتة للنظر والتي لها صلة بالحديث عن أسس المعرفة، قوله تعالى: “وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” (النمل: 93)، وهي آخر آية من السورة جاءت بعد قوله تعالى: “إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ” (النمل: 91-92)، وفي هاتين الآيتين شيء من الوعيد لمنكري بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإنذار لهم بأنه دين الإسلام سيعلو شأنه ويظهر أمره والآية الأخيرة التي تلتهما واختتمت بها السورة تشير إلى أن الأيام القادمة ستأتي بالدلائل والبراهين العملية على صدق رسالة الإسلام من قبيل الانتصارات الحربية ودخول القبائل والأمم أفواجاً في هذا الدين الحنيف.

والآية وثيقة الصلة بأسس المعرفة لما فيها من إشارة إلى بعض آليات تحصيل المعرفة، وهي الدلائل التاريخية على صدق رسالة الإسلام، فالأدلة التاريخية التي نقلت إلينا بطريق صحيح والتي أثبتت صدق رسالة الإسلام تدخل هي ومدلولاتها في إطار المعرفة العامة التي نستقيها حول الدين الإسلامي.

وكذلك قوله تعالى: “وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ” (البقرة: 89)، فهي تتحدث عن معرفة الكتابيين من بني إسرائيل لصدق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ومن ثَمَّ إنكارهم لما عرفوه واستقر عندهم استكباراً من عند أنفسهم، ومعرفتهم تلك مستقاة من الأخبار الصادقة التي ثبتت عندهم بطريق متواتر صحيح ولكنهم أخفوها وطمسوها، وآليات تحصيل تلك المعرفة لا يشوبها غبار، وهي تندرج ضمن وسائل المعرفة الصحيحة ألا وهي الروايات التاريخية المتواترة والصادقة.

ومثل تلك الآية قوله تعالى: “الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ” البقرة: 146، وقوله تعالى: “الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ” الأنعام: 20، فكلتاهما تتحدثان عن وسائل المعرفة الصحيحة التي تحقق بها علم أحبار اليهود بصدق رسالة الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.

 

خاتمة ومقترحات

إن نظرية المنهاج النبوي قومة فكرية وسلوكية تهدف إلى استحداث تغيير شامل في حياة الجماعة الإسلامية التي ارتضت حمل عبئ أجيال قادمة على عاتقها، وهي مؤسسة على فهم راسخ للقرآن الكريم والسنة المطهرة، والمصطلحات الفكرية في المنهاج خير دليل على الحضور القرآني بكل أبعاده العقائدية والفلسفية والتربوية والتشريعية وتغلغله في المسارات التحاورية والتأملية والتأصيلية للأستاذ ياسين، وهذا الحضور الدائم لكتاب الله المجيد صبغ معالجته القرآنية للحداثة وقيمها ومفرزاتها بطايع تربوي، وتحليل فلسفي معاصر، واستنطاق للتاريخ الإسلامي وسير أعلامه العظماء.

ويشكل نقد الحداثة ومفرزاتها حيزاً هاماً من هذه النظرية لخطورة آثار الحداثة وما بعد الحداثة على الفكر الإسلامي، ولعمق النقد الذي جابه المنهاج النبوي به تياراتها المتلاحقة، وتوزع هذا النقد على صفحات مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين دليلٌ على معايشته للهجمات الفكرية القادمة من داخل وخارج العالم الإسلامي وتفاعله معها، وجاء هذا النقد في إطار دعوي تربوي يستنطق التاريخ ورجال التاريخ، وإطار حواري رصين يعرض أفكار الخصم ويفندها بأسلوب علمي، وعبارات أدبية خلاقة تستلهم القرآن والحديث لضبط مصطلحاتها ومفاهيمها، وكان القرآن الكريم محور هذا النقد العلمي بوصفه مصدراً من مصادر المعرفة الإنسانية.

ومفاتيح نقد الحداثة في نظرية المنهاج تتمثل في:

– القرآن الكريم بما وضعه من أسس للمعرفة البشرية هو القاعدة التي يجب الارتكاز عليها في عملية تحليل ونقد الأبعاد الفلسفية للحداثة.

– التجارب البشرية الخلاقة تعتمد وسيلة ومصدراً من مصادر المعرفة الحقة، فالتجربة الصوفية التي أكدت الخبرات التاريخية المتواصلة ضرورتها وفاعليتها خير تجربة سلوكية وتربوية يمكن اعتمادها.

– القرآن الكريم منبع صاف من منابع المصطلحات والمفاهيم التي يجب اعتمادها في المحاورات الفكرية والسياسية، بدل اعتماد مصطلحات ومفاهيم غربية لها تاريخها وأبعادها ودلالاتها الثقافية والروحية.

– أسلمة الحداثة لا تعني إضفاء ستار شرعي على مضامينها، بل تتم عبر مراحل تسترشد بالعقل العلمي والتجريبي لأسلافنا العظماء.

– ثراء التراث الإسلامي في الجوانب الفقهية والسياسية والاقتصادية والعلمية يشكل أرضية متينة للاجتهاد والاستنباط، ويحفظ قوام الدين، ويكسب الفكر الإسلامي القدرة على مواجهة ومغالبة الحداثة ومفرزاتها.

– التصدي للحداثة وسمومها يبدأ بحل مشاكل البيت الإسلامي، واتخاذ مواقف ثابتة مع الاحتفاظ بالمرونة المرحلية، وفهم أحداث التاريخ.

ومن خلال مطالعتي المتواضعة لمؤلفات الأستاذ ياسين لمست معالجة فريدة منه لقضية المرأة في الفكرين الإسلامي والغربي، وأدعو الباحثين إلى نبش تراث الأستاذ لاستخلاص رؤيته لهذه القضية الشائكة، الرؤية التي تجاوزت البعد التنظيري، ودخلت معمعة الواقع بكل ما فيه من تناقضات ومزايا ونقصان، فعكست بحق جهدين كبيرين بذلهما الداعي الحريص، جهد المفكر في القراءة والتدبر والنقد والتعليق، وجهد المربي والمصلح في حقل الإصلاح والعمل والنهوض بحال المرأة المسلمة، فاستحق بذلك اهتماماً خاصاً من قبل الباحثين.

 

قائمة المصادر والمراجع

  1. برنارد لويس، الإسلام وأزمة العصر، ترجمة أحمد هيكل، القاهرة، مكتبة الأسرة بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة، 2004م.
  2. جون اسبوزيتو، الاختلاف على الدولة لا على الإسلام، مقال ضمن كتاب: العلمانية والممانعة الإسلامية، محاورات في النهضة والحداثة، قام بها علي العميم، بيروت، دار الساقي، ط1، 1999م.
  3. الشرفي، عبد المجيد، الإسلام والحداثة، تونس، الدار التونسية للنشر، ط2، 1991م.
  4. ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، الطبعة الأولى 2000،مطبوعات الهلال وجدة.
  5. ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، ط2، 2003م،مطبوعات الأفق الدارالبيضاء.
  6. ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ط1، 200م،مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء.
  7. ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ط1، 2010، دار لبنان للطباعة والنشر.
  8. ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً، ط4، 2001م، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، لبنان.
  9. ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ط3، 2001م، دار البشير للثقافة والعلوم، مصر.
  10. ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، ط2، 2003م، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء.
  11. ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ط1، 1994، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء.
  12. ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ط2، 2003م، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء.
  13. ياسين، عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، ط1، 2001م، مطابع أفريقيا الشرق.
  14. ياسين، عبد السلام، سنّة الله، ط1، 2005م، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء.
  15. ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ط3، 2003م، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال الرباط.
  16. ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ط1، 1989م.
  17. ياسين، عبد السلام، الإحسان، ط1، 1998م، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء.

 

 

   

 

 

 

 

 

 

 

[1] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ط1، 2000م، ،مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء، ص 21.

[2] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص 15.

[3] المرجع السابق، ص 16.

[4] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً، ط4، 2001م، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، لبنان، ص 42.

[5] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ط3، 2001م، دار البشير للثقافة والعلوم، مصر، ص 27.

[6] ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ط2، 2003م،، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء، ص 55.

[7] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ط3، 2003م، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال الرباط، ص 5.

[8] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص 238.

[9] ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، ط2، 2003م، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء، ص 362.

[10] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص 25.

[11] ياسين، عبد السلام، سنّة الله، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء،  ص 292.

[12] ياسين، عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، ط1، 2001م، مطابع أفريقيا الشرق، ص 32.

[13] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص 236-238.

[14] المرجع السابق، ص 226.

[15] ياسين، عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، ص 26.

[16] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص 240.

[17] المرجع السابق، ص 341.

[18] المرجع السابق، ص 357.

[19] ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 186.

[20] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص 453.

[21] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً، ص 385. وياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص 71.

[22] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء، ص 34-35.

[23] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ط1، 2000م، مطبوعات الهلال وجدة، ص 55-56.

[24] المرجع السابق، ص 59.

[25] المرجع السابق، ص 61.

[26] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 41.

[27] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 9.

[28] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 47.

[29] المرجع السابق، ص 51.

[30] الشرفي، عبد المجيد، الإسلام والحداثة، تونس، الدار التونسية للنشر، ط2، 1991م، ص 76.

[31] المرجع السابق ، ص 106.

[32] جون اسبوزيتو، الاختلاف على الدولة لا على الإسلام، مقال ضمن كتاب: العلمانية والممانعة الإسلامية، محاورات في النهضة والحداثة، قام بترجمتها علي العميم، بيروت، دار الساقي، ط1، 1999، ص 50.

[33] برنارد لويس، الإسلام وأزمة العصر، ترجمة أحمد هيكل، القاهرة، مكتبة الأسرة بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة، 2004م، ص 137. ينظر بعض الباحثين إلى برنارد لويس على أنه لعب دور المنظر لليمين المحافظ الجديد وإدارة جورج بوش الابن، وساهم في صياغة السياسة العداونية المعادية للعرب، والداعمة للبلطجة الإسرائيلية في المنطقة، وأنه يسعى إلى ترسيخ صورة سلبية في أذهان قرائه تخدم التوجه الصهيوني المحض، وأن كتابه هذا نموذج فج لأسلوب لويس في تقديم الإسلام والمسلمين للغرب. انظر: مقدمة رؤوف عباس على ترجمة هذا الكتاب: أزمة الضمير عند برنارد لويس، ص 9، 12. وليست الورقة موضع مناقشة هذه التهم.

[34] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 68.

[35] المرجع السابق، ص 76.

[36] المرجع السابق ، ص 80.

[37] ياسين، عبد السلام، الشورى والديمقراطية، ص 34.

[38] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 48-49.

[39] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص 134.

[40] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 14.

[41] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص 500.

[42] ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، ط2، 2003، ص 40-41.

[43] المرجع السابق، ص 47.

[44] ياسين، عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، ص 52.

[45] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 41.

[46] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، دار لبنان للطباعة والنشر، ص 11.

[47] المرجع السابق، ص 26-27.

[48] المرجع السابق، ص 101.

[49] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ط1، 1998م، ص 305، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء.

[50] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 144.

[51] المرجع السابق، ص 164.

[52] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص 22.

[53] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ص 254.

[54] انظر على سبيل المثال لا الحصر: ياسين، عبد السلام، الإحسان، ص 403، 404، 405، 485.

[55] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص 289.

[56] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، ص 23-24.