الأبعاد الإنسانية في الفكر الإسلامي المنهاجي: قولٌ في الأصول والبواعث والمطالب

0 90

المحاضرة الافتتاحية الأولى للمؤتمر الدولي الثالث الــبُــعــد الإنــســـانـــي في الفكر الإسلامي المعاصر: الإمام عبد السلام ياسين نموذجا

د. أحمد الفراك – أستاذ الفلسفة بجامعة عبد الملك السعدي/ المغرب
مقدمة
أتى على الإنسان حين من الدهر وقد تكرَّم بالحياة في الوجود بعد إنشاء الأرض وإصلاحها، ووجد في نفسه هدايةً سابقة ًللسعي فيها، مُحصلا أقواته وُموسعا معايشه، ثم جاءه التكليف بعُمرانها وحيا من الله وهداية ثانية لاحقة، وتكريما تفضيليا فوقيا، بلَّغه الرُّسل والأنبياء بقُدواتهم وسِيرهم ووصاياهم واجتهاداتهم، وتحمل الأمانة َمن بعدهم الأتباعُ والتلاميذ فاهتدى بهديهم من استرشد واستهدى، وضلَّ عن منهاجهم من طغى واستغنى.
فالله سبحانه هو ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قدَّرَ فَهَدَى﴾ (الأعلى:1-2)، فجاءت الهداية بعد الخلق والتسوية، إذ خلَق الخلق وسوَّاه وَفق مشيئته المنزهة المطلقة، وهو الذي يحفظ هذا الخلق ويقدر معايشه، ويضمن بقاءه إلى حين معاده الذي قدره في سابق علمه، ولا دخل لغيره في خلقه وتقديره وتسويته، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص:68)،
فـ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الزمر: 62)، ولم يدَّع الإنسان يوما أنه وُجد قائما بذاته، مقيما لنفسه، وإنما وُجد مخلوقاً ضعيفا متلبساً بقيمٍ تقيه الاختلاط بدوابِّ الأرض وهوامها، وفي مخلوقيته عبوديته الفطرية التي هي دليل إنسانيته الأولى ابتداءً قبل ورود حُجج النبوة اهتداءً. فكان من الله وحده الخلق (الإيجاد)، والأمر (النداء والتوجيه)، وجماع الخلق والأمر هو التدبير الكبير، الذي لا يختلف عنه أي تدبير، ﴿ألَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 54).
التدبير الكبير:
لم يترك الخالق المدبرُ الخلقَ هملا وسُدى، بل أنشأ وجودهم ورتبه بفعل التدبير الكبير الحكيم، وهو مجموع أفعال الخلق والتقدير والجعل (التصيير) والتسخير التي تنتظم آيات الكون ودلَّت عليها آيات الكتاب، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (يونس:3)، و﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحج:65)، و﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ﴾ (النحل:72)، وغيرها من الآيات والأحاديث، وأقوال الحكماء والعلماء.
التدبير الصغير:
وحكمةً منه سبحانه استخلف الإنسان وكلفه بـبذل وسعه في «التدبير الصغير»، وهو إقامة العمران، أي النهوض بمجموع أفعال التكليف والائتمان والاكتساب وتحمل المسؤولية، إذ «المسؤولية ائتمان، والمسؤول مؤتمن»، استجابة لنداءٍ من خارجه، يستحثه على حسن التدبير في الأرض، حيث التكليفُ كسبٌ للعمل وحفظٌ للصلاح وإقامة للعدل بين الناس، كل الناس، فـــ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر:38)، و﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (آل عمران:25)، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:41)، ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى:30).
والإنسان في تدبيره الفردي أو المتوحد -باصطلاح ابن باجَّه الأندلسي-والجماعي، مسؤول عن حفظ إنسانيته والسُّمو بها، من إنسانية غريزية معاشية إلى إنسانية تكليفية مسؤولة، فسعيُه وتكليفه وإسعاده مقيدٌ بإنسانيته، في بُعيدين اثنين على الأقل: بُعد المخلوقية/الإنسانية في هدايتها الأولى، وبُعد الأخلاقية/الإنسانية في هدايتها الثانية. فهو إنسان أولا لأنه مخلوقٌ مفطور على حفظ بقائه بتدبير شأنه الصغير وفق ما سُخر له من آلات وما جعل له فيه وله من آيات، وكأن المخلوقية هي «هداية المعاش» ليتحمل الإنسان مسؤوليته في العمران.
وهو إنسان بأخلاقه التي يهتدي بها إلى حُسن معاملته مع أخيه الإنسان الذي وإن كان يشترك معه في المخلوقية الإنسانية فإنها لا تسعهما إلا الأخلاقية الائتمانية، أو «هداية الحياة».
وكل النداءات والدعوات التي لا تراعي في الإنسان مخلوقيته وأخلاقيته تخونُ الإنسان أولَ ما تخونه في إنسانيته قبل ائتمانيته، وكأن الأخلاقية الائتمانية هي هدايةُ مخالقة عابرة للذوات والأوطان، ودليل «صلاحية الائتمان على الرسالة»، وفي مفهوم المخالقة يقول الإمام عبد السلام ياسين (صاحب الذكرى): «مخالقة الناس من الدين»، و«البرُّ مخالقَة طوائف الناس من ذوي القربى والمحتاجين بأخلاق البذل والإكرام ببواعث الإيمان والإحسان وفضائل الصدق والتقوى»، كما يقول أيضا: «القرآن كلّه عظات، وتذكير، وسرد أمثال للصالحين، وحث على مخالقة المسلمين بالخلق الحسن، وعلى إنصاف كل الناس ومعاملتهم بالحسنى مهما كان دينهم، ومهما كان قومهم. فالبرّ بكل الناس، والقِسْط إلى كل الناس مهما كانت عقيدتهم مبدأٌ قرآني. من حقهم المضمون شرعا، المأمور به، ألا يُظلَم منهم أحد، بل يُبَرُّ ويُحسن إليه. حقوق للإنسان مضمونة لكل إنسان، ولكل أمة، بشرط واحد هو أن لا يقاتلونا في الدين»
بعد هذه المقدمة نتساءل،
هل راعى الفكر الإسلامي المعاصر وهو يُقدم نفسه حاملَ البشرى لعالم يراه كئيبا في تحضره، ورافعَ لواء التجديد لتراث يراه قديما في تجدُّده، هل راعى هذين البُعدين في تصوره؟ أم تراه غفل عنهما وانكفأ على ذاته التاريخية وبقي حائرا وعاجزا عن حل معضلات عصره؟ أم غفل عن أحدهما وتشتت على سطح الواقع والأحداث وأضحى حالما ومتوثبا إلى درك الجاه والسلطة؟
وإسهاما في الجواب عن هذا السؤال نحاول فحص المشروع الفكري لأحد علماء المسلمين في الوقت المعاصر، وهو العلامة المربي والمفكر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي اشتُهر عنه أنه صاحب مشروع فكري وتربوي ومجتمعي متكامل ومتوازن، من خلال ما كتبه وحاضر فيه ودعا إليه وبذل جهده من أجله. وذلك بطرح ثلاثة أسئلة إشكالية مؤطرة هي:
هل استحضر الإمام ياسين في فهمه المنهاجي البُعد الإنساني الكوني بإكراهاته وعلائقه وهو يؤسس لمشروعه الفكري؟
أية بواعث روحية وعقدية وفكرية ذات أبعاد إنسانية استند إليها نظر الإمام وهو يخط كليات نظريته في تغيير الأنفس والآفاق؟
ما المطالب الكلية المشتركة التي تشد المنظومة الفكرية والأخلاقية التي يقترحها الإمام وتجعلها في صلب الأخلاق الكوكبية المشتركة؟
المحور الأول: أصول النظر المنهاجي والبُعد الإنساني: القرآن والنبوة
يستحيل على الإنسان أن يفكر ويجتهد ويستبصر دون مستند مرجعي يرتكز عليه في بناء تصوره وإصدار أحكامه وهندسة استدلاله، فيُسهم من خلال خصوصيته التداولية وهويته الروحية والثقافية في بناء المشترك الإنساني ويشارك في إنتاج المعنى الأخلاقي والقيمي، ولعل الفكر الإسلامي اليوم في حاجة إلى التذكير بوجوب الوفاء للأصول في توجيه الإرادة ونظر العقل قبل إصدار الأحكام واتخاذ المواقف.
ويستند اجتهاد الأستاذ عبد السلام رحمه الله على غرار ما أجمعت عليه الأمة المسلمة بجميع مدارسها، إلى أصلين مرجعيين، هما القرآن المجيد والنبوة الخاتمة، لأن «الدين شرعة ومنهاج. الشرعة ما جاء به القرآن، والمنهاج ما جاءت به السنة».
أصل القرآن المجيد:
يستمد علم المنهاج أصله المرجعي من القرآن الكريم بوصفه وحيا مُصدقا ومهيمنا ومستأنفا لرسالات الوحي السابقة، مجددا لدعوتها ومتمما لأخلاقها، إذ معلوم أن القرآن الكريم هو آخر الرسالات الإلهية إلى الإنسان، والتي تُشكل في مجموعها مرجعا مشتركا للهداية الثانية للبشرية بعد هداية المعاش والتدبير الصغير المشترك بين جميع الكائنات العاقلة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الحج:54)، فهي هداية إيمانية خاصة، يَعرف بها الإنسان نفسه عبدا لربه راجعا إليه.
إن القرآن هو كتاب الهداية الإنسانية ومرجعُها، سواء كانت هداية نظرٍ أو هداية عمل، هداية تعقل أو هداية تخلق، وبهذا فهو «كتاب العالم» كما يقول الفيلسوف الألماني غوته، وكتاب الإنسان يُذكره بمعناه وبمسؤوليتِه ومصيره في الحياة، وليس كتاب قوم أو طائفة أو عرق أو وطن جغرافي، فـلقد «خاطب القرآن الكريم الأميين المستجيبين للداعي خطابا قويا في هذا الأمر. خاطب الإنسان من حيث إنسانيته، خاطبه من حيث فطرته ومخلوقيته. ولا يزال يخاطبه. الفرق بين الأميين الأولين وبين الناس أجمعين إلى يوم القيامة يتمثل في كون أولئك كانوا عارين أو شبه عارين عن العوائق الخارجية الحضارية التي تشوش على السمع، بينما الإنسان في عصرٍ كعصرنا مكتظ الآفاق الحسية والعقلية بطفيلياتِ صُنعه وفلسفته وشُغله وثروته وغناه وبؤسه وفاقته التي يُلهبها منظر المترفين وآلات ترفهم».
والقرآن كتاب أخلاق وأنباء وأحكام، بل إن آيات الأحكام فيه مستندة إلى آيات الأخلاق ومزدوجة بها، وعلوم الإسلام كلها متداخلة بالأخلاق وغير منفصلة عنها، وليست الأخلاق مجرد فضائل وكمالات وتحسينيات، وإنما هي أصول وأسس أُسرجت من مشكاة الوحي والنبوة، لا يُستغنى عنها في فكر ولا في ذكر، في علم ولا في عمل، في تربية ولا في سياسة، يقول طه عبد الرحمن: «الأخلاقية هي الأصل الذي تتفرع عليه كل صفات الإنسان من حيث هو كذلك»، إذ إن مناط التكليف هو الفعل الأخلاقي وليس هو العقل المجرد.
يقترح القرآن على الإنسان كي لا ينسى مخلوقيته منهاجا أخلاقيا شاملا ومتكاملا، قوامه التخلُّق (تربية الخُلق) والاستهداء (طلب الهداية)، بدءا من هداية العقل المعاشي الذي يدبر به الإنسان معايشه ويُنشئ عمرانه، إلى التدرج في مدارج التقوى التي ينشئ فيها العقلاء عمران الأخوة الإنسانية العابرة للتحيزات العرقية والقومية، وإلى العروج في مراتب الهداية والتوفيق والإسعاد والتفكر في عجائب الكون والمسخرات بأمره من طيبات البر والبحر. وقد تنتهي أعمار الناس ولا تنتهي مراتب الهداية.
وتأكيدا لهذا الأصل المرجعي اعتبر الإمام ياسين رحمه الله القرآنَ المجيد هو البرهان والفرقان والإحسان:

  • القرآن هو البرهان: بمعنى أنه المرجع المطلق في المعرفة والتقويم والحكم، على الأشخاص والأفعال والأفكار، في الماضي والحاضر والمستقبل، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ (النساء: 174). نور الوحي على نور الفطرة ﴿نُور على نور يهدي الله لنوره من يشاء﴾ (النور: 35).
  • القرآن هو الفرقان: إذ بالقرآن يُعرف الحق من الباطل، والعدل من الظلم، والخير من الشر، قال تعالى : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ (الفرقان:1)، على نقيض مناهج العلمنة الوضعية التي سرقت القيم الدينية ونسبتها زورا للإنسان فألَّـهَته وألْـهَته. يقول الإمام: «الحق الذي جاء به القرآن الكريم هو معيارُ كل القيم، به نعرفُ نسبة الإنسان للإنسان، ونسبةَ الإنسان للكون، ونسبة الدنيا للآخرة، ونسبة الحق للباطل، في إطار نسبة العبد لربه. وأنصعُ ما تكون النسبة بين العبيد ومولاهم الحقِّ حين يتْلُون كتابَه المنـزَّل عليهم رحمةً وحكمة، وحين يُشمرون لتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي»
  • القرآن هو الإحسان: ولا غنى للمحسنين وطالبي الإحسان عن القرآن، إذ فيه الهدى والرحمة والبشرى للمحسنين، قال الله تعالى: ﴿الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾ (لقمان: 1-3)، ومن الإحسان حمل الهداية والبشرى والرحمة للإنسان ومواساته وإرشاده إلى الحق والخير والمعروف.
    وبناء على ما سبق يكون القرآن هو الأصل الأول المطلق الذي يستمد منه المنهاج المنهج والمعرفة والخُلق، وبه يُقوِّم ثقافة التاريخ وتراث البشرية ومذاهب العصر، ومن خلاله يستشرف آفاق الإنسانية، يقول الإمام: «بالقرآن يعيد الله ثاني الخلق المسلم كما بدأ أوله. وكذلك بمنهاجه ﷺ يضع عنا وعن كل جيل يهتدي بهدي الوحي والنبوة ركام الذهنيات والعادات والأنانيات التي تغم النفوس والعقول وتحجبها عن نور الوحي. فتح الله تعالى بالقرآن والهدي النبوي آفاقا واسعة، وطرح على العقل الذي أسلم وصدق واتقى صوىً للتأمل والسير في الأرض والاعتبار بتاريخ الأمم. وعلَّمه ببيانه المعجز أن يُعبر عن أدق خلجات نفسه وأرق حركاته الفكرية. خلجات النفس المؤمنة المصدقة المتقية، وحركات العقل المسلم المستنير بالوحي لا تدور حول سؤال «كيف»، بل تتلقى الجواب عن سؤال «لماذا»».
    وما وظيفة العقل إزاء القرآن؟
    عن وظيفة العقل ومُسبقاته وحدوده، يستحضر المنهاج مفهوم العقل بمعنييه: العقل التدبيري المشترك والعقل المتدبر المؤمن، والمنادى بالقرآن هو العقل المؤمن المستهدي بهداية الوحي والمسترشد بعلمه ونوره. العقل الجامع للتدبر والتدبير، مع التنبيه إلى أن الوحي الذي يكون العقل تلميذا له ليس هو التفسير والتأويل والشرح وثقافة الوحي، وإنما هو النص المطلق الخالد والمفتوح للفهم والاستنباط والعلم والاجتهاد. فالعقل يستهدي بالوحي لا بثقافة التاريخ، وله الصلاحية في النظر والتدبر والتفكر والتجريب والتدبير والاستبصار، وأمامه «ميادين فسيحة لم يَشْملْها اعتناءُ الأولين، بل منها ما لم يَطرقوه»، وفي ذلك إقدارٌ له على الإبداع والإنتاج بما يضاهي بل يفوق ما قد يخطر على البال أو يدور في الخيال.
    لا شك أنْ «يحدث للعقل المومن بالله المصدق للوحي عَورٌ إذا أغمض عن المدارك المشتركة، وعجز عن التعلم من الكون، وترك آلته للإهمال والصدإِ. فيفُوته ركب الحياة الدنيا، ويقعدُ مع القاعدين العاجزين. وذلك نقصٌ من حقه، وقصورٌ عن فهم رسالة الوحي الذي أنبأ بأن الله سخر لنا الكون وأمرنا أن نَسير في الأرض ونستعمرها وندافع ونجاهد، وكل ذلك ممتنع إن لم نسخر بإرادتنا واجتهادنا وتعلمنا هذه الآلة العجيبة المسماة عقلا»، ومن جهة أخرى «يصيبُ العقل المشترك، الآلة عاهة العمى الكلي. لا يبصر معها البصر المعتبر على أفق الأبدية وهو البصر بالله وبأمر الله وبالدار الآخرة وما يُسعد الإنسان هنا وهناك… ويضِل العقل الأعمى المعرض عن الوحي فلا يهتدي سبيلا إلى الغاية الوحيدة المعتبرة على سلم الأبدية والخلود في الجنة أو النار. لا يهتدي سبيلا إلى سعادته الأخروية وإن كان بصيرا بسبل رخائه المادي في الدنيا».
    أصلُ النُّبوة:
    النبي إنسانٌ مرسلٌ في الناس ومخبرٌ لهم، يـهتدون بهديه، ويتزكّون بصُحبته ويتعلمون منه الكتاب والحكمة، قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:151)، فهو بشرٌ كباقي البشر غير أن الله أنعم عليه وجعله مثلا أعلى للإنسانية، قدوةٌ وإمام للناس أجمعين، برسالته وأخلاقه و«كرم ضريبته» وتأييده بالغيب، وتلك هداية عليا خص الله بها أصفياءه من خلقه. قال تعالى في سيدنا عيسى عليه السلام: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الزخرف:59)، و﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء:93)
    فالنبوة مصدر ثان من مصادر المعرفة والسلوك والأخلاق، مُنشئة للمعارف والأحكام والآداب، وليست مجرد تطبيق شارح وفهم نموذجي وتجربة تاريخية، فالنبوة وحيٌ من الوحي، وتلقٍّ موفق ومؤيد بالعناية الإلهية، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52)، وفي الحديث: «يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل ما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله»، قال ابن القيم: «إن الله سبحانه أنزل على نبيه الحكمة كما أنزل على نبيه القرآن وامتنَّ بذلك على المومنين، والحكمة هي السُّنة كما قال غير واحدٍ من السَّلَف، وهو كما قالوا، فإن الله سبحانه قال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (الأحزاب:  34)، فنوَّع المتلو إلى نوعين: آيات وهي القرآن، وحكمة وهي السُّنَّة، والمراد بالسُّنة ما أُخذ عن الرسول الله ﷺ سوى القرآن، كما قال صلوات الله وسلامه عليه: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إنه مثل القرآن وأكثر»»، ولذلك فالنبي «عبدٌ لا يُشرِّع مِن عنده، وإن خَطط فتطبيقٌ للوحي يَصحبه التوفيق الإلهي»، و«الوحي والرسالة مناطُ الإيمان كلّه»، فالنُّبوة لا تنفصل عن النبأ للإنسان حيث كان الإنسان في العالم، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ:28)، و﴿إن هو إلّا ذكر للعالمين﴾(التكوير:27).
    وأين موضع العقل من النُّبوة؟
    العقل مراتب وليس مرتبة واحدة، أوله عقل المعاش المشترك بين الناس جميعا، بل مشترك في حده الأدنى بين النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ، وهو قابل للتجويد والاستعمال المفيد في الحياة تصنيعا وتدبيرا، وقد يصاب بالضلال الذي تحدَّث عنه الغزالي في منقذه وديكارت في تأملاته، فيبقى أصما وأعمى ومحجوبا عن نور الوحي وهداية النبوة، وقد يصيبه شعاعٌ من نورٍ فطري أو توفيق إلهي فيستيقظ ويسترشد بالدلائل على المسائل إلى أن يصل إلى جادة الحقائق. وفوقه العقل المكلف أو العقل المؤمن الذي صدَّق الوحي واتبع المرسلين واجتهد مسترشدا، يربط الأرض بالسماء والخَلق بالخالق والعاجل بالآجل والتالِه بالإله. ثم العقل الملهم المؤيد أو العقل المحسن وهو عقل الكُمَّل من المؤيدين بالغيب المسددين في النظر (الأنبياء والأولياء)، أي عقل «الهداية المؤيدة من الغيب».
    والعقل ليس ذاتا قائما بذاته ليُعوَّل عليه في الحكم، وإنما هو فعلٌ والفعل لا يكفي وحده لضمان اليقين والحقيقة، إذ يحتاج إلى هداية من خارجه، توجهه وتقومه، لذلك تفطن بعضهم (ديكارت) إلى وضع قواعد لهداية العقل، لأنه لا بد له من بديهيات يقينية يرجع إليها، فـ«ليس العقل يحكم الغرائز الأنانية، بل يحكمها وازع الهداية… وبالهداية جاء الأنبياء يؤيدهم نور القبس الإلهي، يحملون معهم برهان صدقهم معجزاتٌ تخرق العادة، برهان صدق من عالم الغيب قبل كل شيء».

المحور الثاني: بواعث الفهم المنهاجي والبُعد الإنساني: التزكية والتحرير
باعث تزكية الإنسان:
معلوم أن التربية بالإضافة إلى كونها «فلسفة وعلم وفن» كما يقول عابد الجابري، فهي صناعة، بل «التربية أخطر صناعة»، كما يقول الإمام ياسين، لأنها تصنع الإنسان لـمَّا تنصرف الصناعات الأخرى إلى صناعة الأشياء، تصنع التربيةُ العقول والميول والأذواق والاتجاهات، وبالتربية ننتمي إلى الإنسانية ونندمج في الثقافة، ونكتسب الهوية. يقول الإمام: «التربية تنميةُ الإيمان والطموحِ. التربية صعود إراديٌّ وتصعيدٌ مستمر. التربية اقترابٌ من الكمال وتقريب. التربية قَدْحُ زِنادٍ في القلب والعقل، إشعالُ فتيلٍ، تعبئة طاقاتٍ فرديّةٍ لتندمج في حركية اجتماعية يَعْمَل فيها العاملون بجهْدٍ مُتكامِلٍ».
والفهم المنهاجي لا ينفصل فيه العلم عن العمل، ولا العقل عن الشرع، ولا التربية عن التدبير، فهو فقهٌ جامع تحركه بواعث تربوية وتعليمية تقصد إلى توزين تربية الإنسان وتحسين أخلاقه وتصحيح تفكيره وتقويم سلوكه حتى يستوي قدوة بين السواد الأعظم من الناس، فاعلا للخير نافعا للغير. وتلك هي تزكيته. إذ التزكية تربيةٌ للأفراد وللجموع تربية إيمانية تنويرية متكاملة ومتوازنة ومتدرجة بالفرد، لتنقله من ضيق الحياة المعاشية، إلى سعة الحياة الإيمانية، ومنها إلى فسيح الحياة الإحسانية، وإن شئت قلت: الانتقال من «بهمَنة الإنسان» إلى «أَنْسَنَةِ الإنسان»، ثم من «أَنْسَنَةِ الإنسان» إلى «أيمَنة الإنسان»، السائر في معارج المعرفة والعلم والإيمان مستقيما على المنهاج القرآني النبوي، وتلك هي «الأحسنة» التي يصير بموجبها «باحثا عن الأحسن والحسنى» بلا توقف، متشوقا إلى الترقي في رتب التحسن في أخلاق التقرب والترقب.
وتلك هي التربية التي تخرج الإنسان السَّلم للإنسان، المنسجم في نفسه، المطمئن في سربه، والرحيم بأخيه الإنسان وبالكون من حوله، وهي نفسها التربية التي تعالج في أعماق نفس الإنسان آفات الأنانية والفردانية وما يترتب عليها من مظاهر التسيُّد والتسلط، وما يستتبعها من «أمراض العمران» في كل زمان، سيما في هذا الزمان.
باعث تحرير الإنسان:
رسالة التحرير التي يحملها المنهاج هي تكريمُ الآدمي الذي لما يستكمل إنسانيته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70)، وإنصاف المحروم الذي سُرق منه رزقه، ونصرة المظلوم الذي أُخذ منه حقه، فردا كان هذا الآدمي والمحروم والمظلوم، أو إقليما أو شعبا أو أمة من الأمم. فالتحرير عتقُ رقبته من حداثة سائلةٍ وثقافة غازيةٍ وممالأة طاغية تُلهيه عن السؤال الوجودي الكبير، وتمنعه من الاستيقاظ من نوم الغفلة البهيم الذي يذيبه في حمأة اليومي الغالب الصارف.
التحرير مساعدة الفرد ومساعدة أمم الأرض: مساعدة الفرد على تحرير نفسه وفكره، واليقظة من سكرة الغفلة والنسيان ليكون «إنسانا فائقا» لا تفارقه إنسانيته، إذ «الإنسانية وصف لا يفارق الإنسان» كما قال الحسن اليوسي، يعي ذاته ويتحمل مسؤوليته في وجوده وسعيه، لا ليستحيل متألها وإنما ليصير ربانيا. «واجب الأبرار الأحرار أن يلبوا نداء المحتاج والمستضعف والصادق أينما كان، وأن يغرسوا في تربة المسلمين ثم في تربة الناس أجمعين شجرة البر الباسقة ليستمسك بها كل ملهوف، وأن يمدوا يد التعاون والتعاطف والتنافس في خير الإنسانية للحُشاشة الفاضلة من المروآت والشهامة المنادية بحقوق الإنسان وحقوق المستضعفين، إلى أن يطوَّق أخطبوط الاستكبار وتُكْسَر بيضة القانون المجحف».
ومساعدة أمم الأرض لتقيم كياناتها بمثالها من ذاتها، ولتنتج قُوتَها وتصنع قوَّتها، ومساعدة الاجتماعات الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها لتقيم نظاما اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا لا ظلم فيه ولا إقصاء، ولا تطفيف فيه ولا استقواء. وتلك هي روح الإنسانية التي أنعم الله بها على الإنسان، والتي «صيرت الإنسان عالَـما صغيرا أكبر معنىً من العالم الكبير»، إذ «الماهية الإنسانية، مظهر جامع لجميع تجليات الأسماء المتجلية في جميع الكائنات».
تحرير الرقاب الفردية:
هو تحرير إرادة الفرد أولا من القيود المانعة من معرفة الحق، ورؤية الأمور كما هي لا كما شوهتها ثقافات التاريخ ومصالح الناس، لتتحول من إرادةٍ مُكِبة خانعة عاجزة إلى إرادة سوية فاعلة مُنجزة، وتحرير العقل البشري من سُلط الأوهام والأهواء والكهوف النفسية والثقافية، ومن الرضوخ للعادات الجارفات للنظر والإديلوجيات الماسخات للفكر، ليكون عقلا حرا راشدا يفكر في ذاته ووجوده ووظيفته، من غير وصاية ولا عناية، معترفا بعجزه ومقهوريته وعارفا بجهوده وحدوده.
ومن صميم التحرير تحرير الفرد من ثقافة الاستهلاك المخيفة التي ركَّبت داخل بنية الفرد جوعا لا يشبع، ونزوعا لا يُدفع، فأهلكت القيم وصرفت العقول وأفسدت الاقتصاد، وأضعفت حميمية الأسر، وعطلت تضامن المجتمع. ليكون الفرد واعيا بما يحاك ضده من مؤامرات ومصائد تسرق قوته وجهده وصحته ودينه وطمأنينته.
وفك رقاب الإنسانية:
من معاني التحرير تخليص الإنسانية -والمستضعفين خاصة- في كل مكان من الأرض من آفات الفقر والخوف والجوع والمرض والعنف والحرب، ومعالجة أدواء الاستبداد والاستحواذ والاحتلال والقابلية للخنوع والإذلال، وانتزاع الحقوق من قبضة الملإ المستكبر في الأرض المنفرد بالمجد، ومن ذلك تحرير القوة الاقتصادية وتحقيق التنمية المتوازنة والمتوازية، وضمنها تحرير القوى العاملة من قبضة المستكبرين الذين يحملون أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم «نفاق الساسة المسيطرين المتفاهمين من وراء ظهر بؤساء العالم» (حيث يتمالأ الكبراء: أصحاب المال وأصحاب السيف)، ومن معاني التحرير تحرير الأرض من الاستفساد، وفي مقدمتها تحرير بيت المقدس وأكناف بيت المقدس من الإيذاء الصهيوني والاختيان العربي، حتى تُحفظ القداسة للأرض وتُضمن الحرية للفرد.
وما لم تُفك رقاب الإنسانية من سيطرة «أهل خساسة الرئاسة» وتخليصهم من صنوف المعاناة التي تسبَّب فيها جهل الإنسان لمخلوقيته وتعطيله مخالقة غيره، وما لم نجعل من «الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته مشروع المستقبل وقضية مقدسة»، يقع الظلم والعسف والجور في واقع الإنسان المعاصر، وتضمحل إنسانيته إلى دركات الجهالة، أنَّى لنداءات الأخلاقيين الجُدد أن تنفع معها؟ وأنَّى لذوي الألسنة أن يميطوا الأذى عن الطريق؟
المحور الثالث: مطالب الفقه المنهاجي والبُعد الإنساني: العدل والإحسان
ماذا يريد الفكر الإسلامي اليوم؟ ماهي مطالبه الكلية للإنسان؟ وكيف يتصور الإسلاميون من خلالها الإسلامَ غدا؟ والعالم مستقبلا؟ وهل عند المسلمين ما يقترحونه على العالم والعالمُ في مخاض وهم في انحطاط؟
قيمة القيم بلغة المهدي المنجرة رحمه الله في فكر الإمام هي الجمع بين مطلبي العدل والإحسان، فما معنى مطلب العدل للإنسان؟ وماذا يقصد بمطلب الإحسان؟
مطلب العدل للإنسان:
العدل مطلبٌ إنساني كلّي كوني، وأمرٌ إلهي لا تختلف فيه الملل، ولا تزهد فيه الأمم، من أجله أُرسلت الرُّسل وأنزلت الكتب، لأن «العدل صلاح الأرض، والجور فسادها، وبالعدل قامت السماوات الأرض»، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25)، وما أفلح عمرانٌ في الكون إلا وله حظٌّ من العدل والقسط والإنصاف، وما انهار عمران وخربت ديار إلا بالبُعد عن العدل، إذ العدل مقياس قوة الأمم وتحضرها وتمدنها، وإذا غاب العدل في أمة فسد حكمها وعمَّها البغي والظلم، وإذا فسد الحكم فسد العقل وتقلص الفكر وانحبس الفقه. ولذلك قال الغزالي: «العَدلُ سَببُ النَّجاةِ».
إن مركز قوة الأمم في نظام حُكمها، والأمم القوية اليوم انتهت من خلال تجاربها المريرة إلى أن الحكم القوي يستند على آلية تدبير قوية هي الديمقراطية، ولا عجب أن سماها الإمام بـ«نظام حُكم قوي»، العقول فيه قوية تصنع وتُصنِّع وتُبدع وتُنجز، لأنها «لا تكون مظاهر الرحمة وحقائقها إلا ضعفا في أعين العالم إن بدَتْ من هزيلٍ مشـرد ممزق. لكن القوي يستطيع أن يبتسم فلا يؤخذُ ابتسامُه على أنه مجاملة انهزامية، ويستطيع أن يحاور بالحكمة والموعظـة الحسنة وأن يجادل بالتي هي أحسن فلا يؤخذ ذلك منه مأخذ الضعف المكنون».
إن مركز الضعف في الأمة المسلمة اليوم في نظام حكمها: فإذا كان نظام الحكم فاسدا وحوله حاشية خانعة، وعلماء ناعسون مخدرون، ونخبة مثقفة مستقيلة، وفي عِلية القوم «طبقات مترفة وقصور وخواص من الناس. وبجانب هذا البؤس الأسود» فكيف تصنع الأمة مجدها؟ والناس على دين ملوكهم، وليسوا على دنياهم.
يغيب العدل ويفسد العقل بتعطيله عن أداء وظائفه في كشف الحقيقة ونقد الباطل ونقضه، وإقامة الحق وحفظه، ويتقلص التفكير إلى «عافية الجبناء» و«تملق العملاء» و«تسويغات الضعفاء»، وتنحدر الأمة وتتخلف وتصاب بداء الأمم الفتاك، فأنى تقوم لها قائمة وهي أحوج ما تكون إلى «علم العدل» بتعبير الإمام الشافعي؟
ثم إن انشطار العالم اليوم إلى شمال مُتخم وجنوب مُفقر لهو نتيجة لصناعة فاسدة في النظام العالمي، وجب استصلاحه بإقامة نظام عالمي عادل يتجاوز مظاهر التطفيف والتحيز التي تملأ مؤسسات النظام الدولي الحالي والذي لم تجد فيه أمم الأرض نصيرا ولا حَكما عادلا، في إطار «مشروع حلف إنساني عالمي»، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُواْ ۚ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:8)
الفقه المنهاجي لا يسكت عن الواقع في وقوعه (سقوطه) ويدعه كما هو، ولا ينصرف عنه منتظرا قدره، ولا يتوثب متحمِّسا إلى رفعه بضربة لازب، وإنما يعالجه من حيث جاء داؤه، فلا تلهيه مظاهره وروافده عن النظر في عِلته وسببه، إذ المنهاج «مسلك يَعبر الدنيا بما فيها من قوى واصطدام واضطراب ونشاط ولا يتجنبها» جُبنا أو قفزاً. فهو باختصار منهاجُ مشاركةٍ وتغيير «يدور حول الإنسان، ويخدم غاية تحرير الإنسان».
مطلب الإحسان للإنسان
لا نجد في المفاهيم الأخلاقية أحسن من مفهوم الإحسان ذاته، ولا نجد أحسن في التعامل مع الغير بعد العدل أفضل من الإحسان إليه، ولأهمية الإحسان كتبه الله على كل شيء وأمرنا به في كل شيء، ففي الحديث «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»، وفي علاقة العبد بربه يكون «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
الإحسان برٌّ وإتقانٌ في الأقوال والأفعال، ومعاملة بالحسنى مع الأغيار، ومنه التحقق بأوصاف المخلوقية، أو قل: إحسان المخلوقية، ومنه الترقي في مراتب الأخلاقية، أو قل: إحسان المخالقة. وإن شئت قلت: الإحسان طلبٌ للحسنى وللأحسن في أوصاف المخلوقية ومراتب الأخلاقية، وما يزال العبد يُحسن ويتحسن قوله وفعله، تعقله وتخلقه حتى يهتدي لخُلق المحسنين اتصافا وترقيا. ومن المخالقة معرفة الغير ومعاملته بوصفه شريكا، ولو كان هذا الغير على غير ثقافته ودينه وعرقه ولغته، فلا يُسقط اختلافُه احترامَه ومساعدته وحسن محاورته ولطف مجاورته، فـ«الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر» تسع الجميع.
ومن معاني الإحسان العناية بالبيئة الطبيعية ورعايتها وكف الأذى عن «الوسط الحيوي للإنسان»، والنهي عن إفساد الأرض التي هي محل استخلافنا وعمراننا، والمسارعة إلى عقد ميثاق عالمي بيئي يوقف النزيف الذي أحدثته صناعة الجشع في نادي الملوثين الكبار.
إن أخلاق الإحسان هي أخلاقٌ كونية لأنها هي الأخلاق الحسنى، التي تنشدها الإنسانية لمعالجة مستقبل مليء بالتحديات المصيرية، وتُشدُّ إليها القيم في كل ملة وفي كل أمة. ولذلك انتبه كثير من العلماء في التاريخ إلى أن الإحسان هو القيمة المركزية في الوحي كله (في القرآن الكريم وفي جميع الكتب المنزلة)، فالإمام العز بن عبد السلام جعل الإحسان هو القيمة الأساس التي تُشد إليها وتُرد جميع القيم الأخلاقية الأخرى، وعنون الفصل السابع من كتابه «شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال»، بـ«فصل في بيان الإحسان القاصر والمتعدي» وفصل آخر عنونه بـ«الإحسان المتعدي»، وفصل ثالث بعنوان «تنويع الإحسان المتعدي»، وخصص للإحسان ثلثي الكتاب تقريبا، أي أكثر من 270 صفحة، ويقصد بالإحسان المتعدي «إرادة النفع لكل الناس».
ابتدأه بقوله: «كل من أطاع الله فهو محسن إلى نفسه بطاعته، فإن كان في طاعته نفعٌ لغيره فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره، وإحسانه إلى غيره قد يكون عاما وقد يكون خاصا، والإحسان عبارة عن جلب مصالح الدارين أو أحدهما، ودفع مفاسدهما أو مفاسد إحداهما… فإرادة النفع إحسان لكونها سبب فيه، وإرادة الضر إساءة لكونها سبب فيه»، ثم قسم الإحسان إلى خفي وجلي، وقليل وكثير، وجليل وخطير، ونبيل وحقير…
والإمام عبد السلام ياسين رحمه الله جمع العدل مع الإحسان، كما جمعهما القرآن، فهما مطلبان مرتبطان ارتباطا كليا، ولا قيمة للفكر الإسلامي المعاصر إن فصل بينهما أو عطل أحدهما. وفي ذلك قال الإمام العز بن عبد السلام: «أمر الله بالعدل والإحسان وبالمساعدة عليهما، ونهى عن كل إثم وعدوان وعن المعاضدة عليهما، مرغبا في قليل الخير وكثيره، ومُرهبا من جليل الشر وحقيره»، وكأن جميع القيم ترتد إلى جُماع العدل والإحسان.
خاتمة:
نخلص مما سبق أن الإمام عبد السلام ياسين تنبه مبكرا إلى ضرورة انفتاح الفكر الإسلامي المعاصر على القضايا ذات البعد الإنساني، وتركيز النظر على ما يشغل الأذهان من أسئلة الحياة والموت والسعادة والشقاء والسلم والحرب والصداقة والكراهية… وجميع القضايا ذات الاهتمام والتهمُّم المشترك بين جميع بني آدم، وخاصة «ذوي الإرادة الطيبة والاستعداد النبيل»، يقول الإمام رحمه الله: «إننا وسنبقى دائما على استعداد، وكُلّنا عزم وثقة في رحمة الله عز وجل، لمدِّ اليد إلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة والاستعداد النبيل. سنبقى كذلك حتى نعقد ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان، ميثاق رفق فعال ونشيط وباذل. إننا كذلك حتى نقضي على الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان» ونحن على وعي بما يستوجبه ذلك من تربية للإنسان الفرد ومن تنظيم للإنسان الجماعة ومن تعاون بين ذوي الإرادات الطيبة والسُّلط القوية في الاجتماعات الإنسانية كاملة على إقامة العدل والإحسان؛ وهما مطلبان كُليان كونيان ضروريان.

د. أحمد الفراك
تطوان، 14 دجنبر 2020م

المصادر والمراجع:

  • أبو بكر ابن باجَّه، تدبير المتوحد. سراس للنشر، تونس، ط 2، 1994م
  • بدر الدين الزِّرَكشي، البرهان في علوم القرآن، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1410ه/1990م
  • عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط 2، 1989م
  • رسالة إلى كل طالب وطالبة، إلى كل مسلم ومسلمة، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، 1، 1995م
  • الإحسان، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط 2، 2018م
  • الشورى والديموقراطية، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1996م
  • محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال، الرباط، ط1، 1994م
  • القرآن والنبوة، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 2010م
  • الإسلام والحداثة، دار الآفاق، الدار البيضاء، ط 1، 1421ه/2000م.
  • إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1430هـ/ 2009م
  • الإسلام غدا، مطابع النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1973م
  • العدل، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 2000م
  • رجال القومة والإصلاح، منشورات الصفاء للإنتاج، الدار البيضاء، ط 1، 2001م
  • كيف أكتب إنشاء بيداغوجيا؟ دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1962م
  • تنوير المومنات، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط 3، 2018م
  • الحكيم الترمذي، نوادر الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط 1، 1412ه/1993م
  • أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، المكتبة التوفيقية، القاهرة، ط 6، 2012م
  • الحسن اليوسي، تقييد في الأجناس العالية (مخطوط)، الخزانة الملكية، الرباط، رقم 12511
  • الحارث المحاسبي، العقل وفهم القرآن، تحقيق حسن القوتلي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1391ه/1971م
  • محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، تحقيق عبد اللطيف الهميم وماهر ياسين الفحل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 2005م
  • محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة: محمد يوسف عدس، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 2010م
  • محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تحقيق خالد عبد اللطيف السبع العلمي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 3، 1418ه/1998م
  • مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، اختصار محمد بن الموصلي، دار ابن حزم، بيروت، ط 1، 1425ه/2004م
  • محمد عابد الجابري، من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية، مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ط1، 1977م
  • أبو نصر الفارابي، نصوص منتزعة، تحقيق فوزي متري نجار، دار المشرق، بيروت، ط 2، 1993م
  • سعيد النورسي، كليات رسائل النور، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة شوزلر للنشر، القاهرة، ط 4، 2004م
  • عبد الرحمن طه، سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط 1، 2000م
  • العز بن عبد السلام، شجرة المعارف والأحوال وصالح الأوقال والأعمال، تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1424ه/2003م
  • Goethe, Johannes Wolfgang. Goethes sämmtliche Werke, F. W. Thomas, 1856